أحمدُ بنُ مَهدِي آل نَصْر الله
شَاعرٌ فَذٌّ لمْ يُسَلَّطْ عَليهِ الضَوء([1])
ميثم منصور الخنيزي - 1 / 3 / 2011م - 9:53 ص - العدد (22)

الحمدُ للهِ ربِّ العالميَنَ حمداً كثيراً دائماً بدوامه لا انقطاع له ولا أمد، وصلى الله على سفن النجاة محمدٍ وآله الطاهرينَ المنتجبينَ وأصحابه الميامين، ربِّ اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني..

وبعد..

فمن السهل أن يكمل الباحث مسيرة غيره، ولكن من الصعوبة بمكان أن يقوم الإنسان بعمل جديد لم تكشف عنه أيدي الباحثين قبله، وعلى الرغم من نيل شعراء العراق والشام ومصر شهرة لدى النقاد فإن هنالك من شعراء البلدان من لم يحظَ بعناية النقاد طوال سنين مضت، وحان الوقت لتسليط الضوء على بلاد ضم ترابها رفات كثير من الشعراء والأدباء، ولم ينل أحد منهم شهرة تليق بمثله، تلك هي بلاد البحرين التي تضم ثلاث مدن رئيسة هي القطيف والأحساء وجزيرة أوال (دولة البحرين حالياً).

وتعد أرض البحرين واحدة من أبرز مراكز الأدب في الجزيرة العربية في العصور السابقة، فقد كانت تنعقد فيها أسواق أدبية في كل عام، كسوق هجر ودارين والمشقر وغيرها، فتتبارى الشعراء هناك في نظم القصائد مما حقق ظهورَ عددٍ من الشعراء الكبار في المنطقة، وبروز شعرهم على ساحة النقد الأدبي كما يظهر من قول محمد بن سلام: "في البحرين شعر كثير جيد" [2] .

والحديث عن تراث المنطقة الأدبي خلال القرون الخمسة أو الستة الأولى حديثٌ تشترك فيه قبائل عبد القيس التي سكنت بلاد البحرين[3] ، فقد كان لبيئة المنطقة دورها الفعال في نبوغها، ولم تكن كذلك قبل مجيئها كما يظهر من قول الجاحظ إن: "شأن عبد القيس عجبٌ وذلك أنهم بعد محاربة أياد تفرقوا فرقتين؛ ففرقة وقعت بعمان وشقِّ عمان، وهم خطباء العرب، وفرقة وقعت إلى البحرين وشقِّ البحرين، وهم من أشعر قَبيلٍ في العرب، ولم يكونوا كذلك حين كانوا في سُرَّة البادية وفي معدن الفصاحة وهذا عَجَب" [4] .

ومن أهم شعراء عبد القيس: المثقب العبدي والممزق العبدي والصلتان العبدي، ومن خطبائها صعصعة بن صوحان العبدي وأخوه زيد بن صوحان [5] .

وبحكم الموقع الجغرافي المتميز، وتمازج أهل المنطقة وانفتاحهم على الشعوب الأخرى للاستفادة من حضاراتها وثقافاتها، بقي الأدب والشعر متصلاً عبر القرون الماضية، ففي القرن الخامس الهجري برز مهذب الدين القطيفي الملقب بأسير الهوى، والشاعر أحمد بن منصور القطان (ت:480هـ)[6] ، وجاء بعد ذلك علي بن المقرب العيوني(ت:630هـ)[7] .

وقد استمرت حركة الأدب في نمو وامتداد، ففي نهاية الألف الهجري برز الشيخ جعفر الخطي أبو البحر (ت:1028هـ)[8] ، وزخرت بلاد الخط في القرون الثلاثة الأخير بعدد كبير من الشعراء كـفرجٍ المادح الخطي (ت:1135هـ) ويوسفَ أبي ذيب (ت:1200هـ) وعلي بنِ حبيب التاروتي (ت:1250هـ) والشيخِ عبدِ الله المشهدي (ت:1255هـ) وعبد العزيز الجشي (ت:1270هـ) والشيخ حسن الصفواني (ت:1271هـ) وأحمد بن مهدي آل نصر الله (1306هـ/1889م)[9] ، وبعد ذلك برز كثير من الشعراء والأدباء انطلقت على أيديهم حركة التجديد الشعري في المنطقة.

وعلى كل باحث عن جديد تتبع القديم ومعرفته واستيعابه كي يتجنب الوقوع في ما يعتقد أنه جديد ولإضافة ما يتوصل إلى الكشف عنه و "ليس من شك في أن الجديد في الفن لا ينبت فجأة دون مؤثرات أو جذور ومقدمات، كما أن هذا الجديد يقتضي بالضرورة وجود القديم" [10] .

ومن هذا نعرف صحة قولهم إن: الجديد كل الجدة رديء كل الرداءة إذ "لا يستغني الشاعر في كل زمان وكل مكان عن ثقافة فنية تصقل الموهبة وتعين على التجديد" [11] .

وفيما بين أيدينا من مؤلفات علماء وأدباء المنطقة ثروة علمية كبيرة جداً في الميادين المختلفة، مع أن كثيراً من الكتب قد أتلفتها البيئةُ والحرصُ وبخلُ من هي بحوزتهم بها، ظناً منهم أنهم يحسنون صنعا، مع أنهم يضنون بما ليس من حقهم الضنُّ به، ومن ذا نعرف أن الإسهام الثقافي والأدبي في بلاد البحرين لم ينشأ من فراغ وإنما قام على دعامة وطيدة ثابتة[12] .

وكان أكثر شعر البحرين في القرن التاسع عشر الميلادي في الغرض الديني ومديح النبي وأهل بيته ورثائهم، وكان تقليدياً ولكنه ينبع عن عاطفة غزيرة يحملها أولئك الشعراء، فلذلك كان الصدق مزية مهمة من سماته، وعلى الرغم من أن كثيراً منه لم يكن يختلف كثيراً عن النمط المتداول في تلك الحقبة إلا أن هناك نماذج كثيرة تستحق العناية والاهتمام، ومما لا شك فيه أن تلك العصور لم تكن تعرف التجديد بقدر ما هي عليه من المحاكاة والتقليد.

ويمكن أن يرجع اهتمامهم بتلك الأغراض إلى الرغبة الملحَّةِ في رفع عنائهم الذي عاشوا فيه تحت ظل صعوباتٍ اجتاحت ساحل الخليج في العهد العثماني، فمرَّ بأزمات شاقة في مراحل حياته في القرن التاسع عشر الميلادي "وقد كانت هذه الأزمات تؤثر أبعد الأثر في حياة الفرد" [13] .

وتتلخص مزيات شعر بلاد البحرين في ذلك العصر، بفخامة المطلع، وغالباً يحتوي على صيغ إنشائية كالأمر والنهي والاستفهام وغيرها، وركز الشعراء على الإيقاع اللفظي الذي يناسب مجالس الإنشاد والرثاء، ويظهر هذا من اهتمامهم بالبديع بشتى أنواعه، فكان الشاعر يتكلف السجعة، ويحاول جهده أن يضفي على شعره رونقاً جمالياً،ويرغب في محاكاة الشعراء الكبار إذ "كان الشعر في هذه الفترة يتلفت إلى الماضي في بعض المواطن فيحاول الشاعر أن يأخذ بأساليب القدماء، ولكنه لا يستطيع أن يزاحم الصف ليأخذ مكانه" [14] .

كما أقحموا الحجج والبراهين، واصطنعوا الحكم والأمثال فكان شعرهم أشبه بالخطب والوصايا، ممزوجاً بالصبغة الدينية، مع شيء من الانتقاد الاجتماعي إذ إن الشعراء بين السخط الكامل والرضا المفرط بالأوضاع السياسية[15] .

ويمكن أن يعد أدب الخط في ذلك العصر امتداداً للأدب العراقي لقربه وتأثيره المباشر على أدباء المنطقة من خلال الدين والثقافة الواحدة.

وبقي الأدب المصري والشامي بعيداً عن متناول أدباء المنطقة في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين؛ لقلة الاحتكاك وندرة المطبوعات والمنشورات وعدم وصول الصحافة إلى البلاد، وهي من أهم وسائل المعرفة بشتى أنواعها[16] .

وعلى الرغم من أن الحركة الأدبية في بلاد البحرين لم تأخذ مكانها في الأوساط العربية إلا في مطلع الأربعينات من القرن العشرين الميلادي، عندما بدأت مسيرة التجديد بعد انفتاح شعرائها على شعراء النهضة الحديثة كشوقي وحافظ وشعراء المهجر وغيرهم، وبعد اطلاعهم على مدارسهم الأدبية والنقدية في نـزعاتها الواقعية والرومانسية والرمزية[17] ، غير أن هنالك شعراء كبار لم يسلط عليهم الضوء ارتقوا بشعرهم إلى أفق أدبي متميز، وإذا كانت الحركة الأدبية في بدايتها تقليداً فإنها ما لبثت أن تطورت لتصبح مثيلاً.

وفي هذه الأوراق أعرض جانباً من حياة شاعرٍ فذٍ حاز شهرة واسعة في عصره على الصعيد السياسي، ولكن شعره بقي تحت ستر الزمن قرناً كاملاً، ذلك الشاعر هو أحمد بن مهدي آل نصر الله ذلك الشاعر الفارس الذي يعيد إلى دنيا الأدب صورة واضحة لعلي ابن المقرب العيوني تلك الشخصية الرافضة الثائرة "فأخذ على عاتقه تصحيح ما فسد من أوضاع مجتمعه فوقف منه من أول الأمر موقف الناقد الناصح الشفيق صريحاً فيما ينتقد، مبيناً الأخطار المحدقة بوطنه وقومه، وهو لا ينفك يكرر في ثنايا نقده مبادئ الحياة الصحيحة التي يجب أن يتبعها كل من يريد إزالة الظلم" [18] .

ولد ابن مهدي في القطيف في حدود سنة 1250هـ/1834م، ونشأ في كنف والده مهدي بن نصر الله، الذي كان زعيماً للقطيف والمقدم فيها وحاكماً على المنطقة، ففتح عينه على حياة مملوءة بالزعامة[19] .

وقد رباه والده تربية أدبية دينية، فتعلم القرآن وعلوم اللغة من نحو وصرف وغيرها، كما علمه الفروسية، وربى عنده ملكة الشجاعة، فشب شاعرنا ابن مهدي فارساً قوياً تخشاه الأعداء ويرهبه الأعراب والبداة الذين كانوا يغيرون على المنطقة بين الحين والآخر، و شارك في الحروب بسيفه، وهو الذي يقول  -من الطويل-[20] :

بها (يَبدأ الذكرُ الجميلُ وَيُخْتَمُ)

وَمَا كُنتُ أهوى العيشَ إلاّ إلى علاً

وقد بقي من تركته بعض لباس حربه عند ورثته وأهله[21] .

ويبدو من تاريخ الشاعر مدى تضحيته لأجل القطيف ودفاعه عنها وعن أهلها، وتحمل العناء من أجلهم، فلم يعرف الهدوء والاستقرار إلا يسيراً، وربما كانت السنوات بين 1280ـ 1285هـ أفضل السنوات التي عاشها، وفيها قال كثيراً من شعره الرقيق الذي يوحي بارتياحه موازنة بالسنين السابقة واللاحقة كما كشفت عنه بعض الإشارات والتصريحات في شعره، وفي تلك الحقبة جارى العلويات السبع والمعلقات السبع وقال معظم قصائد رثاء الإمام الحسين وكثيراً من شعره الغزلي، كما أُثْبِتَ في ديوان شعره[22] ، ويعزى هذا الارتياح إلى استقرار الحالة السياسية إلى حدٍ ما في المنطقة.

وكان رئيساً حازماً عادلاً، حاز رضا شعبه فأحبهم وأحبوه ولم يرفضوه رغم تبدل العهود السياسية في المنطقة، ففي الدور السعودي الثاني كان رئيس القطيف وزعيمها وفي حكم العثمانيين كان قائمَ مقامِها، وبعد تركه للعمل الرسمي عاش زعيماً قوياً فيها مدعوماً بحب الناس ورضاهم عنه، يملي على من حل محله في منصبه ولا يملي أحد منهم عليه.

وعُرِفَ الشاعرُ بالتواضع، والصبر وعلو الهمة وكان يهدف إلى الإصلاح في مجتمعه، ومن جانب آخر كان متديناً ورعاً تقياً ذا علاقة خاصة بربه تكشف عن ذلك قصائده الكثيرة التي قالها في الأغراض الدينية [23] .

ابتدأ ابن مهدي مشواره السياسي في حياة أبيه الذي كان يصحبه في مهامه الرسمية إلى الرياض في عهد فيصل بن تركي، وفي بعض الأحيان يوفده بمفرده اعتماداً عليه خصوصاً في آخر حياته، ونشأت في تلك المدة علاقة خاصة بين الشاعر وعبد الله بن فيصل أيام كان وليَّ عهدِ أبيه، إذ كان خلف فيصل بن تركي الرسمي، وقد سلَّمَ والده إليه الأمور قبل وفاته حينما كان مصاباً بالشلل وفاقداً للبصر[24] .

وما أن توفي فيصل بن تركي حتى ثارت الفتنة بين أبنائه، فلم يحز عبد الله رضا أخيه سعود الذي بدأ ثورته عليه عام 1283هـ/1866م، وتغلب عبد الله على أخيه في أول الأمر، وحصلت بينهما معارك سقطت فيها الرجال[25] .

 وقد تألم أحمد بن مهدي كثيراً من جراء هذا الصراع الذي ذهبت ضحيته شخصياتٌ مهمةٌ، وقد أنكر على بعض القبائل مشاركتهم فيه فقال ـ من الوافر ـ [26] :

دَعْ الأقدارَ تَفعلُ مَا تَرومُ

فَقَدْ خَفَقَ المعلَّلُ والسليمُ

لحى اللهُ الهواجرَ كَم أباحوا

حِمَىً مَا يستباحُ لَهُ حَريمُ

وَقالوا لا مَساسَ وَقَد تَداعتْ

رِعانُ الفَضْلِ والشَرَفُ القديمُ[27] 

وعاش أحمد بن مهدي زمناً عصيباً أثناء الصراع بين الأخوين، وفضلاً عن ذلك فقد تحتم عليه أن يصد غزوات البدو المتكررة على القطيف لغرض السطو والنهب.

وكشفت الوثائق عن محاولة الإنجليز فرض سيطرتهم على المنطقة من خلال استغلال الصراع بين أبناء فيصل، وأرسلت حامية إلى رأس تنورة، وركزت على سواحلها العلمَ البريطاني سنة 1282هـ، فأرسل ابن مهدي فرقةً من جنوده أزالت العلم وأبقى جماعة من المرابطين هناك، وظلَّ يدافع عن المنطقة ويرد كيد أعدائه عنها ويحميها من أطماعهم.

ولما تغلب سعود على أخيه عبد الله أيقن ابن مهدي أنه سوف يصل إليه، وكان عنده رئاسة بيت المال وهي المنصب الحساس والمهم في ذلك الوقت، و أدرك أن سعوداً أصبح سيد الموقف وإصراره على دعم عبد الله بن فيصل قد يؤدي إلى مخاطرَ على بلاده، فرأى أن الأصلح والأسلم للقطيف أن يسلِّم الأمر إلى سعود كي تسلم بلاده وشعبه، كما قام بتسليم بعض الأموال إلى سعود بن فيصل، ومما شجعه على ذلك أن عبد الله كان متعصباً في فكره بعكس أخيه سعود الذي كان يميل إلى الاعتدال[28] .

وقد تم الصلح مع سعود الذي أبدى أول الأمر حسن النية للبلاد، غير أن خلافات نشبت بينهما دفعت سعوداً إلى استدراج ابن مهدي إلى الرياض، ولما أن حانت الفرصة المناسبة اعتقله وصادر أمواله وسجنه في الرياض وبيت أمر قتله، وأشارت التقارير البريطانية في: 2 و7 محرم سنة 1288هـ /24و29 مارس 1871م، إلى أن الأموال التي أصابها سعود في قلعتي الأحساء والقطيف قد زادت قوته[29] .

وقد استوعب الشاعر قضية سجنه وسلب أمواله وسفره في كثير من قصائده قصيدة جاء فيها ـ من البسيط ـ[30] :

كم خطةٍ أوردتني مَورداً حرجاً

لم يلقَ هوناً لنفسي عندها رجلُ

وكم جليلٍ من الأحداثِ مُطلعٍ

على النفوسِ تَوالت عندَهُ العللُ

……………………………

……………………………

نَهْبَاً وسَبياً وإزعاجاً ومَسْخرةً

رأيَ العيونِ وسِجنٌ ما لَه وَأَلُ[31] 

وخطةٍ أوجَبَتْ تَعريضَ مَهلكةٍ

كالقتلِ وَهناً وَجنحُ الليلِ مُنْسَدِلُ

ولم تطل مدة بقاء أحمد بن مهدي في سجن الرياض؛ لأن علاقته مع عموم الأسرة السعودية كانت طيبةَ أيام كان يأتي إلى الرياض بصحبة والده أو بمفرده، وكان يهدي إليهم الهدايا، فتدخل بعض أفرادها لإطلاقه، فأطلق سراحه على أن لا يرجع إلى القطيف ويستقر في الأحساء، وأُرسل معه من يحرسه إليها، وفي الطريق أحس من حارسه الغدرَ ونيةَ القتل فهرب ليلاً، وتوجه إلى قطر وقد كان عارفاً بالطرق بواسطة النجوم[32] .

وقيل إنه قتل من كان موكلاً بقتله في الطريق، وكان معهم دليل أمره أن يسير به إلى قطر، فوصل إليها ومنها توجه إلى البحرين ثم إلى بوشهر للقاء القنصل العثماني[33] .

وهناك حاول الاستنجاد ببعض أصدقائه، فلم يعنه أحد وهو الأمر الذي ترك في شعره أثراً واضحاً من خلال شكواه المستمرة من قلة الأصحاب، كقوله ـ من الطويل ـ[34] :

وممّا شجاني أنني غيرُ خالصٍ

نجياً و لا مستوثِقاً بالأصاحبِ

فكتب إلى صديقه ناصر باشا السعدون شيخ قبائل المنتفق[35]  رسالة بالأمر فأرسل إليه أن اقدم إلى البصرة، ولما وصل كتابُ ناصر إليه قال -من البسيط-[36] :

وافى كتابُكَ مختوماً فَقُمْتُ لَهُ

قبلَ القراءةِ إجلالاً وَ تَعظيما

كَأنَّهُ لم يَكن إلا القميصُ أتى

يعقوبَ فارتدَّ بالأرواحِ مَوسُوما

وهجا في هذه القصيدة مدينة بوشهر لتخلي أهلها وأصدقائِهِ الذين عرفهم عن نصره، وسافر منها إلى البصرة، واستنجد بالأتراك، الذين جاءتهم قبل ذلك صيحاتُ الاستغاثة مِن عبد الله بن فيصل لإعانته على استرجاع حكمه من أخيه سعود، فكان مجيء أحمد بن مهدي باعثاً لهم على سرعةِ التوجه وإرسال القوات العسكرية إلى المنطقة[37] .

وتشير بعض المعلومات إلىأن أحمد بن مهدي كاتبَ والي بغدادَ مدحت باشا[38]  سراً وأغراه بتسيير حملة إلى القطيف والأحساء، ولما أن سافر ابن مهدي إلى البصرة تشجع مدحت باشا على تنفيذ المهمة، مع وجود دوافع أخرى لتسيير الحملة[39] .

وقد وقعت بعد مجيء الحملة إلى المنطقة أحداث كثيرة أرخ الشاعر كثيراً منها في قصائده كقوله في قصيدة يصف ما صنعه ناصر باشا السعدون بالمتمردين على العثمانيين في منطقة الأحساء ـ من البسيط ـ[40] :

سَلْ عَنهُ أهل الشقا كيفَ استَزَلَّهُمُ

بالبأسِ والحربِ بَحْرَاً زاخراً بِدَمِ

يومٌ بهِ سَارَ في قَومٍ جحاجحةٍ

شوسٍ من الشوسِ لا يَخْشَون مَن بَرَمِ[41] 

……………………………

……………………………

يقودُهُمْ للمنايا أصيدٌ شَرِسٌ

ماضٍ على الهولِ طلاّعٌ على النِقَمِ

يَرمي بهم كلَّ هَولٍ ليسَ يَرْكبُهُ

ليثُ الضراغم مأتياً مِنَ النَهمِ

وبقيت الظروف السياسية في المنطقة مضطربة، ولم تستقر تماماً إلا بعد تعيين أحمد بن مهدي قائم مقام للقطيف سنة1292 هـ واستمر في منصبه إلى 1296هـ.

وقد صدرت إرادة سلطانية برقم 50635 في 19 جمادى الثانية 1293هـ بمنح أحمد بن مهدي بن آل نصر الله نيشاناً مجيدياً تكريماً له للمساعدة التي قدمها للجنود العثمانيين في المنطقة[42] ، وقد حوت بعضُ القصائد التي مدح بها ناصر باشا ما يدل على ذلك كقوله ـ من الوافرـ[43] :

وَأنتَ مَنحتني دونَ البرايا

عَلامةَ مَفخرٍ فيها الِحجاءُ

بذي الشأنِ المجيديِّ المعلَّىَ

فعارُ عيونِ أعداءِ القَذاءُ

وما سبَّبْتُ مِنْ سَبَبٍ سِوى ما

عَطفْتَ بِهِ فَمِنَّتُكَ ابْتِداءُ

وكان أحمد بن مهدي الوحيدَ من أهالي المنطقة في تاريخ الوجود العثماني في لواء الأحساء عامة وفي قضاء القطيف خاصة الذي يعهد إليه بمنصب إداري قيادي بارز، فرضته ظروف الدولة وصعوبة حكم المنطقة في الحقبة التي شغل فيها منصب قائم مقام القطيف[44] .

ويعزى اختيار الشاعر لهذا المنصب إلى أن الدولة العثمانية أدركت أن الأصلح سحب قواتها من المنطقة و تعيين قائم مقامٍ من أهالي المنطقة أنفسهم المتنفذين المعروفين بالولاء للدولة العثمانية؛ للتقليل من النفقات ولتحقيق الهدوء والاستقرار فيها[45] .

وقد منح أحمد بن مهدي بعد ذلك رتبةَ (باشا) بناء على طلبه من السلطان عبد الحميد ويدل على ذلك قوله ـ من البسيط ـ[46] :

فَهَلْ تُغِيثونَ مَولىً مِن عَبِيدِكُمُ

أودَتْ بِهِ كَلماتُ الغَيِّ وَالخَطَلِ

فَكادَ لولا رجاءٌ مِن سَمَاحتِكُمْ

يَغتالهُ الموتُ بيَن الرَيْثِ وَالعَجَلِ

وَاستنقذوهُ وَإلاَّ فَهْوَ مُرتَبِكٌ

ضَاقتْ عَليهِ فجاجُ السَهلِ والجَبَلِ

بِرُتْبَةٍ في المعالي مِنْ نَوالِكُمُ

تَرمي المعادينَ والحُسادَ بالعِلَلِ

ولم يكن ابن مهدي متكبراً بسلطته وزعامته بل كان متواضعاً وكثير من الناس لم يكونوا على دراية كافية بموقعه السياسي.

ويبدو من النماذج الشعرية أن ابن مهدي كان يؤرخ الأحداث التي عاشها، فلم يكن شعره منفصلاً عن شخصيته، ولا يعرف التاريخ المحدد الذي ابتدأ فيه قول الشعر، ولكن المطمأن به أنه ابتدأ قول الشعر المكتمل وهو في سن مبكرة، أيام كانت تعقد النوادي الدينية والأدبية بين العلماء والشعراء في مجالسهم التي اشتهرت في بلاد البحرين بنحو عام، وارتبط ابن مهدي بعددٍ من شعراء عصره، إذ إنهم كانوا يجلسون في مجالس أدبية ودينية يتناولون فيها مسائل الدين والتاريخ والأدب واللغة والنحو وأشعار العرب.

ولم يكن معجباً بأحدٍ من شعراء عصره، وكان مقتنعاً تماماً بعدم أهلية شعرهم للاتباع، إذ إنه لم يجد فيه الأصالة وهو القائل ـ من الطويل ـ [47] :

فَدَعْ يا ابن ودِّي مَا الأضاليلَ خَلفنا

أحاديثَ عَميا جئنَ في الزمنِ العَمِي

وكان يرى الشعر أقل مروءته وهو أسمى من قول الشعر، ولم يكن يتكسب به كما يصنع غيره من الشعراء، وإنما كان يتخذه وسيلة لأغراض سامية لتحقيق مصالح لبلده[48] ، ويدل عليه قوله ـ من الطويلـ[49] :

وَلَمْ أتَّخِذْ هذا القريظَ خَليقةً

وَلكنَّهُ أسبابُ ما أنا أَرْتمِي

وعلى الرغم من ذلك كان يهتم بنظمِ الشعرِ وربما يرتجله ارتجالاً، ومن ولعه به أنه كان إذا عرضت له خاطرة ولم يجد لديه ورقاً كتبها على حيطان منـزله[50] .

وللشاعر شعر كثير، وقد جُمِعَ بعضُهُ في ديوانٍ كبيرٍ قد قسَّمه جامعُه إلى أربعة أجزاء ضخمة، الأول والثاني منها في الأغراض الدينية والثالث والرابع في أغراضه المختلفة من المديح والهجاء والغزل وغيرها، وبلغ مجموع أبيات الديوان 12600 بيتاً في 214 قصيدة ومقطوعة، واستعمل فيها معظم الأبحر الشعرية، ويمثل الجدول الآتي قائمة للأوزان التي استعملها في قصائده ومقطوعاته مرتبة تنازلياً:

 1ـ الطويل: 76                      6ـ الرمل: 5
 
2ـ البسيط: 56                       7ـ المتقارب: 4
 
3ـ الكامل: 44                        8ـ السريع: 3
 
4ـ الوافر: 14                         9ـ المديد: 1
 
5ـ الخفيف: 10                        10ـ الرجز: 1


 وعلى الرغم من أن ابن مهدي أوصى بكتابة ديوانه اهتماماً منه بشعره، فإنه تأخر اثنتين وعشرين سنة بعد وفاته، وهي كفيلة بضياع قسمٍ كبير من أشعاره.

وإلى وصية الشاعر بالديوان يشير بعض النقاد بقوله: "ولكن هذا الرجل الرشيد أحسن بهذه الوصية لنفسه إذ أبقى ذكراً حياً يتجاوب مع كل حركة أدبية وجعل من ذلك لبنة في هيكل الأدب القطيفي" [51] .

وقد برع ابن مهدي في الأغراض الشعرية على ميزان ابن رشيق الذي يرى ضرورة أن يكون الشاعر بارعاً في جميع الأغراض، ولا ينحصر في بعضها دون بعض قال: "يجب للشاعر أن يكون متصرفاً في أنواع الشعر من جد وهزل وحلو وجزل وأن لا يكون في النسيب أبرع منه في الرثاء ولا في المديح أنفذ منه في الهجاء..فإنه متى كان كذلك حكم له بالتقدم وحاز قصب السبق" [52] .

وقد تميز شعره بالصدق العاطفي، وقد تجلى ذلك في جميع أغراضه، ومن ذلك قصيدته في مديح النبي التي بدأها بمقدمة غزلية وافتتحها بقوله ـ من الرمل ـ[53] :

مَن لِقلبٍ شَفَّه الشوقُ الملِحُّ

وَلِعينٍ بالدمِ القاني تَسُحُّ

ولأضلاعِ جَوَىً ثَقَّفَهَا

لِوَمِيضِ البرقِ بالجَرْعاءِ لَمْحُ

أحرَقَتْ نارُ التصابي كَبدِي

فَجَرَتْ دَمْعَاً فُوَيْقَ الأرضِ يَسْحو

وأبان الحبُّ صبري فمضى

حقباً لا يتأتى منهُ نجحُ

أرعج الركبُ اليمانونَ وما

قُضِيَت حاجاتُ مَن أدناهُ صفحُ

وقد أطال الشاعر في المقدمة على عادته في معظم مقدمات قصائده، وركز على إحساسه وعاطفته وشدة شوقه للقاء حبيبته الذي يمتزج عادة بجريان الدموع، وقد وصلت الصبابة به إلى درجة احتراق كبده بها وكأنها نار حقيقية وصلت إلى أحشائه، واستخرجتها وجعلتها تسيل على الأرض، وهو بذلك يثير انفعالات السامع ومشاعره ليتهيَّأ لسماع غرض القصيدة، وبعدها انتقل إلى مديح النبي الأكرم ، واستضاء فيها الصفات العربية التي تحلى بها الرسول مما كان مظهراً من مظاهر صدقه في رسالته الربانية التي بعث بها كنبل أخلاقه وكرمه فمن ذلك قوله ـ من الرمل ـ[54] :

إنَّ خَيْرَ القولِ مَا قالَ امرؤٌ

في مديحِ المصطفى ما كانَ مدحُ

أكرمُ الخلقِ وأنداهم يداً

كلَّما أعوزَهم فَضلٌ ومَنْحُ

وبما أن الرسول أفضل شخصية عرفها الكون، وهو الذي ساد جميع البشر فقد حاول الشاعر أن يبين تحليه بالصفات التي تنظر إليها العرب نظرة إكبار، ولما كانت تلك الصفات العربية مما اشتهرت على لسان القاصي والداني، وغدت مألوفة في مديح الشعراء للرسول فلم يحاول الشاعر الإطالة فيها، بل اهتم بما يمثل نقطة خلافٍ بينه وبين مخالفيه في الرأي.

وقد وظف الشاعر ثقافته الفلسفية في مديح النبي ممتزجة بعاطفته الغزيرة، فقد ذكر صفات الكمال النبوية من خلال المعاني الفلسفية التي أخذت مكانها في الشعر العربي لا سيما عند الشعراء الذين نمت عندهم سبل المعرفة فقال ـ من الرمل ـ[55] :

قَد حباهم مبدأُ الفيضِ وَمَا

كانَ لولا جُودُه في البدءِ رَشْحُ

فَهو الغايةُ في إيجادِهم

لو بدا صبحٌ ووالى الصبحَ صبحُ

وهو نورٌ مشرقٌ مِن صُبحِ مَن

بَدأ الأشياءَ لا يغشاهُ جنحُ

فمبدأ الفيض ورشحاته وغاية إيجاد الأشياء ووجودها وابتدائها كلها ألفاظ لمعانٍ فلسفية تجسد عاطفةَ الشاعر وإحساسه ممزوجة بفكره وعقيدته الخاصة، فوجود الرسول كان سبباً لإفاضة الوجود على سائر الخلق فهو مبدأ الفيض الإلهي[56] ، وقد وظفها لإبراز معتقده في منـزلة النبي الأكرم من هذا الوجود.

وتمثل هذه الأبيات ثقافة واسعة كان يمتلكها ابن مهدي من خلال ما تضمنته من المعاني؛ لأن الشعر لا يخاطب العقل فحسب، وإنما يخاطب الشعور قبل كلِّ شيء، فهذا النمط من المديح يفصح عن ذكاء وعقل كبير، فالشاعر لا يقف بفنه عند حدٍّ معين من نمط الأداء بل يحاول أن يلتمس أنماطاً أخرى.

 وبما أن القرآن الكريم هو المصدر الحقيقي الذي لا يقبل الشك، فقد سلط ابن مهدي الضوء على صفات الرسول وفضائله والأحداث التي مر بها بما ورد في الكتاب العزيز محاولاً الكشف عن جزئيات الصفات والأحداث بما يناسب رؤيته الخاصة التي استفادها من كتب التفسير القرآني كقوله ـ من الرمل ـ[57] :

وَرقَى السَبعَ السماواتِ وما

فوقَها من حُجُبٍ فالعرشُ سَطحُ

وحباهُ نـزلةً أخرى بها

قد رآهُ وبها القولُ الأصحُّ

مذْ غَشَى السدرةَ ما يغشى وما

كذبَ الرائي وما للعينِ لمَحُ

وفي الأبيات إشارة إلى حادثة الإسراء والمعراج التي نـزل بها القرآن الكريم[58] ، ومدح النبي بمنـزلته التي أنـزله الله فيها، وأشار في البيت الأخير إلى عقيدته الصحيحة في الرؤية؛ لأنه تعالى لا يرى بالعيون وإنما تراه القلوب بحقائق الإيمان[59] .

وتظهر غاية الشاعر من قصيدته في النهاية فكثيراً ما أخذت حاجة الشاعر مساحة واسعة من قصيدة المديح، فيتفرغ لخطاب النبي وطلبِ حاجتِهِ منه، ويعرض عليه أمله في تخليصه من محنه وآلامه التي نالها بسبب اعتقاده فيه وفي أهل بيته فقال ـ من الرمل ـ[60] :

يَا رَسُولَ اللهِ كمْ لي أمَلٌ

فيكَ والظن عَنِ الآثام صَفْحُ

ورجاءٌ يقتفيهِ مَطمَعٌ

صادقُ الوعدِ غداً سوف يَصِحُّ

هَلْ لما قلتُ قبولٌ فأرى

إنَّني فزتُ بما لي فيهِ فَتْحُ

وقفَ العبدُ ببابِ المرتجى

ووشيكٌ للذي يَقْرَعُ فَتْحُ

يَا مَلاذَ الخلقِ في يوم الجَزا

وغياثَ الخلقِ ما أعوزَ نُجْحُ

أحمدٌ أدنى مواليكَ لهُ

فيكَ آمالٌ بها الدهرَ يُلِحُّ

وتميز مديحه بالطول، فله في مديح أمير المؤمنين علي بعض القصائد التي بلغت أكثر من مائتين وخمسين بيتاً[61] ، وعلى الرغم من طولها فإن انفعاله وعاطفته لم تضعف حتى نهايتها لأن الشاعر شغف بمحبة الإمام علي وأهل بيته ، وكانت هذه المحبة دافعاً له لمديحهم، فهم السادة الأبرار الذين يستحقون الثناء والتمجيد، وهم ركيزة العقيدة الني يؤمن بها الشاعر، وقد أكد فيها شجاعته التي لم يختلف فيها أحد فهو يذكر في كل قصيدة موقفاً من مشاهده مع الرسول الأكرم حيث قام بنصر الدين وإعلاء كلمة التوحيد، فمن ذلك قوله:ـ من الطويل ـ[62] :

فتلك ولا يومٌ كأحْدٍ ودونَه

من النقعِ ليلٌ بالعجاجةِ كافرُ[63] 

غشاهُ طليقَ الوجه والأسدُ دونه

عوابسُ من قرعِ المنايا كَواشِرُ

فوفّى ذمام المصطفى بعدما ارتمى

ودارت مِنَ الأعدا عليهِ الدوائرُ

فذكر موقفه في غزوة أحد حيث انهزم الجمع ولم يبق مع النبي الأكرم غير عدد قليل من أصحابه على رأسهم الإمام علي ، وهتف جبريل بقوله: "لا سيف إلا ذو الفَقار ولا فتى إلا علي" [64] ، وكشف عن ثباته وصلابته بطلاقة الوجه التي تحلى بها في حين عبست وجوه الآخرين خوفاً من الموت.

ويلتفت الشاعر إلى موقف آخر من مواقف شجاعته يوم الخندق الذي بلغت فيه قلوب المسلمين الحناجر واشتد الهلع والخوف فيهم، وفي هذا الموقف تظهر شجاعة الإمام علي حينما برز لعمرو بن ود العامري وصرعه، والشاعر لا يريد تصوير شجاعته فحسب وإنما يريد أيضاً أن يبرهن على أن هذا الموقف من مواقف البطولة التي أرست دعائم الإسلام فقال -من البسيط-[65] :

ثم استقل إلى عمروٍ بغاشيةٍ

يَصْفَرُّ منها بنانُ الغادةِ الخَضُدُ[66] 

أضحى بِطَيبةَ يرمي كلَّ فاقِرةٍ

وَيستطيلُ فَمَا يدنو لَهُ أحدُ

حتى دَعا المصطفى والقومُ في خَورٍ

عن دعوةِ اللهِ فيما المصطفى يَعِدُ

جلا لَهُ بأسَ طلاَّعٍ بغُرَّتِهِ

على المنايا وقلبُ النِكْسِ يُرتعدُ[67] 

دعاهُ من قال دَعْ ما أنت سائِلُهُ

واسلم بِخُلَّةِ مَن قد شاقَه الرَشَدُ

حتى أتاه وعيدُ اللهِ يقذِفُهُ

له همامٌ بأمرِ اللهِ مُقتصِدُ

أهوى له ضربةً لو حَلَّ أيسرُها

أعلى السِتَارِ لأمسى وهو مُحْتَصَد[68] 

قِيست بِسائرِ أعمالِ الورى فوَفَتْ

رَجْحاً فعادت بها الأعمال تُضْطَهَدُ

كم أَلبسَتْ تاجَ مجدٍ لا انقضاءَ له

ولا نهايةَ تَغشاهُ ولا أمَدُ

وقد فصَّل الشاعر في مجريات أحداث هذه الواقعة وتعامل معها بتركيز، وذكر الموقف الذي جرى بين أمير المؤمنين وعمرو بن ود إذ قال له عمروٌ جبناً: أنا أكره أن أهريق دمك محاولة منه استنقاذ نفسه من الهلاك، فأجابه الإمام علي : لكني والله ما أكره أن أهريق دمك، وقد استقى ذلك من السير التي أثبتت ما ذكره[69] ، متبعاً طريقة السيد الحميري في عرضه لها[70] .

وأراد ابن مهدي بذكر هذه الجزئيات أن يبرهن على صدق ما أجمله من شجاعته، ويبدو من هذا المقطع مدى عنايته بتسجيل ما جاء في كتب السيرة النبوية، فغدت الأبيات تاريخاً واقعياً سبك بإطار فني.

وقد برزت عاطفة الشاعر بوضوح في رثائه الإمام الحسين ، وقد اهتم ابن مهدي بتصوير استشهاده، وبقائه على الأرض ثلاثة أيام، وهي من الأمور التي تهيج مشاعر محبيه وعواطف الشعراء كقوله ـ من الطويل ـ [71] :

فلهفي له لو كانَ يجدِي تَلَهُفِي

على مثلهِ أو كانَ يُغني التحرُّجُ

تريب المحيَّا لا يَرَى الناسُ مثلَه

صَريعاً بِبَوغاءِ الثرَى يَتَبَلَّجُ

فتلهف على منظر الجسد الطاهر الذي بقي على الأرض معرضاً لوطء الخيول، وقد ترب وجهه الشريف، وبدأ بهذه المصيبة لأنها من الأمور المسلمة لدى الجميع ولا يعتريها ريب، وهي من الدواعي إلى ذرف الدموع والشاعر معني بالمتلقي عناية فائقة؛ لأن شعره هذا يقوم على الإنشاد في محافل العزاء.

كما اهتم بأصحابه الذين استشهدوا معه، والشاعر يتنقل إلى رثائهم كلما تحين الفرصة؛ لأنهم أدوا ما عليهم من الحق الواجب تجاه دينهم، وهو يرثيهم بشجاعتهم وتضحيتهم ونصرهم وما جرى عليهم كقوله -من الطويل-[72] :

مَغاويرُ ما طلَّ الكماةُ لهم دَماً

وعندَهُمُ وِتْرُ الكماةِ يُبَهْرَجُ[73] 

على كلِّ موَّارِ الأعنَّةِ هيكلٌ

يشدُّ كما شدَّ الهِزَبْرُ المهَجْهَجُ

………………………

………………………

تجلَّوا فأرْدَوا كلَّ شَهمٍ وَزَارَهُمْ

مِنَ اللهِ أمرٌ محصدُ الحكمِ ينهجُ

فأضْحَوا كأمثالِ الأضاحي تَنُوشُهمْ

على العَفْرِ ذُؤبانُ الفَلا وَتُضَرِّجُ

فوالهفتاهُ كمْ لهُمْ هَامٌ مُقْنَعٍ

سرابيلَ بالأرواحِ تُسدَى وتُنْسَجُ

وَوَجْهٌ يُعيُر الشمسَ غرَّةَ وجهِهِ

فَيُشرِقُ منه العارضُ المتبلِّجُ

تَرِيبَ المحيَّا بالدِما مُتورداً

كأنَّ عليهِ مَجْسداً يَتَأَرَّجُ

ويبدو في هذه اللوحة تمثيل الشاعر الأحداث الجزئية بوصف أجسادهم مطروحة على التراب ورؤوسهم مرفوعة على أسنة الرماح، ولم يكتفِ بالقول إن وجه الشمس يشبه وجه الإمام الحسين وهو معفر بدمائه، وإنما جعلنا نشاركه في الشعور بأنه يمتلك من هذه الصفة ما يفوق وجه الشمس فهو يشرق، وبهذا أعطى لصورته مرونة وأبعد استعارته عن الابتذال، فهو يزيل شعور المتلقي بالملل من الصورة التقريرية في تشبيه الإنسان بالشمس، ولم يكتفِ الشاعر بهذا بل شبه وجهه المخضب بالدم بالثوب المصبوغ بالزعفران فتتوهج منه راحة الطيب، وفي هذا إشارة إلى أن جسد الإمام الحسين حال شهادته كان محل العناية الإلهية التي ما فارقته، فعمد الشاعر إلى هذا التشبيه لكمال عقيدته بأن جمال الكون كله لا يمثل شيئاً من جماله، وهو بذكر التفصيل يهتم بإثارة العاطفة الذي يقرح الفؤاد ويسيل الدموع؛ لأنه معني بذلك في كل قصائد الرثاء تحقيقاً لهدفه وغرضه واهتماماً منه بجانب المتلقي لتحقيق الغاية في الانفعال.

ولابن مهدي تصرف في أوزان الشعر حسبما يطلبه مقام الإلقاء والأنشاد في محافل الرثاء، فقد وظف الشاعر بحرَ الرمل في قصيدة يرثي بها الإمام الحسين وأضاف إليه تفعيلة رابعة[74]  مناسبة للعزاء الحسيني الذي ينشد في المحافل الخاصة التي اهتم بها الشاعر كثيراً، وهي على نمط المسمط القريب من الموشح يقول فيها ـ من الرمل ـ [75] :

بِأبي مَن كانَ سرَّ السرِ في سرِ الوجودْ

عَافِرَ الجسمِ على البوغاءِ بالنَفسِ يَجُودْ

شَاحِباً ملقىً ثلاثاً ما أقلَّتهُ اللحودْ

حَيثُ يَكسُوه على الفَدْفَدِ هَوْجُ السافياتْ

بِابي أيَّ كريمٍ أمكَنتْ مِنهُ اللئامْ

أحرزتْ مَصْرَعَهُ فانحلَّ عقدُ الإنتظامْ

سُهِّدتْ عيُنُ الهدى فِيهِ وَطرفُ البغي نامْ

وَتَداعتْ شُمُّ أطوادِ الفخارِ الراسياتْ

لَبسَ الدهرُ لَه ثوبَ العنا لمَّا قَضَى 

وَعَليهِ عَمَدُ الدينِ الحنيفي قُوِّضا

حَاكمٌ يَقْضِي بِما شَاءَ على صرفِ القَضَا

أصبَحتْ في يَومهِ عمياً عُيونُ المكرُمَاتْ

وهذه الزيادة في مقاطع البحر تعدُّ من ظواهر براعته في توظيف الإيقاع الشعري بما يراه ملائماً لذوقه وعاطفته للوصول إلى تحقيق غرضه، واختياره بحر الرمل لأنه بحر يتدفق رقة وعذوبة يناسب الحزن وموسيقاه ينساب على اللسان[76] ، كما أن اختياره القافية التائية الساكنة كان لأجل أن يوقف سيلاً متواصلاً من الآهات الحركات، فبعد كل ثلاثة أشطر متواصلة بقافية واحدة يفاجئ السامع بالوقوف فجأة ممثلاً صدمة له تهز مشاعره وتنبهه على مصيبة الإمام الحسين ، وهذا الوقوف يناسب غرض الشاعر من القصيدة وهو العزاء الذي يتيح له الانتقال إلى مقطع آخر.

 ومن مظاهر صدق الشاعر في عاطفته أنه لم يكن يرثي أو يعزي أحداً من الناس إلا من كانت تربطه به علاقة حميمة، وقد أثر رحيل أبيه مهدي بن نصر الله في عاطفة الشاعر تأثيراً واضحاً لما كان بينهما من العلاقة الوطيدة التي فاقت العلاقة الطبيعية بين الولد وابنه، وقد أصيب الشاعر بفقده، وظهرت آثار ذلك على مشاعره وظهرت ملامحها في قصيدته الطويلة التي رثاه بها، وقد جاءت هذه القصيدة تجسد مشاعرَ صادقةً متصلةً تصورُ عظم مصاب الشاعر بأبيه.

وقد تطرق الشاعر إلى كثير من الصفات الفاضلة التي فقدت بفقده ورثاه بها، وافتتح قصيدته بقوله ـ من المتقارب ـ[77] :

بأيِّ الثنايا يُصابُ الثَنا

ومِنْ أيِّ بَابٍ يُنالُ العُلا

بِبَذْلِ النَوالِ لأهلِ العَفا

و جَدْعِ الأنوفِ لأَهْلِ الطُغَا

و ضربٍ على الهامِ يُثْوَى لهُ

مِراسُ الهِزَيْرِ إذا ما سَطَى

ويبدو في هذه الأبيات الجو الحزين المطبق، ويشعر المتلقي أن روحه وقلبه وجميع حواسه كانت حاضرة في كل كلمة قالها، فهو كالحائر المدهوش باستفهامه لا يدري ما يصنع من شدة وقع المصاب.

وقد رثاه بالصفات العربية الأصيلة متمثلة في الكرم والشجاعة التي عرف بها، وأخذ في تفصيل تلك الصفات بما يتناسب مع شخصية والده، ويبالغ في وصف أبيه بالشجاعة بِقَسَمِهِ في قوله ـ من المتقارب ـ[78] :

وأُقسِمُ لو لا قَضَى في الفراشِ

و في الحلقِ منهُ كعَظْمِ الشَجَى

لثارتْ لهُ سابحاتُ الجيادِ

سِياقاً إلى دَرَكَاتِ الرَدَى

فمن فرط وثوق الشاعر بمقدرة أبيه وشجاعته يقسم على أنه لو لم يمت لخاض المعارك الكبيرة ولصنع ما يليق بمثله من الأبطال فيها، ولكن الموت حال بينه وبين ذلك.

ويذكر الشاعر ما كان عليه والده من عادات الإحسان والخير المستمر، الذي كان يسديه إلى أهالي المنطقة بقول ـ من المتقارب ـ[79] .

و كمْ عوَّدَ الناسَ مَن عادَةٍ

رأَوا عندَما فَقَدُوها العَنا

نَدىً للعفاةِ إذا أَجدَبُوا

وَعِزٌّ إذا الذُلُّ حَلَّ العَرا[80] 

ويبدو أن الشاعر على اقتناع تام ودراية كافية بواقع حياة أبيه، إذ كان ساعدَه الأيمن في حياته، ولذلك استعمل كم الخبرية لبيان كثرة إحسانه.

ومدحه بأنه معقل الخائفين من أهل بلاده الذين كانوا يستنجدون به لدفع الظلم عنهم وصد هجمات الأعراب المتكررة على المنطقة في قوله ـ من المتقارب ـ [81] :

و هذا أبي مَعْقلُ الخائفينَ

إذا اشتَبَكَتْ حَلَقَاتُ الردَى

فَخَرْنَ الليالي و أيامُها

بِهِ و لَه دَكَّهُنَّ الأَسَى

فكمْ ألبسَ الدهرَ ثوبَ الهوانِ

وآمَنَ مِنْ جَوْرِه المُبْتَلَى

ووظف الشاعر الليالي والأيام لبيان مدى الحزن، الذي خيم على الناس لفقد أبيه، فلم ينحصر الألم بالشاعر وحده بل شاركه جميع أهل بلده لمكانة والده العالية وحب الناس له.

ويصفه بحسن الأخلاق والالتزام الديني الصادق الذي عرف به والد الشاعر بقوله ـ من المتقارب ـ [82] :

يُذَكِّرُنا حُسْنُ أَخْلاقِهِ

مِنَ النائِلِ الغَمْرَ يومَ العَفا[83] 

وصفة الأخلاق الحسنة مما يستحق عليها صاحبها المدح؛ لأنها تمثل التربية الدينية الحقيقية فإن الدين قائم على الأخلاق، وهو يستقي هذا المدح من القرآن الكريم في مدحه للنبي الأكرم بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ[84] .

 وصور الشاعر هول المصيبة ببكاء الأعداء عليه والأصدقاء قوله ـ من المتقارب ـ[85] :

فَلمَّا قَضَى بَيننا نَحْبَهُ

بَكتهُ الأعادِيُ والأصْدِقَا

وهلَّتْ لهُ السُحْبُ حَتى شَرِقنَ

بأَدْمُعِهَا واسْتَحَالَتْ دَمَا[86] 

و ظَلْنَ الغَواني وأَتْرابُها

يُشَقِّقْنَ قَبْلَ الجيوبِ الحَشَا

وهذا الأسلوب يستعمله الشعراء للمبالغة في الأداء فإن بكاء الأصدقاء مألوف على صديقهم وأما بكاء الأعادي فليس مألوفاً فيكشف عن بلوغ المرثي مرتبة جعلت الأعادي يذعنون بفضله ويبكون عليه.

وبما أن ساعة الرحيل وانتقال الجسد إلى مثواه الأخير حالة تأخذ بمشاعر الإنسان فقد صور الشاعر مسير نعش والده إلى لحده بقوله ـ من المتقارب ـ [87] :

نَسيُر بِهِ مَوْكِبَاً مَوْكِبَاً

وَلَهْبُ الأَسَى كلَّ قلبٍ غَشَا

وهذه الساعة مما يخشع لها الإنسان وتتوتر مشاعره وتهتز، لأنها تريه حاله عن قريب وما سوف يؤول إليه بالطريقة نفسها التي يعيشها في لحظات تشييع الجنازة، ويخاطب قبره مستفهماً بقوله ـ من المتقاربـ[88] :

فيا قَبرَه أيُّ فَضْلٍ ثَوَى

بلحدِكَ أم أيُّ بَدرٍ هَوى؟!

ويريد بذلك التوصل إلى وصفه بالجمال الخلقي عن طريق المجاز، ليحقق لشعره جمالاً فنياً يصل به إلى المستوى الذي يرمي إليه.

وعلى الرغم من أن ابن مهدي حاز زعامة واسعة في بلاده فإن تلك الزعامة لم تلهه عن التوجه إلى ربه حتى في شعره، فصاغ انفعالاته وأحاسيسه في قصائد ومقطوعات، من الشعر الديني، وكان صادقاً فيه غير متصنعٍ كما اتهم به غيره من الشعراء [89] ، وقد سلك سبيل التدين والالتزام الحقيقي النابع من عقيدته الإسلامية، وبذلك يهدف إلى تحقيق القيم الأخلاقية والدينية في مجتمعه "فإن أمكن القول بأن هدف الدين هو تنظيم الحياة وأسلوب علاقات الإنسان وإغنائه، فإن هدف الشعر التعبير عن الحياة، وبهذا المعنى فإنه من الممكن أن تكون للشعر مهمة دينية في أن يدفع الإنسان إلى مواقف إيجابية في سبيل عيشه وتنظيم حياته" [90] .

وكان ابن مهدي وثيق الصلة بربه في صلاته وعبادته وفي شعره أيضاً، وقد ناجى ربه وناداه بصوت حزين من شدة ما عاشه من المحن والآلام التي لا ملجأ له فيها غير الباري تعالى، ويتفرغ لذكر صفات الباري التي تليق به ويستغرق فيها بقوله ـ من الخفيف ـ[91] :

أكْرَمُ الأكرَمينَ والصَمَدُ الوا

حدُ ذو الطَوْلِ والعَلا والجَلالِ

غافرُ الذنبِ قابلُ التوبِ فضلاً

مستطيلُ البَهَا شَدِيدُ المِحَالِ[92] 

ماحقُ السيئاتِ أرحمُ مَن يَرْ

حَمُ عَبْداً عَصَى جَمِيلَ الفِعَالِ

فلهُ الحمدُ والثَنَاءُ طَويلاً

كلما جَلجَلت غُيوثُ السِجالِ[93] 

ولهُ الشُكرُ كلما هَبَّ رِيحٌ

أو جرَىَ الماءُ مِنْ رُؤوسِ الجِبَالِ

وفي هذه اللوحة يبدو تأكيدُ الشاعر بيانَ صفات الباري تعالى بصورة فنية، وهو يختار الصفات التي أدت إلى إثارة انفعالاته النفسية الخاصة وتستوعب عاطفته في حال انقطاعه إلى ربه تعالى، لما فيها من المضامين العالية التي لا ينبغي أن يحيد العالم بها عنها، واستقاها من القرآن الكريم الذي علَّمنا كيف ندعو الله تعالى بتلك الأسماء والصفات، ويشعر المتلقي وهو ينظر هذه الأبيات أنه في مقام عالٍ من الأداء المتميز الذي يجعله في مقربة من الشعور والانفعال الذي كان عليه الشاعر في قصيدته.

ومن الأمور التي يحبها الله تعالى من عبيده الاعتراف له بالذنب والاستغفار والرجوع إليه مما بدر منهم في معصية أوامره وارتكاب نواهيه، وقد صاغ ابن مهدي اعترافه بما يليق بشخصيته بألوان من الشعر كقوله ـ من الخفيف ـ[94] :

كلُّ يومٍ مِنَ الذنُوبِ ازديادٌ

وانتقَاصٌ مِنْ صَالِحِ الأعمالِ

ما مَضَتْ سَاعَةٌ ولم أَعْصِ فِيهَا

أمرَ ربِّي واسوأتاهُ لحِالي

أنتَ غَوثي وَغَوْثُ كلِّ صَرِيخٍ

وَغِياثِي وإن أسأتُ فِعَالي

ومجيرُ الذليلِ مِن ضَنَكِ الذُلِّ

وهادي عمايةِ الضُلاَّلِ

وملاذُ الطريدِ حَيثُ انتَآهُ

ومَعَاذٌ إلى رَهِينِ الليالي

ويشعر المتلقي أن ابن مهدي يحاول أن يخلص بنفسه إلى عالم آخر لينعتق من قيوده التي فرضها عليه الزمن، فهو في الواقع يشكو ما ألم به من الصعاب التي أثقلت ظهره إلى خالقه القادر على رفعها، فهو المغيث لكل صريخ ومجير الضعفاء الذين أضرَّ بهم الزمان، وملاذ الطريد الذي لا يجد مأوى يلجأ إليه، ويظهر من البيت الأخير أن الشاعر قال هذه الأبيات في غربته بعيداً عن وطنه.

وقد يبدو من الطبيعي أن يسلك شاعر بهذه المزيات الجلية طريق الحكمة في شعره بعد أن خاض تجارب الحياة الصعبة وتحمل معاناتها من أجل وطنه وشعبه، وتمثل شعر الحكمة عند ابن مهدي في مقدماتٍ وقصائد، وقد تأتي الحكمة في أبيات متفرقة في أثناء القصائد المختلفة كقوله في افتتاح قصيدة يرثي بها الإمام الحسين ـ من البسيطـ[95] :

الشيبُ أوَّلُ ما يأتي مِنَ الرُسُلِ

إلى المنيَّة فاحذرْ دَهشةَ الأجَلِ

وَخُذْ حَذَارَكَ مِنْ دَهْرٍ أمِنتَ بِهِ

فإن للدَهْرِ بَطشاً غَيْرَ مُحْتَفِلِ[96] 

لَيْسَ الزمانُ بمِأمونٍ على أَحَدٍ

ولا البقاءُ بِمَقْصورٍ عَلى رَجُلِ

وللمغانِمِ سَابِقْ كُلَّ مُكْتِسِبٍ

وفي المكارِمِ نَافِسْ كلَّ مُهْتَبِلِ

فَخَيرُ مَا يَقتنيهِ المرءُ مَكرُمةً

تُزيحُ عنهُ رِداءَ اللومِ والفشلِ

والقَ الحوادثَ تَسلمْ مِن مَهالِكِها

واسلكْ مَسالكَ أهلِ الفضلِ والنُبُلِ

ويركز الشاعر في حكمته على الموت وحضور الأجل ولزوم استثمار الوقت لفعل ما فيه صالح الإنسان فإن المنية تأتي فجأة، وتعتري الإنسان حينئذٍ دهشة لا يستطيع معها عمل شيء، وقد جعل للمنية رسلاً، وكان الشيب أولها مَقدَماً على سبيل الاستعارة، وقد استعمل عظمة كلمة(الرسل) لتعظيم شأن الشيب وتهويل خطره، فناسب بعد ذلك أن يحذر من الموت الذي تصحبه تلك الدهشة، كما بدا تأكيده صورةَ خيانة الزمان بالإنسان مهما كان حذراً، وضرورة الوقوف في وجه المصاعب وسلوك طريق الخير، وهو نابع من تجاربَ شخصيةٍ خاضها الشاعر عقيب الأحداث التي مرت به.

وقد ينحو ابن مهدي منحى الشعراء الأجواد الذين كانوا يجردون من أنفسهم امرأةً يتخذونها متكأً يستنفذون به حديثهم عن الجود ويوضحون نظرتهم إلى الدنيا كقوله ـ من البسيط ـ[97] :

أُمَيْمُ لا تعذلي نَفسي على الجودِ

فإنَّ فيهِ مُنى نَفسي وَمَقْصُودِي

ما قيمةُ المرءِ في الدُنيا إذا بخلتْ

كفَّاهُ بالمالِ عنْ عافٍ وَمجهودِ

يمضي البخيلُ وَيبقى ما يُثَمِّرُهُ

للوارثينَ ذَمِيمَاً غَيرَ مَحْمُودِ

وفي الحياةِ لأهليها مُعاوَضَةٌ

عن كلِّ مَفقودِ وِجْدَان بموجودِ

فأميمة قد لا تكون امرأة حقيقة في حياة الشاعر وإنما نسج على منوال ما هو موروث من الأدب العربي، وقد صور الكرم والقناعة التي تجعل من الإنسان غنياً بها بدلاً من المال لأن الرضا بما قسمه الله تعالى هو السبيل الأمثل لتحقيق السعادة.

وعلى الرغم من تصدي ابن مهدي للمهام الصعبة لرعاية وطنه وشعبه فإن ذلك لم يمنعه أن يمارس النسيب محاولا استرجاع رونق الشعر القديم وإحيائه، من خلال شعره الذي حاول أن يكون مثالاً للشعر العربي الموروث، ومن هنا كان للغزل نصيب كبير في شعره، شأنه في ذلك شأن غيره من الشعراء الآخرين؛ لأن الغزل أوثق أنماط الشعر بحياة الرجل والمرأة على السواء، فابتدأت قصائدهم بالحديث عن المرأة لأنها أشهى إلى النفس وأحلى موقعاً في أذن المتلقي.

فهو من أعذب الأغراض الشعرية العربية التي تبعث المتلقي بل الشاعر نفسه إلى عالم معنوي آخر مملوء بفيض من العاطفة الغزيرة وآثار اللوعة والصبابة والغرام، لأن النفس الإنسانية تعشق الجمال وتتحسس موطن الألفة وتتبع دواعي المحبة طالما لا يتعارض ذلك مع العقيدة؛ لأنه ليس بمنكر في الديانة ولا بمحظور في الشريعة مالم يصل بصاحبه إلى التهتك واتباع الشهوات،"لما قد جعل الله في تركيب العباد من محبة الغزل وإلف النساء، فليس يكاد أحد يخلو من أن يكون متعلقاً منه بسبب" [98] .

ويتنوع الغزل بحسب أساليب الشعر ومشارب الشعراء سهولة ورقة وخشونة، وهو يتبع تجارب الشاعر لأنها نقطة الميلاد الحقيقي لعاطفته المحركة لشعوره، والباعثة له على الشعر؛ لأن العاطفة بطبيعتها تؤثر في الشاعر جسماً وفكراً وخيالاً فتُهيج في ذهنه أفكاراً تمثل الموضوع الذي ينظم قصيدته فيه[99] .

ولا بد من أن يراعي الشاعر اختيار ألفاظه ومعانيه الغزلية كي يؤثر أثره في النفوس؛ لأن "حق النسيب أن يكون حلو الألفاظِ رَسلها قريب المعاني سهلها غير كَزٍّ[100]  ولا غامض، وأن يختار له من الكلام ما كان ظاهر المعنى لين الإيثار رَطبَ المكسر شفاف الجوهر يطرب الحزين ويستخف الرصين" [101] .

ويعتمد الغزل على الحب وهو مصدر إلهام الشاعر إذ يرى فيه قوة خارجة عن نواميس الكون، ومن تقديس الحب تغذت جذور الغرام، ومن تقديسه قدِّست المرأة التي بدت في فنون الأدب ذات قوى إلهامية خاصة فكانت "نموذجاً فذا للجمال الذي نشدوه، أو قبساً من الجمال الخالد في عالم المثل الإفلاطونية" [102] .

وكان معظم الغزل في عصر الشاعر يميل إلى الصنعة الموسيقية، وتكلفِ ألفاظِ النسيبِ التي ورثوها من الشعراء العرب، مع خلوِّ أشعارهم من حرارة العاطفة، ولوعة الحب التي تمثل الروح والغذاء لشعر الغزل[103] .

غير أن الأمر يختلف عند ابن مهدي، فعلى الرغم من أنه عاش في ذلك العصر ولكنه لم يخرج عن عادة العرب في الغزل بل تقيد بالمنهج التقليدي عند الشعراء الفحول، فكان غزله ذا عاطفة غزيرة مملوءة باللوعة والانفعال والخيال، ويمثل غزله غرضاً يستوعب تجاربه وهمومه فاستغرق فيه، ولم يتحاشاه رعايةً لأعراف بيئته، فقد كان يرى الحب أمراً سائغاً ما دام يصل إلى الارتباط الذي جعله الله قانوناً تسير عليه البشر للوصول إلى التكامل الاجتماعي، وهو بذلك يرفض الفحشاء التي تبعث على العار في قوله ـ من الطويل ـ[104] :

رويدَكَ لا تعجلْ فللحُبِّ سَورةٌ

على أهلهِ تُنسي الفتى لَذةَ العمرِ

ولا تَبْتئسْ مما رأيتَ مِنَ الهوى

فإنَّ الهوَى طُبعُ الكريمةِ و الحرِّ

ولا تخشَ عاراً إنَّما العارُ في الخَنا

و أينَ الخَنا مِن شِيمةِ الرَجُلِ البَرِّ

والشاعر يدرك أن كثيراً من الناس لا يعرف سبل الوصول إلى تفهم هذه العلاقة، وقد لا يفرق بين ما يكون سائغاً وما لا يسوغه الدين، وقد صرح به في قوله ـ من الطويل ـ [105] :

وفي الحبِّ لولا ما يَرَى الناسُ دونَهُ

مِن القتلِ فَضلُ العاشِقِ المُتَعَنِّتِ

وهو يمثل رؤيته الخاصة في هذه القضية، وفي كلمة(لولا) دلالة على أنه مستعد لأن ينطلق في دنيا الغزل في شعره من دون حدود ما دام لا يتعارض ذلك مع الالتزام الديني والعرفي، ومن هنا يمكن تفسير ميل كثير من العلماء الشعراء إلى قول الغزل مع ما هم عليه من الورع والزهد.

وقد ركب ابن مهدي مركب الغزل مع ما عرف عنه من تقوى وصلاح، ولكن غزله جاء غزيراً بالعواطف النبيلة والنفحات المملوءة بالعفة والطهر، وقد استعمل الغزل في قصائده ومقطوعاته وله أيضاً مقدمات غزلية كثيرة، وتناول فيه كثيراً من المعاني والأحوال التي تنتاب العاشق فهو يصف صبابته وشدة غرامه ومعاناته بعدة صورٍ كقوله ـ من البسيط ـ[106] :

ما بَعدَ جِيرةِ هذا الحيِّ لي إِرَبُ

لو عادَ عيدُ الأسى أو عاودَ الطرَبُ

أمْ كانَ يعلمُ هذا الظبيُّ حيَن عَدَى

والصبرُ يغلبهُ وَجْدِي فَينغلِبُ

هوى ضَجيعٍ وأجفانٌ مُؤرَّقَةٌ

وأدمعٌ نَضَبَتْ مِن دونِها السُحُبُ

أَصبَحتُ أهفو وراءِ الركبِ مِن أممٍ

والقلبُ يخفضُ أحياناً فينتصِبُ

وأظهر الشاعر بهذه الأبيات مدى شوقه وغرامه وفرط حسرته على حبيبته، وأوضح جزعه على من يحب؛ إذ يتسابق وجده مع الصبر فيغلب الوجدُ الصبرَ، وشرح حاله وهو يعدو وراء الركب، ودقات قلبه تناديها بهدوء تارة وبصيحة أخرى.

وقد اتخذ ابن مهدي عنصر الزمن وسيلة للتعبير عن ذلك بقوله -من الطويل-[107] :

ثلاثةَ أعوامٍ وللوَجْدِ مَوْقِدٌ

يَروحُ بِهِ المَضْنَى إلى غيرِ سَلْوَةِ

ودائماً مواعيد الوصل التي لا تتحقق تكون موضع انـزعاج المحب، وقد صور الشاعر هذا الأمر بقوله ـ من البسيط ـ[108] :

وما أحبَّ مواعيدَ الوصالِ لنا

لو لم تكن برجيعِ المَطلِ تحُتْقَبُ

وذكر أنه لا يحب مواعيد الوصال لأنها محفوفة بالمطال، ولولا ذلك لكانت أحبَّ شيءٍ إليه، لكونها تجعله يعيش قريباً من أجواء اللقاء.

وفي بعض الأحيان يلجأ الشاعر إلى التكثير الذي يحقق للشاعر أداءً مميزاً يصل به إلى الكشف عن مدى هيامه بطريق المبالغة كقوله ـ من البسيط ـ[109] :

كمْ مزَّقت مِنْ مُلوك الأرضِ أفئدةً

كما تمزَّق من تحتِ الضِبا اليَلَبُ[110] 

سَلْ بِالقَسامَةِ أهليها فَهَلْ تَرَكَت

للعاشقينَ فؤاداً ليس يُنْتَهَبُ[111] 

واهتم الشاعر بصفات المرأة الجسدية، وركز على قوام المرأة، وقد تناوله بجميع صوره الموروثة عن الشعراء العرب؛ النحيفة الرشيقة، والبادنة الفارهة، والنموذج المتوسط وهو الذي يمزج فيه الشعراء بين أوصاف الخمصانة والبادنة [112] .

وكل صورة من تلك الصور يصل الشاعر بها إلى درجة العجب والفتنة، ويظهر فيها فرط الحسرة، فصورة المرأة عنده تشبه صورتها عند الشعراء القدماء مثل امرئ القيس والحطيئة "فثمة إغراق متلهف في متابعة المحاسن الجسدية التي تكتسب عن طريق التشبيه غالباً الصورة المثلى التي ينشدها الشاعر من الجمال في لحظة الإبداع الفني" [113] .

أما الصورة الأولى وهي المرأة الخمصانة سمهرية القوام فكقوله ـ من الكامل ـ[114] :

حسنٌ أرَقُّ مِنَ السلافةِ دونَه

لطفٌ تكاثفَ عن صَفَاهُ الماءُ

ليلٌ على قمرٍ على شمسِ الضحى

غصنٌ تميلُ بقدهِ الصَفْواءُ

فوصفها بأنها جميلة، صافية اللون والبشرة ليس يكدرها شيء، لها شعر أسود كالليل منشور على وجهها الجميل وهي رشيقة خفيفة الجسم وإذا مشت كالغصن الذي تميله الرياح.

وقوله ـ من الكامل ـ[115] :

من كلِّ مائرةِ الوشاحِ خريدةٍ

كالغصنِ يُعقدُ بالنقا المتمورِ[116] 

فوصفها بأنها كالغصن لرشاقتها، وهذا التشبيه وإن كان تقليدياً ولكنه يمزجه بغير المألوف وهو العقد بالنقاء الذي يزيد من جمال صورة المرأة في شعره.

وأما الصورة الثانية وهي المرأة الفارهة فكقوله ـ من الطويل ـ [117] :

ومعقدُ حسنٍ ما جُزيتُ بمثلِهِ

لبادنةٍ سلَّ النفوسَ اصطناعُها

فمن لي ولم أعلمْ من القربِ والنوى

نـزوعاً لنفسٍ لا يزالُ نـزاعُها

فهو يفخر بحبيبته وجمالها الذي لم يستطع العشاق أن يحصلوا على مثله، ومعقد الحسن والجمال في حبيبته كونها بادنة أضعفت النفوسَ رؤيتها متصنعة في مشيها.

وفي بيت آخر يقول ـ من البسيط ـ[118] :

حوراءُ مائرةُ الردفينِ تحسَبُها

شمسَ الظهيرةِ في جنحٍ مِن الظُلَمِ

وهذا المظهر من مظاهر الحركة تقليدي موروث استعمله الشاعر ليقتفي في ذلك أثرَ الشعراء القدماء في وصف المرأة.

وأما الصورة الثالثة وهي المرأة المتوسطة (بينَ بين)، فقد وصفها ابن مهدي في كثيرٍ من قصائده كقوله ـ من الكامل ـ[119] :

هيفُ المخاصرِ لو نهضنَ فجاءةً

قعدتْ بهنَّ إلى الثرى الأوراكُ[120] 

ولا يخفى ما في قوله (فجاءة) من حسن؛ لأن الثقيل يستطيع القيام تدريجاً، ولكنه إذا قام فجاءة يختل توازنه ويسقط إلى الأرض.

وعلى الرغم من أن عادة كل شاعر التركيز على صورة واحدة من صور جسد المرأة، ويعيدها في قصائده، ولا يحاول تبديل صورة حبيبته، فإن ابن مهدي أراد استيعاب جميع الصور؛ لأنه معني بإحياء التراث العربي.

وقد كان وجه المرأة محل عناية الشاعر أيضاً، وقد وصفه بقوله ـ من الكامل ـ [121] :

و أسيلة الوجهِ النقيِّ كأنما

ضَرَبَتْ عليهِ الشمسُ باللمعانِ

وقد استمد هذا الوصف من الشعراء العرب، ولكنه أضاف إليه لمعانه بأشعة الشمس كأنه مرآة تعكس الضوء الواصل إليها.

وقوله ـ من الكامل ـ[122] :

وجهٌ كأنَّ البدرَ مدَّ رداءَهُ

مِن فَوقِهِ بمواقعِ الإدجانِ

وهو يشير إلى بياضه وصفائه الذي يعد صفة من صفات الجمال، ويزيد من جماله اقترانه بشعر المرأة الأسود إذا نشر عليه.

ويصف فتور العيون الناعسة بقوله ـ من البسيط ـ[123] :

وفاتراتٍ مِن الألحاظِ لو نَظرَتْ

لِراهبٍ لارتماهُ دونهَا الرَهَبُ

وهو يشيد بها بحيث لو نظر إليها راهب متنسك لوقع في غرامها، وعادة يبالغ الشاعر في وصف جمالها بإصابة المتنسكين الذين هم بمنأىً عن النظر لشدة تمسكهم بالدين والتزامهم.

وربما يتحدث عن الحليم الذي إذا رأى هذه المرأة يتخلى عن حلمه ويتخذ السفاهة التي لا تليق به كقوله ـ من الكامل ـ[124] :

يصبو لها الرجلُ الحليمُ سفاهةً

بينَ المحالِ و كاذبِ الهذيانِ

حتَّى كأنَّ عفافَهُ في حبِّها

نُسُكُ ابنِ هاني في غرامِ جنانِ

وهو يمثل رجوع الحليم إلى السفاهة بما عرف من شغف أبي نواس بالجارية جنان، التي أحبها حباً عنيفاً وكتب فيها أرق أشعاره[125] .

وأكد الشاعر صفات المرأة المعنوية أيضاً، فأبرز ثقافة حبيبته التي تجعلها تتقاسم معه الحديث، وهو يهتم بهذا الأمر لبيان ذوقه المتميز في اختياره شخصية المرأة في شعره كقوله ـ من الطويل ـ[126] :

حديثٌ كمنثورِ الجمانِ ودونَهُ

تَوَدُّدُ لا يَقْضِي بِطُولِ المَوَدَّةِ

و ما ارتشفَ الساقون صَهبآءَ مِثلما

رَشفتُ ولم يُثْمِلْ نـزيفٌ كسكرَتي

ومن الواضح أن الجمال في الأخلاق مقدم على جمال الجسد، ويبدو من البيت الأخير عزوفه عن الخمر وأنه استعاض عنه بريق حبيبته، وهذا الأمر يبدو تقليدياً ولكن الشاعر ذكره فخراً بدينه وابتعاداً عن نـزيفهم وأنه ليس بحاجة له.

وقد اهتم الشاعر ببيان كثرة رقباء المرأة وأنها محروسة من أهلها وقومها لا يستطاع الوصول إليها بيسرٍ على عادة امرئ القيس، وربما يوازن بين كثرة الحراس وكثرة المحبين؛ لأن الأشياء على قدر قيمتها تحوطها الحراس فمن ذلك قوله ـ من الطويل ـ [127] :

وكمْ دونَ هندٍ من أصَمٍّ محطِّمٍ

وكم دونَ هندٍ مِن حسامٍ مثلِّمِ

وكم عندَ هندٍ مِن مليكٍ محجَّبٍ

تطوِّحُه أيدي الغَرامِ وتَرتمي

………………………

………………………

مقابيسُ نارٍ من سيوفٍ ومِن قَناً

كما اشتعلتْ نارُ الإباءِ المُضْرَمِ

فكما أن لديها رقباء كثيرين كذلك لديها محبون، وقد يكون بهذه الموازنة يحقق لنفسه فخراً بقوته شجاعته، فهو لا يريد بيان كثرة المحبين حقيقة بل يشير بذلك إلى نفسه وأنه لا يبالي بكثرة الرقباء.

وقد حاول الشاعر الفخر بغزله من خلال ما يذكره كثيراً من مغامراته في الغزل على الرغم من وجود الرقباء والحراس، ويعيش مع المتلقي في جو الأحداث من خلال القصة الغزلية، كقوله ـ من الكامل ـ[128] :

 كِمْ لَيلَةٍ غامَرتُ في ظُلماتِها

 يَسمُو حَوالَ مَثاِريَ الإهباءُ[129] 

 وَاللَّيلُ مَلطُومُ الأسِرَّةِ حَالكٌ

 يَعْيَى بُطولِ قُرونِهِ الإملاءُ[130] 

 خالستُ مِن عَينِ الجِدايةِ مثلَها

 وأبى اختلاسي مَضْرَبٌ و خِباءُ[131] 

………………………

………………………

بِتنا وأطرافُ الدُّجى مَسدولةٌ

مِن بَعدِ ما أودى بِهِ الرُقَبَاءُ

فوصف الشاعر مغامرته الليلية التي يفتخر بكثرة تحققها في ليالي عديدة ويصف ظلام الليل وسواده الشديد الذي لا يدع للرقباء عليه سبيلاً، ولما تخلص منهم التقى بحبيبته وبات معها وهي ناشرة شعرها من فرط تعبها وألمها من ملاحقة الرقباء لها.

ثم يقرب الصباح وهو وقت يكرهه العشاق؛ لأنه نهاية اللقاء بين الأحباب، وقد يوظفه الشاعر لفخره بنفسه واعتزازه بغرام حبيبته فقال ـ من الكامل ـ[132] :

حتى دَنى الصبحُ المنيرُ فأعَوَلتْ

فرَقاً و مِنْ أنفاسِها الصُعَدَاءُ

قالتْ لَعَمْرُ اللهِ إنَّكَ فاضحي

فلعلَّ يومي مَن وراهُ وراءُ

أيقَنْتُ أنَّكَ حيثُ كنتَ مَعَذِّبي

فيكَ الدواءَ أسىً وأنتَ الدَاءُ

فاذهبْ رُعِيْتَ وحيثُ شِئْتَ فعُدْ لنا

و احذرْ بِنا ما تَفْعَلُ الرُقَبَاءُ

فصور الشاعر صورة لقائه بحبيبته ليلاً بعيداً عن الرقباء المتربصين، فهما معاً في انسجام تامٍ لا يحسان بالوقت من فرط ما بهما من الصبابة والشوق، وفجأة يحين وقت الصباح فتعول خوفاً من أهلها والرقباء، وأيقنت بالهلاك وتقسم على دنو وقت موتها بسببه وحلفت أنه يفضحها ووصفته بأنه موتها على سبيل المجاز؛ لأن خلفه الرقباء متربصين، ومع ذلك لا تتخلى عن غرامها وشغفها به وتطلب منه مواصلة اللقاء متى شاء، وهذه الطريقة سلكها الشاعر على عادة امرئ القيس في غزله[133] .

 وكان للقافية المؤسسة أثر واضح في ملئها بموسيقي باعثة على تحسس الاشتياق واستفراغ العاطفة في هذه القصيدة.

وعمد ابن مهدي إلى هذا النمط من الغزل القصصي لكونه ملائماً لذوقه الشعري الذي يميل إلى الإطالة والتفصيل في ذكر الأحداث الجزئية، فهو لا يكتفي بالمجملات محاولة منه للوصول إلى إثارة المتلقي كقوله أيضاً ـ من البسيط ـ[134] :

كم ليلةٍ قد أرتني الشمسُ ظُلَّتَهَا

والبدرُ يرفِلُ في جُنْحٍ مِنَ الظُللِ

خاصَرْتُها ونجومُ الليلِ حائرةٌ

دونِ الكثيبِ وضبعُ الليلِ لم يَخَلِ

طوراً عناقاً كأن القلبَ من كَثَبٍ

يشكو إلى القلبِ ما فيه مِنَ العِلَلِ

وتارةً رَشَفَاتٌ لا انقضاءَ لها

شُرْبُ النـزيفِ طوَى عَلاًّ على نَهَلِ

ثمَّ انثنينا ولم تُعْبِقْ مَضَاجِعُنَا

غيرَ الحديثِ وما استولى مِنَ المُقَلِ

ويصور في هذه اللوحة الجو الذي يلتقي فيه حبيبته فهو يختار الظلام الذي يأنس به الشعراء ليصل إلى لقاء حبيبته، وينهمكان في الاتصال العذري فلم تعبق المضاجع سوى الحديث والنظرات التي تقوم على الطهارة والعفة، وكأن ما ذكره من العناق والرشفات تخيلٌ أو أملٌ لم يتحقق.

ومما زاد في جمال الصورة أن الشاعر لم يصرح بالتشبيه في قوله(شربُ النـزيف)، ولكن يفهم منه ذلك، فهو يلمح إلى تشبيه تقبيل حبيبته بشربه للنـزيف، ولم يشأ أن يصرح بالتشبيه بل تجاوز عنه مبالغة في تصوير نشوته وعذوبة ريق حبيبته، ولو صرح به لما كان له ذلك الجمال.

وقد يتخذ الشاعر الكناية عن مدى غرام حبيبته به كقوله ـ من الكامل ـ [135] :

رَشفٌ كَمَا شُرْبُ النـزيفِ وَدُونَهُ

وَتَرٌ تعالجُ جَذْبَهُ إبهامُها

فلم يرد أن يشبه نفس الرضاب بالخمر وإنما شبه فعله بشرب النـزيف، إشارة إلى أن تمام عذوبةِ ريقِها منوطٌ باقترانه به أيضاً، وبعد تشبيهه التقبيل بشرب الخمر أضاف إلى ذلك صورة حبيبته حال تقبيلها وهي تضرب على وتر العود بإبهامها فقط وهي مسترسلة منهمكة كناية عن شدة فرحها وابتهاجها، وزادت الصورة جمالاً قوله(تعالج) وفيها إيحاء بمفارقة الروح من فرط السعادة.

ولما كان الشاعر المحب في معرض التهمة في لقائه مع حبيبته، وكانت الوشاة تنال منه أراد أن يبطل ما نمقوه كما يظهر في قوله ـ من البسيط ـ[136] :

فأيْنَ مَا رَقَّشَ الواشي وَنمَّقَهُ

فينا وأرسلَ في العادينَ مِنْ مَثَلِ

كان اللقاءُ إساءاتٍ بِذِي سَلَمٍ

إلى القلوبِ وإحساناً إلى المُقَلِ

فاللقاء لم يكن يحوي غير الحديث وتبادل النظرات التي تليق بالحب العفيف الذي يكشف عن شخصية الشاعر والتزامه الديني والخلقي.

وقد حاول ابن مهدي تصوير عفته وعدم اشتمال اللقاء على أكثر من النظرات والحديث في معظم قصائده كقوله ـ من الطويل ـ[137] :

وشهدٍ سقتنيه غِرارٌ بِثَغرِها

فما طالَ إلا وهي لاثمةٌ ثَغري

فبتنا كما شَاءَ الغَرامُ وبيننا

حديثٌ سمى حُسْناً كمنتثرِ الدُرِّ

يصور الشاعر لقاءه بحبيبته الذي تدرج شيئاً فشيئاً وانتقل من الحديث إلى اللثم، فشبه الكلام الجميل بالشهد وحذف المشبه على سبيل الاستعارة التصريحية، وبعد تبادل الحديث حصل لثم الثغر، وهذا الاستعارة فيها خروج عن المألوف؛ لأن عادة الشعراء في هذا المقام تشبيه الرضاب بالشهد ولكن الشاعر عدل عنه إلى استعارة جديدة، لأن تذوقَ الرضابِ يحصل بعد اللثم والشهد في البيت سقي قبله.

ويتجلى من هذا مدى عناية الشاعر باستعاراته التي كشفت عن خياله الواسع وذكائه في اختيار الروابط والعلائق التي توحي بما يريد أداءه، محققاً بذلك وسيلةً واسعةً يستعملها لتمثيل صوره المختلفة في جميع أغراضه.

ويظهر من تلك النماذج أن الشاعر اتخذ المنهج العذري العفيف،وهذا الأمر يوحي بمدى تدينه وخوفه من الله تعالى حتى في الشعر الذي اعتاد الشعراء على الإيغال في المعاني الخيالية، كما يعزى ذلك إلى التزامه بأعراف بيئته التقليدية، ولم يوجد له غزل مكشوف إلا في حدود ضيقة ولعله نظمها في شبابه وأيام فتوته، وقد يفهم منها الرمز إلى قضيته السياسية الكبرى في حكم البلاد والصراع بين أبناء فيصل بن تركي والدولة العثمانية، وبما أن الغزل عند الشاعر مسرح للتعبير عن خواطره فقد يرمز أحياناً بالمعاني الغزلية إلى الأحداث التي عاشها والتجارب المرة التي خاضها فيلوح منها ما تحمله فؤاده من المحن والآلام التي لا يطيقها أحد من نهب أمواله وسجنه وإرادة قتله، فمن رمزه الغزلي رائيتُه التي تميزت بعذوبة ألفاظها ـ من الرمل ـ[138] :

يا ابنةَ الحاجرِ في أقْرَانِهِ

دركَ الفضلِ وغاياتِ الفخارْ

نهنهي وَجْدَكِ أو فانْتَبِذِي

ثلَّةَ البَغْيِ و أغراضَ الشَنَارْ

وسلي طَيفَكِ عن نَهْبِ الجَوَى

لم يذقْ طِيْبَ الكرَى إلا غِرَارْ

إنّما تلكَ لأمرٍ سُنَّةٌ

هَجَمَ النَومُ عليهِ ثمَّ طارْ

و تَمَشَّى بَينَ جَفْنَيْهِ القَذَى

حَسرةً تأتي عليهِ بالبَوَارْ

وهي قصيدة قصيرة من خمسة عشر بيتاً ولكنها تحمل حساً موسيقياً خاصاً، من خلال الألفاظ التي تبعث السامع نحو نشوة الانفعال، فصدر البيت وإن كان نسيباً ولكن عجزه يلوح منه ألم وكمد ومصيبة، وهكذا جاءت معظم الصدور السابقة والأعجاز، فالصدر غزلي والعجز رمز إلى آلامه والصعاب التي مرت به.

ومن آخر ما قاله الشاعر في حياته؛ غزليته الرمزية التي صب فيها غضبه وتذمره من الأوضاع السياسية بقوله ـ من الطويل ـ [139] :

منىً لك أن الحبَّ صابٌ وعَلقمُ

يتوقُ له من لا يتوقُ فيحلمُ

وإن قيلَ يوماً تَعتريهِ حلاوةٌ

فحاشاهُ ما فيهِ من الشَهْدِ مَطْعَمُ

هو الحبُّ تستهوي المنايا بِرَهْنِهِ

فمَطْعَمُهُ صابٌ ومَشْرَبُهُ دَمُ

………………………

………………………

عَشقناكَ والأيامُ بيضٌ نواعمٌ

فها هِيَ أخنَتْ والتداني محرَّمُ

ويكشف عن هذه النظرة الرمزية تعريضه بالعثمانيين بقوله ـ من الطويل ـ [140] :

وقفنا إلى الأظعانِ خُرْساً وفوقَنا

نواعقُ محتومِ النؤى تَتَكلَّمُ

أقامتْ بِنا تسعاً وعشراً كواملاً

وللوَصلِ فينا عارضٌ مُتَبَسِّمُ

وفيه إشارة إلى المدة التي مضت من أيامهم في المنطقة، فكان الغزل في هذه القصائد وعاءً يصب فيه همومه حتى السياسية منها، وقد سلك على منوال بعض الشعراء الذين كانوا يرمزون بالمرأة إلى أهدافهم وقضاياهم التي لم يحققوها؛ لأن " المرأة عند الرومنطيقيين وعند وارثي فلسفتهم رمز الفن وتجسيد الصورة الجمالية التي تنطوي فيها الحقيقة المطلقة وإليها يتوق الفنان وفي سبيل الوصول إليها يقاسي من العذاب ما يؤدي به أحياناً إلى الفناء والموت" [141] .

ومن اهتمام ابن مهدي بهذا الغرض وشدة ولعه به كانت أول قصيدة متكاملة له قالها في الغزل وجاء فيها ـ من الطويل ـ [142] :

وماليَ يا ليلى مِنَ الشعرِ طائلٌ

ولكن أشعاري عليكِ نسيبُ

عشقتُ و مالي يعلمُ الله حاجةٌ

سِوى نَظري والعاشقونَ ضُروبُ

فهل تجمعنَّ الدارُ بيني و بينَكمْ

فَيَحزَنَ واشٍ أو يسرُّ حَبيبُ

ويظهر من هذه القصيدة وغيرها من لوحات الغزل الرقيقة التي بدت متميزة عنده وملأها بحسه المرهف أن له تجربة حقيقية في الحب جعلته ينهمك في هذا الغرض، وعلى الرغم من أن المصادر التاريخية لم تبين هذا الجانب ولكنه يفهم من كثرة غزله وعذوبة ألفاظه وغزارة عاطفته فيه؛ لأن المزية "أن يكون الشاعر قادراً على رسم التجربة بما يلائمها من الألفاظ الدالة الموحية" [143] .

ويعتقد أن تجربته التي عاشها في شبابه لم تنتهِ ولم تثمر أيضاً، وبقيت آثارها في إحساسه وعاطفته ومنطبعة على شعره، ولذلك كان دأبه الغزل إلى آخر حياته، ويكشف عن ذلك استمراره في ممارسة هذا الغرض وهو القائل ـ من البسيط ـ[144] :

من أينَ جاذبَ هذا الخشفُ أحبلَهَ

حتى تُعذِّبَهُ الألحاظُ والمُقَلُ

وكيفَ أقطعُ أعلاقَ الملاحِ له؟

قلبٌ عليلٌ ونفسٌ دأبها الغَزلُ[145] 

وتميز ابن مهدي في مقدماته الغزلية تميزاً واضحاً، فجاء بلوحات فنية متنوعة من حيث المقاطع، فلم يكتفِ بالموروث التقليدي ولم يجمد عليه وإنما طور وتحرر، ويفصح ذلك عن موهبته وغزارة عاطفته.

ويمكن أن يعزى ميل ابن مهدي إلى الابتداء بمقدمات الغزل إلى سعيه نحو إحياء الشعر العربي الموروث والتنفيس عن مشاعره لأن؛ غرض الشعراء من الافتتاح بالغزل هو الترويح عن النفس ولجذب أذن المتلقي لسماع أشعارهم، قال ابن قتيبة في حديثه عن مقدمة القصيدة "..فشكا شدة الوجد وألم الفراق وفرط الصبابة والشوق ليميل نحوه القلوب ويصرف إليه الوجوه وليستدعي به إصغاء الأسماع إليه؛ لأن التشبيب قريب من النفوس لائط بالقلوب؛ لما قد جعل الله في تركيب العباد من محبة الغزل وإلف النساء" [146] ، وأيد هذا القول ابن رشيق فذكر ـ بعد كلام شبيه لنص ابن قتبية ـ أن الغزل "استدراج إلى ما بعده" [147] .

وقد اتبع الشعراء بعدهم هذا النهج تقليداً أو إعجاباً أو؛ لأن الشاعر يجد في المقدمة الغزلية وعاءً يستوعب انفعاله فيجيء إليها بدافع الحاجة لا بدافع التقليد والإعجاب فحسب.

ولابن مهدي لوحتان لمقدمة الغزل إحداهما: غزل خالص يأتي به الشاعر بمفرده مقدمة للغرض ويطيل فيها ويستوعب دقائقها وتفصيلاتها على عادة الشعراء، والثانية: غزل يتبعه مقطع آخر فيقتصر على بعض الأبيات الغزلية ثم ينتقل إلى ذلك المقطع ليطيل فيه ويتوسع في وصف جزئياته، وانتقاله قد يكون إلى الظعن أو الطلل أو الرحلة.

فمن النمط الأول وهو الغزل الخالص الذي يطيل في مقطع الغزل وأجزائه وتفصيلاته قوله في افتتاح قصيدة يرثي الإمام الحسين ـ من الطويل ـ [148] :

أمن ربعها هذا السَنا المتبلجُ

أمِ البرقُ في جنحِ الدُجى يَتَأججُ؟

وهذا النسيمُ الغضُّ يحملُ نشرَها

أمِ المسكُ من فاراتِه يتأرَّجُ؟

وذا ريقُها الماذيُّ أمْ هِيَ قَرْقَفٌ

سَرَتْ بينَ جنبي مدنفٍ يَتَلَجْلَجُ؟[149] 

وغرَّتها هذي أمِ الشمسُ أشرقتْ

من الليلِ في جنحٍ مِنَ الدُجْنِ يضرجُ؟

وذا كشحُها أمْ غصنُ بانٍ من النقا

تميلُ بدِعْصَيْ رَمْلَةٍ تَتَخَفَّجُ؟[150] 

علِقتُ بها لا العاذلونَ بمسمعٍ

ولا القلبُ من أعلاقِها يَتَحَرَّجُ

وأكبر فيها مكبرٌ زمَّ أنفهُ

وللضغنِ في جنبيهِ طُرْقٌ وَمَنْهَجُ

بنفسيَ ذَيَّاكَ الغزالَ وإن يكنْ

خَذولاً فعُذري حُسْنُهُ المتبلِّجُ

يناهض قلبي حسنُهُ كلَّ ساعةٍ

ويؤمَنُ أحياناً فؤادي ويُزْعَجُ

فأول ما بدأ به الشاعر استفهامٌ متواصل مملوء بالإعجاب بجمال حبيبته الذي اختلط بطبيعة الكون بما فيه من ظواهر مرئية كالسناء، ومشمومة كنسيم المسك، ومتذوقة كالخمر، ثم أخذ في وصف جسد حبيبته وصفاً تراثياً دقيقاً يليق بشاعر مثله تبنى إحياء الشعر العربي، فشبه قوامه بالغصن فوق الكثيب وشبهها في جمالها بالغزال، وبين حبه وغرامه بها، ثم واصل وصفه ببيان اشتغال عقله بالتفكير في حبيبته وجمالها بقوله قال ـ من الطويل ـ [151] :

ومما دهاني بالصَبابَةِ والصَبا

طليقُ المحيَّا والشنيبُ المفلَّجُ

وحيدُ مهاةٍ باللوى غيرُ عاطلٍ

وخصرٌ به جالَ الوشاحانِ مُدمَجُ

ويظهر من أغلب نماذج مقدماته الغزلية الخالصة محاولته الاستغراق في استيعاب أكبر عدد من صفات المرأة بنحو متتابع لتحقيق صورة شاملة للمتلقي تمثل سبب حبه وغرامه؛ لتسويغ هيامه بها، فهو لا يريد الخلوص من الغزل إلى أي مقطع آخر، ولذلك أطال فيها.

ومن النمط الثاني ما انتقل فيه من الغزل إلى مقطع وصف الظعن كقوله في افتتاح قصيدة غزلية ـ من الخفيف ـ[152] :

أيُّ دمعٍ لأمِّ أروى يُراقُ

وفؤادٍ من العميدِ يشاقُ

كلما جلجلَ الغرامُ بنفسي

هلَّ من دمعها دمٌ مِهراقُ

أيُّها السائلُ المكلفُ عني

عمركَ الله كيفَ كان الفراقُ؟

يومَ أزمعنَ بالرحيلِ المطايا

وترامتْ بأهلِها النُيَّاقُ

حافلاتٍ على الفلاةِ إذا أر

قلنَ طأطأنَ دونها الأحداقُ

………………………

………………………

وكأن المطيُّ تثقلُها الأردا

فُ حتى يثوى بها الإقلاقُ

حَمَّلَتْ وجدَها المحبينَ قَذْفاً

بغرامٍ من سكرةٍ ما أفاقوا

وتولَّتْ بأنفسٍ أهرقَتْها

عبراتٌ فيها القلوبُ تُتُاقُ

أيُّها الذاهبُ المجدُّ رويداً

عَمْرُكَ الله أينَ هذا السِيَاقُ؟

فاكتفى الشاعر في بداية القصيدة بثلاثة أبيات غزلية، ثم انتقل إلى مقطع آخر يكاد يكون فرعياً ولكنه تمادى فيه، وكأنه أصل المقدمة فبلغ ثلاثة عشر بيتاً قبل أن يتخلص إلى الغزل، ويبدو فيها افتتاحه الغزلي قصيراً حيث انتقل بسرعة إلى الظعن وتوسع فيه وكأن المقدمة في أساسها ظعن، وساغت له الإطالة فيه؛ لأن الظعن من الأمور المثيرة للتباريح والمهيجة للأشجان التي تساعد على تقليب عواطف الشاعر لاستفراغ شوقه وهيامه الذي سوف يرجع إليه عند التخلص إلى غرض القصيدة الأصلي وهو الغزل، وكأن الشاعر أراد أن يجعل لوحة الظعن محفوفة بالغزل في أولها وآخرها، وهذا من براعة الشاعر وحسن أدائه.

ويبدو من استقراء قصائد الشاعر أنه استعمل المقدمة الغزلية في الرثاء، وأكثر منها في رثاء الإمام الحسين [153] ، الأمر الذي لم يكن مألوفاً لدى الشعراء العرب فلم يكن منتشراً في الأدب العربي، لكون الغزل مناقضاً لغرض الرثاء [154] .

ويمكن إرجاع قلة استعمال هذا الضرب إلى أن الغزل لا يناسب الرثاء روحاً ومضموناً، أو؛ لأن "الشاعر منشغل بآلامه وأحزانه وليس هناك شيء يفكر فيه غير التعبير عن هذه الأحزان" [155] .

فهو من الأنماط التي أبدع فيها الشاعر، وقد حاول بعض الدارسين إثبات خلاف ذلك بإيراد أمثلة من دواوين الشعراء العرب، ولكنه مهما ذكر من المرثيات الغزلية تبقى الأمثلة قليلة جداً بالقياس إلى غيرها من المرثيات[156] .

وتميزت أغلب لوحات الغزل بالطول، وتصل بعض الأحيان إلى عشرات الأبيات، مع ذلك فهي تتسم بالعذوبة ويزداد لفظها رقة ومعناها قرباً كما كانت عند زهير وامرئ القيس وأضرابهما، فهي تفصح عن براعته الفنية واستيعابه الكبير لتراث القدماء.

ويلاحظ أن ابن مهدي كان على جانب كبير من الثقافة اللغوية ملماً بدقائقها، ولم تظهر له أخطاء لغوية أو نحوية كما كان شائعاً بين شعراء عصره حتى عدت من مظاهر العقم في القرن التاسع عشر عامة [157] .

وقد استعمل غريب الألفاظ، وأغرق فيها حتى باتت الصعوبة والغرابة في الألفاظ سمةً على مجموع شعره، وصعبت قراءة ديوانه على كثير من قراء الشعر، فلم يكن يتداوله غير المحبين للغته والعاشقين للشعر القديم، وهو بذلك ينتهج ما ذكره ابن الأثير بعد أن استدل على جواز استعمال الغريب بأدلة وقسم الغريب إلى قبيح وحسن وذكر أمثلة وانتهى إلى نتيجة قال: "وجدت الغريب يسوغ استعماله في الشعر ولا يسوغ في الخطب والمكاتبات" [158] .

ويرجع ذلك إلى تضلعه اللغوي الكبير، حتى أن ألفاظه في محاوراته الشخصية كانت صعبة، فابتعد بلسانه عن لهجة الحضر إلى لسان البادية لكثرة اختلاطه مع أهلها[159] .

وكأن أحمد بن مهدي يريد بتلك الألفاظ جذب انتباه المتلقي باستعماله الكلمات الغريبة التي تحتاج إلى تأمل فكري، فتعمد السير على خطى الشعراء الجاهليين، وهو بذلك يهدف إلى إحياء ما اندرس من اللغة العربية من خلال إرجاع السامع إلى الشعر القديم، ورغبته في ذلك كانت ملحة، ويكشف عنها مجاراته للمعلقات السبع وغيرها من عيون القصائد.

ولا ينتقد ابن مهدي بما يقال في ابن الرومي من أنه كان يتكلف الإغراق في الغريب ويستعين بالمعاجم، وما اتهم به المتنبي من أنه يأتي بالمستغرب ليدل على معرفته[160]  لأن الشاعر إن جاء بالغريب فلأجل تطبعه به، وليس له شعر آخر غيره، فلم يتكلفه؛ لأنه لم يكن يرى الشعر الذي كان يؤدى في عصره شعراً يلبي صوته ويتعمق ليصل إلى روحه وقلبه.

ولقد شنع بعض النقاد على ابن مهدي بأن "شعره تقليدي لا يمت بنسب أو سبب لحياته التي قضاها في القصور وبين الجواري والعبيد وبين النخيل وفي روضات غناء" [161] .

ومن الواضح أن "مجرد انتماء الشاعر إلى البيئة يعني انشداد تفاصيل عمله الفني إلى الإطار المتحكم في الحركة الشعرية السائدة بصورة تلقائية" [162] .

ولكن هذه النظرة لا بد أن تتبدل بل لا تلبث أن تزول إذا أمعنا النظر في شعره وبيئته، فإن الشاعر عاش في واحة القطيف ولكنه تنقل في الصحراء أيضاً واتصل بالقبائل العربية وبالحكام النجديين، فعاش شبابه إلى وقت نضوجه معهم، وقد سافر وتنقل في البلاد، ولهذا نجده يبتعد عادة عن الألفاظ السهلة، ويتجه نحو الإيغال في غريب اللغة حتى في مقدماته الغزلية والطللية وهو نتيجة طبيعية لشخصيةٍ بهذه الضخامة والامتياز.

وإذا كان الجاهليون من "شعراء المدن لم يستطيعوا التحلل من التقاليد الفنية البدوية ولا خرجوا عليها بحيث يبتدعون نظاماً جديداً لمقدمات قصائدهم" [163]  فماذا يتوقع من شاعر جاء بعدهم بزمان طويلٍ وهو يريد التقليد والسير على نهج القدماء واقتفاء أثرهم؟!

ومع ذلك، فإن الشاعر يلين ويرق إذا ناجى وآخى وتغزل، وهذا يكشف عن تأثره بالبيئة إذا خلي وطبعه، ولكنه يبتعد فيتجه نحو الإغراب الذي تطبع به حتى صار قريباً من طبعه، فأكثر من قول الشعر الصعب والقوافي الأصعب.

ويقرب شأن ابن مهدي من حال ابن هانئ الأندلسي الذي قيل عنه إنه نسي الطبيعة الأندلسية الجميلة أو أنها لم تحرك في أوتار نفسه فلم يكن لها انعكاسات بسيطة في شعره[164] .

والخروج عن البيئة إلى غيرها بدافع التقليد والمحاكاة "ابتلي به كثير من كبار الشعراء آنذاك" [165]  ومن هنا نجد الشعراء في ذلك العصر يؤكدون استعمالَ الأسماء التراثية التي جاءت في الشعر القديم.

ويمكن القول إن تجربة الشعر تمثل صورة صانعها وشخصيته، فهي مثالٌ ما لنـزعاته وانفعاله ولثقافته وأسلوبه أيضاً؛ لأن الانفعال ما لم ينسج في ثوب جميل لن يكون مثيراً للأنظار وملفتاً للنقاد، فمقياس الجودة والمفاضلة بين شاعرين تتركز في كيفية صياغة الألفاظ، وينبغي عدم إسقاط رأي الناقد على العمل كي يبقى محافظاً على صورته كما وضعها الشاعر نفسه؛ لأنه هو الناقد الأول لشعره، ويكون تمييز الأجود وظيفة الشاعر الذي يصيغها قبل الناقد، فهو يمعن النظر قبل غيره في نصه[166] .

وكان لثقافة ابن مهدي أثرها في انتقاء صياغة الألفاظ في شعره، فضلاً عن قدرة فائقة على عرض الموضوع أو الفكرة بأقل ما يمكن من الأبيات، غير أن العصر الذي عاش فيه الشاعر كان عصر تكلف وصنع، ولم يكن عصر تجديد فلذلك اكتفى بالسير على خطى القدماء من الشعراء الذين اتضحت عندهم الرؤية الحقيقية للشعر.

وبعد هذه الوقفة مع شعر ابن مهدي يتضح أن ابن مهدي وصل بشعره إلى مستوى جيد بالقياس إلى شعراء عصره، فحاول الجمع بيت القديم والجديد، وقد جدد في صوره وأسلوبه بهدوء، وحافظ على الرصانة في ألفاظه بما يناسب بيئته وعصره ومنهجه في إحياء الشعر،وأنه رفض أن يسير على اتجاه شعراء عصره نحو العقم والسطحية، ورأى أن الرجوع إلى القديم أهون عليه من السير مع شعراء جيله، فحاول أن يطور في شعره بطريقة تقليدية هادئة، واستطاع أن يبعث نواة التجديد التي ظهرت فيما بعد في أدب المنطقة، منبهاً على الأصالة وضرورة النظر إلى التراث الشعري القديم.

ومن هنا ينبغي التنبيه على أن ما ذكره بعض الباحثين في حديثه عن تلك الحقبة الزمنية بقوله: "وأغلب الشعر في هذه الفترة بعد أن فقد الروح الموسيقية الرقيقة فقد أيضاً النـزعة الإنسانية" [167] ، لا ينطبق على شعر ابن مهدي الذي اتضحت معالم الإنسانية في شعره النابع من عاطفته.

كما يظهر من مجموع شعره أنه من أولئك الشعراء الذين أخذوا على عاتقهم إحياء الشعر العربي القديم، وسعوا بكل طاقتهم إلى الرقي بأدب عصرهم إلى مستوى أفضل من خلال المضي على نهج الشعراء الفحول الذين اكتمل بناء القصيدة عندهم لفظاً ومعنى ووزناً وصياغة وإيقاعاً وصورةً وغرضاً.

[1]  بحث مختصر من رسالة ماجستير بعنوان: أحمد بن مهدي آل نصر الله ـ حياته وشعره ـ.

[2]  طبقات فحول الشعراء، الجمحي(محمد بن سلام،232هـ)، تحقيق: محمود محمد شاكر، الطبعة الثانية، القاهرة 1974م:69.

[3]  ينظر: القطيف واحة على ضفاف الخليج، محمد سعيد المسلم، مطابع الفرزدق، الطبعة الثانية، الرياض 1411هـ/1991م.:360.

[4] البيان والتبيين، الجاحظ (أبو عثمان عمرو بن بحر، 255هـ)، تحقيق وشرح: عبد السلام محمد هارون، الطبعة الخامسة، مطبعة المدني، القاهرة1405هـ/1985م:1/96.

[5]  ينظر: طبقات فحول الشعراء:69ـ70، البيان والتبيين:1/97ـ98، القطيف واحة على ضفاف الخليج:362، 368.

[6]  ينظر: شعراء القطيف، الشيخ علي منصور المرهون، مطبعة الآداب، النجف الأشرف (د.ت):1/10.

[7] شعر علي بن المقرب العيوني، دراسة فنية، د.أحمد موسى الخطيب، دار المريخ للنشر، الرياض، 1404هـ/1984م:82.

[8] ينظر ترجمته في: أنوار البدرين،في تراجم علماء القطيف والأحساء والبحرين، الشيخ علي بن الشيخ حسن البلادي البحراني، تصحيح محمد علي رضا الطبسي، مطبعة النعمان، النجف الأشرف1377هـ:288، القطيف واحة على ضفاف الخليج:362،368، شعراء القطيف: 1/12.

[9]  ينظر تراجمهم وتراجم غيرهم في: أنوار البدرين: 295،348،350،373، القطيف واحة على ضفاف الخليج:361ـ362، شعراءالقطيف: 1/24،34،69،83،100،106،120،135.

[10] تطور الشعر العربي الحديث في العراق، د. علي عباس علوان، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد (د.ت):341.

[11] دراسات نقدية في الأدب العربي، د. محمود عبد الله الجادر، دار الحكمة للطباعة والنشر، بغداد 1990م: 318.

[12]  ينظر: القطيف واحة على ضفاف الخليج:327.

[13] الشعر العراقي أهدافه وخصائصه في القرن التاسع عشر، د.يوسف عز الدين،الدار القومية للطباعة والنشر، القاهرة 1384هـ/1965م:27، وينظر: المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها، د. عبد الله الطيب المجذوب، الطبعة الأولى، مصر 1374هـ/1955م:3/777، تمهيد في النقد الحديث، روز غريب، الطبعة الأولى، بيروت 1971م:351.

[14] الشعر السياسي العراقي في القرن التاسع عشر،إبراهيم الوائلي، الطبعة الثانية، بغداد 1398هـ/1978م:18.

[15]  ينظر: الشعر العراقي أهدافه وخصائصه في القرن التاسع عشر:31،33، المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها:3/777، تمهيد في النقد الحديث:351، الشعر السياسي العراقي في القرن التاسع عشر: 276.

[16]  ينظر: في النقد الأدبي، د. شوقي ضيف،دار المعارف، الطبعة الثالثة، مصر (د.ت):200.

[17]  ينظر: القطيف واحة على ضفاف الخليج واحة:380ـ381.

[18]  شعر علي بن المقرب العيوني دراسة فنية:50.

[19]  ينظر: الشعر ودوره في الحياة، محمد سعيد الشيخ علي الخنيزي (مخطوط) في مكتبة المؤلف:1/282، الشعر في الجزيرة العربية، عبد الله الحامد دار الكتاب السعودي 1406هـ/1986م:342، أعيان الشيعة، السيد محسن الأمين العاملي، بيروت 1987م:2/29.

[20]  الديوان: 4/108.

[21]  أخبرني بذلك الأستاذ شاكر آل نصر الله في مقابلة شخصية في القطيف بتاريخ 13/رمضان 1421هـ.

[22]  ينظر:الديوان:3/186،187.

[23]  ينظر: الجزء الأول والثاني من الديوان.

[24]  ينظر: آل سعود ماضيهم ومستقبلهم، جبران شامية، لندن 1986م:78.

[25]  ينظر: تاريخ الدولة السعودية الثانية، د. عبد الفتاح حسن أبو علية،الطبعة الرابعة، الرياض 1991م/1411هـ:195،198ـ199، مذكرات مدحت باشا، ابنه علي حيدر، ترجمة: يوسف كمال بك حتاتة الطبعة الأولى، مصر1913م: 178، دليل الخليج،ج.ج لوريمر، القسم التاريخي، ترجمة:مكتب الترجمة بديوان حاكم قطر، مطابع علي بن علي، الدوحة، (د.ت):2/748.

[26]  الديوان:4/78.

[27]  الرعان: جمع الرعن: قمة الجبل.

[28]  ينظر: الشيعة في المملكة العربية السعودية، حمزة الحسن، مؤسسة البقيع لإحياء التراث (د.ت):1/146، القطيف واحة على ضفاف الخليج:372،تاريخ الدولة السعودية الثانية: 197، آل سعود ماضيهم ومستقبلهم: 80.

[29]  ينظر: القطيف واحة على ضفاف الخليج: 372، الشعر في الجزيرة العربية342: الشعر ودوره في الحياة:1/282، الشيعة في المملكة العربية السعودية:1/12، أعيان الشيعة:2/30، أمراء وغزاة ـ قصة الحدود والسيادة الإقليمية في الخليج ـ (دراسة وثائقية)، د. عبد العزيز عبد الغني إبراهيم، دار الساقي، الطبعة الثالثة، بيروت 1995م:16ـ17.

[30]  الديوان:3/216.

[31]  الوأل: الخلاص، يقال وأل إليه: لجأ وخلص، ينظر: القاموس المحيط(وأل)

[32] ينظر: تاريخ الدولة السعودية الثانية: 208، الشيعة في المملكة العربية السعودية: 1/163، 1/197، التصدي السعودي للحكم العثماني للأحساء والقطيف، د.عبد الله ناصر السبيعي، الطبعة الأولى، الرياض 1420هـ/1999م:6/46، الشعر ودوره في الحياة:1/282.

[33]  ينظر: أعيان الشيعة:2/30.

[34]  الديوان:3/39.

[35]  ناصر بن راشد السعدون الملقب بالأشقر شيخ قبائل المنتفق وولي على البصرة من قبل العثمانيين في 1289هـ/1894م، وجعلت البصرة ولاية بعد أن كانت متصرفية، ينظر: مختصر تاريخ البصرة، علي ظريف الأعظمي، بغداد 1927م:153ـ154.

[36]  الديوان:3/114.

[37]  ينظر: ساحل الذهب الأسود، محمد سعيد المسلم، الطبعة الثانية، بيروت1403هـ/1983م: 186، تاريخ الدولة السعودية الثانية: 222، دليل الخليج، القسم التاريخ: 1/370، الشيعة في المملكة العربية السعودية:1/15، أعيان الشيعة:2/30.

[38]  مدحت باشا بن القاضي حافظ محمد أشرف أفندي الروسجقلي، وكان اسمه الأصلي أحمد شفيق، والي مصلح من كبار رجال الحرية، ولد في القسطنطينية سنة 1238هـ/ 1822م، ونشأ وتدرج في الوظائف الحكومية حتى أصبح والي بغداد سنة 1285هـ/1869م، وأصدر جريدة الزوراء وهي أول صحيفة صدرت في بغداد في يوم الثلاثاء 5/ربيع الأول سنة 1286هـ/16 حزيران 1869م، وبعد حملته على الأحساء والقطيف عاد إلى الأستانة وعين صدراً أعظم، وكان له اليد الطولى في تأسيس الدستور العثماني، وحدثت بعض القضايا أدت إلى نفيه إلى الطائف، واغتيل فيها سنة 1301هـ، ينظر تفصيل أخباره في: مدحت باشا، صديق الدملوجي، مذكرات مدحت باشا، مختصر تاريخ البصرة: 153ـ154، مذكرات سليمان فيضي، الطبعة الرابعة، بغداد 1998م:74،الشعر العراقي أهدافه وخصائصه في القرن التاسع عشر:16،أربعة قرون من تاريخ العراق، ستيفن همسلي، ترجمة:جعفر الخياط، الطبعة الرابعة، بغداد 1968م:358ـ وما بعدها.

[39]  ينظر: مدحت باشا:42، أربعة قرون من تاريخ العراق:362، أعيان الشيعة:2/30.

[40]  الديوان:4/94.

[41]  جمع جَحجاح: السيد الكريم.

[42]  ينظر: الحكم والإدارة في الأحساء والقطيف وقطر، د.عبد الله ناصر السبيعي، الطبعة الأولى، الرياض 1420هـ/1999م:190.

[43]  الديوان:4/159.

[44]  ينظر: الحكم والإدارة في الأحساء والقطيف وقطر:190.

[45]  ينظر: أمراء وغزاة:115، أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث:،364، الحملة العسكرية العثمانية على الأحساء والقطيف وقطر، د.عبد الله ناصر السبيعي، الطبعة الأولى، الرياض 1420هـ/1999م:1/178، الحكم والإدارة في الأحساء والقطيف وقطر: 187.

[46]  الديوان:4/65.

[47]  الديوان:4/126.

[48]  ينظر: أعيان الشيعة:2/29.

[49]  الديوان:4/126.

[50]  ينظر: القطيف واحة على ضفاف الخليج:372.

[51] الحركات الفكرية في القطيف، الشيخ عبد الله الخنيزي (نخطوط) في مكتبة المؤلف:3/14.

[52] العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، القيرواني (الحسن بن رشيق،ت456هـ)، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الجيل، الطبعة الرابعة، بيروت1972م:2/104.

[53]  الديوان:1/4ـ6

[54]  الديوان:1/4،6.

[55]  الديوان:1/6.

[56]  يعبر الفلاسفة بالفيض عن الوجود، ينظر: كتاب التعريفات، الجرجاني (الشريف علي بن محمد، ت816هـ)، دار الكتب العلمية، الطبعة الثالثة،بيروت1408هـ/1988م:169، الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة، الشيرازي (صدر الدين محمد،ت1050هـ)، دار المعارف الإسلامية، الطبعة الثانية، (د.ت):1/105.

[57]  الديوان:1/6ـ7.

[58]  ينظر:سورة الإسراء:1، النجم:6ـ18.

[59]  قال نصير الدين: ((وجوب الوجود يقتضي نفي الرؤية.وأكثر العقلاء ذهبوا إلى امتناع رؤيته تعالى، والمجسمة جوزوا رؤيته لاعتقادهم أنه تعالى جسم ولو اعتقدوا تجرده لم يجوزوا رؤيته، والأشاعرة خالفوا … وزعموا أنه تعالى مع تجرده يصح رؤيته)) ولتفصيل أكثر ينظر: كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، الطوسي (نصير الدين محمد بن الحسن، ت672هـ)، تحقيق:السيد إبراهيم الزنجاني، مؤسسة الأعلمي، الطبعة الأولى، بيروت 1399هـ/ 1979م:321ـ324.

[60]  الديوان:1/9.

[61]  الديوان:1/30.

[62]  الديوان:1/77.

[63]  كفر الشيءَ غطاه، وسمي الليل كافراً:؛لأنه يغطي بظلامه.

[64]  ينظر: تاريخ الطبري(تاريخ الرسل والملوك)، الطبري (أبو جعفر محمد بن جرير، 310هـ)، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، الطبعة الثانية، مصر 1968م:2/514، الكامل في التاريخ، ابن الأثير (أبو الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم الجزري، ت630هـ)، دار الكتاب العربي، الطبعة الثانية، بيروت1387هـ/1967م: 2/107، تنوير الحوالك، السيوطي (أبو الفضل عبد الرحمن بن أبي بكر، 911هـ)، المكتبة التجارية الكبرى، مصر 1389هـ/ 1969م: 1/213، عون المعبود، محمد شمس الحق العظيم أبادي الطيب، دار الكتب العلمية، الطبعة الثانية، بيروت 1415هـ/1995م: 10/264، كشف الخفاء، إسماعيل بن محمد العجلوني الجراحي، تحقيق: أحمد القلاش، مؤسسة الرسالة، الطبعة الرابعة، بيروت 1405هـ/1985م:2/488.

[65]  الديوان:1/69.

[66]  الغاشية: الداهية وهي هنا الحرب، البنان: الأصبع وأراد به العود الأخضر، الغادة: الشجرة الغضة، الخَضُد: الرطب.

[67]  النكس مفرد الأنكاس: الأراذل.

[68]  السِتار: اسم جبل.

[69]  ينظر: السيرة النبوية، ابن هشام (أبو محمد عبد الملك المعافري، ت213هـ)، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد، مصر 1974م:3/135، تاريخ الطبري:2/574، دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة، البيهقي (أبو بكر أحمد بن الحسين، ت 458هـ) تحقيق: د. عبد المعطي قلعجي، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، بيروت 1405هـ / 1985م: 3/438 ـ 439، الكامل في التاريخ: 2/124، السيرة الحلبية، الحلبي (علي بن برهان الدين، ت 1044هـ)، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، الطبعة الأولى، مصر 1384هـ/ 1964م:2/641ـ643.

[70]  ينظر: القصيدة المذهبة في مدح أمير المؤمنين علي بن أبي طالب مع شرح الشريف المرتضى، تحقيق: محمد الخطيب، دار الكتاب الجديد، الطبعة الأولى، بيروت1970م: 144.

[71]  الديوان:2/176.

[72]  الديوان:2/175ـ176.

[73]  البهرج: الشيءُ المباح، وأيضاً الرديء والباطل من الشيء.

[74]  وزن بحر الرمل المعروف:

فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن

فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن

[75]  الديوان:2/42.

[76]  ينظر: العروض تهذيبه وإعادة تدوينه، جلال الحنفي،الطبعة الثانية، بغداد 1405هـ/1985م: 390.

[77]  الديوان:3/92.

[78]  الديوان:3/95.

[79]  الديوان:3/93.

[80]  العراء: الفضاء الواسع.

[81]  الديوان:3/93.

[82]  الديوان:3/97.

[83]  الغَمْر: الكثير.

[84]  سورة القلم:4.

[85]  الديوان:3/93ـ94.

[86]  شَرِق: غَصَّ.

[87]  الديوان:3/94.

[88]  الديوان:3/96.

[89]  ينظر: الفن ومذاهبه في الشعر العربي، د.شوقي ضيف،الطبعة السابعة، مصر (د.ت):322.

[90]  تطور الشعر العربي الحديث في العراق: 33ـ34.

[91]  الديوان:1/134.

[92]  المحال: الكيد.

[93]  الجَلْجَلة: حركة مع الصوت، السجال: جمع السَجْل وهي الدلو الضخمة المملوءة، ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير (مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد الجزري،ت606هـ)، تحقيق: طاهر أحمد الزاوي ومحمود محمد الطناحي، دار إحياء الكتب العربية، الطبعة الأولى، مصر 1383هـ/1963م: 1/284.

[94]  الديوان:1/134

[95]  الديوان:2/45

[96]  احتفَل وحفلَ الشيءَ: بالى به.

[97]  الديوان:4/215- 216.

[98] الشعر والشعراء، ابن قتيبة (أبو محمد عبد الله بن مسلم، ت276هـ)، تحقيق: أحمد محمود شاكر،الطبعة الثانية، دار المعارف، القاهرة 1961م: 75.

[99] منهاج البلغاء وسراج الأدباء، القرطاجني (أبو الحسن حازم،ت 684هـ)، تحقيق: محمد الحبيب بن الخوجة،تونس 1966م:154، بناء الصورة الفنية في البيان العربي، د. كامل حسن البصير، مطبعة المجمع العلمي العراقي 1407هـ/1887م: 343.

[100]  الكز: القبيح.

[101] العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده:2/116.

[102]  تمهيد في النقد الحديث:286.

[103] الأدب العربي في الأحواز، عبد الرحمن كريم اللامي، بغداد 1985م:233.

[104]  الديوان: 3/87.

[105]  الديوان:3/90.

[106]  الديوان:1/53.

[107]  الديوان:3/90.

[108]  الديوان:1/54.

[109]  الديوان:1/54.

[110]  اليلب: الدروع اليمانية.

[111]  القَسامَة والقَسام: الحُسن، ويقال للمرأة الجميلة قَسيمَة..

[112] المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها:3/1149،1205،1230.

[113] شعر أوس بن حجر ورواته الجاهليين،محمود عبد الله الجادر، دار الرسالة، بغداد 1979م:316.

[114]  الديوان:3/45.

[115]  الديوان:2/213.

[116]  مائرة: أي نشيطة، ويقال ناقة مائر و مائرة إذا كانت نشيطة في سيرها فتلاء في عضدها.

[117]  الديوان:3/185ـ186.

[118]  الديوان:3/14.

[119]  الديوان:1/101.

[120]  الَهَيف: ضُمر البطن ورِقة الخاصرة.

[121]  الديوان:3/180.

[122]  الديوان:3/180.

[123]  الديوان:1/54.

[124]  الديوان:3/180.

[125]  ينظر: ديوان أبي نواس، تحقيق: أحمد عبد المجيد الغزالي، دار الكتاب العربي، بيروت (د.ت)ـ المقدمة ـ: م، ن.

[126]  الديوان:3/90.

[127]  الديوان:4/110ـ111.

[128]  الديوان:3/44ـ45.

[129]  الإهباء: التراب، المثار: مكان سطوع الغبار وهيجانه.

[130]  الأسرة: جمع السِرار وهو خط الجبين المتكسر، وجمع الجمع: أسارير، وقيل هي الخدود أيضاً، الإملاء: الإمهال والتأخير.

[131]  الجِداية: بالكسر والفتح الذكر والأنثى من أولاد الظباء.

[132]  الديوان:3/45ـ46.

[133] ديوان امرئ القيس، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، الطبعة الرابعة، مصر 1984م:31ـ32.

[134]  الديوان:3/203.

[135]  الديوان:4/24.

[136]  الديوان:3/203.

[137]  الديوان:3/89.

[138]  الديوان:3/110.

[139]  الديوان: 4/105.

[140]  الديوان:4/107.

[141]  تمهيد في النقد الحديث:286.

[142]  الديوان:3/172.

[143]  الشعر السياسي العراقي في القرن التاسع عشر: 278.

[144]  الديوان:3/215.

[145]  العِلق بالكسر، النفيس من كل شيء، والجمع أعلاق،ينظر: القاموس المحيط(علق).

[146]  الشعر والشعراء:1/75.

[147] العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده:1/225.

[148]  الديوان:2/173.

[149]  الماذي: الأبيض.

[150]  تخفَّج في مشيه: مال.

[151]  الديوان:2/174.

[152]  الديوان:4/ـ140139.

[153]  ينظر أيضاً الديوان:2/23،52،58، 71،125.

[154]  يقول ابن رشيق:((ليس من عادة الشعراء أن يقدموا قبل الرثاء نسيباً كما يصنعون ذلك في المدح والهجاء، وقال ابن الكلبي ـ وكان علامة ـ لا أعلم مرثية أولها نسيب إلا قصيدة دريد الصمة:

بعافيةٍ أو أخلفت كل موعدِ؟

أرَثَّ جديدُ الحبلِ من أم مَعبدٍ

ينظر: العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده:2/151، وينظر: منهاج البلغاء وسراج الأدباء:1/66.

[155] المطلع التقليدي في القصيدة العربية، عدنان عبد النبي البلداوي، تقديم: د. إبراهيم السامرائي، مطبعة الشعب، بغداد 1974م: 87.

[156]  المطلع التقليدي في القصيدة العربية:86ـ92.

[157] ثلاثة شعراء عراقيين بين العقم والتقليد، د. نعمة رحيم العزاوي، المكتبة العصرية، بغداد (د.ت):19.

[158] المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، ابن الأثير (أبو الفتح ضياء الدين نصر الله بن محمد)، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، بيروت 1995م: 1/169.

[159]  مقابلة شخصية مع الأستاذ محمد رضا بن منصور آل نصر الله، في منـزل والده في القطيف بتاريخ:27/ رمضان 1421هـ.

[160] العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده:2/266، المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها:1/73، الفن ومذاهبه في الشعر العربي:335.

[161]  الشعر ودوره في الحياة:1/28283.

[162]  دراسات نقدية في الأدب العربي:153.

[163] مقدمة القصيدة العربية في الشعر الجاهلي، د.حسين عطوان، دار المعارف، مصر 1970م:117.

[164] ابن هانئ الأندلسي درس ونقد، د. منير ناجي، دار النشر للجامعيين، (د.ت):231.

[165]  الشعر السياسي العراقي في القرن التاسع عشر:280.

[166]  ينظر: في النقد الأدبي الحديث:93، مواقف في الأدب والنقد، د.عبد الجبار المطلبي، دار الحرية للطباعة، بغداد 1980م:117.

[167]  الشعر العراقي أهدافه وخصائصه في القرن التاسع عشر:31.
304977