فحيح في غابة الذاكرة
جاسم الصحيح * - 1 / 3 / 2011م - 10:00 ص - العدد (22)

من منتهى وجعي المطلي بالترفِ

آتٍ وعمري تابوتٌ على كتفي

هل عند (لبنان) قصرٌ.. لا شهيدَ به

أهدي إليه شهيداً بالقصور حفي

عندي جنازة أحلام بخلت بها

على ضريح بغير الغيم، ملتحف

في جبهتي عرَّت الصحراء سرتها

للناظرين.. ولم تخجل ولم تخف

والعاصفات التي غاصت بأوردتي

غاصت إلى الجذر حتى أيقظت سلفي

فاهتز (طرفة) يستجلي بداوته

مصقولة بأغاني، الرفض والأنف

واحتلني قمراً حراً، ونافذة

تبرأت من ستار الليل، والسجف

تبت دمائي يا (ابن العبد) لو خمدت

من مجمر في لهيب الشعر، معتكف

أنا ابن شوطك.. ماحاضت مطهمة

أسرجتها في براري الهم والكلف

النخل صلبي.. فما من نخلة سقطت

إلا سمعت أنين الجذع في نطفي

تقاتل الريح ضد الريح حاشدة

سرب الطواحين في حرب على سعفي

في سمرتي ترك الأجداد عزتهم

تجري على حد سكين من الشظف

ما زلت أصحو على أجراس سنبلة

في بيدر الشمس لم تخضع لمقتطف

غادرتها وأنا عصفور ملحمة

من الصبابات، مفطور على الدنف

خبأت عطر الليالي في حويصلتي

مستشهداً بالشذا أن الحنين وفي

كل النخيل العرايا حين طفت بها

كسوتها بهدايا الريش، والتحف

وجئت عريان من ريش ومن زغب

حتى ومن كل سر غير منكشف

لبنان.. واستيقظت غابات ذاكرتي

على فحيح بحمى الأمس مرتجف

من أين أدخل.. والتاريخ دائرة

من الثعابين لُفت حول منتصفي

لو كان دربك في أحشاء باغية

عبرت منه بقنطارين من شرفي

أو كان دربك في أعطاف راقصة

قلت: اشتريني ببعض الدَّل والهيف

أو كان دربك في أوراد راهبة

جاوزت فيه مقام التوق والشغف

لكن دربك سفاح وأضحية

تبتلا لاحتكار الحزن في طرف

من أين أدخل يا لبنان محتضناً

جرحي على شمعدان فيَّ، معتكف

لا تدَّع الشوق في ظل الخبير به ..

عيناك تقدح بالإعراض والجنف

أنا الذي فيهما بعثرت قافلة

من ذكريات أحالتني إلى نتف

خذني عناقاً بلا زندين.. يجذبني

من جوهري ويعريني من الخزف

فقد أجوز إلى (عشتار) جنتها

في آخر الجسد المملوء بالغرف

لبنان يا حيرة النجوى على شفتي..

ألقاك في الناس أم ألقاك في الصحف؟!

جيل أنا الآن.. جيل لا شعار له

إلا التشرذم منقوش على كتفي

حيران أبحث عن رأسي وقد هربت

مني.. وشيعت في آثارها هدفي

لا قهوة في مقاهي الأمس قادرة

تصطاد همي وتستولي على صلفي

ألقاك أين؟! وقد أدمنت صعلكتي

في الأبجدية بين (الياء) و(الألف)

ما جئت ينبوع بغي كي تشاطرني

بغيي.. ولا جئت مندوباً عن الشرف

عمري بدنيا الهوى – والهفتي – امرأة

أنهت مراهقة الثديين في كنفي

لكن وإن طرحت بي ألف حافلة

من الملذات.. لم تعطل ولم تقف

ما مست الفتنة الشقراء من جسدي

عرقاً أعارك محراباً من الشغف

هاك استلمني على منديل قابلتي

طفلاً وليداً من الأشواق واللهف

لا تنتظر باقة الأمداح أنثرها

عليك.. ممزوجة بالورد والطرف

إني رفضت سحاق المفردات، فما

وسدتهن على سطر من الترف

وجئت أسأل عنك الشط: هل رجعت

جنية الشمس من زنزانة الصَّدف

تفتحت لك (بيروتان) في خلدي

هذي ابنة الوعد والأخرى ابنة الصُّدف

بيروتك الحب لم أعرف ملامحها

إني وعيت على بيروتك التلف

لبنان.. واصطفَّت الألقاب حاشية

حولي، وآنافها مبتورة الأنف

ألقاك أين؟! وفيما بيننا انتصبت

هذي التماثيل من وهم ومن خزف

وما يزال اممتداد الصمت في جسدي

يسطو على كل عضو في الهدير، خفي

واحيرتي!! وأنا كثبان أسئلة

تعدو بها ريح أسلافي إلى خلفي

خذني لنحيا جحيماً واحداً أحداً

في هاجس باتجاه الكل، منجرف

لبنان.. يا غائباً في عمق حضرته..

ألقاك في الناس أم ألقاك في الصحف

لبنان.. ناديت من قلبي.. فجاوبني

لبنان من داخل الأرحام والنطف:

إني هنا في ضمير الغيب، يحملني

نهر تعثر في سد من الجيف

لبنان.. هذا مقام البوح يرفعني

في أفق نجواك، مصلوباً على الأسف

ألوذ بالتوبة الكبرى فتنفضني

من هاجس في طقوس الحزن، منصرف

زوراً أُبرئ نابي إذ أبرئه

عن النيوب التي اجترتك في العلف

كل الغزاة الألى كرت جحافلهم

عليك ، كرت ـ وأيم الله ـ من طرفي

يا (يوسف) الصفح.. ذنبي فيك يسجنني

حزناً ويطلقني في دمعي الذرف

كفارتي ضاق عنها النفط، وانطفأت

آباره من ملذاتي ومن سرفي

ما زلت أدلى بها دلوي فتملؤه

بما تخبئ من بؤس ومن شظف

في أي بئر أمد الحبل منعقداً

من تمتمات على أشداق معترف؟!!

فربما صفحك الميمون يطلع لي

بشرى تزف عروس الماء للسعف

غفران (يوسف) أحلى من وسامته

فاغفر ثرائي في أعوامك العجف

 * * * *

شاعر
381663