دراسة مواقع ومدن أثرية بالمنطقة الشرقية
سعيد حبيب الصناع - 4 / 3 / 2011م - 7:23 ص - العدد (23)

مقدمة عن المنطقة الشرقية

تقع المنطقة الشرقية على الخط الساحلي الممتد من عمان جنوباً إلى الطرف الجنوبي من العراق. وعلى هذا الخط ظهرت بواكير الاستقرار الإنساني وظهرت نشوء الحضارات والمدن ومارست الشعوب دوراً كبيراً في صنع الأحداث في المنطقة منذ الألف الثالث قبل الميلاد.

كذلك دلت الآثار المكتشفة بهذه المنطقة على أنها تمتد إلى العصر الحجري والبرونزي، وقد اكتشفت عدةّ مواقع للعصر الحجري في المنطقة في الجبيل في مواقع الدوسرية وواحة يبرين عين دار، وعين السيح، عين قناص.

ويكاد يكون الاستيطان الإنساني في المنطقة الشرقية أكثر وضوحاً من أي جزء آخر من المملكة حيث قربها أو توسطها بين مراكز الحضارات القديمة كحضارة الهند وفارس شرقاً، وحضارة اليمن في الجنوب، وحضارة وادي الرافدين شمالاً، وحضارة وادي النيل غرباً[1] .

ومع الاستقرار الحضاري في المنطقة تكونت الحكومات المحلية ومارسوا التجارة والملاحة والاستفادة من البحر. ولقد ذكرت المصادر التاريخية أن الفينقيين أحفاد الكنعانيين سكنوا المنطقة قبل نزوحهم عنها إلى شواطئ البحر الأبيض المتوسط، وقد عرف عنهم بأنهم قوم مغامرون اشتهروا بالملاحة والتجارة. وجابوا الآفاق واختلطوا بالأمم وغزوا الشعوب وبسطو نفوذهم عليها ونشروا فيها حضارتهم وثقافتهم. كما سيطروا على اقتصاد المنطقة ردحاً من الزمن فكانت لهم مكانة كبيرة ومرموقة بين الشعوب، وكما كانت المنطقة موطن الفينقيين كذلك كانت مهداً لشعوب أخرى كالسومريين والكلدانيين اللذين هاجروا إلى بلاد الرافدين في فترات متعاقبة ويدعم هذا الرأي أو هذا الاتجاه شواهد تاريخية وعرقية ولغوية يدعم بها حجته ويثبت آرائه. وعلى ساحل الخليج العربي وتحديداً في المنطقة الشرقية قامت حضارة دلمون والتي تعود تاريخها إلى فترة الألف الثالث ق. م وتشكل هذه الحضارة مملكة دلمون وتشمل جزر البحرين والسواحل المقابلة لها من الجزيرة العربية والذي يعرف قديماً بإقليم البحرين.

وقد ذكرت المصادر التي تم الحصول عليها بأنها مملكة يحكمها ملوك وقد اشتهرت هذه المملكة بالرقي والتقدم في العلوم والتجارة والغنى والثروة فكانت تصدر التمور والأخشاب والمعادن كالحديد والبرونز، مما جعلها عرضة للاعتداء والاحتلال من قبل الدول القوية والمجاورة لها سيما الدول التي قامت في وادي الرافدين فقد تباهي ملوك اكاد وأشور بحملاتهم العسكرية[2]  على مملكة دلمون وانتصاراتهم عليها منذ الملك الأكدي لوكال زكة سنة 2400 - 2371 قبل الميلاد.

واستمرت الحملات العسكرية على المنطقة من قبل الملوك المتعاقبين اللذين حكموا بلاد الرافدين حتى الملوك الأشوريين. فتذكر لوحة أثرية بأن الملك الأشوري سرجون الثاني 724-705 ق. م. حيث وصلت أخباره وعظمته وقدرته الملك ابيري ملك دلمون والذي أسرع مبادراً بإرسال الهدايا إلى ملكها.

وكانت المنطقة تنعم بالاستقرار والأمن وتتنفس الصعداء كلما شغلت عنها حكومات وادي الرافدين بالفتن الداخلية أو بالحروب مع الدول الأخرى كالعيلاميين في فارس أو الرومان والمصريين في وادي النيل.

ومع وجود الاستقرار والأمن بدأ الاستيطان البشري بالمنطقة متواصلاً حتى الفترة الهلنستية وازدهرت تجارة المنطقة من جديد فقامت أمارة الجرهاء في هجر في منتصف الألف الأول قبل الميلاد، فكانت أمارة أو دولة الجرهاء على جانب كبير من الغنى والثروة والتحضر وكانت أيضاً على جانب كبير من القوة والمنعة حيث أمنت طرق التجارة.

وكانت عرضة لأطماع الأسكندر الأكبر حيث رسا أسطوله قرب نهر الفرات وبدأ في وضع مخطط لغزو جزيرة العرب غير أن المنية وافته قبل بلوغ هدفه، غير أن الأطماع في غزو الجرهاء ظلت حلماً يراود خلفاء الأسكندر. وأيضاً لم تكن الأطماع قاصرة على ملوك اليونان والرومان بل تعرضت للاعتداء من قبل الدول المنافسة لها في ميدان التجارة كدولة سبأ ودولة حمير في الجنوب.

وفي القرن الثاني الميلادي تمكن أردشير من إخضاع البلاد لسيطرته. ومع تحول طرق التجارة من الخليج العربي إلى البحر الأحمر فقدت الجرهاء مركزها التجاري واختفت ولم يعرف لحتى الآن مكانها بالتحديد.

ومع انفراج الوضع السياسي والاجتماعي في المنطقة بدأت القبائل العربية تظهر على المسرح في الخليج فتواصلت هجرة القبائل العربية إلى المنطقة فسكنت فيها قبائل قضاعة والأزد وأياد وقبائل التنوخ ومن أشهر القبائل العربية التي سكنت المنطقة قبل الإسلام قبيلة بنو عبد القيس اللذين سكنوا منطقة هجر وازدهرت المنطقة في عهدهم وتقدمت الحياة الفكرية والأدبية وأقامت الأسواق الموسمية مثل سوق هجر، وهو من الأسواق المشهورة عند العرب. وتبوأت اللغة العربية الفصحى مكان الصدارة وبرز فيها فحول الشعراء مثل عدى بن ربيعه وطرفه بن العبد ومالك بن عروة وعمرو بن مرثد والمتلمس وغيرهم كثيراً. وكذلك عرفت المنطقة نساء شاعرات مثل الخرنق أخت طرفه وبنت حكيم، وأنجبت المنطقة الحكماء والخطباء أمثال قس بن ساعدة الأيادي والراهب بحيرا والمنذر بن عائد الملقب بالأشج وهم ممن عرفوا وبشروا بالإسلام قبل ظهوره.

والمتتبع للحياة الفكرية والاجتماعية بالمنطقة قبيل الإسلام يدرك أنها قد بلغت درجة كبيرة من النضج العقلي فقد كانت ملتقى للأدب والأدباء في سوق هجر والمشقر والذي يقام سنوياً إلى جانب أنها كانت ملتقى لكثير من الديانات التي رفدت إليها من جميع الأجناس بحكم مركزها الاقتصادي وموقعها الاستراتيجي وظهرت النصرانية واليهودية والمجوسية وعرفت ألواناً من النشاط الفكري وكل هذه كونت شبه استعداد نفسي لاستقبال أمر جديد وهيأت الظروف والشعور لتقبل الدين الجديد وهو رسالة التوحيد [3] .والتي صدع بها الرسول " ص " بمكة المكرمة قبل الهجرة إلى المدينة المنورة وإقامة نواة الدولة الإسلامية الكبرى.

موقع وجغرافية المنطقة الشرقية

تقع المنطقة الشرقية على خط العرض:

شمال: 29,3

جنوب: 23,3

وخط الطول شرق: 51

غرب: 45

وتبلغ مساحة المنطقة الشرقية حالياً حسب التقسيم الإداري للملكة العربية السعودية 778479 كيلو متر تقريباً، أي ما نسبته 36% من المساحة الإجمالية للمملكة والبالغة 2,15 كيلو متر مربع. وبذلك تكون أكبر مناطق المملكة مساحة على الإطلاق.

وتقع من ضمنها ثلاث صحاري هي صحراء الربع الخالي، وصحراء الدهناء، وصحراء النفوذ. ويمتد السهل الساحلي عبر الخليج العربي من الخفجي شمالاً إلى سلوى جنوباً وبطول 600كم ومتوسط عرض 60كم وهو سهل منخفض شبه مستوي تكثر فيه السبخات والأراضي المالحة[4] .

وجغرافية المنطقة هي أراضي زراعية منبسطة قليلة الارتفاع كانت رفاً قارياً لكتلة الدرع العربي وكانت الأراضي في الماضي السحيق تغمرها مياه البحر وفوقها تكونت رواسب الصخور الجيرية والطينية والرملية ثم ظهرت فوق سطح البحر وتكونت المناطق القبابية في المنطقة وكونت أكبر مخزون للمياه كما هو الآن في منطقة الأحساء والقطيف ووادي المياه[5] .

وظاهرة التضاريس في المنطقة الشرقية قليلة فالأرض منبسطة قليلة الارتفاع وتحيط بها التلال والكثبان الرملية والتي زحفت على بعض المواقع التاريخية وغطت بعض الطبقات وتدل هذه المواقع على نمط الاستمرارية والتسلسل التاريخي ولا توجد جبال تذكر بالمعنى المعروف في المنطقة إلاّ بعض الجبال القليلة والغير مرتفعة والتي تكونت بفعل الترسبات الجيرية والطينية.

من المدن التاريخية والأثرية بمنطقتنا والتي لم تأخذ نصيباً من الاهتمام أو الدراسة من قبل الباحثين والدارسين "دويليب" في منطقة صفوى.

1 _ دويليب:

 بفتح أوله وتسكين ثانية، يقع موقع دويليب بصفوى وهو جزء من المدينة والتي تقع على الخط الساحلي للخليج والذي تكثر فيه المواقع الأثرية. وصفوى مدينة تاريخية قديمة تقع إلى الشمال من القطيف على بعد 15كم، وسكنتها قبيلة بنو حفص قبل الإسلام. وذكرت باسم الصفا بالفتح في معجم البلدان والصفا أيضاً نهر بالبحرين يتخلج من عين ملحم فقال لبيد في شعره:

سُحُق بمنسعة الصفا وسرية

عُم نواعم بينهن كُرُوم

وقد ذكرها الشاعر جرير أيضاً بالصفا كقوله:

تركتم بوادي رحرحان نساءكم

ويوم الصفا لاقيمتم الشعب أوعرا

وذكرت الصفا مقرونة بوجود النخيل فيها كقول الشاعر ذي الرمة:

خليلي مُدا الطرف حتى تبينا

أضعن بعلياء الصفا أم نخيلها

فقلت أعيدا الطرف ما كان منبتاً

من النخل خيشوم الصفا فأميلها

ومن المعروف أن وجود النخيل بكثرة بهذه المنطقة يعني وجود الماء بقربها أماكن للسكن ومن ثم بناء الدور والحصون[6] ، وبناء المدينة.

وذكرت صفوى باسم صفواء بألف ممدودة كقول الشاعر أبن المقرب العيوني في القرن السابع الهجري:

والخط من صفواء حازوها فما

أبقوا بها شبراً إلى الظهران

فصفوى مدينة عريقة وقديمة وقرنت ببعض الشواهد التاريخية وتعتبر من المناطق الثرية في واحة القطيف نظراً لنشوء الاستقرار والاستيطان المبكر في هذه المنطقة منذ العصور القديمة والتي كانت صفوى من ضمن هذه المناطق التي تتمتع بموقع استراتيجي على الخليج فنظر لقربها من البحر فمن الطبيعي وجود المرافئ لرسوا السفن التجارية والتي تساعد على الاتصال بالمجتمع الخارجي في المحيط بها والتي لعبت دوراً كبيراً في الحياة السياسية والاقتصادية وقرنت صفوى أيضاً بوجود كثرة النخيل وجود ينابيع المياه فيها بكثرة.

وقد تم حصر 29 عيناً ونذكر أهم العيون من حيث غزارة المياه.

 1.  عين داروش: وهي من العيون التاريخية وتنسب إلى الملك الأخميني الذي بسط نفوذه على المنطقة في الفترة بين 531-485 ق. م. واشتهرت هذه العين بغزارة مائها وقوة اندفاعه وتسير فيها جداول مائية كبيرة تجاوزت سبعة جداول تغطي المناطق الزراعية المجاورة لها. طول 13 39 26ْ شمال وعرض 39 57 49ْ شرق

  2.    عين العتيقة: وهي عين نباعه وغزيرة تسقيها أربعة أفرع باتجاهات مختلفة. طول 52 38 26ْ شمال وعرض 42 57 49ْ شرق

  3.    عين جاوان. وهي من العيون القديمة والأثرية جداً.

  4.    عين دويليب. عين نباعة وهي مكان بحثنا هذا. إحداثيات خط طول 35 39 36ْ شمال خط عرض 33 58 49ْ شرق.

  5.    عين شعاب.

  6.    عين البمبدي.

  7.    عين أبو شملة.

  8.    عين عرقوبة.

  9.    عين العرضمية.

10.  عين وسط الديرة القديمة.

11.  عين العضرومية.

12.  عين الشقب.

13.  عين الخشكاري.

14.  عين أم عريش.

15.  عين الجعيمة.

16.  عين الثوير.

17.  عين مشعاب. طول 52 48 26ْ شمال عرض 47 56 49ْ شرق.

18.  عين قضباء.

19.  عين كوكب الشحم.

20.  عين اسعيدة.

21.  عين أبو شميلة.

22.  عين صفوى.

23.  عين السبخة.

24.  عين لقميص " اللقميطية ". طول 29 36 26ْ شمال عرض 24 58 49ْ شرق.

25.  العين الجنوبية. طول 52 38 26ْ شمال عرض 42 57 49ْ شرق.

26.  عين العولية. طول 18 38 26ْ شمال عرض 02 58 49ْ شرق.

27.  عين الحزم.

28.  عين خويلد.

29.  عين المسيبة.

وكثرة العيون تدل إلى دلالة على أنها كانت تتمتع بدخل اقتصادي زراعي وأخر. وكذلك تدل على ممارسة السكان لمهنة الزراعة.

دويليب:

دويليب لغة تصغير لكلمة دولاب وهي آلة تدور على محالة وهي آلة استخراج الماء من الآبار والعيون. وتطلق أيضاً على الساحات الزراعية فيطلق كلمة دولاب فلان أي مزرعة فلان. وتسمى أيضاً الجبل وكذلك تسمى المطاعن حيث كانت قديماً مركز لتحميل البضائع.

موقعها: تقع دويليب أو عين دويليب بصفوى على بعد 15كم شمال القطيف وهو عبارة عن تل بسيط قليل الارتفاع بقع على بعد 2كم شرق مدينة صفوى وإلى الشرق من الموقع يقع البحر على بعد 1.5كم ومن الشمال يقع مدفن جاوان على بعد 5كم وهي المنطقة الأثرية المعروفة التي تعود أطلالها إلى بداية القرن الأول الميلادي والمعروفة بالعصر الهلينستي وإلى الجنوب على بعد 10كم تقع مدينة الزارة وهي من أعز وأمنع مدن هجر في صدر الإسلام ويدلنا على ذلك حينما وفدوا بني عبد القيس على الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وسألهم عن أيي هجر أعز فأجابوا الزاره[7] .

طبيعة سطحها:

سطحها تل بسيط الارتفاع تحيط به المزارع من جميع الجهات ويمتاز تربته بجودتها وصلاحيتها للزراعة وطبيعة أرضها طينية، تكثر فيها الأعشاب البحرية وخاصةً نبات القرم (المانجروف). وذلك لقربها من البحر.

وكذلك يوجد على سطحها أو باطن الأرض بقليل حجارة الفروش بكثرة وذلك نتيجة غمر مياه البحر في فترات زمنية سابقة معظم أراضيها في أوقات المد وينحصر أثناء فترة الجزر وكذلك وجود الأصداف والقواقع البحرية.

وهناك دراسة أجريت عام 1978م من قبل جيولوجيين وهم السيد هـ. مكلور، والسيد فيتا فتر باسم شواطئ البحر في عصر الهيلوسين على بعض عينات من الأصداف من رأس تنورة وأظهرت القراءات الزمنية على الرواساب البحرية بواسطة تحليل كربون 14 المشع، والتي أخذت من على ارتفاع من 1- 2 متر من سطح البحر ظهرت أن أقدمها يعود إلى فترة 4670سنة وعلى هذا فمنطقة رأس تنورة تقع على بعد 12كم تقريباً من موقع عين دويليب وهذا ما يثبت لدى الجيولوجيين تغير الساحل الشرقي للخليج من حيث انحسار البحر وتقدمه على اليابس عبر هذه العصور والتي بدورها أدت إلى تكوين هذه الرواسب البحرية.

معالمها الأثرية:

لا توجد معالم أثرية بارزه تذكر في عين دويليب سوى العين والكسر الفخارية الكثيرة المنتشرة على سطحها وبعض الحجارة الكبيرة المشذبه المتناثرة هنا وهناك والتي استخدمت للبناء في فترات زمنية سابقة ويعزو أحد الأسباب في عدم الحصول على أشياء مادية ملموسة هو ما حصل على تربتها من تعدي بالجرافات الكبيرة واستخدامها في المزارع المجاورة وكذلك استخدام تربتها بدفن البحر ومن المؤكد أن هذا التعدي الواضح قد أزال الكثير من المعالم الأثرية التي يمكن أن تعطي صورة أوضح عما تخفيه، وكذلك صغر مساحة التنقيب بمنطقة عين دويليب حيث أقتصر على فتح مربعين فقط.

ولكن تشير الطبقات بأن أرض دويليب ازدهرت عبر فترات حضارية استمرت عدّة حقب تاريخية وأمكن تحديد أربع فترات استيطانية واضحة:

  1.    فترة طبقة الفروش البحرية الغنية بالأصداف والقواقع وتوحي بأن البحر غطى المنطقة في فترة سابقة.

  2.    المرحلة الاستيطانية الأولى وتعود إلى فترة مبكرة جداً تعود إلى مراحل الاستيطان المبكرة في المنطقة.

  3.    المرحلة الاستيطانية الثانية والتي تعود إلى الفترة الساسانية والفترة الهلينستية.

  4.    الفترة الإسلامية المبكرة والفترات الإسلامية المتأخرة.

ومن خلال الأدلة المتوفرة لدينا عن موقع دويليب هو دراسة الفخار حيث عثر على كم هائل من الكسر الفخارية المتنوعة الأشكال والأحجام والألوان والتي تعود إلى فترات حضارية مختلفة، وأيضاً تعطي دراسة الفخار ضوء جديد ومزيد من المعلومات بأهمية الموقع وأنها كانت منطقة استيطان مبكرة وتعد من المناطق الأثرية والتاريخية في منطقة صفوى.

ونلاحظ أيضاً للتنوع الفخاري المكتشف في دويليب الصفة المحلية والخارجية لصناعته وأن الفخار الموجود هناك يتشابه مع ما عثر علية في طبقات بعض المواقع في شرق الجزيرة العربية مثل بقية مناطق القطيف والأحساء والجبيل وغيرها من المواقع مما يدل على وجود الامتداد الحضاري بهذا الموقع وارتباطها مع بعضها البعض وأن لها صلة بالمواقع المحيطة بها من خلال الفترات الزمنية التي عاشتها[8] .

وتدل دراسة طبقات الأرض ودراسة تصنيف الفخار بأن موقع دويليب يعود إلى الفترة الهلينستية المبكرة واستمر الاستيطان فيه متواصلاً حتى الفترات الساسانية والفترات الإسلامية المختلفة.

2- جواثا:

من المدن المهمة في إقليم البحرين وتقع في منطقة هجر بواحة الأحساء حالياً وكانت من أهم المواقع والمدن قبل الإسلام ومع دخول المنطقة في دين التوحيد تبوأت مكانة كبيرة لوجود أقدم المساجد التاريخية حتى تلاشت مكانتها في العصور الإسلامية اللاحقة.

جواثا بضم الأول وفتح الثاني وبين الألفين ثاء مثله يمد ويقصر وهو علم مرتجل. ورواة بعضهم جؤاثا بالهمزة فيكون أصله جئث الرجل إذا فزع أي مذعور فكانوا يرجعون إليه عند الفزع فسمي بذلك[9] . وتقع منطقة جواثا على ارتفاع 135متر شمال قرية الكلابية وشرق جبل الشعبة والذي يرتفع حوالي 228م عن سطح الأرض وإلى الجنوب منها تقع صحراء الجافورة وتتكون من التكوينات الرملية وتمتد حتى أطراف الربع الخالي.

وظاهرة التضاريس بمنطقة جواثا قليلة فالأرض منطقة زراعية وخصبة تزرع فيها النخيل بكثرة كقول الشاعر أبو تمام في العصر العباسي:

زالت بعينيك الحمول كأنها

نخل مواقر من نخيل جواثا

والأرض منبسطة تحيط بها التلال والكثبان الرملية التي زحفت على بعض مواقعها التاريخية وغطت بعض الطبقات. وتدل هذه المواقع بعد الكشف والتنقيب فيها على نمط الاستمرارية والتسلسل التاريخي كبقية المناطق المجاورة لها.

وما وجود قطع الفخار المنتشر حول الموقع بمختلف أشكاله وألوانه حيث أمكن تمييز دراسة بعض كسر الفخار بأنه يعود إلى الفترة الساسانية أي قبل الإسلام وكذلك وجود بعض المعادن المستخدمة قديماً وبعض كسر الزجاج الملون وأيضاً قنوات الري الزراعية القديمة حيث ما زالت ماثلة للعيان حتى الآن إلاّ دليل على وجود ازدهار حضاري ومدني في تلك الحقبة الزمنية القديمة. وقد أزهرت جواثا وعلا شانها وكانت لها مكانة كبيرة بين مدن المنطقة بعد دخول قبائل عبد القيس إلى دين الإسلام ووفادتهم على الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبعد رجوعهم من وفادتهم الثانية في السنة السابعة من الهجرة أي في صدر الإسلام بني مسجد جواثا وهو أول مسجد صلي فيه صلاة الجماعة بعد مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في المدينة المنورة.

ويعتبر مسجد جواثا هو الشاهد الوحيد تقريباً الدال على الآثار الإسلامية المبكرة بالمنطقة. ويفتخر الشاعر أبن المقرب العيوني بوجود هذا المسجد بقوله:

والمسجد الثالث الشرقي كان لنا

والمنبران وفصل القول في الخطب

أيام لا مسجد للناس نعرفه

إلاّ بطيبة والمحجوج ذو الحُجُب

وفي السنة الثانية عشر للهجرة وبعد وفاة الرسول الأعظم ارتد كثير من الأعراب عن الإسلام إلاّ بنو عبد القيس فقد ثبتو على دينهم وتمسكوا به، فقد زحف المرتدون على بعض المدن في المنطقة ومنها الخط إي القطيف ودارين والزارة وهجر وحاصروا جواثا حصاراً شديداً بقيادة زعيم حركة الردة الحطم بن ضبيعة وطال عليهم أمد الحصار حتى كادوا أن يهلكوا جوعاً فبعثوا برسالة إلى الخليفة أبو بكر الصديق رضي الله عنه في طلب النجدة وضمنوا رسالتهم بأبيات شعرية لعبد الله بن حدف الكلابي ومنها:

الاّ ابلغ أبا بكر رسولاً

وفتيان المدينة أجمعينا

فهل لك في شباب منك أمسوا

أسارى في جواثا محصرينا

وجاءتهم النجدة من الخليفة بأمرة العلاء بن الحضرمي ولما نزل العلاء أرسل إلى الجارود العبدي وأمره أن يتولى قيادة بنو عبد القيس ويرابط في المناطق الساحلية حتى تمكن المسلمون بفك الحصار عن أهالي جواثا وتمزيق معسكرهم شر تمزيق وقتل زعيمهم الحطم بن ظبيعة.

وقد شارك في هذه المعركة من المهاجرين والأنصار زهاء ثلاثمائة وستون رجلاً، وكان فيمن استشهد يوم جواثا عبد الله بن سهيل بن عمرو، وعبدالله بن عبدالله بن أبي[10] .

جواثى في بعض المصادر:

كقول الشاعر غياث التغلبي المعروف بالأخطل وهو من شعراء الفترة الإسلامية المبكرة فترة العصر الأموي حيث يذكر نخيل جواثى طفت في الضحى احداج أروى كأنها قرى من جواثى محزئلّ نخيلُها[11] . وقد ذكر الشاعر أيضاً في موقع آخر.

كأنها بالرحا سُفن ملججة

أو حائش من جواثى ناعم سجقُ

وجواثى ذكرت في المصادر القديمة بأنها قرية من قرى إقليم البحرين كبقية المناطق المعروفة في ذلك الوقت وحتى وقت قريب مثل الزارة ودارين والخط وهجر والمشقر.

وذكرها الهمداني بأنها موضع بالبحرين ويقول الشاعر أمرئ القيس وهو من شعراء المعلقات في الفترة قبيل الإسلام كدمم الركاب بأثقالها غدت من سماهيج أو جواثا.

وقد ذكرت جواثى في موضع أخر بأنها من قرى البحرين حيث ذكرها المؤرخ أبو القاسم عبيدالله بن عبدالله أبن خرداذبة في المسالك والممالك ومن قرى البحرين الخط والقطيف وهجر وبينونة والمشقر والزارة وجواثا.

أهم آثار جواثى (مسجد جواثى)

موقع مسجد جواثا:

يقع مسجد جواثا في وسط البلدة وهو موقع مرتفع بالنسبة لقرى واحة الأحساء ولهذا فقد وصف بأنها حصن منيعاً لقبيلة بنو عبد القيس[12] . يحده من الشمال جبيل قليل الارتفاع، ومن الجنوب مقبرة جواثا، ومن الشرق عين جواثا، ومن الغرب رمال خالية كانت مستنقعات مائية قديمة.

وصف بناء مسجد جواثا:

قبل أعمال التنقيب في المسجد كان يلاحظ أنه لم يبق من المسجد سوى رواق القبلة والرواق الشرقي فبقي في القبلة أربعة أعمدة تحمل ثلاثة أروقة مدببة فوق الأوسط منها مستطيل غائر.

أمّا الرواق الشرقي فبقي منه ثلاثة أعمدة تحمل رواقان مستديري الرأس وهذا يعني أن صوان هذان الروقان الباقيان من المسجد ليس من فترة معمارية واحدة لعدم تجانس شكلهما تماماً حيث أن الرواق الشرقي مجصص أمّا رواق القبلة الغربي فهو غير مجصص بل أن في الجهة الشمالية منه ينتهي كتف العمود الشمالي بكتلة كبيرة من الطين بدلاً من أن ينتهي بقوس كسابقة وهذه الكتلة تعتبر غير متجانسة سواء في الشكل أو في مادة البناء بالمسجد فهي مضافة إليه في فترة لاحقة مما يعني أن المسجد مر بعمليات ترميم وإعادة بناء لأكثر من مرة. وكذلك أتضح أن هذه الكتلة ليس لها أساس وإنما أقيمت على الرمال مباشرةً وحدث أيضاً أسفل أعمدة رواق القبلة بحيث ظهرت اسافل الأعمدة بدون أساسات، أمّا في الرواق الشرقي فظهرت بجانب الأعمدة التي تحمل الأقواس أعمدة قوية مجصصه من الداخل وملاصقة لها تماماً وبعد ظهورها اعتقدت أنها أعمدة المسجد الأصلية ولكن أتضح فيما بعد أنها لم تشيد على أساسات.

وقد كان معظم المهتمون بالآثار يعتقدون أن أطلال المسجد السابق هو مسجد جواثا ولكن بعد أعمال التنقيب التي كان القصد منها تقوية أساسات المسجد تم اكتشاف رؤوس الأورقة تم تتبعها إلى الأسفل فعثر على مسجد أقدم من المسجد السابق ويتكون من:

الرواق الغربي: عبارة عن جدار يوجد فيه فتحه متسعة وبجوارها محراب رسم بالجص في الجدار على شكل مستطيل رأسه العلوي مدبب على شكل مثلث.

الرواق الأوسط: عبارة عن جدار به فتحتان لها أقواس مدببة أمّا الجزء الأوسط فيوجد فيه رسم لمحراب مدبب الرأس ومستطيل الشكل.

الرواق الشرقي: هو آخر أروقة المسجد وتتكون من فتحة كبيرة مقابل المحراب المجصص في الرواق الأوسط تماماً. وفي الجهة الشرقية من المسجد يوجد جدار يختلف بناءه عن باقي بناء المسجد وهو عريض نسبياً وأقل ارتفاعاً عن باقي جدران المسجد.

أمّا في الجهة الشمالية فمفتوحة بدون جدران، وفي الجهة الجنوبية يوجد جدار وفي الوسط منه توجد كوة مستطيلة الشكل يعتقد أنها مكان للمصاحف، وفي الركن الشمالي الغربي والجنوبي توجد أساسات مستديرة الشكل يعتقد أنها أماكن لأبراج أو مآذن للمسجد.

وتم بناء كافة أجزاء المسجد من الطوب واللبن واستخدمت نفس المونة التي تم إعداد الطوب منها في عملية اللياسة وفي بعض أجزاء المسجد المهمة كالمحاريب تم لياستها بمادة الجص فظهرت بعض الأشكال الجميلة التي لونت باللون البني وشملت اللياسة الجصية كذلك الأرضيات في كافة المسجد.

الدلالة الأثرية:

عثر بجواثا أثناء التنقيب الأثري رغم محدودية أعمال المسح والتنقيب التي أجريت هناك على مجموعات من الأدوات الصوانية والتي تشير إلى أن الموقع من مواقع الصيد المزهرة في فترة العصر الحجري الحديث. وندرة هذه الأدوات كما أشرنا من قبل تعود إلى تعرض الموقع إلى زحف الرمال وأعمال إنشاء منتزه عام بنفس الموقع ولكنها مؤشر على وجود دلائل توثيق أثرية الموقع في فترة العصر الحجري الحديث أي عصر ما قبل التاريخ.

فقد عثر على رأس سهم في عين أم قنيص وآخر في إحدى القنوات المائية وهو من الصوان ذات الشكل المدبب. وهناك اعتقاد أن موقع جواثا كان مسرحاً لنشاط الجمع والالتقاط في فترات ما قبل التاريخ وذلك لوفرة الماء والغطاء النباتي واستمر هذا النشاط في فترات العصور البرونزية حيث ازدهر الموقع بتلك الفترة، فقد عثر على كميات كثيرة من أدوات الزينة النحاسية المهترئه ويعزو ذلك إلى عوامل الرطوبة ونسبة ارتفاع منسوب الماء السطحي.

وبجواثى كميات كبيرة من الأصداف البحرية المختلفة مما يدل على ازدهار مهنة الصيد ومنها أنواع كبيرة الحجم تدل على وجود صناعة اللؤلؤ وتصديره حيث يجلب من مصائد اللؤلؤ بالخليج.

وعثر أيضاً بجواثا على عدد قليل من الحجر الصابوني تمثل نصل ومدقات وأيضاً عثر على كسر زجاجية مختلفة الأشكال والألوان تمثل دوارق وصحون وقناني وأكواب وبعضها سطحي والآخر أثناء التنقيب ووجد مترافق مع بعض الكسر الفخارية التي تعود للعصر التنوخي المعاصر للفترة الساسانية وفترة العصر الإسلامي المبكر[13] .

وما عثر عليه بالمسجد وما حوله من معثورات متنوعة ومختلفة من الحجر الصابوني وحجر الجرانيت وأنواع الزجاج الملون وبعض الحلي الصغيرة والأنواع المختلفة من الأواني الفخارية وأشكال ونوعية الطينة الفخارية دليل أن موقع جواثى من المواقع المهمة والمميزة والغنية بشرق الجزيرة العربية وبحاجة إلى المزيد من أعمال التنقيب والبحث والتوثيق لإعطاء الصورة الحقيقية والمشرقة لما كانت عليه حضارة شرق الجزيرة العربية عبر فتراتها الزمنية المختلفة.

[1]  مقدمة آثار المملكة العربية السعودية .

[2]  عبد الرحمن الملا - تاريخ هجر ، 1990م ، الجزء الثاني .

[3]  ساحل الذهب الأسود - محمد سعيد المسلم ، بيروت 1962م .

[4]  المنطقة الشرقية حضارة وتاريخ - إعداد الغرفة التجارية.

[5]  حوض الخليج العربي ، ج 1 - د. محمد متولي.

[6]  المعجم الجغرافي - حمد الجاسر ، دار اليمامة 1981م.

[7]  المعجم الجغرافي - حمد الجاسر .

[8]  تقرير موقع دويليب الأثري 1420- متحف الدمام.

[9]  المعجم الجغرافي - حمد الجاسر.

[10]  تاريخ هجر - عبد الرحمن الملا ، الجزء الثاني 1990 تقدم ذكره .

[11]  ديوان الأخطل – دار الآفاق الجديدة – بيروت.

[12]  معجم البلدان .

[13]  علي صالح المغنم - 1420 هـ.
304700