اللهجات المحلية في الخليج (اللهجة في القطيف مثالاً) (2)
السيد شبر علوي القصاب * - 4 / 3 / 2011م - 7:56 ص - العدد (23)

(2) الإبدال

الإبدال البدل في اللغة الخلف والعوض، يقال بدل الشيء وبديله والجمع أبدال، والتبديل والإبدال تغيير الشيء عن حاله، وجعل كل شيء مكان غيره هو تغيير الصورة إلى صورة أخرى، أما في اصطلاح اللغويين والصرفيين فالبدل والإبدال إقامة حرف مكان حرف في موضعه أو اتفاق الكلمتين في جميع الحروف عدا واحد مع تناسب المعنى بين اللفظين وذلك كـ (مدح ومده، وجذا وجثا، وأرقت وهرقت)[1] 

أما الدكتورة صباح بأفضل فتعرفه بقولها: (هو جعل مطلق حرف مكان حرف آخر)[2] ، وقد ذكر الأشمونى أن الإبدال قد يطلق على ما يعم القلب[3] 

و قد نقل الأستاذ علي عقيل عن ابن فارس قوله في فقه اللغة: (أن من سنن العرب إبدال الحروف وإقامة بعضها مقام بعض (مدحه، مدهه)، وذكر أنه أورد أمثلة من كتاب الإبدال لابن السكيت ابتداء من الهمزة[4] 

و قد اختلط مصطلح الإبدال في مراحله الأولى ببعض المصطلحات الأخرى، و(القلب) هو أكثر المصطلحات التي استخدمت مرادفة للإبدال، فابن السكيت ـ صاحب أقدم كتاب في الإبدال سمى كتابه (القلب والإبدال)، وليس فيه شيء من القلب كما هو في اصطلاح اللغويين، وابن جني استخدم في مؤلفاته لفظ (القلب) كثيراً بمعنى البدل قال: (أصل القلب في الحروف إنما هو فيما يتقارب منها)، (وقد قلبت تاء افتعل دالاً مع الجيم في بعض اللغات فالمقصود به الإبدال[5] .

و الإبدال من أهم وأكثر الظواهر بروزاً في لهجات الخليج المحلية بما فيها لهجة هذه الواحة التي هي نطاق دراستنا، ومن يطلع على هذه الظواهر ويعقد المقارنة بينها يجد صدق هذه المقولة، ومن ظواهر الإبدال علاوة على ما تقدم مايلي:

إبدال الهمزة هاء:

كما في كلمة شهبوب أي شؤبوب وهي في الأصل تعني الدفعة من المطر، وفي القول السائر (الغوص شهبوب والجازرة مده) (الجازرة سقي الزرع بواسطة الثيران)، وقولهم: هي ولله أي: إي والله، قال إبن السكيت: قال الأصمعي: ويقال أيا فلان، وهيا فلان وأنشد: فانصرفت وهي حصان مغضبة ورفعت هيا أبه.، ويقال أرقت الماء وهرقته [6] .

إبدال التاء:

أ) إبدال التاء طاءً: يحصل إبدال التاء طاء في مايلي:

في بعض الكلمات الدارجة في اللهجة مثل كلمة: غتره، التي ينطقها البعض غطره، التي يراها بعض الباحثين أنها الأصل، لكونها نحتاً أو اختصاراً لكلمة غطاء رأس، كذلك كلمة ختمي التي تنطق في عامة اللغة واللهجة بالطاء (خطمي).، وكلمة تب بمعنى: حضر، أو وقع، أو سقط، أو قفز من مكان مرتفع إلى مكان منخفض، أو غطس في الماء حيث تنفرد اللهجة في العوامية عن بقية لهجات الواحة بنطقها بهذه الصورة، ومن ذلك ما ورد في أهازيج الأولاد التي ربما قالها الواحد منهم إذا أراد الغطس في الماء من مكان مرتفع:

أتب تبة الـگله

و اخلي العين مختله

و لكنهم (أي أهل تلك الناحية) يفرقون في الاستعمال بين تب بالتاء وطب بالطاء حيث يخصصون الثانية للمعنى الأول، بينما يخصون بقية المعاني بالأولى، والأولى أي بالتاء هي المتداولة في الاصطلاح البحري: بمعنى الغطسة الواحدة في البحر للغوص على اللؤلؤ، أما بقية نواحي الواحة فهي عندهم بالطاء دون وجود لهذا التفريق في المعن المتقدم، ومنه قولهم السائر:

(متى طبيت الـگصر گال أمس العصر).

و ينبغي التنبيه على ما ذهب إليه بعضهم من أنها الأصل بالاستدلال بقوله تعالى (تبت يدا أبي لهب وتب) بينما التباب هنا لا يعني ما تعنيه تلك اللفظة وإنما تعني الهلاك والخسران.

2) في بعض الكلمات الأجنبية الدخيلة على اللغة أو اللهجة

مثل: كلمة: طرشي (مخلل)، طرام (دراجة نارية)، ماطور (مولد أو محرك)، صنطور (من آلات الطرب)، طبلون (، سطاب، طازج، طماطه، بطاطه، طماشه، نوط (ورقة نقدية)، بينما هي في لغاتها المعربة عنها بالتاء.

3) إبدال تاء الفاعل المفرد المذكر المسند إليه الفعل غير المضعف:

و هذا مشروط بكون لام الفعل التي قبلها طاء للمماثلة مع إدغامها فيها طلباً للخفة، كما في: هبطّ، خرطّ، أي: هبطت، وخرطت، وهي لهجة عامة، ومثل هذا مأثور عن بعض اللهجات العربية القديمة، فقد نسب إلى بين تميم أنها كانت تقول أفلطني في أفلتني، وقد نعتت بإنها لغة قبيحة، وأفلت تخلص بسرعة، والمسوغ لإبدال التاءطاء أنهما من مخرج واحد، وأصول الثنتيا العليا، ولكن يرجع قبح اللغة التميمية هنا أن الطاء كما وصفها القدماء حرف مطبق مجهور نظيره المنفتح الدال في حين أن التاء منفتح مهموس، والانتقال من التاء إلى الطاء عملية تحتاج إلى جهد[7] ، أما الإبدال للمجانسة برفع المستفل إلى مستعل ليكون مستعلياً مثله مع إدغامه فلا أظنه يحتاج إلى جهد بل هو مما يسهل على اللسان النطق به، وتجد مثل ذلك في القراءات القرآنية كما في قوله تعالى: (لئن بسطت إلى يدك) [8] .

4) إبدال تاء التأنيث:

و هذه محصورة على الأعداد المركبة من 13 إلى 19، وهي صورة متطورة دخلت إلى اللهجة من اللهجة المصرية والشامية في عهد متأخر مع دخول المدرسين والعاملين من تلك البلاد، فتسمع: فلطعش، أرباطعش إلخ..، بينما كان من قبل بالتاء، ومنهم من يجعل ثاء العدد إثنا عشر، أو أثنتا عشرة المبدلة إلى التاء طاءً فيقول: اطنعش.

5) إبدال تاء الافتعال:

تبدل تاء الافتعال طاءً إذا كانت الفاء أحد حروف الإطباق وهي: الصاد، والضاد، والطاء، والظاء مثل (اصطبر) و(اضطرب)، و(اطهر)، و(اضطلم)، وأصلها (اصتبر)، و(اضترب) و(اظتهر)، و(اظتلم).[9] 

ب) أما الإبدالات الأخرى فهي:

1) إبدال تاء الافتعال من الواو والياء:

تبدل التاء من الواو والياء إذا كانتا فاء الافتعال غير مبدلتين من همزة.و مثال ما توفرت فيه الشروط (وصل، ويسر)، وذلك إذا كانا بزنة: (افتعل)، وباقي صيغة الافتعال كالمضارع والأمر واسم الفاعل واسم المفعول، ولعل السبب في قلبهما (الواو والياء) تاءً إذا وقعتا فاء الافتعال لعسر النطق بحرف اللين الساكن مع التاء لما بينهما من قرب في المخرج ومنافاة في الصفة.

و مثال ما انطبقت عليه الشروط (إتصل، واتسر)، أصل اتصل: (أوتصل) بزنة (أفتعل)، وقعت الواو لوزن (أفتعل) غير مبدلة من همزة فقلبت تاءً فنقول (اتتصل) اجتمع لدينا حرفان من جنس واحد، وكان الأول ساكناً والثاني متحركاً فأدغما وأصبحا حرفاً واحداً مشدداً فنقول: (اتصل) بزنة (افتعل) على رأي الجمهور و(أتعل) على رأي الرضي الإستراباذي، وكذلك (إتسر) أصلها: (ايتسر) بزنة (افتعل) وقعت الياء فاء لوزن (إفتعل) غير مبدلة من همزة فقلبت تاء فنقول اتتسر اجتمع لدينا حرفان من جنس واحد، وكان الأول ساكناً والثاني متحركاً فأدغما فأصبحا حرفاً واحداً مشدداً فنقول (اتسر) بزنة (إفتعل) على رأي الجمهور و(أتعل) على رأي الرضي الإستراباذي.[10] 

2) إبدال تاء الافتعال دالاً:

تبدل تاء الافتعال دالاً إذا كانت الفاء دالاً وقعت ذالاً أو زاياً، لإستثقال مجيء التاء بعدها مثل: (إدتان من (دان)، (إذتكر)، (إزتجر).[11] 

و نلاحظ أن أكثر قواعد هذا الإبدال تتعلق بـ (افتعل) وهناك إبدال يقع في اللهجة قد يلتبس أمره على البعض فيظنه من العامية وما هو من العامية في شيء وإن وقع فيها، وإنما هو من الفصحى وله أصالته، وهذا الإبدال يقع في الأفعال المبدوءة بأحرف التاء والدال والصاد والضاد، فإذا اجتمعت مع هذه الأحرف جاز إبدال هذه التاء حرفاً من جنس ما بعدها مع الإدغام فيقال حينئذ في تثاقل وتذكر وتدثر وتزين (إثاقل واذكر وازين وادثر)[12] ، ومن أمثلته في اللهجة: (إجي) الذي أصله (تجي) أي: (تجيء).

و هو يقع في اسم الفاعل كما يقع في الأفعال فنجد مثل (مزمل ومدثر ومطهر) التي أصلها (متزمل، ومتدثر ومتطهر)، ونجد مثل هذه الأمثلة في اللهجة مثل: (مزين، مزنـگل)، التي أصلها (متزين، متزنـگل).

و من شواهد أصالة هذا الإبدال في الآيات القرآنية ما يلي:

إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم

التـوبة الآية 38، والأصل تثاقلتم

بل إدارك علمهم

النمـل الآية 29، والأصل تدارك

حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت

يونـس الآية 24، والأصل تزينت

و ما يدريك لعله يزكى

عبـس الآية 3، والأصل يتزكى

يا أيها المزمل

المزمـل الآية 1، والأصل المتزمل

يا أيها المدثر

المـدثر الآية 1، والأصل المتدثر

و قال للذي نجا منهما واذكر بعد أمة

يوسـف الآية 66، والأصل إذتكر

أو يذكر فتنفعه الذكرى

عبـس الآية 4، والأصل يتذكر

وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء

البقـرة الآية 74، والأصل يتشقق

فأصدق وأكن من الصالحين

المنافقون الآية 10 والأصل أتصدق

إن المصدقين والمصدقات

الحديد الآية 18و الأصل المتصدقين والمتصدقات.

و ليطوفوا بالبيت العتيق

الحـج الآية 29، والأصل يتطوفوا

و الله يحب المطهرين

التـوبة الآية 108، والأصل المتطهرين

الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين

التـوبة الآية 79، والأصل المتطوعين

3) إبدال تاء التأنيث هاءً:

تاء التأنيث تنطق دائماً هاء عند الوقوف عليها بالسكون ومثل ذلك واقع في الفصحى، ولا تنطق تاء إلا عند الإضافة، أو في النكرة الموصوفة، أو لمجيء الاسم الموصول بعدها كما في القولين السائرين التاليين: الشيخة مرة الشيخ مو الشيخة بت الشيخ، خوفه عليي وحدةٍ صايمة

إبدال الجيم

إبدال الجيم ياء:

و هذه الظاهرة منتشرة في أغلب بلدان الحليج بشكل ملحوظ ما عدا أجزاء يسيرة منها، وإليك هذا الخبر الذي كان يتداول في بلدان الخليج العربي: "الحياي ياو من الياز، ويابو وياهم كوم دياي، وكل ريال على ويهه نور من الحي القيوم، وكانت الحية حية ويوم يمعة مباركة فأهلاً بحياي بيت الله"[13] 

و حسبك من واحة القطيف وحدها أكثر من إحدى عشرة ناحية من نواحيها يبدلون الجيم من الياء، وهي صفوى، الآجام، الجارودية، أم الحمام، الجش، الملاحة، عنك العليوات، سيهات، الزور، دارين، سنابس، ومن ذلك قول الشاعر السنابسي:

 سـنابس يا بلد يـدي

هـواش اليوم متعـدي

سهرت الليل أعد لنيي

و خاب النظر من عندي

يبن يدي غـدايي دياي

و اضن ودام ما عندي[14] 

يريد: جدي، لنجي، دجاج.

و بما أن الربيعية قرية محدثة، والسكان فيها إما من تاروت، وإما من سنابس فالناس فيها منقسمون إلى فريقين، ولهجة كل فريق تتبع لهجة الجهة التي قدم منها هو أو سلفه.

يذكر أبو زيد (ت نحو214هـ) أن الكلابيين يقولون: الصهاريج والواحد صهريج، وبني تميم يقولون: صهاري والواحد صهري، وقال أبوعلي القالي (ت 356هـ): ويمكن أن يكون جار لغة في يار، كما قالوا الصهاريج والصهاري وصهريج وصهري، لغة تميم، وكما قالوا شيرة لشجرة وحقروه فقالوا شييرة.[15] 

و قد شاعت هذه اللغة التميمية فوجدنا الأصمعي ينشد: (تحسبه بين الأنام شجرة). ووجدنا من يقرأ بها في كتاب الله، فقد حكى أبو زيد (هذه الشيرة)، وإن كان أبو عمرو قد كره هذه القراءة بها ونسبها إلى برابر مكة وسودانها[16] .

و مما يذكر في هذا الباب أن شخصاً من أحد النواحي التي تشيع في لهجتهم هذه الظاهرة وكان يشدد على استعمال هذه الظاهرة فإذا سمع أحداً من بلده ينطق ذات الجيم بالجيم رده مستنكراً ليعود بها إلى أصلها التي كان ينتهجه هو وأسلافه من قبل بقوله: (ليش تْـگول جا؟، ليش ما تـگول يا ؟، ليش تستعر من لهجتك ما هي لهجه أصيله؟!).

و قد بلغ من تشدده وتأكيده على هذ الجانب أنه كان يتندر على أهل بلد مجاورة لبلده بقوله: أهل (ت) كل شي عندهم جيم، حتى يوم من ليام سألت واحد منهم أعرفه فطرت ؟ گال إيه، ويش أكلت ؟ گال: أكلت سندويـچ على جام وجبن وكماج جابس من الجابان، قال: وسألت غيره من وين ياي ؟، گال: من الدمام، گلت: له عبرت على أي طريـگ ؟، گال: عبرت على الهاج ويج، يعني الهاي وي أي الطريق السريع.

و الحق أن ماقاله عن البلد التي ذكرها ليس صحيحاً، فالجيم عندهم جيمٌ، والياء ياءٌ، وهذا الحديث الذي جاء به ليس له وجود إلا في مخيلته، فهو من اختراعه، وهو يعرف هذا كما يعرفه غيره، ولكنه العبث والتندر.

و حدث ذات مرة أن سرت إليه معزياً بوفاة فقيد له، فقلت له: مادمت تشدد على نطق ذات الجيم بالياء، وتستنكر على من ينطقها بالجيم، فإذا قام شخص ليعزيك بلهجتك ماذا يقول ؟، فرد قائلاً: ونت من ديك الحين للحين تفكر فيها ؟، احنا ما نـگول هادي الا بالجيم.

و مما يؤثر عن هذا الشخص نفسه قوله: الدجاج عندنا في (س): دياي، وادا رحت (ر) صار دياج، وإذا رحت (ت) صار دجاج، وهذا الكلام هو الآخر كسابقه من بنات أفكاره، و(ر) هذه بلد محدثة متوسطة بين بلدهم والبلد الثانية وسكانها إما من هذه البلد أو تلك البلد، ولهجة كل فريق تتبع البلد التي قدم منها أو قدم منها هو أو سلفه.

و مما يحسن إيراده (أن رجلاً أراد بعد دخوله المدرسة ألا يتكلم بشيء فيه حرف الياء بدل الجيم فذهب إلى بائع فول، وقال له: هب برجال فول يا ريال فقال له البائع ياك)[17] 

و مثل ذلك ما حدث به أحد المعارف: أن ولداً من أحد البلدان التي تشيع في لهجتهم هذه الظاهرة اجتمع عليه قوم ممن لا توجد هذه في لهجتهم، وأكلوه بألسنتهم أكلاً وأوسعوه تهكماً وطنزاً، فأصابته من هذه ا الجيم المبدلة عقدة، فقرر ألا يذكر كلمة بالياء، وذات يوم مر بأصحابه هؤلاء وهو يعرج، فسألوه: (خير ان شا الله ويش فيك تعرج؟، فقال: (ضربتني سلاجه من الغراجة)، وهي في لهجة ربعه: (ضربتني سلاية من الغراية) والمعنى وخزتني سلاءة من نخلة الغرة، وسلاءة هي شوكة النخيل فصيحة، والغرة من أنواع النخيل سميت بذلك لأن ثمرها يأتي في غرة موسم الرطب أي مطلعه وأوله.

و السؤال الذي نطرحه هنا في مجال التفسير التاريخي لظاهرة نطق الجيم ياءً في جمهرة لهجات الخليج العربي هـو نفسه السؤال الذي وجـهه أبو حـاتم السجستاني (ت 255هـ) لأم الهيثم الإعرابية: هل تبدل العرب الجيم ياءً في شيء من الكلام ؟ فقالت نعم، ثم أنشدت:

إذا لم يكن فيكن ظل ولا جنى

فأبعـدكن الله مـن شـيرات

أي شجرات[18] .

و على هذا يكون قول أهل الخليج شير بكسر الشين في الجمع وارداً في اللغة، وقد فسر صاحب اللسان هذا الكسر فقال: وقالوا شيرة فأبدلوا فإما أن يكون على لغة من قال شجرة بكسر الشين وفتح الجيم، وإما أن تكون الكسرة لمجاورة الياء.[19] 

و مع أن هذه الظاهرة تكاد تكون عامة في لهجة أهل هذه الظاهرة إلا أنه توجد في لهجتهم كلمات مستثناة ولا تنطق إلا بالجيم، يقول الدكتور عبد العزيز مطر: حالات الاستثناء من التغيرات الصوتية أمر لا يستطاع تجنبه، ونحن نعرف منها عدة أمثلة، كان سببها ـ في أغلب الأحيان ـ أن كلمات دخلت اللغة بعدما توقف تأثير القوانين الصوتية التي تستلزم تعديلها)، ثم يقول: (الحق أن الكلمات التي تنطق بالجيم دون أن تتغير إلى ياء كلمات لاحظتها بنفسي، واختبرت نطق أهل المحرق، والقرى التي توافقها في خصائص اللهجة، فوجدتهم ينطقونها بالجيم، ويثير نطقها الياء سخريتهم، ثم مثل لذلك بطائفة من الكلمات مثل: كلية الخليج الصناعية، جامعة الدول العربية، علاج، جواز سفر، خروجية، نجاح (وهو من الأعلام الحديثة) إلخ..)[20] .

و من الملاحظ أيضاً أن بعض الكلمات التي تنتهي بالجيم كالأفعال الماضية المسندة لبعض ضمائر الرفع والمجردة منها، وبعض الأفعال المضارعة والأمر فإن جيمها غالباً تبدل إلى ألف خلافاً للقاعدة العامة كما في الأمثلة التالية: (نضج، تدرج، دخرج (سوس)، التي تجدها على التوالي: (نضا، دخرا)، و(ينضج، وتدرج)، التي تجدها على التوالي: (ينضا، وتدرا).

أما البعض الآخر من الأفعال المضارع وأفعال الأمر والماضي المسند إلى ضمير الرفع المذكر فإنها تجرى على القاعدة المتعارفة كما في المثال التالي: (دخرجت) الذي تجده بصورة (دخريت).

أما إذا أسند الفعل إلى ضمير الفاعلة أو واو الجماعة أو سبقت هذه الجيم في الاسم ياء فإن هذه الجيم المبدلة تحذف غالباً كما في (نضجت، ونضجوا، ودعيج) التي تجدها على التوالي: (نضت، نضوا، دْعي).

و قد تجد بعض الكلمات مثل كلمة دجاج في لهجة أهل الجيم جيماً، تنطق في لهجتهم دياج)، بإبدال الجيم الأولى ياء مع أنه ليست في أصل لهجتهم، (بعضهم يقول (جياج) بإبدال الدال التي في أول الكلمة جيماً)، ثم تستغرب لم أبدلت الجيم الأولى وأبقيت الثانية، ولكن قد يزول استغرابك أذا علمت أن في اللغة كلمة مثلها وهي (جثياث) وهي في الأصل جثجاث، وفي الأحساء يبدلون أحد المتماثلين حرفاً آخر من جنسه ويتركون الثاني كما هو فيقولون في شقيق، رقيقة، سكيك: (شـگيج، رگيجة، صكيـچ)، كما تستغرب من وجود كلمات في لهجتهم من ذات الجيم في لهجة غيرهم وهيم تنطق بالياء مثل كلمتي: (متويم، ووْيام) (تستخدمان للنخل المريض، كما تستعاران للشخص المريض الذي يعاني من قلة الشهية وانغلاق النفس)، وهي في الأصل بالجيم (متوجم، ووجام) بالمقارنة بلهجة بلد قريب وهو الأحساء حيث تنطق عندهم هكذا، ومثلها كلمة متحريم، (تطلق عادة على النبات بطي ء النمو لمرض أصابه)، وهي في أصل اللغة بالجيم (متحرجم) أي متحجم.

وهذه الظاهرة رغم أصالتها مهددة بالانقراض وتكاد تصبح في طي النسيان لمجافاة الشباب لها، وإسقاطها من قاموس كلامهم المعتاد، بسبب العارض الذي عرض لها ولغيرها من الظواهر، فإذا علموا أن الكلمة التي يتداولونها من ذات الجيم لم ينطقوها إلا بالجيم، وما يقال عن اللهجة في الواحة يقال عنها في البلدان المجاورة، لأنها تعد لهجة واحدة والعارض لها واحد، وقد أشار اليها الدكتور عبد العزيز مطر عند حديثه عن لهجة المحرق من البحرين حيث قال: "ومما يجدر ذكره هنا أن ظاهرة النطق بالياء بدل الجيم بدأت في الإنحسار لدى الشبان خاصة، فهم لا ينطقون بالياء إذا عرفوا أن الكلمة أصلها الجيم".

إبدال الجيم دالاً: كما في كلمة: چندود أي كندوج بمعنى مخزن التمر وهي فارسية معربة عن كنده وفي الحديث: كندوج المؤمن قبره والبعض يسميه تندوج أو چندوي بإبدال الجيم ياء كما تقدم.

إبدال الحاء

إبدال الحاء خاء:

و هو موجود في كلمة واحدة في ما أ علم، وهي كلمة فتخة في لهجة أهل العوامية بمعنى فتحة.

إبدال الحاء هاء:

في مثال واحد وهو هدعش عشرة وهي لهجة أهل سيهات تأتي فيها مرادفة لـ احدعش في اللهجة عامة أي: أحد عشر وإحدى عشرة.

إبدال الدال:

إبدال الدال تاء أو إدغامها في ما بعدها:

و تأتي في الأفعال المسندة إلى تاء الفاعل المفرد المذكر فيقال في: سجدت، أردت: أرتّ، سجتّ، ومثل ذلك واقع في القراءات القرآنية كما في قوله تعالى: (وإن أردتم إستبدال زوج مكان زوج) [21] .

إبدال الدال جيماً:

كما في لفظة جياج المرادفة لكلمة دياج في لهجة بعضهم بمعنى دجاج كما تقدم، ويهجم، ورجم أي: يهدم، وردم.

إبدال الدال ضاداً:

و نجده في كلمة عضد وتفريعاتها، مثل عضض له أي عضد له قبض على عضده بمعنى ساعده وسانده على النهوض والقيام أو المشي، وعضيض أي: عضيد بمعنى الأخ الشقيق أو الصديق المخلص الموازي، ومعضض وجمعها معاضض وهي أسورة من ذهب أو فضة أو زجاج ونحوها تلبسها المرأة في رسغها (ربما كانت في الأصل تلبس في العضد ثم انتقلت إلى الرسغ وبقي الإسم على ما هو عليه)، وفي القول السائر: (الله يخلف ويعاوض أربعه بريال المعاضض)، والمعاضيض هم المعاضيد وهم فرع من فخذ الوهبة من قبيلة بني تميم واحدهم معضادي، ونجده كذلك في كلمة صدر التي تنطق أحياناً صضر.

إبدال الذال جيماً فارسية:

كما في كلمة عـچ ان التي تعني إذاً (إذن) ولم أجد غيرها في ما أعلم.

إبدال الزاي زاياً مفخمة:

كما في كلمتي زط وزطي، رجوعاً لأصلهما في لغتهما الأصلية لأنهما معربتان عن كلمة جت الهندية، والجيم المفخمة هذه قريبة من الزاي المفخمة المنقوطة بثلاث نقط على نحو من إشمام الصاد صوت الزاي فتصبح تلك الظاء المعروفة بين العوام في مصر.

إبدال السين شيناً:

كما في كلمة: فـًّگش: أي فقس، وفـگش الثمرة بمعنى: فلقها وأخرج لبها، وربما لا يوجد غير هذين المثالين، ومثل ذلك واقع في اللغة كثيراً، قال أبو علي القالي في الأمالي قال اللحياني: حمس الشر وحمش، ويقال الغبس والغبش السواد، يقال غبس الليل وأغبس وعبش وأغبش، ويقال: عطس فلان فشمته وسمته [22] 

إبدال الصاد سيناً:

تبدل الصاد من السين في كلمات نادرة ومسموعة كما في كلمة صدر التي تنطق سدر وهي تستخدم غالباً لغير الإنسان وأن كان هناك في بعض النواحي من يقول (سدري يعني صدرى) ومنه القول السائر عند أهل البحر: (إذا ما رگيت على السدر تـ رگـى على التفر) والسدر هو صدر السفينة والتفر مؤخرتها، وصدر الحوض الزراعي هو مقدمته وأعلاه، كما في القول السائر: (انـگلبت لسافل سدور).

و مثل هذه الصورة مستخدمة في بعض النواحي، فقد ذكر لي الزميل صادق علي سلمان آل ضاحي من الجش ذلك قائلاً: (إحنا كنا نـگول سدرى يعني صدري)، ولعل هذا الإبدال ناتج عن الرغبة في جعل الصاد المستعلية سيناً مستفلة، وذلك أن الدال مستفلة فحولوا الصاد الى سين لتتناسب مع الدال التي بعدها في الإستفال، وقد علمت فيما تقدم أن الدال تتحول في بعض الكلمات إلى ضاد إذا سبقتها صاد أو ضاد، وكذا الذال إذا جاء في الكلمة خاء أو قاف أو كاف تتحول إلى ضاد لذات السبب أي أن أنهما تجتذبان هذه الدال وتلك الذال من سفالتهما وتحولانهما إلى حرفين مستعليين.

إبدال الضاد طاءً:

بعد إدغامها في الحرف المبدل بعدها، ومثل ذلك واقع في مثنى بيضة قديماً في لهجة الآجام، بحيث لو سألت أحدهم (بيضه وبيضه چم ؟) لأجابك: بيطَّين أي بيضتين، وهي في اللهجة اللبنانية أيضاً.

و مثلها الفعل الماضي المسند إلى تاء الفاعل المذكر المفرد، مثل: نهضت، قبضت، التي تصبح على التوالي: نهطّ، قبطّ، وذلك طلباً للخفة.

الطاء والدال تتعاقبان في بعض الكلمات

كما في كلمة (صدح) التي أصلها سطح، وكلمة (طعس) التي أصلها دعص وهو الكثيب الرملي.

الاستنطاء

روي هذا اللقب عن لهجة (سعد بن بكر وهذيل والأزد وقيس والأنصار)، كما روي عن لغة أهل اليمن، وهو عبارة عن جعل العين الساكنة نوناً إذا جاورت الطاء، هكذا تقول المصادر، غير أنها لم تمثل له إلا بمثال واحد، وهو (أنطى) بدلاً من (أعطى) [23] . ومما قاله الدكتور رمضان عبد التواب: وهذا الإبدال شائع في كلمة أعطى حتى اليوم في العراق، وقد سمعت ذلك من كثير من طلبتي العراقيين، كما أنه شائع في لغة الأعراب بصحاري مصر[24] .

و من شواهده القراءة القرآنية (إنا أنطيناك الكوثر)، وحديث الدعاء، ولامانع لما أنطيت، ولا منطي لما منعت)، وحديث (اليد المنطية خير من اليد السفلى)، ومنه قول الأعشى:

جيادك في القيظ في نعمة

تصانُ الجلالَ وتنطىَ الشعيرا[25] 

و التوزيع الجغرافي لمواطن النطق بالصيغة (أنطى) قديماً وحديثاً يبن أنها كانت توجد على طريق القوافل من الجنوب إلى الشمال، ومن ثم فإن احتمال انتقال هذه الصيغة من الجنوب أي من بلاد اليمن على طول طريق رحلتي الشتاء والصيف احتمال مقبول. نفسه.

و تفسير هذه الظاهرة بأن العين قلبت نوناً تفسير لا تؤيده الدراسات الصوتية الحديثة لأن العين تختلف اختلافاً كثيراً من الناحية الصوتية عن النون، ومن المعروف أن الصوت لا يقلب إلى صوت آخر إلا إذا كان بين الصوتين نوع من القرابة الصوتية في المخرج والصفة، وقد فطن إلى هذا اللغويون العرب أنفسهم. نفسه.

و لعل فك الإدغام هو الذي جاء بالفعل (أنطى) وهو من أتَّى بمعنى أعطى فجاء في الآية الكريمة (وآتى المال على حبه)، ثم حدث إبدال بين التاء والطاء ولهذا فقول القدامى (باستنطاء بكر لا أساس له فهو من هذا الباب، وليس الإستنطاء مقيداً ببكر دون غيرهم، والدليل وجود الكلمة حية في سائر أقطار العربية[26] .

و ظاهرة الإستنطاء هذه أقل الظواهر وجوداً في اللهجة شأنها شأن الفصحى أيضاً إذ أنها محصورة على المثال (أنطى) وحده، ولا يتعداه إلى غيره، وقد بطل استعماله منذ زمن بعيد، كما أن هذه الظاهرة في وقتها التي كانت مستخدمة فيه لست سائدة في لهجة عامة هذه الواحة، فليسوا كلهم يقولون (نطني وأنطاني) وينسون من أجلها (عطني وعطاني)، أي: (أعطني وأعطاني)، إنما كانت توجد حينها فئة ممن يقولون ذلك أو يجعلونه مرادفاً لفعل (أعطى) وتفريعاته، ولعلها تسربت إلى اللهجة من اللهجة العراقية فهي فاشية فيها بشكل أظهر كما تقدم، وقد أدركت هذه الظاهرة (الاستنطاء) في صغري عند فئة من كبار السن والمتأثرين بهذه اللهجة، والمحاكاة لها دور كبير، ومن يدري فقد تكون سائدة حتى أخذت في الانحسار شيئاً فشيئاً من أفواه الناس حتى غدا استعمالها ساقطاً، فكانت هذه الظاهرة من أولى الظواهر انحساراً كما انحسر غيرها من الظواهر، ومن بينها إبدال الثاء فاء التي كانت سائدة في اللهجة بشكل عام إلا قليلاً، ولا تجد من ذكرها الآن إلا على سبيل المحاكاة أو الرواية عمن سلف، لذا فإنها لا تستدعي بسط الحديث عنها أكثر مما تقدم لقلة الفائدة، وإنما أردت تسجيلها لكونها من ظواهر اللهجة وإن كانت ضئيلة الأثر.

الاستبغاء أو الاستنباء

الحقيقة أنه لا يوجد في اللغة أو اللهجة شيء أو ظاهرة بهذا الاسم، وإنما جئنا به قياساً على ظاهرة الاستنطاء المتقدمة إذا جاز لنا ذلك،، والغرض من ذلك البحث في الصور العديدة التي تطور إليها مضارع الفعل (بغى) في اللهجة.

من الملاحظ أن صورة الفعل هذا أو صيغته هي واحدة في اللغة واللهجة على السواء، وهي بغى ولا توجد صورة أخرى أو اختلاف بين ناحية وأخرى كما أنه لا يحدث مثل هذا في تفريعاته المختلفة التالية: بغى، باغي (اسم فاعل من الفعل الثلاثي)، مبغي (اسم مفعول من الفعل الثلاثي المجرد)، مبتغى (اسم مفعول من الفعل المزيد)، بغية (الاسم من هذا الفعل، وكذا مصدره)، وإنما الاختلاف وتعدد الصور حاصل في مضارع هذا الفعل وحده، وحسبك أنك تجد الصور ـ ونقصد المستعملة منها ـ كما يلي: أبغى، أبغي، أبي، أبِّي، أنبي، أمبي، أمبى بترقيق الباء والميم، أمبى بتفخيم الباء والميم.

لو نظرنا إلى صورة الفعل المضارعة في الفصحى لوجدناها بصورة (أبغي، يبغي)، وهذه الصورة معروفة في اللهجة أيضاً بالإضافة إلى الصورة الثانية يبغى التي يأتي ذكرها.

و في ما يبدو أن الصورة الأولى المتطورة عنها في بداية الأمر كانت (أبي) بحذف الغين للتخفيف، ثم شددت الباء فصارت: (أبِّي)، ثم فك الإدغام بإدخال النون مكان أحد التضعيفين فصارت (أنبي)، ولما كانت النون ساكنة بعدها باء تحولت إلى ميم فصارت(أمبي) بميم وباء مفخمتين قليلاً بعدهما ياء.

و الصور المتعارف عليها لهذا الفعل في الوقت الحاضر:

(أمبي، ويَمْبي) بميم وباء مفخمتين قليلاً بعدهما ياء كما تقدم، وهذه لهجة أهل (سيهات، وعنك (العليوات).

(أمبى، ويِمْبى) بتفخيم الباء والميم المبدلة من النون، وهذا التفخيم يطال حرف الجر (باء التعدية) ويضمها فيقال: (ويش تمبى بُه ؟)، أما لهجة الحاضرة وما شاكلها في لهجتها من القرى، وهذا التطور الذي حدث حتى وصل إلى الصورة التي هو عليها الآن هو نفسه الدي حدث للصورة (أمبي) المتقدم ذكره، مع فارق بسيط وهو أن الألف اللينة هنا التي هي حرف العلة في الفعل هنا تتحول إلى ياء هناك، وبعض النواحي يقولون أمبى ويمبى (بترقيق الميم والباء)، وهي لهجة القديح، والآجام، والعوامية، والخويلدية، والتوبي، وصفوى، وهذا الترقيق يعيد باء التعدية إلى أصلها حيث أنها في الأصل كذلك بسبب إمالة الألف اللينة التي في آخر الفعل.

(أبي، ويبي)، بحذف الغين للتخفيف فقط دون أي تطورات أخرى، وهي لهجة بني خالد وبني هاجر وغيرهم، وهي لهجة كثير من نواحي الخليج والأحساء، غير انهم في الأمارت العربية المتحدة يقولون: (أَبَى وتِبَى) بألف لينة وباء مرققة.

و الصورتان المفضلتان في الوقت الحاضر لدى جمهور المتعلمين والمثقفين لمضارع هذا الفعل هما (أبغى، يبغى)، و(أبغي، يبغي)، خصوصاً عند التحدث مع غيرهم من غير أهل الواحة خشية الإنتقاد عند من يخافه، أو في حديث ذي أسلوب علمي مقترب من الفصيح، ولكنهم يؤوبون إلى الصور القديمة عند ما تعود لعترها لميس، وتجر الفرد منهم عفوية اللهجة التي تجري على لسانه سليقة دون تكلف، أما من كانوا يستخدمون الصورة: (أبي، ويبي) فهم لازالوا يستخدمون هاتين الصورتين لخفتهما إضافة إلى إستخدامهم الصورتين الأخريين أعني: (أبغى، يبغى)، و(أبغي، يبغي).

إبدال الغين خاء لقربهما في المخرج: كما في كلمة نخزه أي وخزه.

إبدال اللام

إبدال اللام دالاً: فيقال في سلندر: سدندر، وهي لهجة القديح والعوامية.

إبدال اللام راءً: كما في كلمة رارنج التي أصلها لارنج

إبدال اللام نوناً:

فيقال في إسماعيل: إسماعين عند بعض أهل الواحة فيما مضى، حيث يجدون نطقها بالنون أخف عليهم من نطقها باللام لأن النون تتفق في الإستفال مع الياء التي قبلها، ولم أسمع بمثال غير هذا، وجبرين أي: جبريل عند أهل البادية، ومثل ذلك واقع في كلام العرب، قال ابن السكيت: ويقال: لأبل ولأبن، وإسماعيل وإسماعين، وإسرافيل وإسرافين، وإسرائيل وإسرائين، وشراحيل وشراحين، وجبريل وجبرين، وأنشد الفراء:

قـد جـرت الطـير أيامينا

قالت: وكنت رجلاً فطينـا

هذا ورب البيت إسرائينا[27] 

و كان بنو تميم يقولون إسرائين (بالنون) في إسرائيل، وهذا اللفظ علم أعجمي دخل العربية من العبرية، فتصرف فيه العرب، فهو في العبرية يسرائيل، وواضح أن اللام في أصل الكلمة، وهذا يعني أن النو عند بني تميم ليست هي الأصل وإنما مبدلة من اللام[28] 

إبدال النون لاماً:

فيقال في عدنان: عدلان، وهي لهجة مرغوب عنها في الوقت الحاضر، ويعد من يتعاطاها ركيكاً، بل ومن قبل، وإن كانت النظرة حالياً أشد، ومثلها كلمة ديلمه أي دينمو الإنجليزية بمعنى مولد كهربائية أو مضخة ماء، وللتبادل بين هذين الصوتين أي اللام والميم نظائر كثيرة في العربية مثل علوان الكتاب وعنوانه[29] .

إبدال الياء جيماً

و هذه الظاهرة موقوفة على لهجة أهل العوامية، وفي مثال واحد، وهو الفعل (يبس)، وتفريعاته (مضارعه، واسم الفاعل المصاغ من الفعل المجرد، واسم الفاعل المصاغ من الفعل المزيد، أو اسم الآلة، واسم المفعول فيقال: (جبس، يجبس، جابس، مْجَبِّس، مْجَبَّس)، يريدون: (يبس، ييبس، يابس، مُيَبِّس، مُيَبَّس)، وقد نسب إلى بني فقيم

إبدال أحد الحرفين المتماثلين المفروقين حرفاً آخر:

فمنه إبدال أحد الجيمين ياءً: كما في كلمة دياج وقد تقدم الحديث عنها.

إبدال أحد الدالين لاماً: كما في كلمة: يدلدغ التي أصلها يدغدغ.

إبدال أحد الضادين لاماً: كما في كلمة يتملمض التي أصلها: يتمضمض.

إبدال أحد اللامين راءً: كما في كلمة: رارا أي رالَ بمعنى سال لعابه.

إبدال أحد الواوين غيناً:

كما في كلمة: راغول، ورواغيل وإنما هما في الأصل: راوول، ورواويل، قال دعبل الخزاعي في هجاء امرأة:

أسنانها أضعفت في حلقها عدداً

مظهرات جميعـاً بالرواويل

و في حاشية ديوانه: رواويل: الأسنان الزوائد خلف الأسنان، المفرد راول[30] ، ومثل ذلك كلمة: طاغوس التي يقولها البعض لطاووس، ولكنها لهجة ركيكية معدول عنها.

الأفعــال:

معاملة الفعل الماضي الثلاثي المضعف الآخر معاملة الفعل المعتل الآخر عند إسناده إلى ضمائر الرفع المتصلة

(و هي تاء المتكلم، والمخاطب والمخاطبة، ونا المتكلمين، والمخاطبين (تو) أو (تون) الحالَّة محل تم فيقال أنا رديت، وانت ضليت، وانتين ضليتِ، وانتون رديتوا، أو رديتون في لهجة القرى التي يثبت أهلها النون للفعل مطلقاً في مقابل أنا رددتُ، وأنت ظللت، وأنتِ ظللتِ وأنتم رددتم، ومن ذلك قول الشاعر عسى بن محسن في مطلع مواله:

* يا هلال هلَّيت وانا بدار العدى ضليت *

قال الدكتور فالح شبيب العجمي في أبعاد العربية (لهجة بكر بن وائل تبني ذات الجذر المضعف دون فك التضعيف، بل يدخل صائت فقط قبل الضمير المسند إليه (ردَّتُ أو ردَّاتُ من رد مقابل الصيغة الكلاسيكية، وفي مكان آخر يقول (دون نسبة إلى لهجة: تبني صيغ فعل ذات الجذر المضعف دون فك التضعيف، ولكن بإدخال صائت مركب بين الحرفين المعجمي والضمير المسند إليه (قَصَّيتُ مقابل قصصتُ في الكلاسيكية، ردَدَتُ.و قال في الحاشية رقم 431 وهذا البناء منتشر جداً في اللهجات العربية الحديثة[31] .

و للدكتور إبراهيم السامرائي رأي في هذا الباب: (وما زلنا نحمل على الخطأ أو على طريقة العوام في لهجتهم الدارجة قولهم: (استمريت) بإسناد الفعل المضعف إلى تاء الفاعل، وفي العربية شيء من هذا وهو قليل ولعل قلته راجعة إلى أنه من البقايا اللغوية القديمة التي تشير إلى مرحلة لغوية قديمة قد سبقت الفصيح المعروف والممثل في لغة التنزيل والحديث، وعلى هذا ذهب ابن المبرد في شرح كلمة التقضي في قول العجاج: (تقضى البازي إذا البازي كسر)، والتقضي الانقضاض[32] .

و يقول في مكان آخر: (ولو استعرضنا على طريقة الاستقراء طائفة من الأفعال الناقصة في العربية لنعرف السبيل إلى صيرورتها على حالها من النقص لوجدنا أن من بينها كثيراً ما جاء من المضعف بإبقاء التضعيف ومد الفتح في الآخر حتى يصبح ألفاً وبهذا استحال الفعل رباعياً ناقصاً مع بقاء عينه، ومن أمثلة ذلك ما يلي: (مدَّ تصبح مدَّى، مطَّ تصبح مطَّى (ثم ذهب إلى أهله يتمطَّى) الآية، ذرَّ تصبح ذرَّى، دلَّ تصبح سلَّى سرَّ تصبح سرَّى، ربَّ تصبح ربَّى)[33] .

و لكنه عاد في مكان آخر فقال: (والعرب تبدل الياء من أحد التضعيفين فيقولون تظنيت، والأصل تظننت لأنه من الظن ومنه (قصصت)، و(قصيت)، والمستقرئ للنصوص اللغوية واجد من هذا شيئاً يصلح أن يكون مادة للبحث[34] .

وعندي أن الغرض من ذلك في اللهجة هو المحافظة على صورة الفعل الأولى التي كان عليها قبل الإسناد إلى الضمير، وأما الياء فإما أن تكون زائدة وإما أن تكون هي حركة آخر الفعل التي هي الفتحة وقد جعلت بمثابة الألف اللينة فلما أسند الفعل إلى أحد هذه الضمائر تحولت إلى ياء في النطق كالتي في الفعل المعتل الآخر، وعلى سبيل المثال الفعل (تعشى) يصبح عند الإسناد (تعشيت).

ومع احترامي لأستاذيَّ الفاضلين الدكتور إبراهيم السامرائي والدكتور مناف الموسوي وإن لم أكن من أهل الاختصاص، فإني أخالفهما في قولهما إن هذا من باب إبدال أحد التضعيفين ياءً إذ لو نظرنا في هذا القول لوجدناه خلاف الواقع، فلو كانت الياء بدلاً عن أحد حرفي التضعيف لفتح أحد هذين الحرفين وسكن الثاني بعد فك الإدغام كما هو حاصل مع النون الداخلة بدلاً عن أحد حرفي التضعيف كما في كلمتي (حِدِّس وجِدِّب) اللتين صارتا بعد إحلال النون محل أحدهما (حندس وجندب)، فيصير الحال مع الفعل ردَّ عند الإسناد إلى تاء الفاعل تبعاً لهذه القاعدة: (رَدَيْتُ)، ولكننا نجد أن التضعيف بقي على حاله حتى مع وجود هذه الياء التي قيل أنها بدل حرفي التضعيف، أو بمعنى آخر تلك التي قيل أنه جيء بها لفك الإدغام أو التضعيف، كما لا يصح أن يقال بدل التكرار الثالث للحرف ذاته على وجه العموم، وإن كان يقع منه، فهناك عدد من الأفعال في اللغة واللهجة تكرر فيها الحرف ثلاث مرات ومع ذلك لم يبدل واحد منها إلى الياء فعلى سبيل المثال: (رضضت، حببت، سببت، صككت إلخ..، ونلاحظ أن إبقاء التضعيف في هذه الأفعال على حاله إنما يقصد منه التفريق بين الأفعال التي تفيد الاستغراق والاستمرار والمبالغة من غيرها، وفي ما يلي بعض الشواهد الدالة على أصالة وصحة هذه الظاهرة، ود ليل قوي على صحـة ما أشرت إليه، فمن القرآن الكريم:

قوله تعـالى: ﴿وقد خاب من دَسَّـاها والأصل (من دسسها)[35] .

و قوله تعالى: ﴿ثم ذهب إلى أهله يتمطى والأصل (يتمطـط)[36] .

كما نجد ذلك في المثل العربي القديم (تغدَّ تمدَّ، تعشَّ تمشَّ)[37]  الذي يتداوله العامة بلفظ (تغدَّى وتمدَّى، تعشَّى وتمشَّى) والأصل (تمدَّد)؛كما نجد ذلك في كلمتي: (مربَّى وربَّ) والأصل: (مربَّب، وربَّب).

إقحام ألف زائدة على الفعل الثلاثي المضعف الآخر عند إسناده إلى أحد الضمائر التالية:

المتكلم والمخاطب والمخاطبة والغائب والغائبة والغائبين فيقال: (عضَّاني، وسبَّاك، وسبَّاش، وسبَّاه، وحطَّاها، وحطَّاهم)، في: عضَّني، وسبَّكَ، وسبَّكِ، وسبَّهُ، وحطَّها، وحطَّهم، وتسود هذه الظاهرة في لهجة النواحي الآتية: (الآجام، القديح، والبحاري، والتوبي، والخويلدية، والجارودية، وسيهات، وعنك (العليوات)، سنابس.

أما لهجة البقية من الواحة فهي بالتخفيف دون التشديد إلا في الضمائر الثلاثة كاف المخاطب، وشين المخاطبة، وهاء الغائب فيقال: (سبّك، وسبّش، وسبّه) رجوعاً إلى الأصل في الفصحى، أما مع الضمائر الباقية فيقولون: (عَضْني، وحَطْها، وحَطْهم) وهذه الألف فيما يبدو هي حركة آخر الفعل الماضي نطقت فتحة طويلة حتى عادت ألفاً، وأما الغرض منها فهو المحافظة على صورة الفعل الأصلية قبل الإسناد وتحقيق الحركة أو الفصل بين الفعل والضمير ومنع تأثير الأخير على الأول.

و قد يتعدى الأمر أَحياناً إلى الفعل المضعَّف الوسط فيقال: كلَّماه، وكلَّماهم، وهذه في لهجة سيهات.

ومن ذلك معاملة الفعل الصحيح المسند إلى تاء الفاعل وكأنه معتل الآخر بالياء

مع الإبقاء على حرف العلة من الفعل الأجوف دون حذف أحياناً، فيقولون في: شَبِعْتُ، ومِتُّ، وتِبْتُ، ورِحْتُ (شْبَعَيتْ أو شِبْعيتْ، ومَاتيتْ، وتَابيتْ، ورَاحيتْ، وهي لهجة أهل سيهات، والجش، وأم الحمام، وكما أنها موجودة في لهجة بعض نواحي الأحساء والبحرين.

أما البقية من نواحي الواحة فيقولون: شْبِعْتْ أو شَبَعْتْ، ومِتّ، وتِبْتْ، ورُحْتْ أو رِحْتْ.

ومن ذلك جعل حرف العلة الذي في أول الفعل المثال ألفاً لينة في آخره، وهي صورة من صور القلب بشكل يماثل الياء المنوه عنها في الظاهرة السابقة، وهي وإن كانت موجودة إلا أنها في كلمات محدودة وليست ظاهرة عامة، وإذا كان الفعل مجرداً غير مسند فإنها تظهر ألفاً أما إذا كان الفعل مسنداً فإنها تعود ياء في النطق، ففي المجرد يقولون (كلا، وخدا) أما في المسند فيقولون: (كليت، وخديت)، وهي لهجة أهل سيهات، والجش، وعنك(العليوات)

و هي موجودة في لهجة بعض قرى الأحساء، وعدد من نواحي الخليج مثل: البحرين، وقطر، والإمارات.

و في مقال كتبه الأستاذ جمال خلفان حويرب المهيري في جريدة البيان الإماراتية الأربعاء 24/1/1419هـ باب المعارف العدد 6546 ص 31 تحت عنوان (ليس من العامية والعربية قول الناس: شربيت، وكليت) بزيادة الياء يقول: (يسال كثير من الناس عن بعض الكلمات التي أذكرها في هذا المعجم الصغير الفصيح ويقولون هل هذه المادة من الفصحى إن هذا لشيء عجاب.

و الجواب (و مازال الكلام له) أن العامية من الفصحى، وعاميتنا ليست كعامية إخواننا العرب في البلدان العربية، لأننا لم نخرج من الجزيرة ولم نخالط الأجانب إلا في هذا الزمن الحديث، ومن يحب أن يخالط عرباً يعيشون في البادية التي ليس فيها غير القسوة والجفاء؟، وهذه حالة العرب منذ أن كانوا، خلا العرب الذين استقروا في القرى والمدن الكبيرة فهؤلاء تغيرت لهجتهم وابتعدوا كثيراً عن مورد العربية، ما خلا الذين درسوا وتعلموا العربية فهم غير الذين نعني هنا، وسيأتي على الأجيال القادمة في هذه البلاد الذي حل بهؤلاء لأن المدنية لا تبقي ولا تدر.

و لا يستغرب أخي القارئ أن تسمع الناس بعد ذلك يغيرون من اللهجة، ويأتون بالمفردات في غير مكانها وأن الكلمات العربية القديمة تندثر وأسماء الأشياء تختفي عن الناس كما وقع لغيرنا.

و لا تستغرب إذا سمعت الناشئة يقولون: (كتبيت، وشربيت، ولعبيت) التي كان الأطفال يضربون عليها وهم صغار، وهي اللهجة القريبة من الفصحى، فالعرب يقولون (كتبتُ، وشربتُ، ولم يقولوا: كتبيت وشربيت، وحاشاهم أن يقولوا ذلك.

حروف المضارعة بين ظواهر أربع

الأصل في الفصحى أنها مفتوحة مطلقاً، وإن وجدت بعض الأفعال فيها حروف المضارعة مكسورة فهي ناذرة جداً، وتعد من بقايا لهجات القبائل القديمة، ومن ذلك قولهم (إخال).

الظاهرة الأولى: فتح حروف المضارعة مطلقاً، وهذه الظاهرة سائدة عند أهل سيهات، وبني خالد، فهم يقولون: (تَسْلَم يَضْرِب)، وإن وجدت بعض الأفعال قد كسر فيها حرف المضارعة فهي ناذرة جداً في كلامهم ومحفوظة حفظاً سماعياً، ومن ذلك قولهم (يِلْعِبُون)، وقد أنفر بها (أهل سيهات)، أما بني خالد فيقولون: (يْلْعُبون (بسكون مائل نحو الكسر).

الظاهرة الثانية: كسر الحروف مطلقاً، وهي ظاهرة عامة في لهجة الواحة باستثناء الجهات التي سبق ذكرها في الظاهرة الأولى.

و هذه الظاهرة تعرف عند النحاة والمهتمين بالدراسات اللغوية بالتلتلة، ويعرفونها بأنها كسر حروف المضارعة وينسبونها إلى بهراء، وهم بطن من بني تميم.

الظاهرة الثالثة: الضم في حالات قليلة حينما يعقب حرف المضارعة حرف حلقي مثل: العين والغين والحاء والخاء والهاء، وحين استثقال الكسر أو الفتح، عند من يرى الضم فيها أقل كلفة وأيسر من الفتح أو الكسر، ومن أمثلة الضم عند من يكسرون (لا تُضرب)، (تُقرب) (لاحظ أن الحركة فيها كسرة مائلة نحو الضمة، وقد تنطق واضحة حركة مفخمة، ومن أمثلة الضم عند الاثنين: (عند من يفتحون وعند من يكسرون) قولهم:

و لا نعدو الصواب إذا قلنا أن الضم فرع من الكسر فهو ليس ظاهرة مستقلة بذاتها، بل متعلقة بالثانية، وإن وجد من يكسرون مطلقاً أو يفتحون.

الظاهرة الرابعة وهي ظاهرة وجود بعض الأفعال التي بدئ فيها حرف المضارعة الساكن أو قلبت ألفاً وتلك ظاهرة أخرى تستحق أن يفرد لها فصل مستقل بذاته، ومن ذلك قولهم (تْأدب، تْوكل، تْوصى) في (تَأدَّب، تَوكَّل، تَوصَّى)، وقد تقدم شيء من الحديث عن هذه الظاهرة في فصل الابتداء بالساكن فراجعه، والبقية يأتي في الفصل الآتي.

فتح لام الفعل الماضي المسند إذا كان صحيحاً والحرف الذي قبله مطلقاً إذا كان معتلاً

خلافاً للفصحى التي يضم فيها لام الفعل إذا كان صحيح الآخر أو ما قبله إذا كان معتل الآخر بالواو أو الياء ولا يفتح إلا إذا كان معتلاً بالألف.

و في بعض النواحي ينفردون بمعاملة فعل الأمر المسند إلى واو الجماعة أو تاء الفاعلة معاملة الماضي بالطريقة المتقدمة السائدة في بقية نواحي الواحة فيقولون (تْفَضَلَّوْا)، (تْعَلَّمَوْا)، وهذه طريقة أهل سنابس وعنك (العليوات)، الجش، أما بقية نواحي الواحة فيقولون: (تفضلُوا)، (تعلمُوا) بالضم، كما في الفصحى.

أما الفعل المضارع والأمر فيعودان في اللهجة الدارجة كما هو في الفصحى من حيث الالة المتقدمة أو ما قبل الحرف المحذوف إذا كان معتلاً فيضم أخره إذا كان صحيحاً أو معتلاً بالواو أو الياء ويفتح إذا كان معتلاً بالألف فيقولون (يقوموا(يقومون)، (قوموا) (باستثناء النواحي المتقدم ذكرها التي تفتح لام فعل الأمر أو ما قبله مطلقاً إذا كان صحيح الآخر).

و حيث لا يوجد في اللهجة فعل مضارع معتل بواو، فإن كل فعل معتل بالواو يحول مضارعه إلى فعل معتل بالألف أو الياء، فمثلاً الفعل (خلا) نجد مضارعه في الفصحى: (يخلو) بينما نجده في اللهجة (يخلى)، ومن ذلك ما نجده في قولهم السائر (بيت الخير ما يخلى)، وهو (يخلو) في الفصحى، أما الفعل في قولهم ـفي مقام الدعاء- (الله لا يخليني منك) فهو يائي متعدً بالألف في الفصحى فهو أخلى يخلي، وفي العامية خلا يخلي، والفعل يدعو في الفصحى يصير في اللهجة(يدعي)، كما نجده في قولهم السائر: (يا داعي لا تدعي على روحك إلا بالخير).

كسر فاء الفعل الماضي الثلاثي الصحيح المسند إلى واو الجماعة أو تاء الفاعلة مع تسكين عينه

فيقال (غِلْبَوا، قِعْدَوا، وغِلْبَتْ، وقِعْدتْ)و هي طريقة أهل سنابس وأم الحمام، بينما بقية نواحي الواحة يفتحونها وعينه فيقولون: (غَلَبَوا، قَعَدَوا، وغَلَبَتْ، قَعَدَتْ).

إنابة الصيغة انفعَل ينفعِل وتفعَّل يتفعَّل

وصيغة الفعل المسند إلى واو الجماعة في صياغة الفعل المبني للمجهول

يقول الدكتور رمضان عبد التواب: (بل أن دراسة اللغات السامية قد تفسر لنا ظواهر في العامية كظاهرة صياغ المبني للمجهول في العامية، وهي فعل يفعل إذ نابت عنها في العامية انفعل مثل انكتب وانفهم وينفعل بدلاً عن فهم وكتب، أو صيغة اتفعل اتقتل، اترمى بدلاً عن قتل ورمي، ففي العبرية توجد الصيغة الأولى وهي هناك نفعل مثل نقتل وفي الآرامية توجد الثانية وهي هناك على وزن اتفعل مثل اقتل بمعنى قتل[38] .

إسقاط حرف العلة والحركة السابقة من فعل الأمر

الذي يصاغ من الفعل الناقص المعتل الآخر للمفرد المذكر

أي أن الحرف السابق لحرف العلة هو المسمى عين الفعل يعتبر نهاية الفعل بعد سقوط حرف العلة ويكون ساكناً كفعل الأمر من الصحيح وذلك على غير ما تقضي به قواعد التصريف من بقاء الحركة السابقة على حرف العلة بعد أن يحذف، فالأمر من خشي وفق هذه القواعد: إخشَ، ومن رمى: إرمِ، ومن دعا: إدعُ، ومن صلى: صلِّ، لكن التطور اللغوي في لهجات الخليج هو سقوط الحركة في آخر هذه الأفعال بعد سقوط حرف العلة[39] .

فالأمر من صلى: صلْ، وخلى: خلْ، والأمر من إشترى: إشترْ، ومن مشى: أمشْ، والأمر من إستحى إستحْ، ويقال تعال (بسكون اللام)، وفي المثل الشعبي: (روح بعيد وتعالْ سالم)[40] .

و يتساءل الدكتور عبد العزيز مطر: (هل هذه الظاهرة لهجة عربية؟ ثم يجيب عليها بنعم[41]  ويضيف إن هذا النطق السابق لفعل الأمر المعتل الموجه إلى المذكر إنما هو نطق قديم كان معروفاً في لهجات بعض القبائل العربية، فقد روى إمام النحاة سبيويه(ت180 هـ)[42]  أن بعض العرب قد يقولون في حال الوقف إرمْ، وأغزْ، واخشْ أي بحذف حرف العلة وإسكان ما قبله، وذكر سيبويه أن عيسى بن عمر الثقفي ويونس بن حبيب الضبي حدثاه بهذه اللغة[43] ، وقد وقع ذلك في المضارع في قراءة (و الليل إذا يسْرْ)[44]  بسكون الراء، وشاهد هذا النطق:

قالت سليمى إشتر لنا دقيقا

وهات خبز البر أو سويقا[45] 

و يفسر سيبويه كيفية حدوث هذه الظاهرة أي إرم ويبين أن ذلك قياساً على الفعل الصحيح الآخر الذي ينتهي بالسكون فيقول (جعلوا آخر الكلمة حيث وصلوا إلى التكلم بها بمنزلة الآواخر التي تحرك ما لم يحذف منه شيء أي جعلوا آخر الكلمة بعحذف حرف العلة في الأمر والمضارع المجزوم بمنزلة آخر الفعل الصحيح الذي لم تحذف لامه فعومل معاملته، بهذه المناسبة نذكر أن سيبويه يقرر في هذا المجال مبدأً مهما من مبادئ التطور اللغوي القياس الذي يقوم على إلحاق أمر بآخر لعلاقة المشابهة بينهما حتى لو لم تكن المشابهة من جميع الوجوه فيقول: لأن من كلامهم أن يشبهوا الشيء بالشيء وإن لم يكن مثله في جميع ما هو فيه، ويسمي المحدثون هذه الظاهرة القياس الخاطئ، وهكذا رأينا أن لهجات الخليج قد احتفظت بهذه الظاهرة ظاهرة انتهاء فعل الأمر للمفرد المذكر المعتل الآخر بالسكون وهي ظاهرة من ظواهر اللهجات العربية القديمة[46] 

بينما الدكتور رمضان عبد التواب لا يعدها من اللغة في شيء ويراها من سقطات الشعراء النحوية واللغوية من الذين حفلوا بموسيقى الشعر والقافية وحرصوا على وزن البيت فألهاهم وشغلهم عن الالتفات إلى النظام اللغوي ثم جاء بعدهم بعض النحاة فالتمسوا لهذه السقطات تخريجاً وتعليلاً لأن الشاعر عندهم لا يخطئ وقوله حجة، ومن جملة كلامه في هذا الشأن:

و إذا أضطر شاعر إلى تسكين بعض الكلمات لضرورة الوزن فإنه لا يعدم من النحويين منذ أيام سيبويه من يطلب تأويلاً ويتكلف له قياساًفإذا قال الراجز:

فأحذر ولا تكتر كرياً أهوجاً

علجاً إذا ساق بنا عفنججاً

أو إذا قال العذافر الكندي:

قالت سليمى إشتر لنا دقيقا

وهات خبز البر أو سويقا[47] 

إلى أن يقول: إذا سكن هؤلاء الشعراء كلمات لا تكتر، واشتر وصاحب وأشرب ويرتبط وهنك وتعرفكم وتبين وتعرف ويتق لضرورة الوزن فإن سيبويه يرى أن ذلك شبيه بتسكين عين نحو: (فخذ) و(عضد) عند من يسكنها فيهما فيقول (وقد يجوز أن يسكنوا الحرف المرفوع والمجرور في الشعر شبهوا ذلك بكسرة فَخِذ وبضمة عَضُد حيث حذفوا فقالوا: عَضْد لأن الرفع ضمة والجرة كسرة[48] .

إلى أن يقول أي (الدكتور عبد التواب): هذا تعليل سيبويه في مثل هذه الأبيات؛ لأن الشاعر عنده لا يخطئ، ولا يضحى بالإعراب في سبيل موسيقى الشعر، وذلك ما لم يخطر لسيبويه على بال؛ ولذلك راح يتأول هذا التسكين، ويلتمس له نظيراً بين لهجات القبائل.

فإذا أعترض معترض على ذلك بأن (كبداً) و(فخذاً) وما شابهها كلمات كاملة عل حين أن نظائرها في هذه الأبيات عبارة عن نهاية كلمة وبداية أخرى في كثير من الأحيان فإن ابن جني يرى أن ذلك من معاملة المنفصل معاملة المتصل في العربية فيقول: (ومن إجراء المنفصل مجرى المتصل قوله: (وقد بدا هنك من المئزر فشبه (هَنُك) بعضد فأسكنه كما يسكن نحو ذلك. ومنه: فاليوم أشرب غير مستحقب) كأنه شبه (رَبُغ) بعضد، وكذلك مأنشده أبو زيد: قالت: سليمى اشتر لنا دقيقاً، وهو مشبه بقولهم في عَلِمَ: عَلْمَ)؛لأن (تَرِلَ) بوزن: عَلِمَ. وكذلك ما أنشده من قول الراجز: فاحذر ولا تكتر كرياً أهوجاً؛لأن (تَرِكَ) بوزن: عَلِمَ[49] .

هذا رأي سيبويه وابن جني أما عبد القادر البغدادي فإنه يرى: (أن الشاعر سكن الراء (في أمثال: اشتر ولاتكتر) وهي عين الفعل، وكان حقها الكسر كأنه توهم أنه لام الفعل، فسكن للأمر).

و نحن(والكلام مازال للدكتور عبد التواب) نسأل (البغدادي) صاحب هذا الكلام: لماذا يحدث هذا التوهم في الشعر، ولا يحدث في النثر؟، ولماذا لا يقول أن موسيقى الشعر ووزنه هي التي اضطرت الشاعر إلى ترك التحريك في المواضع السابقة[50] .

و من خلال التتبع والاستقراء لهذه الظاهرة إنما يحصل ذلك هو من أجل التفريق بين فعل الأمر الموجه للمذكر وفعل الأمر الموجه للمؤنث عند المخاطبة، فحين تقول: صلْ فإن السامع يعرف أنك تريد بهذا الأمر شخصاً ذكراً، وحينما تقول: صلِّي يعرف أنك تريد امرأة أنثى حتى ولو لم ير أو يعرف الشخص الموجه إليه.

إثبات النون للأفعال الخمسة مطلقاً، أو حذفها مطلقاً

(صورة من صور البناء وعدم التقيد بالإعراب، أو مراعاة تأثير الحروف السابقة لهذه الأفعال).

فنجد اللهجة الدارجة بفصائلها من اللهجات تنقسم إلى قسمين، أو بالأحرى إلى فريقين، فريق يثبت النون للأفعال الخمسة مطلقاً، ولا يعترف بتأثير الحروف السابقة لها وقد يغرق أحياناً في إثبات النون حتى للفعل الماضي والأمر، بينا نجد الفريق الآخر يحذفها مطلقاً فهما مختلفان في الصورة متفقان في الحكم، وهو عد م الاعتراف بتأثير هذه الحروف خلافاً للغة الفصحى التي توجب حذف النون في حالة النصب والجزم، وتوجب إثباتها في حالة الرفع، أو بمعنى آخر إذا لم يسبقها ناصب ولا جازم، وفي ما يلي قائمتان توضح كل منهما الجهات التي تتفق في الحالة الأولى، والجهات التي تتفق في الحالة الثانية:

الرقم

الجهـة

الرقم

الجهـة

1

سيهات.

1

تارورت.

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

الجش.

الملاحة.

أم الحمام.

الجارودية.

عنك.

الآجام.

صفوى.

أم الساهك.

أبو معن.

الزور.

النابية.

4

5

6

7

8

9

10

الخويلدية.

التوبي.

البحاري.

القديح.

العوامية.

حلة محيش.

الحاضرة (القلعة) وماحولها من تجمعات سكانية).

فنجد النواحي التي تأخذ بالحالة الأولى تمتد على جيب يبتديء من سيهات ليشمل البلدان الجنوبية، وينقطع عند الجارودية ثم يعاود الإتصال مرة أخرى عند الآجام ليشمل بقية البلدان الشمالية والشمالية الغربية، والشمالية، والجنوبية الشرقية حيث يقطعه جيب المناطق التي تأخذ بالحالة الثانية، الذي يبتدئ من الخويلدية فيمتد حتى يميل إلى العوامية شمالاً ثم يتجه إلى تاروت الديرة، وسنابس، والربيعية، وفي ما يلي قائمتان توضحان كلتا الحالتين:

 م

الحـالة الأولى

(إثبات النون)

الحـالة الثانيـة

(حذف النون)

أ

في حــــالة الرفع

 

 

هم يصلون.

إنتو (إنتون) تصلون.

إنتين (إنتِ) تصلين.

هم يصلوا.

إنتون تصلوا.

إنتين تصلي.

ب

في حـالة سبق الناصب أو الجـازم

لا تروحون.

ما بيروحون (لن يذهبوا).

لا تروحين.

 

لا تروحوا.

ما بيروحوا (لن يذهبوا).

لا تروحي.

ج

مـع الفعـل الماضي أو الأمر

إنتون أخدتون (أنتم أخذتم).

إنتين (إنتِ) وديتين (أرسلتِ).

ما شفتونه (ما رأيتموه).

روحين، روحون.

 

إنتون أخدتوا.

إنتين وديتي.

ما شفتوه.

روحي، روحوا.

ظاهرة تحميل فاعلين على فعل واحد

(على قول من يقول أكلوني البراغيث وضرباني قومك وهي اللغة التي تلحق الفعل ضمير تثنية أو جمع إذا كان الفاعل مثنى، أو مجموعاً).

وأصل تسمية هذه الظاهرة أو اللغة: (بلغة أكلوني البراغيث) كما حكاها الأستاذ مصطفى عيد الصاصنة: (أن إعرابياً قدم البصرة فبات في خان كان يعج بالبراغيث وما إن أصبح حتى ابتدره أحد اللغويين قائلاً: كيف أمسيت ؟ قال: (أكلوني البراغيث)، ولما كان جواب الإعرابي مخالفاً لمقايسات النحويين وقواعدهم في وجوب إفراد الفعل مع فاعله سواءً كان هذا الفاعل مفرداً أو مثنى أو جمعاً، فقد جمعوا من عبارته هذه مادة لتنذرهم ونبزوها بلغة (أكلوني البراغيث) تهكماً واستهجاناً[51] .

قالوا وكان ينبغي أن يقول: (أكلتني البراغيث) لئلا يجتمع للفعل الواحد فاعلان معا: واو الجماعة + البرغيث، لأن الفعل حسب قواعدهم ليس له إلا فاعل واحد[52] .

و لما كان الأعرابي ممن يحتج بلغته فقد حاولوا الوصول إلى تخريجات لصيغته وذهبوا مذاهب شتى، قالوا إن الواو في (أكلوني البراغيث) تشبهه تاء التأنيث في قالت، فالواو علامة جمعه كما أن التاء علامة تأنيث، واستبعدوا أن تكون توكيداً لأن المضمر لا يؤكد بالاسم الظاهر وهذا مذهب يونس بن حبيب، وقيل إن الاسم المتأخر مبتدأ وما قبله خبر، ويرى العكبري أن الاسم المتأخر خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو[53]  قال سيببويه وأعلم أن من العرب من يقول (ضربوني قومك، وضرباني أخواك) فشبهوا هذه التاء التي يظهرونها في (قالت فلانة)، وقد حكيت هذه

اللغة عن قبيلة بلحارث بن كعب كما حكاها البصريون عن قبيلة طيئ وبعض النحويين يحكونها عن أزد شنوءة، والأصـل في اللغـة أن يعامل الفعل فيها معاملته في لغة: أكلوني البراغيث)، وقد بقي هذا الأصل في العربية في اللهجات المختلفة، كما توجد منه بعض الأمثلة في القرآن الكريم والحديث الشريف والأشعار.

فمما جاء في القرآن الكريم قوله تعالى: (وأسروا النجوى الذين ظلموا)[54] ، وقوله تعالى: (ثم عموا وصموا كثير منهم)[55] ، ومما جاء في الحديث الشريف قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): (يعتزلن الحيض المصلى)، وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): (ما غبرتا قدما عبد في سبيل الله)، وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم)(يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل والنهار).

و مما جاء في الشعر الجاهلي قول ابن ملقط الطائي الجاهلي:

ألقيتا عيناك عند القفا

أولى فأولى لك ذا واقية

وقول أحيحة بن الجلاح:

يلومونني في اشتراء النخيـ

ـل أهـلي فكلهم يعـدل

و قول مجنون ليلى:

ولو أحدقوا بي الإنس والجن كلهم

لكي يمنعوني أن أحيي لحييت

و قول عبد الله بن قيس الرقيات:

تولى قتال المارقين بنفسه

و قد أسلماه مبغض وحميم

وهذه الظاهرة شائعة في كلامنا في اللهجات العربية الحديثة كقولنا: (ظلموني الناس) وقد جعل الحريري ذلك من لحن العامة ورد عليه الخفاجي (وليس الأمر كما ذكره، فإن قوم من العرب يجعلون الألف والواو حرفي التثنية والجمع والاسم الظاهر فاعلاً، وتعرف بين النحاة بلغة: (أكلوني البراغيث) لأنه مثالها الذي اشتهرت به، وهي لغة طي كما قاله الزمخشري، وقد وقع منها، الآيات، والأحاديث الشيء الكثير وكلام الفصحاء ما لا يخفى[56] .

والمهم في الأمر أن (أكلوني البراغيث) ظاهرة لغوية يقرها الاستعمال اللغوي السليم، وإن كانت ترفضها القاعدة النحوية العامة، لأن القاعدة ليس لها كبير اعتبار إن هي صدمت الاستعمال اللغوي الفصيح الصحيح النقل.

و فصاحة هذه اللغة معتبرة لأسباب:

(1) لكونها لغة بعض القبائل المحتج بلغتها كقبيلة بلحارث بن كعب وأزد شنوءة.

(2) لكونها الأصل قي اللغات السامية إذ يعامل الفعل في هذه اللغات معاملته في هذه اللغة فيثنى مع الفاعل المثنى ويجمع مع الفاعل الجمع مذكراً أو مؤنثاً حسب وروده.

(3) لوجود أمثلة لازالت باقية إلى اليوم من هذا الأصل، يتمثل في لهجاتنا العامية حيث نقول: (ظلموني الناس) و(زاروني الأقارب)[57] .

(4) لوجود كثير من الأدلة والشواهد من القرآن الكريم والحديث الشريف وأشعار العرب تدعمها وتصرخ بفصاحتها.

زيادة الياء بين تاء الفاعلة المكسورة في الفعل الماضي وبين الهاء

و هي لغة غير قريش نحو: (إذا وضعتيه فسميه محمدا)، وفي الحديث: (لا أنتِ أطعمتيها ولا أنتِ سقيتيها)[58] .

قال سيبويه: (وحدثني (الخليل) أن أناساً من يقولون (ضربتيه) فيلحقون الياء، وهذه قليلة[59] .

و قد عزا (أبو العلاء) المعري إشباع تاء (ضربتيه) ونحوه إلى (عدي بن الرباب)، وعزاه (شهاب الدين) الخفاجي إلى (ربيعة)، وربيعة قبيلة عظيمة؛ ولهذا نظن أن الذين ذهبوا منهم إلى الإشباع هم ممن جاوروا (الرباب)[60] .

أما الدكتور علم الدين الجندي فقد رجح أنهم من الذين تحضروا؛ لأنه يرى أن هذا الإشباع من قبيل إعطاء الصوت حقه من الأداء، وهذا ما عرف عن القبائل الحضرية[61] .

و تعلق الباحثة صالحة راشد آل غنيم قائلة: والذي نظنه أن العلاقة بين الإشباع هنا وبين ما عرف عن القبائل البدوية من سرعة الأداء؛ لأن هذا الإشباع هو المحطة التي يريح فيها أحدهم نفسه بعد إجهاده بسرعة الأداء، أما القبائل المتأنية فلا حاجة بها إلى وقفة تريح النفس[62] .

أضف إلى ذلك أن الهاء في ضربتيه صوت خفي لا يمكن لأصحاب السرعة الجهر به لو اختلسوا الكسرة أو الفتحة فلم يبق إلا إشباعهما، مادامت سرعة النطق لا تمكنهم من إعطائهما حقهما من الأداء، وفي إطالة الحركة (أي إشباعها) حرص من هذه القبائل البدوية على نبر المقطع الأخير[63] .

و كأنهم لما أشبعوا حركة تاء الفاعلة في الفعل أرادوا التفريق بينه وبين تاء الفاعل المذكر، ومنه قول العلامة الشيخ محمد بن نمر:

هجعتِ فلا ثار طلبتيه هاشمٌ

ونمتِ فلا مجد لكِ اليوم يرفع[64] 

هنالك من يزيد نوناً وهم الذين يثبتون النون للأفعال الخمسة مطلقاً ويتجاوزونها إلى الفعل الماضي مما يوقع الفصل بين الفعل وتاء الفاعلة وبين ضمير النصب الآتي بعدهما فيقولون حطيتنه، حطيتنها إلخ..

و هذا ما نلاحظه حالياً في اللهجة، كما أنها ظاهرة عامة فيها بلا استثناء بين ناحية وأخرى، ولا تجد من يجيء بها حسب القاعدة في اللغة الفصحى المشتركة، كما أنها لا تقف عند الفعل المسند إلى ضمير الغائب المذكر بل تتعداه إلى بقية ضمائر النصب الأخرى مثل ضمير الغائبة والغائبين والمتكلم والمتكلمين، وكذا ضمير الغائبات عند من يوجد في لهجتهم هذا الضمير، فيقال حطيتيه، وحطيتيها، وحطيتيهم، وحطيتيني، وحطيتينا، وحطيتيهن، ولسيادة هذه الظاهرة في اللهجة فأن غير المتنبه للأمر قد يكتبه بالياء (الكسرة الطويلة) مع أنه كسرة قصيرة.

ثم لماذا القول بأنها ظاهرة عامة في لهجة هذه الواحة وحدها فحسب مع أنها ظاهرة عامة في غالب اللهجات العربية الحديثة إن لم تكن كلها، أو تحديد بعض النواحي التي توجد في لهجتها هذه الظاهرة كما فعلت الأخت صالحة عندما حددتها بنجد وبعض أقاليم مصر[65] ، فيأتي بعد ذلك قاريء فيظن أنها محصورة في لهجة هاتين الجهتين.

إبدال سين التنفيس والاستقبال باءً

فيقال: (بانام) بدلاً عن (سأنام)، وهذه الباء تتبع الحرف الذي يليها مطلقاً في حركته وهي لهجة سائدة في أغلب بلدان الوطن العربي، ماعدا بعض البلدان مثل مصر وسوريا ولبنان فإنهم يستخدمون الحاء التي هي بقية الفعل (راح) فيقولون: (حاروح)، وأحياناً يبدلونها هاءً، فيقولون: (هاروح).

إلا أن أهل الإمارات وعمان ينطقونها مفتوحة مع الفعل المضارع فيقـولون: (بَيْروح) بينمـا البقية يقولون: (بِيروح).

و هذه الباء تعني الإرادة والعزم على عمل شيء ما كما تعني الاستقبال، ومن المحتمل جداً أنها جزء من فعل الإرادة (أبغي) في صوره المتعددة (أبغى، وأمبي، وأمبى، وأبي وأبِّي)، علاوة على صورته الأصلية بدليل أنه يقال: (أباروح)، ولو ردت الكلمة إلى أصلها لصارت أبغي أروح أو أبغى أروح، والدليل الثاني أنه بالمقارنة مع لهجة أخرى لمنطقة مجاورة مثل نجد والكويت يقولون أحياناً: يبيروح أي يبي = (يبغي يروح)، كما نجد ذلك في قول الشاعر: چ)ان يبيعرف عن الشوگ اللي فينا)، أي: إن كان يريد أن يعرف عن الشوق الذي فينا.

و هذه الأداة لم تحل محل سين الاستقبال وحسب وإنما حلت محل الأداة الأخرى (سوف)، فما نلاحظه أن هاتين الأداتين ساقطتان من الإستعمال في كثير من اللهجات العربية بعد إحلال أدوات أخرى غيرهما ومنهما الحاء والباء كما تقدم

حذف لام الأمر في اللهجة الدارجة بعد لفظ القول أو الأمر

(قلت له يفعل كذا) أصلها ليفعل[66] .

إبدال لام التوكيد والاستمرار بـ (ذا) أو (جا)

و تسمى في الفارسية أداة الشروع والإستمرار، وهذه شائعة في العراق وحسب، فهم يقولون: (ذاياكل) و(جاياكل) أي: (و إنه ليأكل)، وإذا به يأكل)، أما في بعض البلاد العربية كسوريا ولبنان فإنهم يستخدمون المقطع فيقولون: (عـم ياكل)، و(عم بطَّلَّع).و من المحتمل أن تكون هذه الأداة هي بقية إذا الفجائية أو بقية إسم الفاعل (قاعد)، والمعنى: مررت به فإذا به قاعـد يأكل أي: مستمر في الأكل، حذفت منها الهمزة من باب التسهيل للتخفيف في النطق أما نطقها (جا) فهو من باب الإبدال.

و مثل هذه السوابق غير موجودة في اللهجة وإنما ذكرتها تمهيداً لذكر الأداتين أو السابقتين اللتين تقابلها.

و هاتان السابقتان أو الأداتان هي إذا الفجائية أو أداة الاستثناء إلا اللتان يعقبهما كلمة كل أو ضمير منفصل وفعل مساعد مثل قاعد وقايم وصاير ونحوه، ومثال ذلك: جيت عنده، ما بين أنا گاعد إلا كل جا، ما جيته إلا هو گاعد يلعب، ويشترط أن تكون إذا الفجائية مسبوقة بواو العطف، جيته وادا هو ياكل، أما أداة الاستثناء فقد يسبقها أو لا يسبقها ما: بين أنا گاعد والا كل جا، وقد تقدم المثال على غير المسبوقة.

و هذه السوابق لا تأتي إلا مع فعل يحكي حركة أي لا تأني مع حرف يتسم بالسكون فلا يقال: جيته والا هو گاعد نايم أو وا گف أو منسدح.

أما الأداة (دي) المستخدمة بدلاً عن لام الأمر فهي عامة في العراق وفي غير العراق من بلدان الخليج، وهي موجودة في لهجتنا، ومن المحتمل جداً أنها بقية الفعل المساعد (عاد) في اللهجة الدارجة؛ومن أمثلتها: شخص يكثر العبث، أو يصر على الوقوف فيقال له (دِقعد عاد) أو (دِروح)، أو (دِسكن) بمعنى: لتقعد أو لتروح أو لتسكن.وحركتها بين الكسر والضم مسايرة لخفة النطق حين إتباع الفعل بها، والدليل الثاني على أنها بدل لام الأمر أنها لا تلحق إلاَّ الفعل المضارع بالذات تماماً كما هو الحال مع لام الأمر في الفصحى.

الإبقاء على الحركة في الفعل المضارع الأجوف المجزوم والأمر دون تقصير أو حذف

الأصل في الفصحى أن حرف العلة يحذف منهما فيقال لم: يزد، وزد، أما صورة مضارع هذا الفعل في اللهجة وأمره فلا يطرأ عليه تغيير حتى بعد سبق الجازم فهو يزيد لا تزيد، وزيد في الأمر، ذكرها الأستاذ جعفر العيد وسماها تحويل الحركات إلى حروف بينما هي تسمى في عرف اللغويين القدامى حذفاً، وعند المحدثين تقصيراً، ومثله الفعل المضارع المثال الذي لا يطرأ عليه إعلال بالحذف وكذا الأمر فيقال في الفعل: وفى، يوفي، اوفي، بينما هو في الفصحى: وفى، يفي، فِ في حين أن غالب هذه الأفعال تتعرض للإعلال بالحذف.

[1]  ظاهرة الإبدال اللغوي دراسة وصفية تطبيقية للدكتور علي حسين البواب ص 11 دار العلوم للطباعة والنشر الرياض ط/1 1404

[2]  الإعلال والإبدال بين النظرية والتطبيق الدكتورة صباح عبد الله بافضل ص 4 الدار السعودية للنشر والتوزيع ط 1 رجب 1418هـ.

[3]  نفسه.

[4]  نموذج من اللهجة اليمنية في وادي حضرموت 135.

[5]  ظاهرة الإبدال اللغوي مرجع سابق ص 12.

[6]  الإبدال لابن السكيت (مرجع سابق) ص 88.

[7]  لغة تميم (مرجع سابق) ص 118.

[8]  المائدة آية 5.

[9]  نفســه ص 107، بتصرف واختصار.

[10]  نفسه

[11]  نفســه ص 10، بتصرف واختصار.

[12]  دليل الإعراب والإملاء ص 77.

[13]  الإقتصادية (جريدة) الثلاثاء 27 ذو الحجة 1419هـ الصفحة الأخيرة، زازية (بوص ونص)، مقال (الحياي ياو من لحياز) للأستاذ محمد بن ناصر الأسمري.

[14]  البحر والدر ص 42 للأستاذ مساعد محمد الأسود ط 1 س 1417 هـ ز مطابع الهارون الحديثة رحيمة.

[15]  لغة تميم ص 80.

[16]  نفسه.

[17]  زاوية بوص ونص مقال (الياي ياو من لحياز) (السابق)

[18]  الأصالة العربية في لهجات الخليج ص 140 للدكتور عبد العزيز مطر عالم الكتب الرياض ط 1405 هـ دون ذكر لرقم الطبعة.

[19]  نفسه.

[20]  نفسـه ص 138.

[21]  النساء آية 4.

[22]  الأمالي في لغة العرب مج 2 ص 112 تأليف أبي علي إسماعيلبن القاسم القالي البغدادي دار الكتب العلمية ـ بيروت لبنان 1398 هـ ورفم الطبعة غير مذكور.

[23]  فصول في فقه العربية ص 120 وتاريخ آداب العرب ج1 ص 142.

[24]  نفســه ص 121.

[25]  نفســه ص120.

[26]  فقه اللغة المقارن ص 74.

[27]  الإبدال لابن السكيت (مرجع سابق) ص 68.

[28]  لغة تميم (مرجع سابق) ص 112.

[29]  نفســـه.

[30]  ديوانه ص 270 وحاشيتها تحقيق عبد الصاحب عمران الدجيلي.

[31]  أبعاد العربية تأليف الدكتور فالح شبيب العجمي تصميم وطباعة مطابع الناشر العربي الرياض ط 1 ـ 1415هـ ص 164و ص 196.

[32]  فقه اللغة المقارن ص 43.

[33]  نفسه ص199.

[34]  نفسه ص 43.

[35]  الشمس الآية 10.

[36]  القيامة الآية 33.

[37]  إحياء علوم الدين مج 1 ج 4 ص 678

[38]  فصول في فقه العربية ص 47.

[39]  ظواهر ناذرة في لهجات الخليج العربي ص 35.

[40]  الأصالة العربية في لهجـات الخليـج ص 16.

[41]  ظواهر ناذرة (المصدر السابق).

[42]  الأصالة العربية ص17، وظواهر ناذرة صفحة 35.

[43]  نفســـــه.

[44]  الأصالة العربية ص.17.

[45]  نفســــه ص 54.

[46]  ظواهر ناذرة في لهجات الخليج العربي ص 40.

[47]  فصول في فقه العربية ص 167.

[48]  نفســــه ص169.

[49]  نفســــه ص 170.

[50]  نفســــه ص171.

[51]  مجلة الخفجي العدد 11 ذو القعدة 1418 هـ ص 33 مقال (أكلوني البراغيث لغة فصيحة).

[52]  نفســــه.

[53]  نفســــه.

[54]  الأنبياء الآية 3.

[55]  المائدة الآية 71.

[56]  فصول في فقه العربية ص 82.

[57]  مجلة الخفجي (المصدر السابق) ص 34.

[58]  الهداية إلى ضوابط الكتابة ص 52. إبراهيم عبد المطلب

[59]  اللهجات في الكتاب لسيبويه أصواتاً وبنية ص 128 صالحة راشد غنيم آل غنيم مركز البحث العلمي وإحياء التراث الأسلامي كلية الشرية والدراسات الإسلامية مكة المكرمة ط 1 1405هـ دار المدني للطباعة والنشر والتوزيع جدة.

[60]  نفسه.

[61]  نفسه ص 129.

[62]  نفسه.

[63]  نفسه.

[64]  رياض المدح والرثاء للشيخ حسين القديحي ص 25 المكتبة العربية ومطبعتها مطبعة الآداب ـ النجف بدون تاريخ ولارقم طبعة.

[65]  راجع المصدر نفسه ص 130.

[66]  الهداية إلى ضوابط الكتابة ص52. إبراهيم عبد المطلب.
باحث
363661