من سواد الكوفة إلى البحرين*
تقي محمد البحارنة * - 4 / 3 / 2011م - 12:08 م - العدد (24)

وقائع التاريخ يكتبها البشر على صفحات الزمن المتقلّب، ثم تقرؤها الأجيال، وعلى فمها هذا السؤال الحائر: .. البقاء للأصلح كما جاء في الكتاب المبين: ﴿إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ[1] ، وذلك مع تجدد آمال البشر بانتصار العدالة والحق: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ[2] . ذلك أن البقاء للأقوى المتغلب، على مقالة معاوية بن أبي سفيان: "الخليفة هذا.. فإن قضى فهذا، ومن أبى فهذا (أي السيف)" . هل نذهب مع أبي العلاء المعري في نقمته على ولاة عصره، حيث يقول:

مُلَّ المقام فكم أعاشر أمةً

أمرتْ بغير صلاحها أمراؤها

ظلموا الرعية واستباحوا حقّها

وعدوا مصالحها وهم أجراؤها

أو في تهكمه اللاّذع على الطغاة:

جلوا صارماً وتلوا باطلاً

وقالوا: صدقنا؟.. فقلنا: نعم

ونحن نرى أن التاريخ يكتب سير العظماء، ويذكر أخبار الملوك والرؤساء والقادة المظفرين، وقد يأتي على سير الفلاسفة والعلماء ورجال الفكر والثقافة والأدب والفنون، فنراه يخصهم بذلك القدر من الاهتمام الذي خصهم به ولاة أمرهم والنظام السياسي الذي نشؤوا في ظله لكي يتخذ من معظمهم حلية تزين مساوئ النظام وظلمه. ومن أبى فيهم أن يكون كذلك معتدّاً بكرامته وعلمه وكبريائه كان مصيره أن يموت مذموماً.. كأبي العلاء المعري.

كما أننا نرى أيضاً أن التاريخ المتداول والإسلامي منه خاصة فلما أبدى اهتماماً بحياة البشر وأحوال عموم الناس والكادحين مهم خاصة. ونراه يغفل وصف معاناتهم وهمومهم وما يتعرضون له من بلاء مع عدم قدرتهم على التعبير الحر عن تلك المعاناة. هذا مع العلم بأن العنصر البشري هو مادة التاريخ، والعامل الأساس في حركته.

في تصوري أن المؤلفة "مي الخليفة" لا تقلّ حيرتها عن حيرة أي مؤلف آخر يتداول تاريخ فترة القرامطة ثم يكتشف أنه أمام سيل جارف من المتناقضات، وأنه يحاول العوم في بحر لجيّ بين أمواج من الفتن والثورات والاضطهاد والصراع الطبقي والعرقي والتصفيات الدموية كل ذلك محاط بهالة من الادعاء بنصرة الدين ومحاربة المفسدين في الأرض والمارقين عن شريعة الإسلام وطاعة ولاة الأمر من الخلفاء والقادة وعمال الأقاليم. وللمؤلفة هنا أن تتساءل بفطرة النفس الإنسانية، وعفوية خالية من الأغراض: "هل أن القرامطة وفلسفتهم الاجتماعية والفكرية هم مجرد فئة (كان همها الأكبر الإفساد في الأرض)" .

أنا أعرف عن المؤلفة من كتبها السابقة واللاحقة لهذا الكتاب، أنها مهتمة بإعادة كتابة تاريخ ما أهمله التاريخ، لا سيما فيما يتعلق بجانب واحد هو الجانب الإنساني، وبالتحديد البشر الذين ظلمهم التاريخ. هذا واضح فيما كتبته عن تاريخ البحرين الحديث في عهد الأسرة الخليفية ومناورات الاستعمار البريطاني.. وفيما كتبته حديثاً عن سيرة التعليم في البحرين، حيث أنصفت عدداً لا بأس به من رواد التعليم ومؤسسيه سقطت أخبارهم فيما كتب عن التعليم من قبل.

كما نلاحظ أن الوسط الجغرافي الذي تعمل فيه المؤلفة هو البحرين والخليج العربي، وذلك حتى كتابها الأخير عن التعليم على وجه الإجمال لا الحصر.

ولما كان المجال الفعلي القرمطي جغرافياً هو الخليج والجزء الشمالي منه شاملاً جزيرة أوال من البحرين، فإن اهتمام المؤلفة بحركة القرامطة ليس محلاً للاستغراب.

وتوفيراً للوقت وعدم الإطالة في هذه المناقشة العاجلة أكتفي بالملاحظات التالية:

أولاً: أنا أرى، على وجه العموم، أن الكتاب عمل جاد في محاولة تصحيح التاريخ الذي كتب عن القرامطة ونقده ومن حق المؤلفة التي بذلت هذا الجهد بدافع إنساني نبيل في سبيل إنصاف المستضعفين وكشف النقاب عن الحقائق المرة في تاريخنا الإسلامي فيما يتعلق باستغلال شعار الإسلام في إقامة الدولة والممالك لمصلحة الطغيان والتحكم في الشعوب والاستيلاء على ثروتها.

أقول: إن من حقها أن ينال الكتاب اهتمام وبحث المختصين، باعتباره خطوة جريئة تستحق التقدير.

ثانياً: لم تزعم المؤلفة أنها تكتب التاريخ أو أنها تعيد كتابته بشكل موضوعي علمي يخضع للمقومات العلمية التي ذهب إليها الأستاذ علي الديري. فقد قامت بجهد في تجميع المواد والحقائق والروايات التاريخية التي تنصب في مجال إنصاف الحكم على دعوة القرامطة وفكرها ومجتمعها، وتركت للمهتمين إكمال المسيرة مستشهدة في ذلك بقول أرنولد ولسون: "ليس من المفروض أن يواصل الإنسان الكتابة حتى يصل إلى الحقيقة غير المعروفة في السابق. ولكنه إذا قام بتنويع المصادر قد يجعل العقل يكتشف الرؤية الجديدة لمسلّمات سابقة" .

لكنها مع ذلك لم تحجم عن اتخاذ موقف شجاع يمليه الضمير والخلق حينما ختمت فصل التمهيد لكتابها بقولها: "أقول: إن الحجة ليست لمن غلب، وإن تحريف التاريخ والتعتيم على فترات منه، لن يجعلها مجهولة ولن تبقى في خانة المسكوت عنه" .

ثالثاً: من بين من كتب في تحليل مي ونقده الأستاذ كمال الذيب في إخبار الخليج "الثقافي" بتاريخ 15/ 1/ 2000 فأخذ عليها اعتمادها سيناريو منسوج على عمود الرؤية الشخصية (أي الخاصة المشحونة برغبة معلنة وملحة في "إنصاف القرامطة" مما جعل الكتاب أقرب إلى المرافعة" .

هذا القول فيه جانب من الصحة ومن حق المؤلفة أن تدافع عن قضية توصلت بجهد البحث الدؤوب إلى قناعة خاصة حولها. وانتقاء النصوص التاريخية يعيب المؤرخ ولا يعيب الباحث الذي يريد إثبات قناعاته في قضايا إنسانية عادلة. ورغم ما تضمنه مقال الأستاذ كمال الدين من نقد وملاحظات فقد ختمها بقوله: "إنها ممارسة جديرة بالاحترام من النواحي الفكرية والبحثية والأخلاقية أيضاً" .

رابعاً: كانت الدولة القرمطية تجربة فريدة جديدة في فكرها ونهجها ونظامها الاجتماعي والاقتصادي طمستها الأحداث والحروب ثم ضاعت في تيار الأنظمة التقليدية وتلاشت مع الزمن ولم يبق غير اسمها مقروناً بوصمة المروق عن الدين حتى من قبل الأنظمة التي قامت على أساس الدعوة الإسماعيلية. والدفاع عن الشرعية الدينية لمثل هذه الدولة مركب صعب، وهو أمر وارد حتى ولو تمكنت المؤلفة من مجانبته بذكاء. ولكن التجربة القرمطية من حيث نظامها الدنيوي أو العلماني في المصطلح الحديث في توزيع العمل، والثروات، وتحري العدالة الاجتماعية تستحق الدراسة المسهبة، والكشف عن أمور كثيرة تتعلق بالبناء الاجتماعي والاقتصادي والفكري والفلسفي والتربوي إلخ، ذلك حتى ولو وضعها التاريخ الإسلامي خارج الشرعية. فهل يبرر ذلك وضع هذه التجربة الإنسانية الفريدة بالقياس إلى عصرها في زاوية النسيان أو الرفض. لعل المؤلفة وضعت هذا السؤال نصب عينها واجتهدت في أن تأخذ زمان المبادرة خليجياً على الأقل لبحث شأن إسلامي وخليجي مهم.

خامساً: أعود أخيراً للورقة القيمة التي كتبها الأستاذ علي الديري ونقلنا إلى أبعاد بحثية أكاديمية ابتداء من فلسفة النقد الأدبي، وعملية استيحاء الأفكار من شكل الكتاب ونص الإهداء، ثم التوغل في استجلاء بناء الخطاب لدى المؤلفة، إلى رأيه في كنون المؤلفة قد استسلمت للنصوص المختارة، ثم رأيه في مراجع الكتاب، وكونه لا يحمل تصريحات الباحثة التي تبعد عن نفسها الأوصاف الأكاديمية محمل الجد بحكم ما فرضته إكراهات التوثيق التاريخي لولا أن المؤلفة انصرفت عن معطيات العلوم الإنسانية، وعلم اللغويات، التي هي ذات أهمية في خدمة المؤرخ. ثم حدد عدداً من الملاحظات في هذا الصدد. منها غياب النقد المعرفي لاسيما في وصفها للنظام القرمطي بأنه أول حركة اشتراكية في الإسلام، ومن أن الإكراهات السياسية والعقائدية تحولت عندها إلى (تعاطف) بدلاً من النقد المعرفي، ومنها أن نصوص المؤرخين تحولت إلى وثائق بدلاً من أن تكون ساحة عمل ومساءلة. وبعد أن يورد الأستاذ الديري نصوصاً وضوابط نقدية أخرى يخلص إلى تقرير حكم شمولي قد لا نتفق معه عليه حيث يقول: "إن نموذج الزعامة الثورية ما انفك على مر التاريخ من تكرار أو أدوار الزعامة الملكية" . ولنا أن نسأل هنا: هل يعني ذلك في رأي القائل أن الملكية على حق، وأن الثورات على باطل طالما أنه يمكن استغلالها ما جاءت من أجله؟

سادساً وأخيراً..

إن الأستاذ علي الديري بقدر ما وسع مداركنا في مجال النقد الأدبي وأسبابه ومتطلباته ومعاييره الموغلة في الدقة والتعقيد، وبقدر ما نثر من حقيبته النقدية من سهام، وعجم عيدانها (على مذهب الحجاج الثقفي) ثم رمى تلك السهام في مواضعها من كتاب مي، فإنه لم يختم ذلك الجهد الذي بذله بقول يفيدنا عن مجمل رأيه في الكتاب وكونه يسد فراغاً في موضوعه (على نحو ما فعل الأستاذ كمال قبله)، وتركنا في حيرة تشبه حيرة (عمرو) بعد أن قال فيه ابن الرومي أو غيره..

خاط لي عمرو قباء

ليت عينيه سواء

قلت شعراً ليس يدري

أمديح أم هجاء

أما أنا فأختم كلامي بقول الواثق: إن كتاب مي عن القرامطة عمل جريء له قيمته وبحث قيم وإضافة للمكتبة التاريخية وهو ممتع جدير حقاً بالقراءة.

* مداخلة حول حلقة النقاش في ندوة أسرة الأدباء والكتّاب المقامة في نادي العروبة. والورقتين المقدمتين فيها عن كتاب (من سواد الكوفة إلى البحرين) تأليف السيدة ميّ الخليفة. وذلك مساء الاثنين 29 مايو سنة 2000.

[1]  سورة الأعراف، الآية 128.

[2]  سورة النور، الآية 55.
أديب
375201