حول قراءة التراث
محمد العلي * - 15 / 10 / 2007م - 4:30 ص - العدد (3)


(1-1) مفهوم التراث
 
 

القاموس المعاصر يعرف التراث بما يلي: هو ما خلفه السلف من آثار علمية وفنية، مما يعتبر نفيساً بالنسبة لتقاليد العصر الحاضر وروحه (..) وكذلك ما تحتويه المتاحف والمكتبات من آثار تعتبر جزءاً من حضارة الإنسان (1).

التعريف القاموسي هذا لا يبقى مستقراً، هكذا حين نذهب الى استقرار مفهوم التراث في أذهان كتابنا ومفكرينا، لا لأن عقدة التعريف (الجامع / المانع) المنطقية بقيت حتى الآن تؤرقهم، بل لأن المفهوم نفسه من الشمول والعمق بحيث يسمح لهذه الأشكالية، أو تلك بمد عنقها.

لنأخذ ـ مثلاً ـ هذا التعريف:

(التراث ـ في مفهومه الأول ـ هو كل ما كتبه اسلافنا العرب من فكر وشعر وفلسفة، ثم يتساءل الكاتب فيقول: لكن هل يدخل فيه ما كتبه العرب الذين ينتمون الى أصول عربية فحسب، أم يدخل فيه كذلك ما كُتب بالعربية، سواء أكان كاتبوه عرباً، أم ممن ينتمون الى أصول أعجمية أخرى (2).

الكاتب هذا أنهى حديثه دون أن يجيب على السؤال ، وعليه فليس أمام قارئه غير فاجعةً محدقة هي : أن يتقدم الى ما خلفه بشار وسيبويه والفارابي وأبن سينا. ومئات غيرهم في مختلف حقول المعرفة، يتقدم إليه ويرميه في البحر، لأن أصولهم غير عربية.

إن هذا الكاتب بمجرد أنه طرح سؤاله ذاك يقدم لنا البرهان على انه لم يصل الى مفهوم واضح للتراث الذي حاول تعريفه، وإلا لما طرح سؤاله كنوع من الأشكالية المحيرة، هذه الأشكالية التي ينتحي أحد مفكرينا لدحضها فيقول : (أن هناك في العصر الحاضر قاعدة (عرفية) تتحدد بموجبها الجنسية الثقافية لكل مفكر، هذه القاعدة تقتضي ان المثقف لا ينسب الى ثقافة معينة إلا إذا كان يفكر داخلها. والتفكير داخل ثقافة معينة لا يعني التفكير في قضاياها بل التفكير بواسطتها، فقد يتم التفكير في قضايا ثقافية أخرى، ومع ذلك يبقى المفكر منتمياً الى هذه دون تلك، فالفارابي ـ مثلا ـ الذي فكر في قضايا الثقافية البيونانية هو مفكر عربي، لأنه فكر فيها بواسطة الثقافة العربية، ومن خلالها...الخ) (3).

إذن وتحت هذا الضوء، فقد أنتهت الأشكالية التي طرحها صاحبنا بسؤاله دون أن يجيب عليها، ولكن تولد سؤال آخر، ففي الأجابة استخدمت كلمة (ثقافة) فهل مفهوم الثقافة يرادف، أو يتداخل مع مفهوم التراث؟؟.

نعم، أنه يتداخل معه، فالثقافة أشمل من التراث، لأنها تنطوي على فعلية الحاضر وتشابكه مع دوافع الرنو الى المستقبل، كما تنطوي على الجزء الفاعل من التراث، فالثقافة في تعريف (تايلور) وهو أول من استخدمها  علمياً عام 1871 هي: (ذلك الكل المركب المعقد الذي يشمل المعلومات والمعتقدات والفن والأخلاق والعرف والتقاليد والعادات، وجميع القدرات الأخرى التي يستطيع الإنسان أن يكتسبها بوصفه عضوا في مجتمع): أو هي، في تعريف آخر: (كل القيم المادية والروحية، ووسائل استخدامها ونقلها، التي يخلقها المجتمع من خلال سير التاريخ) (4).

لنترك الآن تداخل مفهوم التراث مع أي مفهوم ـ مهما كان قريباً ـ ونقف على تعريف آخر للتراث يصوغه أحد مفكرينا بقوله: (التراث هو: ما تصنعه أنت، فالتراث كتب وفنون وغير ذلك من هذا الجسم المكتوب الموروث، لكنك ستقرأه لتستخرج منه ما تسطيع بوجهة النظر التي تريدها أنت دون أن يفرض نفسه عليك.. الخ) (5).

أريد أن أضع خطأ عريضاً تحت قوله: (دون أن يفرض نفسه عليك) فهذا المفكر يجرد التراث من السيطرة تجريداً تاماً. أنه يجعل لارادتنا وحدها فعل اختيار هذا أو ذاك من التراث، فهو إذن لم يجعل التراث كتلاً أفقية أو عمودية منفصلة عن بعضها وحسب، بل جعله مستسلماً بصورة جمادية.

غير أن هذا المفكر نفسه يعود في كتاب آخر فيصحح نفسه قائلا:

( أنه ليس باختيارنا أن نأخذ ماضينا أو نتركه لأن هذا الماضي أنما هو ماضي الحاضر، ولو بترنا العلاقة بينهما لما جاز لنا بعد ذلك أن نسمي الماضي ماضياً) (6).

هو إذن كر عائداً معترفاً بضغط التراث وأنسرابه فينا بطرق مبهمة. ولكنه عملياً يترك الباب مفتوحاً للأنتقاء من هذا التراث.. كيف نشاء.

لكن هل المسألة بهذه العفوية؟! لا . أبداً.

ان اللغة نفسها التي نفكر من خلالها لا تحمل سياقاً وأحداً قادماً من التراث، سياقاً يمكن الأمساك به والتحكم فيه، إنها تحمل الى جانب السياق اللغوي سياقاً علمياً وسياقاً فكرياً وسياقاً ذوقياً وسياقاً وجدانياً، ومن مجمل العلاقات بين هذه السياقات كلها وغيرها ووفق قانون (نفي النفي) ولد فينا (التكوين النفسي المشترك).

أن حصيلة تفاعل هذه السياقات مع الحركة الإجتماعيتة الدائبة هي التي تصوغ البنية الذهنية لنا، افراداً وجماعات، صياغة لا شعورية أحياناً، وبخاصة إذا أخذنا بالترعيف القائل: (الثقافة هي ما يبقى عندما يتم نسيان كل شيء) (7).

لذلك كانت مقاومة الجوانب السلبية من التراث في أنفسنا، ليست مقاومة وديعة، أنها معركة شرسة، لأن معناها تغلب الإنسان على نفسه، أرتفاعه على ذاته، وليس غريباً ما جاء في الأثر من تسمية فعالية النفس بـ (الجهاد الأكبر) إذا نزعنا عنه التفسير الحربي الضيق.

التراث إذن يفرض نفسه بصورة شعورية أو لا شعورية، ما دامت الذهنية التي أملكها ولدت وترعرعت من خلال اللغة، ولكن هل أقف مستسلماً أمام هذا الفرض؟؟ هل أدع إيماء التاريخ يأخذ ببصري الى حيث يريد؟ حتماً لا، وإلا أصبحت دون إرادة يمكنها أن تختار، ولاصبحت الحركة الإجتماعية معقدة ولأصبح الزمن ـ هذا النهر الذي لا يمكن أن تسبح فيه مرتين ـ أصبح هو الآخر واقفاً.

صحيح أن الإنسان كائن تاريخي، ولكن:

( تأريخية الإنسان لا تقتصر على تذكره للماضي وتسجيله له وأنما هو تأريخي بمعنى آخر، بمعنى أنه كائن حي فاعل، وبهذه الصفة لا يتأثر بالواقع فحسب، بل يؤثر فيه، ولا يكتفي بأن يكون نتيجة ومحصولاً، بل يطمح الى أن يغدو سبباً فاعلاً، لا يقف عند التأثير بالتاريخ والخضوع له، بل يصنع التاريخ) (8).

(1 ـ 2) التراث
 
 

حين نوصد آذاننا عن تعريف التراث وتفرعاته ونقف فقط على تلك النقطة الخطيرة التي هي تفاعلنا معه، أو موقفنا منه نلتقي وجهاً لوجه بذلك الطرح الذي حدده أحد مفكرينا بقوله:

(ينبغي ـ أول الأمر ـ أن نلحظ الفارق بين التراث نفسه ومعرفة هذا التراث، أي أن نلحظ أن أمامنا في المسألة شيئين، لا شيئاً واحداً، هذا يعني أن معرفة التراث أضافة خارجية ترد إليه من مصادر متعددة لهذا هي تتعدد وتختلف، وهو واحد لا يتغير. فما دام الواقع المشهود يضع أمامنا أشكالاً  متعددة مختلفة لهذه المعرفة فلا بد أن الذين ينتجون هذه الأشكال المعرفية يختلفون بشيء ما عن بعضهم البعض، ما هو هذا الشيء؟ هل هو اختلاف (شخصي) في قابليات الفهم، أي هل هو أمر فردي تتحكم به عناصر ذاتية مزاجيه (خاصة) أم أن هناك ما هو أبعد من ذلك وأشمل؟ لو أن أختلاف أشكال هذه المعرفة صادر عن عوامل فردية ذاتية لكان التشابه، أو التماثل أحياناً، إمّا نادراً جداً أو غير ممكن أطلاقاً لأن التشابه نادراً ما يحصل بين (الذاتيات) المحض، ولأن التماثل مستحيل في (الخصوصيات) الذاتية هذه، ذلك في حين أن تصنيف أشكال معرفة التراث الفكري، في هذا العصر وذاك يقدم لنا نماذج كثيرة متشابهة، وأحياناً نماذج تكاد تكون متماثلة بقدر ما يقدم نماذج متخالفة أو متناقضة، هذا الواقع يحملنا على استنتاج ان كلا من التشابه والتخالف والتناقض بين تلك الأشكال (المعرفية) أنما هو صادر من منطلقات إجتماعية لا فردية، وموضوعية لا ذاتية.. الخ (9).

نقلت هذا النص على طوله، لأنه يحدد النقطة المحورية لبحثنا هذا كله، أنها نقطة السؤال التالي:

لماذا يختلف التراث عند زكي نجيب محمود عنه عند طيب تيزيني، أو عبدالحميد الخطي، أو عزيز ضياء، أو عبدالله بن أدريس، أو بصورة أكثر حدة: لماذا يختلف التراث عند عبدالله الغذامي وسعيد السريحي عنه عند ثلة مدججة من حرس ابن قتيبة؟؟ تماماً كما اختلف عند الغزالي وابن رشد، أو عند الجاحظ وأبي عمرو بن العلاء؟؟

أن التراث واحد، أنه شاخص وشبه محدد، فلماذا اختلف هؤلاء إذن، وهم ينظرون إليه ويستقون منه؟!! لنضرب لذلك مثلاً قريباً.

(الناس في بلادي) عنوان قصيدة للشاعر صلاح عبدالمنصور في ديوانه الذي يحمل نفس الأسم، سياق القصيدة بالطبع ليس بعيداً عنا، أنه يحمل ايقاع عصرنا، هذه القصيدة قرأها ثلاثة من أختصاصات مختلفة.

الأول فيلسوف هو الدكتور زكي نجيب محمود نستمع إليه يقول: (ما هكذا الناس في بلادي) الناس كما يراهم الشاعر في بلاده (جارحون كالصقور) ليسوا هم كالعقبان، جارحون في شرف ونبل، بل هم كالصقور يخطفون خطفاً في خسة وغدر، قد تأخذهم النشوة فيغنون، لكن أي غناء بارد برودة الشتاء مرتجف رجفة الخائف يهز الأطراف الظاهرة ولا ينبعث من القلب..الخ) (10).

القارىء الثاني منظر، هو الدكتور عبدالباسط بدر، ولا أدري أن كان اختياره مبنياً على رأي الدكتور محمود أو لا؟ لأن كتاب الأول (مع الشعراء) نشر عام 1978م أما كتاب الدكتور بدر (مقدمة لنظرية الأدب الإسلامي) فنشر عام 1985م أي ان الكتاب الأول متقدم عليه بسبع سنوات، المهم يقول: (تبدأ القصيدة بعرض صورة متناقضة للناس في بلاد الشاعر، فهم عصبيون فيهم حدة وشراسة (جارحون كالصقور) يسيطر عليهم الأنفعال البدائي، في كل مظاهر سلوكهم، فغناؤهم مثل مطر الشتاء المرتعش وضحكهم له أزيز يشبه اللهيب في حطب مشتعل يدقون الأرض بخطوات قاسية، ويرتكبون كل ما عرفته البشرية من جرائم..الخ) (11).

أما الثالث فهو الناقد محمد مصطفى بدوي الذي يقول: (وهكذا فمن البداية تختفي لهجة الخطابة من كلام الشاعر، وينشأ شعور بالألفة بينه وبين القارىء، وبذلك يشعرنا بأنه لا يقف على منصة ليلقي علينا كلاماً مديحاً منمقاً يظهر فيه براعة، وأنما هو يحدثنا بصوت خافت غير جمهوري ويقول لنا كلاماً صادقاً عن نفسه وعن أمله.. ثم يزداد أحساسنا بصدقه حين نلمس ما في قوله من صراحة تبلغ حد القسوة .. الخ) (12).

ولنضرب مثلاً آخر: يقرأ المسمى (ابن جني) قصيدة عبدالله الصيخان (هواجس في طقس الوطن) فيقول: (شعر الصيخان ملىء بالأخطاء اللغوية والموسيقية الفاحشة، الغموض المزعوم في شعره عبارة عن تذبذب في المعنى، وضحالة في التفكير) (13). ويقرأها محمد أحمد عواد فيقول: (بالرغم من أن القصيدة جاءت على الصورة التقليدية للشعر العربي إلا أن النفس الشعري فيها، وطريقة طرح القضية فيها روح التحديث والحداثة، إنّ رؤية الشاعر للعالم (كشرط بنيوي) متحققة نوعاً ما، على مستوى خاص جداً من حيث توحد الشاعر وأزمته تجاه الوطن، والمطالبة بأقل الشروط الممكنة لتحقيق السعادة والأتحادية) (14).

أما الدكتور/ عبدالله الغذامي فهو بعد أن قرأ شعر الصيخان يقول: (الصيخان أفتتح أفقاً جديداً في الشعر السعودي) (15). هذا الأختلاف كله أمام نصين شعريين لا تفصلنا عنهما أي مسافة زمنية، فكيف بنا ونحن نقف أمام تهافت الفلاسفة أو الملل والنحل أو رسالة الغفران أو كتاب المواقف؟! بل كيف بنا أمام تفسير واقعة تاريخية حمل فيها فريق من المهاجرين والأنصار شاهرين كل سيوفهم على فريق آخر من المهاجرين والأنصار؟!.

لا شك في أن هذا كلام موجع، ولكن لابد من تحمله بجلد حين نحاول أن نقترب من الموضوعية في فهم التراث، وفهم أسباب الأختلاف في النظر اليه.

نحن نعلم جميعاً أن جيلنا ليس وحده الذي اختلف ويختلف في قراءة التراث لأن ذلك سنة تاريخية في كل زمان ومكان، ولكن هل الأسباب واحدة؟ هل أسباب اختلاف الأجيال الماضية هي نفسها اختلاف جيلنا؟ أم أن لكل جيل أسبابه؟ واذا كان لكل جيل أسبابه ـ على الرغم من تداخل بعضها ـ فما هو الخط العام الذي تسير فيه تلك الأسباب؟؟.

بهذه الأسئلة التي تتداخل تلقائياً لتكون سؤالاً واحداً تنفتح أمامنا فجأة غابة شاسعة لا من الأسئلة وحسب بل منها ومن احتمالات الأجوبة، وعليّ قبل أن أتيه في هذه الغابة أن أحدد ما يلي:

1 ـ إن غياب المناهج العلمية في قراءة التراث والمواقف منه بالنسبة للمعنى من القارئين هو الذي يقف وراء تلك الأضطرابات الرهيبة والتناحرية أحياناً في القراءة والموقف.

2 ـ إن العلوم والفنون ذات الولادة العربية الخالصة كانت تشب في أحضان مناهج ناقصة أو ضبابية الى حد كبير، وهذا بالطبع يتآزر مع الأول في خلق تلك الأضطرابات.

3 ـ إن تأخر عصر التدوين والرقعة الجغرافية الهائلة الأتساع للوطن العربي الإسلامي ساعدا في بعثرة تلك المناهج غير المحددة أصلاً وفي اعاقة نموها مطرداً.

كيف؟؟.

هذا السؤال هو ما سأحاول الأجابة عليه علمياً، جازماً بأني أسير بين الأشواك وعلى أرض مليئة بالفخاخ.

(1 ـ 3) التاريخ
 
 

أقف ـ أول ما أقف ـ على التاريخ لأنه (ذلك الذي يشمل الحياة البشرية الماضية بجميع مظاهرها، فالنظم الإقتصادية والعلاقات الإجتماعية والإعتقادات الدينية والمذاهب الخلقية، والأساليب الأدبية والفنية.. كلها تدخل من حيث تطورها الماضي في نطاق العناية التاريخية لأنها كلها وجوه لحياة واحدة) (16).

يعدد الأستاذ عبدالله العروي الأسباب التي جعلت من ولادة التاريخ ولادة عربية خالصة، ويحصرها في ثلاثة أسباب. يمكن لمن أراد الرجوع اليها في كتابه (العرب والفكر التأريخي) وان كان قد نسى أن يضيف سببا رابعاً هو: أن الذاكرة العربية أساساً ذاكرة تأريخية، وكان لعودة الصراع القبلي بعد توغل الفتوح الإسلامية شأن في احتفاظ كل قبيل بمآثره الماضية، مما دفع دفعاً الى نشوء التأريخ بالأضافة الى أن لكل قبيلة منذ العصر الجاهلي كتاباً يضم مفاخرها (17).

ما أريد أن أوافق عليه العروي شيء أهم من هذا ذلك هو نقاشه لرأيين اثنين وصل اليهما استنتاج بعض المستشرقين:

1 ـ أن التأريخ العربي يمتاز بالموضوعية.

2 ـ انه يمتاز بعدم حساسية المؤرخ، لقد ناقش العروي هذين الرأيين بطريقة التجريدية وأنا معه، ولكن لأسباب مختلفة تماماً.

لقد أعاد ابن خلدون ظاهرة الغلط في التأريخ الى أكثر من سبعة أسباب، ولكنه ألح على سبب واحد بصورة أساسية حين قال:

(ومن الغلط الخفي في التاريخ الذهول عن تبدل الأحوال في الأمم والأجيال بتبدل العصور ومرور الأيام، وهو داء دوي شديد الخفاء، إذ لا يقع إلا بعد أحقاب متطاولة فلا يكاد يتفطن له إلا الآحاد من أهل الخليقة. وذلك أن أحوال العالم والأمم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة، ومنهاج مستقر، أنما هو اختلاف على الأيام والأزمنة وأنتقال من حال الى حال.. الخ (18).

لا ريب عندي مطلقاً في أن الأستاذ مالك بن نبي قد فرغ من قراءة هذا النص مباشرة حين قال:

(والواقع ان ابن خلدون كان قد وضع معالم الطريق فقبل ظهوره كان التاريخ ضرباً من (الأحداث المتتابعة) حتى إذا جاء وجدناه يخلع على التاريخ نظرة جديدة، فهو حين وصله بمبدأ السببية، أدرك بتلك النظرة معنى تتابع الأحداث من حيث كونه عملية تطور، كما حدد معنى الواقع الإجتماعي من حيث كونه مصدراً لتلك الأحداث وتطورها) (19).

نعم.. لقد كان التاريخ وما زال ـ مع الأسف ـ تاريخ أفراد منفصلين عن واقعهم الإجتماعي او أفكاراً، كأنها نبتت وحدها بدون تراب بشري، لقد كان التاريخ مفهوماً زمنياً محضاً، ولم يكن مبنياً، كما يقول ابن خلدون على ملاحظة: (طبيعة العمران والأحوال في الإجتماع الإنساني) أي أنه كان بدون منهج فكان مضطرباً، فكان موقفنا منه لابد وأن يكون مضطرباً، ومترعاً بالشك.

لقد عدّد بدقة واقتدار الدكتور حسن ساعاتي في كتابه القيم (علم الإجتماع الخلدوني) قواعد المنهج الذي وضعه ابن خلدون.. يمكن أن يرجع إليه من أراد، ولكن قبل أن أفارق هذه النقطة سأدع أبن خلدون يتحدث عن القاعدة الأساسية في منهجه، فهو يقول: (فالقانون في تمييز الحق من الباطل في الأخبار بالأمكان والأستحالة، أن ننظر في الإجتماع البشري الذي هو العمران ونميز ما يلحقه من الأحوال لذاته، وبمقتضى طبعه، وما يكون عارضاً لا يعتد به ولا يمكن أن يعرض له، وإذا فعلنا ذلك كان ذلك لنا قانوناً في تمييز الحق من الباطل في الأخبار والصدق من الكذب بوجه برهاني لا مدخل للشك فيه) (20).

بعد هذا القانون المضىء الذي رفعه ابن خلدون على طريق التاريخ. أليس من الممض أننا حتى الآن لا نستفيد من ضوئه؟ أليس من المضى أننا نقرأ التاريخ حتى الآن بعد قرون من أبن خلدون فلا نرى غير ركام فوق ركام؟ غير أني وأنا أودع هذه النقطة أرى من الواجب الأشادة بعملين رائدين في مجال التاريخ هما: كتاب (المفصل في تأريخ العرب قبل الإسلام) للدكتور جواد علي، وفجر الإسلام وضحاه وظهره لأحمد أمين، فهما عملان يشكلان مفخرة من مفاخر العمل الجاد والناجح.

(1 ـ 4) علم الأصول
 
 

علم الأصول هو: (العلم بالعناصر المشتركة في عملية استنباط الحكم الشرعي) وقد ذكر أحمد أمين نصاً طويلاً للرازي يقول فيه (إن نسبة علم الأصول الى الشافعي كنسبة علم المنطق لأرسطو) (21).

ولكن الدكتور علي سامي النشار في كتابه (مناهج البحث عند مفكري الإسلام) يساير الجذور الأولى التي أوصلت الى هذا العلم فيعيدها الى أبن عباس (فأبن عباس وضع فكرة القياس ـ وهي غاية الأصولي ـ وضعت في عصر النبي) (22).

ويتتبع الشيخ محمد أبو زهرة أسباب بلورة هذا العلم على يد الشافعي في كتابه المسمى بنفس الأسم (الشافعي) فيعيدها الى الخلاف الممتد من عصر الصحابة بين أهل الرأي واهل الحديث، الأمر الذي جعل الهوة بينهما واسعة الى حد أن الشافعي فكر بعد أن لاحظ هذه الهوة بين أهل الرأي في العراق وأهل الحديث في الحجاز، فكر بوضع قانون ـ كما يعبر الرازي ـ لضبط هذه الأختلافات وردم الهوة بين المدرستين.

منهج الإمام الشافعي هو كيفية الأجابة عن السؤال التالي: كيف نصل الى الحكم الشرعي في واقعة ما وصولاً قطعياً، أو ظنياً؟ وأجاب عليه بقانون تدرجي هو الأصول الأربعة، أي الكتاب فالسنة، فالإجماع فالقياس.

وفي بحثي هذا سأقف على أصل واحد فقط من تلك الأصول وهو (القياس). لنتعرف على مدى الأختلاف فيه، ذلك الأختلاف الذي وصل الى حد أن تحرمه فئة، وتوجبه أخرى وتجيزه ثالثة، ولنتعرف بعد ذلك على النهاية التي وصل اليها المنهج كله.

من أدق التعريفات الكثيرة للقياس تعريف أبن الهمام الذي يقول: (وهو مساواة محل لآخر في علة حكم له شرعي، لا تدرك بمجرد فهم اللغة).

أما تعريف أهل الرأي فهو: (التماس العلل الواقعية للأحكام الشرعية من طريق العقل وجعلها مقياساً لصحة النصوص التشريعية، فما وافقهما فهو حكم الله الذي يؤخذ به وما خالفها كان موضعاً للرفض والتشكيك) (23).

من مجرد قراءة التعريفين يتضح البون الشاسع بينهما، فابن الهمام في أقصى ما وصل اليه، فتح مجالاً للدلالة الضمنية في النص، أي تلك التي (لا تدرك بمجرد فهم العلة) أما أن يكون القياس خارج هذه الدلالة، فهذا غير وارد أصلاً، أما التعريف الآخر فيتجاوز حتى الدلالة الضمنية، بل هو يعرض أي دلالة على العلة التي توصل اليها العقل، فإذا كانت مخالفة لها طرح الدلالة نفسها لا العلة العقلية.

التعريفان إذن مختلفان تماماً، والسؤال الذي يطرح نفسه هو: لو أردنا أن نضم الشافعي فالى أي الفريقين يمكن ضمه؟!.

نحن نعلم أن الشافعي يقول بالحسن والقبح الشرعيين لا العقليين، ومعنى ذلك أنه ينفي العقل من دائرة الأحكام الشرعية، فهو إذن من الذين لا يجيزون القياس إلا بنص، وهنا برزت أول ثغرة في منهج الإمام الشافعي.

ان قانون العلية وقانون الأطراد لا يؤمن بهما الشافعي، في حين أن معظم الأصوليين الذين جاءوا من بعده اتخذوا هذين القانونين جذرا أكيدا للقياس.

ومما زاد المنهج غموضاً أن الشافعي حين شرح القياس جعله مرادفاً (للإجتهاد) ونحن إذا تتبعنا الأستخدام الأول لكلمة (للإجتهاد). نراها متمثلة في نصوص ومواقف كانت على عهد النبي وعهد الخلفاء الراشدين، منها:

أ ـ ما رواه أحمد والترمذي من أن النبي حين أراد أن يبعث الى اليمن معاذ بن جبل قال له: كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بكتاب الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: فبسنة رسوله. قال: فإن لم تجد؟ قال أجتهد رأيي. فأقره النبي.

الإجتهاد هنا في هذه الرواية معناه الرأي، الرأي في شيء غير موضح في الكتاب ولا في السنة، ومعى هذا أن الإجتهاد أوسع من القياس. لأنه يقف عند حدود حكم يسري من المقيس عليه الى المقيس له بعلة جامعة بينهما، بل الإجتهاد يشمل إنشاء الرأي، وهذه ثغرة أخرى في منهج الشافعي، لأنه لم يحدد بالضبط مفهوم الإجتهاد الذي يعنيه مرادفاً للقياس.

ب ـ حكم الخليفة أبو بكر بالتسوية في العطاء حتى قال له عمر: كيف تجعل من ترك دياره وامواله وهاجر الى رسول الله كمن دخل في الإسلام كرها؟! فقال أبو بكر: إنما أسلموا لله، وأجورهم على الله، وأنما الدنيا بلاغ، وحيث أنتهت النوبة الى عمر فرق بينهم.

هذه الواقعة كسابقتها توضح أن الإجتهاد هو الرأي في الواقعة التي ليس فيها نص شرعي، ولذلك توصلت المدرسة الحنفية الى صياغة القاعدة التالية:

( إن الفقيه إذا أراد أن يستنبط حكماً شرعياً، ولم يجد نصاً يدل عليه في الكتاب أو السنة رجع الى الإجتهاد بدلاً من النص) (24).

وقد كان تعريف ابن الهمام للإجتهاد كتعريفه للقياس من أشد التعريفات وضوحاً فهو يقول: الإجتهاد (بذل الطاقة من الفقيه في تحصيل حكم شرعي، عقلياً كان، أو نقلياً قطعياً كان أو ظنياً) (25).

حين نعتبر أسم كان في التعريف ضميراً عائداً الى التحصيل يكون مفهوم الإجتهاد عند أبن الهمام شاملاً لكل تلك الوجوه التي عرفناها، ولكن هل انتصر هذا التعريف؟! لا.. أبداً.. فهو أساساً تعريف قيل، وكان باب الإجتهاد قد أوصد، فابن الهمام عاش في القرن الثامن وقد سد باب الإجتهاد في منتصف القرن الرابع.

لقد نقلت الدكتورة نادية شريف العمري في كتابها (الإجتهاد في الإسلام) تلك الأسباب التي أفضت الى سد باب الإجتهاد كما نقلت النصوص الحادة التي شنها ابن تيمية وابن القيم على اولئك الذين زعموا أن باب الإجتهاد قد أقفل بعد الأئمة الأربعة.

ولقد أفاض الإمام علي بن محمد الآمدي الأشعري في كتابه (الأحكام في أصول الأحكام) في سرد الأدلة التي تأرجحت بين وجوب القياس وتحريمه وأباحته. وقد وصلت أدلة التحريم مثلا ـ الى أربعة وعشرين دليلاً عقلياً ونقلياً، مما حدا بالشيخ عبدالرزاق عفيفي في تقديمه للكتاب الى أن يقف راثياً تلك الجهود المهدرة، لأنها جرفت معها الأهداف الأساسية لمنهج الشافعي.

هنا نقف لنسأل: ما الذي تبقى من منهج الشافعي إذن؟!.

سوف أكذب حين أقول: أنني أعرف اجابة محددة، ولكن الثروة التي تركها المنهج ولا يزال في المجال اللغوي، ثروة هائلة. فقد ولد بحث جديد من أهم البحوث اللغوية على أيدي الأصوليين هو نحو (الدلالة). في مقابل ما أنتهى إليه النحاة من نحو (الأعراب)، وما أنتهى البلاغيون من نحو (الأسلوب) (26).

أما الجانب الآخر غير اللغوي فقد أراحني الدكتور أحمد أمين من وضعه، فهو بعد أن شرح الجذر الإجتماعي لنشوء مدرستي الرأي والحديث قال: (في الواقع لم يخل إمام من الأئمة سواء كان من أهل الرأي أو الحديث من القول بالرأي، وهو مضطر الى ذلك، لأن التقدم في الممدينة يخلق كل يوم حوادث جديدة، تحتاج لفتوى الفقهاء..الخ (27).

(1 ـ 5) علم الكلام
 
 

معنى الكلام هو الجدل، وهذا ما تشير اليه أول تسمية أطلقت عليه وهي (علم التشاجر) قال أحد الشعراء مادحاً واصل بن عطاء:

واوتاد أرض الله في كل بلدة
 وموضع فتياها وعلم التشاجر
 

(ويختلف علم الكلام عن الفسلفة في أن الكلام خاص بدين معين، فهو جدل يدور حول أصول دين بعينه، ولكن الفلسفة تبحث عن الحقيقة على وجه العوم. ومن حيث المنهج نجد أن الكلام يبدأ من مسلمات عقائدية يفترض صحتها، أي أن المتكلم يبدأ من قاعدة معترف بها، ثم يتلمس الطرق التي تؤدي الى أثبات هذه القاعدة أما الفيلسوف فانه يبدأ من درجة صفر أي من قواعد المنطق الأساسية، والمقدمات البديهية، ويتدرج منها الى النتائج مستخدماً منهجاً عقلياً صرفاً) (28).

يعيد بعض الباحثين الجذور الأولى لعلم الكلام الى عهد النبي، وعهد الراشدين من بعده، كما يستفاد ذلك من الشهرستاني قديماً، ويسهب فيه أحمد أمين والشيخ محمد أبو زهرة وحسين مروة ومحمد عمارة حديثاً، وبذلك يكون عربي النشأة دون ريب.

ويبدو أن أحمد أمين أول من نبه جهراً الى الجذر الإقتصادي لنهج الأعتزال في كتابه الجليل (ضحي الإسلام) ذلك لأن مسألة (القدر) التي هي الجذر المحوري لعلم الكلام، والتي كانت مسألة ذهنية محضة، قد ارتدت ثوبها الإجتماعي الإقتصادي السياسي على يد (معبد الجهني) في الثلث الأخير من القرن الأول الهجري.

ويقف حسين مروة على هذا النص (وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه) كما يقول المتنبي، غير أننا لن نقف معه تلك الوقفة الفسلفية الطويلة، بل سنذهب الى ما يقوله الدكتور عبدالعزيز الدوري، وهو حجة في التاريخ كما تعلمون يقول في كتابه (مقدمة في التاريخ الإقتصادي العربي): (أن ضريبة الأرض الخراجية لا تقل عن الربع،  وتصل الى 40 ـ 50 بالمائة) ويقول: (نبين مبدئياً أنه فرضت ضريبتان أساسيتان وإن تباينت طرق جبايتها بين قطر وآخر، ضريبة على الأراضي الخراجية، وضريبة على رؤوس أهل الذمة (الجزية). ومتى أسلم.. أعفى من الجزية، أما ضريبة الأرض فتبقى إلا أذا ترك أرضه) ويقول: (ان كل فرد يدفع جزية وان الأرض تدفع الخراج بصرف النظر عن هوية صاحبها، وأن المهنيين يدفعون ضريبة على المهنة) ويقول (ولا يخفى أن الأمويين تسامحوا مع أقربائهم ومقربيهم في امتلاك الأرض الخراجية من فترة مبكرة، فحاول عمر بن عبدالعزيز إيقاف ذلك ونجح مؤقتاً ليعود الحال بعده الى أشد مما كان عليه) (29).

معبد الجهني إذن لم يقفز من اللا واقع ليطرح مسألة القدر، إنه طرحها لأنها لابد أن تطرح، طرحها في البصرة بالذات، تلك المدينة التي اكتظت بالفارين من أراضيهم لقسوة الضرائب وبالمهنيين وبالموالي، الذين لم يكن أمامهم سوى أبواب العلم وألأدب بعد أن أحتكر العرب أبواب المال والقوة، كما يقول كل المؤرخين (30).

معبد هذا كان يعبر عن الواقع، هذا التعبير الذي دفع الحجاج الى قتله، بحجة أنه خرج مع أبن الأشعث وكان ذلك عام (80).

تمنهج علم الكلام ـ كما هو معروف ـ على يد واصل بن عطاء، وأخذت أسسه الخمسة في التحدد شيئاً فشيئاً نعرف أن واصل ولد عام (80) وتوفي عام (131) يمكن تحديد الزمن الذي أخذت فيه قسمات هذا المنهج ترتسم بصورة سريعة.

ومن المدهش حقاً بل ومن غير المعقول أن نصدق تلك القافلة من الإسماء التي عدها القدماء.. وبعض المحدثين من طبقات المعتزلة. والتي منها الخلفية عمر بن عبدالعزيز ويزيد بن الوليد من الأمويين. والسفاح والمنصور من العباسيين، بل تمادى القول ببعضهم حتى عُد عبدالله بن مسعود من المعتزلة) (31).

هذا الحشد من الأسماء يشير الى شيء واحد هو أن الأعتزال كان مدرسة واسعة لا مذهباً محدداً، أي أن كل من التقى مع هذه المدرسة في أساس واحد أو أكثر سُمي معتزلياً، أو متكلماً، وهذا ما يفسر أعتبار الشهرستاني المعتزلة أثنتي عشرة فرقة، هذا إذا لم نأخذ بالرأي القائل بأنهم اثنتان وعشرون فرقة. لقد قام نهج الأعتزال على أساسين:

1 ـ اقامة مفهوم العدل على حرية الأختيار.

2 ـ اعتبار العقل البشري مصدراً ثانياً للمعرفة.

وأذن فعلم الكلام منهج يرتكز على نظرية المعرفة، وأن هذه المعرفة لها طريقتان: الشرع والعقل، ولكن ما هو الموقف حين يتعارض النقل والعقل؟ هنا يخرج التطرف الأعتزالي رأسه لأنهم وبدون توقف يقدمون العقل، ذلك لإيمانهم المطلق بأن الحسن والقبح عقليان.

لقد بدأ علم الكلام مسيرته من التربة الإجتماعية الخصبة. ولكنه تحول على يد بعض المتكلمين كالنظام وأبي هذيل العلاف والجبائي الى تراكمات نظرية صرفة. صحيح أنها اتخذت من العقل سراجاً لها، ولكنها أنزلقت ـ أحياناً ـ إلى تطرف نظري وعملي يشبه تطرف الخوارج من قبل.

لكن هل مات النهج حقاً؟ يؤكد بعض الباحثين أنه لم يمت، بل أنه تحول الى شكل يمكن أن يكون أكثر تماسكاً، هو تحوله الى فلسفة على يد الكندي الذي هو أحد المعتزلة (32).

ولأني أوسعت رؤوسكم صداعاً بهذا الكلام الذي يشبه الحجارة، أود الآن أن أذهب الى حقل أكثر طراوة.

(1 ـ 6) النقد الأدبي
 
 

(النقد الأدبي نشأ عربياً، وظل عربياً وظل عربياً صرفاً، لأن أساس كل نقد هو الذوق الشخصي تدعمه ملكة تحصل في النفس بطول ممارسة الآثار الأدبية).

( إذا ما قاله الدكتور محمد مندور في بدء كتابه (النقد المنهجي عند العرب)، والذين كتبوا في النقد، ومناهجه قديماً وحديثاً، نظرياً وتطبيقاً. لا يكاد يبلغهم حصر، أما في جيلنا الحاضر، فقد اندفعت موجة إثر أخرى، كل منها يحمل تعريفاً للنقد، وفق الرؤية الفلسفية التي يذعن لها، ويصفها بالشمول، أو انها أقصر الطرق الى الحقيقة، فاكتظت عيون القراء بالوان من النقد المنهجي تارة وبألوان أخرى من النقد العبثي، حتى صرنا في حاجة صارخة لا الى النقد وحسب بل الى (نقد النقد).

إن موضوع النقد الأدبي هو النص، والنص ما هو الا (رؤية وجدانية/ جمالية للإنسان والكون والحياة في رنو الى المستقبل) ولا شك في أن كل مفردة من هذا التعريف الذي نتفق أو نختلف فيه قد تراكمت فيها أنواع من المفهومات منذ ولادتها وحسب تطورها الفني/ الإجتماعي فأصبحت أشبه بـ (المنظور) بمعناه التشكيلي).

كيف يولد النص؟ ما هي قسماته؟ وهل هي فردية أم (اجتماعية)؟ ما هي علاقته بسياقه؟ ما هي إضافته؟ على أي منهج نقرؤه؟ و (هل هناك قراءة بريئة) أم لا؟ تلك الأسئلة وأخواتها هي التي يدور حولها وفيها النقد الحاضر، لكني لن أقف على أي منها.. أريد الوقوف على شيء آخر.

أريد أن أقف على مقولة من أشد المقولات قسوة وهي تلك التي طرحها الناقد الدكتور محمد عابد الجابري، والتي أسماها (تداخل الأزمة الثقافية) وهو يحددها بقوله (إننا نفصل بين

1 ـ العصر الجاهلي

2 ـ العصر الإسلامي

3 ـ عصر النهضة

ولكن هذا الفصل سطحي تماماً. فنحن لا نعيشه في وعينا ولا تصورنا كمراحل من التطور الفني اللاحق منها والسابق، ولا كأزمة ثقافية تتميز عن بعضها بميزات خاصة تجعلها متصلة أو منفصلة، بل بالعكس. أننا ننظر الى هذه العصور الثلاثة كجزء منفصلة، كل منها معزولة عن  الأخرى.. والنتيجة هي، حضور هذه الجزر الثقافية الثلاث في الوعي العربي الراهن حضوراً متزامنا).

ويضيف: "هذه الملاحظة تقودنا الى ملاحظة أخرى نعبر عنها بـ (تداخل الأزمنة الثقافية) في فكر المثقف العربي، وذلك على الصعيدين المعرفي والأيديولوجي، فعلى الصعيد المعرفي ما زال المثقف العربي كما كان منذ العصر الأموي يستهلك معارف قديمة على انها جديدة".

"  وعلى الصعيد الأيديولوجي فإن هذا المثقف كان منذ (العصر الأموي) كذلك وما يزال الى اليوم يعيش في وعيه صراع الماضي، متداخلاً مع أنواع الصراعات الأخرى التي يعيشها حاضره" (33).

قبل أن يصوغ الجابري مقولته تلك على هذا الشكل المستفز كان أستاذنا القدير الدكتور أحسان عباس يعرض في كتابه الرائد (تاريخ النقد الأدبي عند العرب) صوراً مرعبة لهذا التداخل، وحتى نكون أكثر وضوحاً، دعونا ننظر الى الحاضر من الزاوية التي رسمتها تلك المقولة.

لنقف قليلاً عند ناقد قديم هو حازم القرطانجي، حازم مر بما يشبه الظروف التي نمر بها، فهو قد طرد من بلده، ونحن نطرد. إن من (تاريختنا) كما يقول (روجيه جارودي) تاريخيتنا، تاريخيتنا الماضية والحاضرة بفعل الغرب الأمبريالي المنقض علينا بكل اسلحته الكاسرة.. ومع ذلك فقد وقف حازم غير موقفنا، لقد أعتصر كل السياق النقدي والفلسفي ليرسم منهجاً نقدياً على أساس، أن الحاضر لابد أن يكون بأي صورة من الصور أوسع رؤية من الماضي.

فهو بعد أن قرر أنه "قد يتأخر أهل زمان عن أهل زمان ثم يكونون أشعر منهم لكون زمانهم يحوش عليهم من أقناص المعاني بسفوره لهم عن أشياء لم تكن في الزمان الأول"، بعد أن يقول هذا يقول ما مضمونه:

"  إنما تردي الشعر الى هذه الدرجة من الهوان لعجمة في ألسنة الناس وأختلاف في طبائعهم، ثم رأى هؤلاء ما ركبه الأخساء الذين اتخذوا (الأشباح الشعرية) وسيلة لاستدراد الأعطيات من السوقة دون أن يعرفوا حقيقة الشعر، ظانين أن كل ما ركب على وزن وقافية يعد شعراً، وضاعت التفرقة بين الشعر الحق وهذا (الشبح).. الذي يرسم صورة الشعر دون حقيقته" (34).

وحين نقرأ جيداً تعريف حازم للشعر نجد التركيز على:

1 ـ أن يكون هذا الشعر نابعاً عن تجربة صادقة يلتقي فيها الطبع والثقافة.

2 ـ أن يكون التعبير (تخييلياً) ليضمن بذلك قوة التأثير، فهو يقول "وكل ذلك يتأكد بما يقترن به أغراب، فان الأستغراب والتعجب حركة للنفس إذا اقترنت بحركتها من الخيالية قوي انفعالها وتأثيرها".

3 ـ ان يكون ذا هدف اجتماعي. فقد ربط الغرض الشعري بما سماه (الجمهور) حين قال: "يراد استثارة الأفعال الجمهورية أو كفكفتها بالأقناعات والتخابيل المستعملة فيه".

4 ـ ففي النظر الى الشعر من زاوية الصدق والكذب، فهو يقول: "ان الأعتبار في الشعر ليس بالنظر الى الصدق والكذب بل النظر الى التخييل وان الصدق والكذب أمران يرجعان الى المفهومات، لا إلى الدلالات".

5 ـ أعتبار الحقيقة الفنية أكثر جمالاً من مجرد المحاكاة، إذ يقول: (لِمَ لا تكون رية امرأة أكبر من رؤية تمثال فني لتلك المرأة".

يجيب حازم، "إِن اللذة حادثة في الحاليين، إلا أنها مختلفة في طبيعتها، فاللذة من رؤية الشيء نفسه نابعة من حسن ذلك الشيء، أما اللذة من المحاكاة فانها نابعة من (التعجيب). ثم إن الشيء المحكي ربما لم يكن حسناً في كل حال ولكن تخييله بالمحاكاة لا ينفي قدرته على التعجب في كل حال".

6 ـ إن فهم الشعر لا تكفي فيه معرفة القوانين وحسب، بل لا بد فيه من الذوق أما من لا ذوق له ـ فيما يقول حازم ـ (فقلما يأتي له التوصل الى تمييز ما يحسن في مجاري الأوزان ومباني النظم مما يقبح فيهما) (راجع كتابي أحسان عباس ومفهوم الشعر للدكتور جابر عصفور في كل النصوص الموضوعة بين قوسين).

هنا أصل الى السؤال التالي:

هذه الرؤية المشرقة لحازم، والتي تفصلنا عنها حفنة من السنين أليست أكثر حداثة مما في رؤوس لفيف يتربع على كراسي الجامعات عندنا الآن! نعم، إنها لكذلك كما سنرى بعد قليل، فهل لنا إذن غير أن نعتبر أن (تدخل الأزمنة الثقافية) حقيقة شاخصة؟!.

ونحن نتكلم حول قراءة التراث قديماً وحديثاً لابد من وقفة قصيرة على نوع من القراءات المعاصرة، حاولت أن تكون شاملة للتراث في مجمله، وسأقف منها على نموذجين لباحثين يختلفان في الرؤية والأسلوب هما، الدكتور زكي نجيب محمود وأدونيس:

1ـ الدكتور محمود: لعلكم تذكرونه بالمحاضرة التي القاها في قاعة النادي الأدبي الثقافي بجدة بتاريخ 25/5/1987م، بعنوان (العروبة موقف ثقافي) هذه المحاضرة كانت خلاصة لآراء مبثوثة في كثير من كتبه ومقالاته، وبخاصة بحثه المنشور في (فصول) عام 80م تحت عنوان (قيمة من التراث تستحق البقاء)، وهو قبل اربع سنوات من محاضرته تلك.

أنه يبني محاضرته على محور ان (التاريخ الثقافي للإنسان شهد ثلاثة أنماط من الرؤية الثقافية، هي نمط الثقافة في الشرق الأقصى وهو إدراك حقيقة الوجود بما يشبه التذوق، الثاني نمط الثقافة الغربية منذ اليونان وهو لنظر الى الوجود بعقل منطقي تحليلي، والثالث هو الذي يلتقي فيه النمطان السابقان اذ يقول: (قدر لهذا الشرق الأوسط أن يكون في فرطه أبنائه ما يعين على ظهور الصورفي وظهور العالم معاً).

هذا هو المحور الذي قامت عليه المحاضرة، وكان من الممكن أن نتقلبه بصورة نظرية محضة، مع العلم أن (ف. نورثرب) قد وقف طويلاً قبل الدكتور محمود على تقسيم الحضارات الى هذين النمطين الأساسيين في كتابه (لقاء الشرق والغرب) (35).

نعم كان من الممكن تقبله نظرياً لولا كلمة واحدة هي قوله (ان يكون في فطرة أبنائه) فكلمة (فطرة) هذه مثيرة حقاً، لأنها ليست غر تعبير آخر عن تلك النظريات العنصرية التي تميز بين الأمم على أساس عرقي.

وحين نذهب الى الأدلة التي يقيمها برهاناً على أن الأمة العربية قد جمعت (فطرة) بين الوجدان والعقل كما عبر في غير واحد من كتبه، نرى عجباً حقاً، ولنتتبع هذه البراهين واحداً، واحدا:

1 ـ لنستمع اليه باصغاء جيد حين يقول:

(لقد كانت تلك الأمة (أي التي يلتقي فيها الوجدان والعقل) هي الأمة العربية بعد الإسلام، فلم يكد يمضي من تاريخ الإسلام قرنان من الزمان حتى أقبل العرب على نقل الثقافة اليونانية، وغيرها من الثقافات.. الى اللغة العربية، وتمثلوها في أنفسهم تمثلاً كاملاً، واندمجت بما لديهم من ثقافة عربية أصلية، وإذا بوليد جديد يظهر لم تشهد له الدنيا مثيلاً من قبل) (36). كلام الدكتور/ محمود هذا، وقد نقلته بنصه الحرفي. يحدد عدة نقاط:

أولها: أنه حدد تاريخ ميلاد هذه الفطرة الجديدة بسنة (200 هجرية) أي أنها لم تكن موجودة من قبل.

ثانيها: أن السبب في هذه الولادة كان هو الفلسفة اليونانية، أي أن الفطرة لم تكن مولودة على الفطرة.

ثالثها: ان الدلالة الصريحة والضمنية للنص تنفي أي أثر للتفاعل الفكري والروحي والإجتماعي، قبل ترجمته الفلسفية اليونانية منذ خلقت قسمات الأمة العربية، مروراً بانبثاق الإسلام حتى سنة (500 هجرية).

هذا التجاهل الرهيب للواقع، والأطلاق اللا منهجي للأحكام يبدو أشد وضوحاً في الأدلة التي ساقها برهاناً على فكرته (التلفيقية) تلك ولنستعرض بعضها:

1 ـ اللغة: يقول: (هي أول مقوم لثقافة المزج تلك، واول ما نشاهده فيها هو أنبثاق المفردات مجموعات ، مجموعات، كل مجموعة يتفرد بها أصل من أصول اللغة ويغلب على ذلك الأصل ان يكون ثلاثياً، فمن الأصل الثلاثي تنبع مفردات العشيرة اللغوية مثل: ضرب، ضارب الخ)، ويضيف: (ففي هذه الخاصة من خصائص العربية نرى ـ بعد شيء من التحليل ـ أن الوجدان والعقل يأتلفان معا). ثم يضيف (وقد يكون ذلك راجعاً الى أنها لغة نشأت وتطورت لتلائم ساكن الصحراء، إذ مما يلائمه في تجواله أن يكون خفيفاً، لا ينوء تحت أثقال، فيكفيه في موضوع اللغة ـ الذي هو الآن موضع بحثنا ـ أن يحمل معه قاعدة بسيطة مرجعها الأصل الثلاثي).

لا أدري أن كان هذا النص يحتاج الى أدنى تحليل لنلمس لمساً تهافته وتناقضه مع الفكرة التي يحاول أن يستدل به عليها، لقد أقام الجذر اللغوي الصحراوي دليلاً على فطرة لم تولد إلا بعده بمئات السنين حسب قوله هو، وحين يقيم دليلاً من اللغة على فكرته مرة ثانية نراه لا يضع حداً فاصلاً بين الأسماء الجامدة والأسماء المشتقة، وقد فرغ البحث اللغوي الأصولي من أن دلالة الأسماء المشتقة دلالة تركيبية، ونشب صراع حول ذلك بين الأشاعرة والمعتزلة في كيفية هذه الدلالة التركيبية، المسألة التي تفرعت من مسألة خلق القرآن بين الفريقين.

ويذهب الدكتور محمود ليقيم على فكرته دليلاً من ميدان الأخلاق فيقول: سنوضح كيف جاءت الوقفة الأخلاقية عند العرب مزيجاً من منطق العقل، ونبضه القلب في آن واحد.

وبعد أن يقرر أن أدران الفضائل الأساسية واحد في جميع الأمم، وأن الأختلاف إنما يبدأ حين يطرح السؤال: ما الذي جعل الوفاء بالعهد فضيلة؟ ـ مثلاَ ـ ذلك لأن كل فيلسوف سيجيب انطلاقاً من روح الثقافة التي نشأ في مناخها، فمنهم من يقول: إنها خبرة الإنسان ومنهم من يقول: إنه منطق العقل، بعد أن يقدر هذا يقول: (وأما وجهة النظر العربية فهي أن الفضائل توجيهات إلهية نزلت وحياً في رسالات الأنبياء).

أنا أتفق مع الدكتور محمود على هذا الرأي، ولكن الرأي نفسه ليس جديداً، إنه محض تكرار لمسألة الحسن والقبيح العقليين أو الشرعيين، وهي مسألة لم تنشأ إلا متأخرة، وانطفأت بعد فترة وجيزة من أخماد الفكر المعتزلي، فكيف نربط المجرى الوجداني والفكري لأمة كاملة، وعلى امتداد التاريخ بمسألة لم تدم أكثر من قرنين على الأكثر؟.

أن احترامنا الكبير للدكتور محمود وتقديرنا لعطائه السخي لا يمنع مطلقاً من أن نقف أمام قراءاته للتراث بكثير من التساؤل، لأن آراءه المتضاربة في التراث نفسه تعطينا الحق في ذلك، لأنه لا تجاهه الفلسفي مطالب قبل غيره بأن يقيم آراءه على منهج واضح.

2 ـ أدونيس: قليل هم تركوا دوياً في الساحة الفكرية والنقدية في جيلنا الحاضر، غير أنهم لو عُدوا فلا شك في أن أدونيس واحد منهم. ونحن نقف معه هنا لا كشاعر ولا كناقد بشكل عام، بل لأنه قرأ التراث قراءة لا يمكن أن توصف إلا بأنها مثيرة للجدل، وسواء أختلفنا معه أو اتفقنا فإن آراءه ستبقى طويلاً مجالاً لتعدد الرؤية.

يقول أدونيس: (في تقديري أنه لا يصح النظر الى التراث إلا في منظور الصراعات الثقافية والإجتماعية التي شكلت التاريخ العربي، وفي هذا المنظور لا يصح أن نقول: إن هناك تراثاً واحداً، وأنما نتاج ثقافي معين يرتبط بنظام معين في مرحلة تاريخية معينة، وعلى هذا فإن ما نسميه تراثاً ليس إلا مجموعة من النتاجات الثقافية ـ التاريخية، التي تتباين حتى درجة التناقض، لذلك لا يصح البحث في التراث كأصل، أو جوهر، أو كل، وإنما ينبغي البحث في نتاج ثقافي محدد في  مرحلة تاريخية محددة، واستناداً الى هذا البحث يتحدد الموقف) (37).

هذه الفقرة من كتاب (صدمة الحداثة) وصفها الأستاذ نصر أبو زيد في بحث من أكثر البحوث عمقاً وموضوعية.. بأنها (نظرة ديناميكية للتراث)، وأنا أعتقد أنها نظرة تجزيئية قاصرة، لأنها حاولت سحب مقاييس الحاضر على الماضي أولاً، وهو نفس موقف إسقاط الماضي على الحاضر. وثانياً هي جعلت الثابت والمتحول ظاهرتين منفصلتين عن بعضهما.

لقد أستنفر أدونيس كل قدراته البلاغية والذهنية للبرهنة على ذلك، ولكنه وقع فيما لابد أن يقع فيه، وقع في أنه جعل التراث خطين متوازيين لا يلتقيان مهما أمتدَّا، لقد وقع فيما يمكن تسميته بـ (التوازوية)، وهي نظرة عاجزة تماماً عن رؤية جينات المتحول في الثابت، وقسمات الثابت في المتحول.

إن التراث ليس مجموعة من الربوات ينظر بعضها الى بعض دون أن تجرؤ أحداها على التداخل مع مقابلتها، بل هو مجموعة من الموجات في كل الزمان، إن لقاءهما معاً هو الذي يكون البنية العميقة للأمة ويلد التكوين النفسي المشترك.

إن فقرة أدونيس هذه ليست نكراناً لتداخل التراث وتأثير بعضه في بعض، بل هو نفي لكل المؤثرات التي أفضت به الى هذه الصيرورة دون تلك، لقد أصبح التراث على يد هذه الفقرة نتاجاً ثقافياً مجرداً عن أي تأثير روحي أو اجتماعي لأنها جعلت التراث الروحي وحده، والعاطفي وحده، فاصبح التراث مجموعة من الجزر كما عبر الجابري.

ويعود أدونيس ليزيد المسألة ضباباً حين يقول: "في هذا الضوء لا يعود هناك مسوغ علمي لمثل هذا السؤال: ما موقفك من التراث ككل؟ أو لمثل هذا السؤال: ما علاقتك به؟ السؤال الصحيح في هذا الصدد هو: ما موقفك ـ مثلاً ـ من هذا الفيلسوف؟ أو كيف تحدد علاقتك بذلك الشاعر؟" (38).

هذه الكلمات تحدد بصورة جلية الرؤية المفككة التي ينظر بها أدونيس الى التراث، صحيح أننا لا يمكن أن نقبل التراث ككل، وإلا لقبلنا الغزالي وابن رشد معاً على ما بينهما من تناقض، مثلما لا يمكن أن نرفضه ككل، وإلا أصبحنا أشجاراً في الهواء، ولكن لو أخذنا من أبن سينا مثلاً للفيلسوف، ومن أبي العلاء مثلاً للشاعر، هل معنى هذا أن أبا العلاء جاء وحده منفصلاً عن سياق الحركة الشعرية؟ وهل ابن سينا أنفجر لوحده هكذا دون سابق إنذار من أي سياق فلسفي؟ لا. طبعاً، إنما جاءا لأن هناك ظروفاً موضوعية وسياقات روحية ووجدانية وعقلية أفضت الى وجودهما، لأنقل صورة ثالثة توضح وجهاً آخر من وجوده الأطلاقات الضبابية عند أدونيس، تلك التي أفلتت من سحب الحاضر على الماضي، إنه يقول:

(الثابت تاريخياً أن الشاعر المسلم أفصح عن أيديولوجيته الإسلامية بالشكل الجاهلي، فقد حارب الجاهلية بأسلوب التعبير الذي ابتكرته الجاهلية نفسها، وعبر عن الصراع من أجل انتصار الدين بالطريقة الفنية ذاتها، التي كان يعبر بها الشاعر الجاهلي عن انتصار قبيلته في صراعها مع القبائل الأخرى، وقد أدى هذا الى نتائج مثيرة منها:

1 ـ الفصل بين الشكل والمضمون:

الشكل وعاء حيادي قائم بذاته، موجود سلفاً هو الشكل الجاهلي، والمضمون هو الإسلام بقيمه وموحياته.

2 ـ ليس الشكل بالنسبة الى الشاعر في الرؤيا الإسلامية هو وحده الموجود مسبقاً، بل المضمون هو كذلك موجود مسبقاً) (35). بهذا النص يقف أدونيس ضد ما يعتبر من البدهيات، اذ ليس هناك من شك في أن القرآن الكريم قد أثر تأثيراً كبيراً في أساليب الشعراء الذين أتوا من بعده، هذا أولاً، وثانياً أدى انقسام الحياة الى ظهور تيارين هما التيار الغزالي الحسي، والتيار الغزالي العذري، تبعاً لخشونة الحياة وطراوتها، وثالثاً فرغ الناس مع معرفة ان الشكل في كل زمان ومكان أكثر ثباتاً من المضمون.

إن نكران أدونيس هذا هو نكران لعدة سياقات دفعة واحدة، الأمر الذي يتناقض تناقضاً تاماً مع حتمية التطور التاريخي، وقد وقع في هذا لأنه حاول سحب الحاضر على الماضي.

إن أخطر وأهم ما في مقولات أدونيس هو الدعوة الى هدم التراث بصورة مطلقة، وقد وقع في تناقشات هائلة لتبرير ذلك لأنه دعا الى شيء لا يمكن هدمه هكذا.. وبشكل مطلق.

وأخيراً:

لابدّ لي من الوقوف على ظاهرة بائسة تعم ساحتنا الثقافية في حدود اللغة العربية كلها، تلك الظاهرة هي ظاهرة (المثقفين الرحل).

المثقفون الرحل
 
 

أستعير هذا التعبير من أحد النقاد المغاربة وأعني به فريقاً كبيراً من الأدباء الذين يسيرون وفق هبوب الرياح الذهنية، تماماً كما كان أجدادنا يتنقلون وراء خصب الأرض أو انهمار السحاب، ولأقف عند نموذجين:

1 ـ النموذج الاول :

أمامي الآن أربعة كتب للدكتور مصطفى ناصف هي: قراءة ثانية لشعرنا القديم ودراسة الأدب العربي ونظرية المعنى في النقد العربي والصورة الأدبية.

هذا يعني أننا أمام ناقد حجم النشاط، لكننا حين ندخل الى هذه الكتب نرى من الأضطراب وإطلاق الأحكام ما يملؤنا عجباً، وسأسوق الآن نماذج من كل هذه الكتب:

يقول في (قراءة ثانية لشعرنا القديم): (فالنقد العربي ظل ينظر في إشفاق الى محاولات الخروج على هذا النظام القديم، وأعجب العجب أن هذا النظام كان ماثلاً منذ بدأ ما زال ومض منه يفرض مقلتيه).

وبعد أن يذكر نص القصيدتين ويقارن بين قصيدة شوقي وابن الرومي معتبراً أنها أكثر تماسكاً من قصيدة شوقي، يدلف الى المقارنة بينها وبين قصيدة صلاح فيقول:

أما قصيدة صلاح عبد الصبور فموضوعها لحظة الموت الأخير، وبدلاً من التحليل (أي كما فعل أبن الرومي) يؤثر الشاعر الحدث الدال والحوار.. (ثم يقول): وبينما أهمل أبن الرومي تفصيلات كثيرة تميز ولداً من ولد، وتفصيلات أخرى تسم ساعة الموت، حفلت بها القصيدة الثانية وجمعت شتاتها..الخ) (ص207، 208). قصيدة عبدالصبور ببساطة ليست في رثاء ولد له نزل به القدر فعبر عن ذلك كما عبر أبن الرومي، أبداً، إنها تجربة حب محضة، الحب هذا هو الذي أخذ برد الملل يدب في أوصاله، لذلك هو يستفهم منها: قولي: أمات؟ إنه لا يريد أن يصدق، وهكذا تسير القصيدة حاملة تلك التجربة التي لا أعتقد أن ابن الرومي مرّ بها في حياته أبدا، وهكذا يسير هذا الناقد قافزاً من قمة إلى تل إلى هاوية.. لماذا؟ لأنه ببساطة لا يسير على منهج.

2 ـ النموذج الثاني :

(أثر الإسلام في شعر الفرزدق)، هذا عنوان كتاب للدكتور مصطفى عبدالواحد يستهله هكذا: "يهدف هذا البحث الى تتبع أثر الإسلام في شعر الفرزدق في أغراضه وألفاظه ومعانيه".

وقد يعجب القارىء من أختيار مثل هذا الشاعر لأستجلاء أثر الإسلام في شعره، لما شاع عن الفرزدق في كتب التراجم الأدبية من الأقذاع في الهجاء والتصريح بالأمور المستهجنة ووصف المعاصي.

ولكن الأختيار هنا له مغزاه، فإذا ثبت أن مثل هذا الشاعر غير الملتزم بالمثالية الخلقية للإسلام ـ قد أثر الإسلام في شعره هذا الأثر القوي فما بالك بغيره من الشعراء (ص5).

لا اكتمكم أني حين قرأت هذا الكلام فتحت أبواب ذهني كلها دفعة واحدة، إنه حدث لأول مرة يبرهن كاتب على أن شاعراً لا يمر بتجربة لا يعيشها ومع ذلك يبدع فيها، لأول مرة يستطيع كاتب أن يحيل شاعراً غير ملتزم الى ناطق برؤية شاملة كالرؤية الإسلامية.

وخضت في الكتاب مسرعاً فماذا تراني وجدت؟ وجدته يقول بعد ذكر أربعة أبيات للفرزدق منها:

دعا ربه والله أرحم من دعا           وادناه من داع دعا متضائل

يقول ما يلي: "ونلحظ في البيت الأخير تكرار الفعل دعا ثلاث مرات مع الأتيان باسم الفاعل منه وهو داع.. ولئن عُدّ تكرار هذه اللفظة في بيت واحد عيباً في صياغة الشعر، فاننا نرى فيه تعبيراً عن مشاعر الفرزدق، اذ لم يكن أمامه في محنته الا الدعاء والتضرع للنجاة من الظلمات، ولهذا استعذب تكرار فعل الدعاء وأسم الفاعل منه للدلالة على المخرج الذي نجا به من غمه" (ص19).

أولاً: تشكيل البيت كما أراده المؤلف غير صحيح فالكلمة الثانية من الفعل دعا اوردها مبنية للمعلوم وهي مبنية للمجهول كما هو واضح من معنى البيت.

ثانياً: لا أدري هل هذا البيت أبلغ من البيت الجاهلي الذي يقول:

ألا كل شيء ما خلا الله باطل           وكل نعيم لا محالة زائل

ثالثاً: راح المؤلف يكذب هذه الرواية ويصدق تلك من كتاب الأغاني الذي يعتبر من أغنى المصادر عن الفرزدق دون منهج علمي، يوضح لماذا هذه كاذبة وتلك صادقة.

رابعاً: نعرف ما في هذا الكتاب وأمثاله من ضحالة فاجعة حين نذهب الى قراءة الكتاب القيم (منهج الفن الإسلامي) للمفكر الإسلامي الشيخ محمد قطب، فهو يقول: بعد أن يعدد أسباب (انقطاع التعبير الفني) في عهد الرسول والصحابة:

"  تلك الأسباب ـ كلها أو بعضها ـ قد صرفت العرب المسلمين فترة من الوقت عن التعبير الفني، ولكنهم حين عادوا الى التعبير لم يلجأوا مع الأسف الى الرصيد الجديد يستمدون منه مشاعرهم، وأيحاءاتهم وأغراض تعبيرهم وطرائقه، وأنما عادوا الى الجاهلية كاملة في مجال التعبير وأغراضه وطرائقه، سواء عاد الشعراء الى الفخر والمدح والهجاء والمجون، بل عادوا الى حدود القبيلة التي كانوا قد تحرروا منها فترة من الوقت. وعادت مقاييسهم الفنية هي ذاتها، مقايس الجاهلية بحذافيرها" (ص9).

هل يصدق وصف الشيخ هذا على شاعر أكثر من الفرزدق؟.


--------------------------------------------------------------------------------

:الهوامش
 

(1) ـ مجدي وهبة، مصطلحات الأدب، ص279.

(2) ـ د. مصطفى هدارة، مجلة فصول ص44.

(3) ـ د. محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، ص13.

(4) ـ راجع د . سامية حسن، الثقافة والشخصية، ص33 و35 و52.

(5) ـ د. زكي نجيب محمود، فصول ط1، ع1، ص32.

(6) ـ د. زكي نجيب محمود، مجمع جديد أو الكارثة، ص 70.

(7) ـ راجع د. محمد عابدي الجابري، تكوين العقل العربي، ص38.

(8) ـ د. قسطنطين زريق، نحن والتاريخ، ص22.

(9) ـ د. حسين مروة، في الفلسفة العربية الإسلامية، ج1/ص17.

(10) ـ د. زكي نجيب محمود، مع الشعراء، ص155.

(11) ـ عبدالباسط بدر، مقدمة لنظرية الأدب الإسلامي، ص 66.

(12) ـ محمد مصطفى بدوي، فصول ج2، ع21، ص76.

(13) ـ ابن جني، جريدة الجزيرة الصادرة في المملكة العربية السعودية، عدد 4855.

(14) ـ جريدة عكاظ، عدد7156.

(15) ـ المصدر نفسه، عدد7093.

(16) ـ د. قسطنطين زريق، مصدر سابق، ص 55.

(17) ـ راجع د. عزالدين إسماعيل، المصادر الأدبية واللغوية في التراث العربي، ص64.

(18) ـ مقدمة ابن خلدون، ص28.

(19) ـ مالك بن نبي، مشكلة الثقافية، ص33.

(20) ـ راجع د. حسن ساعاتي، علم الإجتماع الخلدوني، ص 110.

(21) ـ أحمد أمين، ضحى الإسلام، ج2 / ص 228.

(22) ـ د. عسلي سامي النشار، مناهج البحث عند مفكري الإسلام، ص 81.

(23) ـ راجع. محمد تقي الحكيم، الأصول العامة للفقه المقارن، ص 304 ـ 306.

(24) ـ الإمام محمد باقر الصدر، دروس في علم الأصول، ج1 ص46.

(25) ـ د. نادية شريف العمري، الأجتهاد في الإسلام، ص 25.

(26) ـ راجع. د. مصطفى جمال الدين، البحث النحوي عند الأصوليين، ص13.

(27) ـ أحمد أمين، مصدر سابق، ج2 / ص154.

(28) ـ د. محمد علي أبو ريان، تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام، ص 134.

(29) ـ راجع د. عبدالعزيز الدوري، مقدمة في التاريخ الإقتصادي العربي، ص27،28،30،40.

(30) ـ راجع  د. حسام الألوسي، دراسات في الفكر الفلسفي الإسلامي، ص 51.

(31) ـ راجع. مروج الذهب ج3/ ص 204، ومحمد عمارة، التراث في ضوء العقل، ص179، وحسين مروة في الفلسفة العربية الإسلامية، ج3/ ص559.

(32) ـ د. محمد علي أبو ريان، مصدر سابق، ص222.

(33) ـ د. محمد عابد الجابري، مصدر سابق، ص44 ـ  45.

(34) ـ د. إحسان عباس، مصدر سابق، ص 540.

(35) ـ راجع د. قسطنطين زريق، في معركة الحضارة، ص 133.

(36) ـ راجع. جريدة اليوم الصادرة بالدمام، عدد 4338.

(37) ـ أدونيس، صدمة الحداثة، ص228.

(38) ـ راجع مجلة فصول، ج1، ع1، ص243.

(39) ـ صدمة الحداثة ص234، والثابت والمتحول ج1ـ  ص29 و99.

كاتب
375201