رأيته بأم قلبي
عقيل بن ناجي المسكين * - 4 / 3 / 2011م - 2:03 م - العدد (24)

كنتُ كثيراً ما أراه يحضر بمعية الأديب الكبير الأستاذ عبد الله الجشي، وذلك لحضور الأمسيات الأدبية والفكرية التي يعقدها النادي الأدبي بالمنطقة الشرقية تحت إشراف الأديب الشاعر عبد الرحمن العبيد وباقي اللجنة المنظمة في النادي، وأعجبني ما وجدته في " أبي كامل " من المثابرة والحماس للحضور في هذه الأمسيات، وكأني أقرأ في عينيه أملاً كبيراً، وتطلعاً إلى المستقبل، وتفاؤلاً بالغد المشرق، إنه كما رأيت وكما سمعت شغوفاً بأجواء الثقافة و الفعاليات التي تُعقد بين الحين والآخر على المستوى المحلي والخليجي والعربي، لا زالت صورته مرتسمة على صفحة مخيلتي.. لقد كان مرتدياً عباءة الرجال الوجهاء، محافظاً على كيانه، ومُبرزاً لشخصيته ومكانته الكبيرة التي صنعها في ثمانين عاماً متحدياً كل العقبات والظروف الصعبة التي مرّ بها في حياته..

لقد قرأت في وجهه المضيء تجربة ناجحة لرجل أراد أن يقهر الحياة فقهرها وانتصر عليها فبرز بذاته.. معلناً إنسانيته.. وكاشفاً لروحه الجميلة، ومنفتحاً بنفسيتهِ الصافية، متودداً بالحب والاحترام لكل من حوله، كنت ألمس ذلك من خلال حركاته و سكناته وتصرفاته وطريقة كلامه وأسلوب حديثه، نعم لا ضير في معرفة كل ذلك وقد قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) " ما أخفى امرؤ من شيء إلا ظهر على فلتات لسانه أو قسمات وجهه " ولعمري ما أخفى هذا الرجل الكبير إلا نقاء سريرته، وعلو همّته، وقوة عزيمته، وسناء روحه، وثراء أدبه، ورجحان عقله، وصواب حكمته.

كأني لا زلت أراه أمام ناظِريَ ورسومهُ لا زالت في مخيلتي، وذكراه لا زالت تمرُّ كـ " شريط سينمائيٍّ " فأنا رأيته وهو يدخل النادي الأدبي برفقة بعض أصدقائه ورفاق عمره من مرتادي الأمسيات الأدبية والفعاليات الثقافية هنا وهناك، رأيته وهو يضع على عينيه نضارته بعد أن أتعبه طول النظر في عقوده الثمانية من عمره، ولعمري لقد أتعبه بُعد النظر بعينِ عقلهِ وبصيرتهِ ووعيه، لقد أتعبه بُعدُ النظر في رؤيته الثقافية والفكرية للواقع المحلي والعربي، رأيته وبين أصابع قبضة يده اليمنى عكازاً يتوكأ عليه وكأنه أحد الفرسان الذي أبلى بلاءً حسناً في ميادين الجهادِ ومعترك الحياة ثم أصابه ما أصابه فأتعبته المعارك وأجهده القتال حتى استعان بعد الله سبحانه وتعالى بعصاه التي يتوكأ عليها –إي والله- إنه يتمثل بلسان حاله هذا الحكمة المشهورة "إنَّ الحياة عقيدة وجهاد".

لقد رأيته بأم عيني عندما يدخل قاعة المحاضرات في الطابق السفلي من مقر النادي لا يستنكف أن يجلس في أي مكان فهو إلى جانب شخصيته الكبيرة شخص متواضع لا يتكبر ولا يستعلي على الآخرين، إلا أن أعضاء اللجنة المنظمة لهذه الأمسيات يجلّونه ويقدّرونه لذا يتبادرون إلى مرافقته للجلوس مع كبار الضيوف في مقدمة المجلس أمام منصة المحاضرين في الأمسية، فما أن يراه الأدباء والشعراء والكتاب والمثقفون من ضيوف الأمسية حتى يتبادرون إليه مرحبين به ويتبادلون معه التحايا والسلام، ثم يجلس في مكانه منتظراً ابتداء الأُمسية للاستفادة والمواكبة لكل جديد يطرح في عالم الفكر والثقافة والأدب، كنت أراه يجلس هادئاً فيشدّني ويترك لذهني فرصة الشرود قليلاً لأسأل نفسي إنه بالفعل رجل صبور رغم كِبر سنه، فهو لا يزال يمارس العمل الثقافي أخذاً وعطاءاً، ترى هل سنفعل مثله؟ هل سنطبق الحديث القائل: "اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد"؟ والحديث القائل: "العالم بأهل زمانه لا تهجم عليه اللوابس" وغيرها من الأحاديث التي تدعو إلى طلب العلم والمعرفة والثقافة في أي زمان ومكان ومهما بلغ بنا العمر..

لقد شدّتني شخصيته حتى إنني كنت أبادر بالقيام من مجلسي في كل مرة أراه عندما يدخل قاعة المحاضرات وأتقدم إليه بكل حبٍّ وتقدير وهو للتو قد دخل القاعة وبين جانبيه رفاقه فأبتدأ بالسلام عليه مادَّاً يدي لمصافحته فيصافحني بكل حب وتقدير وأنا في كامل خجلي حيث أن هيبته منعتني من أي كلامٍ معه إلا من السلام عليه، وكأنني أسلم على ثمانية عقود من تاريخ القطيف فتجعلني مشدوداً أقرأ في صفحات هذا التاريخ الطويل، أسلّم على التجربة ذاتها لإنسان عاش ثمانين عاماً من هذا القرن المنصرم في هذه الأرض الطيبة من هذا الوطن المعطاء..

كنت أتمنى أن يكون هذا الرجل الكبير الذي سمعت عنه الكثير مما جعلني أبكي من داخلي وأتأسف لأنني لم أتعرف عليه عن كثب، كنت أتمنى أن يكون ضيفاً من ضيوف اللقاءات الصحفية التي أعدّها لمجلة الواحة ( من ذكريات أديب ) أو ضيفاً من ضيوف اللقاءات التي أعدّها لمجلة ( المنهل ) الصادرة في جدة والمعنونة بـ ( في ميدان الكلمة - حوارات في الفكر والثقافة -).. كنت أتمنى أن أستفيد من معين هذا الرجل المعطاء.. أقرأ تجربته الطويلة في الحياة على لسانه، أسمع منه عن تاريخ المنطقة عموماً و القطيف بشكل خاص عن رجالها وعلمائها وشخصياتها ووجهائها وأحداثها وأيامها، إلا أن القدر حال بيني وبين تحقيق هذه الأمنية.

أنا لم أعرف هذا الرجل إلا من خلال انطباعاتي الإنسانية عنه عندما أراه في مثل هذه المناسبات، وبحكم ما أسمع عنه وأقرأ له في مجلة " الواحة "، إلا أنني وبكل صراحة أحببت أن أذكر هذا الانطباع عبر هذه السطور مسجلاً شهادتي المتواضعة لهذا الرجل فإنني أرى أن ذلك من أبسط الواجبات التي يمكنني أن أقدمها لمثل هذه الشخصية الكبيرة التي حملت الهم العام للإنسان والأرض في القطيف حتى أصبحت القطيف في عينيه هي المملكة بكامل مناطقها، وأصبحت المملكة هي القطيف.. لقد ذاب المجتمع الصغير في المجتمع الكبير في وحدةٍ إنسانية قبل أن تتوحد في وحدة وطنية، وبحق لقد كان هذا الرجل هو القطيف، و القطيف هي هذا الرجل.. هذا ما قرأته في شخصيته.

عضو هيئة التحرير
363417