رجال عاصرتهم.. هل خرق العوامي الجدار
قراءة في كتاب رجا ل عاصرتهم للسيد علي باقر العوامي
جعفر محمد العيد * - 4 / 3 / 2011م - 2:43 م - العدد (24)

إعداد: (عدنان العوامي - محمد النمر)

عدد الصفحات: 173 صفحه وسط

الناشر: مجلة الواحة - بيروت 2002م

 

من يحكم التاريخ؟

ومن يحكم على التاريخ؟ وهل يعيد التاريخ نفسه في دورة شبه دائرية،كما يقول العلامة بن خلدون في مقدمته.

إن شيئاً ما يتغير في تاريخ الشعوب، ولا يمكن أن نقول: إن التاريخ يعيد نفسه إلا بحدود معينه 00 قد يكون التاريخ يعيد نفسه.. لكن بطريقة حلزونية وليس بطريقة دائرية,فالأرض هي الأرض، ولكن الناس غير الناس الذين كانوا هنا، مع أن هؤلاء هم أبناء أولئك.. المجد الماضي قد يتكرر لكن بصورة أخرى - إن الحاضر والماضي هو بيد الله سبحانه وتعالى 00

لكن هل باستطاعة شخص ان يتحكم في نظرتك لهذا التاريخ؟

إن تفاصيل الماضي قد يكون لها دورفي استيلاد نظرة الحاضر، وهناك العديد من التجارب البشرية تدل على أن المجتمعات تقع عادة رهينة تاريخها، وعقائدهم ونظرة الآباء لمثل هذه الأحداث، سواء كان هذا الأرتهان بالمساندة، أو بالمعارضة.

والأفراد أيضا مختلفون فيما بينهم، في النظرة إلى الأحداث الماضية، وهو سنة من سنن الله في الأرض، وترجع أغلب الأسباب المادية في هذا الاختلاف إلى التفاوت في القدرات العقلية والإدراكية، والنفسية.. إضافة إلى اختلاف المرحلة العمرية، والظروف البيئية المحيطة التي لا يمكن إغفالها في هذا الشأن.

من الذي أدار دفة الأمور في الماضي؟ ومن الذي يديرها حالياً؟ هل هم العلماء أم المثقفون؟ لا جواب.

هل الحكام هم الذين قاموا بهذا الدور والوجهاء في هذا البلد, أم هم الناس البسطاء؟

الجواب: أنهم جميعاً كتبوا هذا التاريخ بشكل نسبي00 فلكل تأثيره المحدود بحدود قدرته ووقته والأمور المساعدة (أو المعينة) التي ساعدته للعب هذا الدور, لتتحقق بذلك السنة الإلهية في تدافع البشر في الحياة الدنيا، حيث يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿لَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا و التي يمكن أن نقسمها إلى تدافع مادي00 وتدافع غير مادي (قيمي معنوي).

هذا هو التعبير الذي أراه مناسباً بعد قراءتي, لمقالات السيد علي باقر العوامي رحمه الله في الكتاب الذي أصدر في أربعينيته , وبعد قراءتي لجميع المقالات التي نشرت إلى هذا الوقت , في مجلة الواحة (كردود على حلقات رجال عاصرتهم).

ملاحظات أولية

لاشك أن ما كتبه السيد علي العوامي في رجال عاصرتهم،يعبر عن بعض من تاريخ القطيف وليس كله , كما انه يتحدث عن بعض الرجال الذين مارسوا دوراً سياسياً او اجتماعياً في البلاد... ولا يمكن لأي شخص أن يختصر رجالات القطيف في هؤلاء , ولكن بدا للسيد وهو يضع كلماته في هذه السلسلة مسألة هامة , وهي (أن هذا ما أملكه لكم) في الوقت الحاضر..

لقد ورد في مقدمة الكتاب أن ما يورده (لن يتعرض) لفئة علماء الدين أو الشعراء لأن هؤلاء قد تعرض لهم آخرون وكتبوا عنهم.. بمعنى آخر أنه لن يتطرق إلا لشخصيات عامة كان لها دوراً في الموضوع السياسي او الاجتماعي

لقد وافى الأجل (أبا كامل) ولم يكمل بعد الكتابة عن بعض الشخصيات الأخرى في عالم القطيف فكيف يمكن محاسبة شخص على مشروع لم يكتمل بعد... ولماذا يطالب البعض الكاتب بأمر قد يكون في مخططه الكتابة فيه.

في مثل وضع منطقتنا.. يشعر الفرد منا بالامتنان لأي كاتب يحفظ هذا التاريخ وهذه الأحداث , حتى وان كان على طريقته (الخطأ أن لا يكتب أحد عن تاريخ هذا البلد) أما الأخطاء أو السقطات فيمكن أن تعالج , خصوصاً مع كاتب اتضحت لنا سجاياه الكتابية من تقبله للنقد والرأي الآخر , والاعتراف بالسهو والخطأ وعدم الإصرار عليه.

ماذا قال العوامي.... وكيف؟

عندما تقرأ رجال عاصرتهم يراودك سؤال وهو ماذا يريد أن يقول هذا الرجل في هذه المذكرات؟ وكيف يصل إلى ما يريد؟ فكلا الأمرين مهم، فكل كاتب له طريقته ونكهته اللتي يستطيع بهما الدخول إلى ذهنية القارئ، فما هي طريقة العوامي؟ السيد على العوامي على انه يسجل مذكراته , اللذين يبحثون عن المذكرات يجدون بعض المتعة (ولو قليلة) في ذكريات هذه البلاد، وهذا التاريخ وأيام الصبا ولكن سيجدون ذلك مبتوراً وناقصاً ومختزلاً.

بسبب أن العوامي (وإن كانت جميع الشخصيات التي ذكرها لها علاقة به من قريب أو بعيد) إلا أنه لم يكن تهمه الشخصية بمقدار ما يهمه الحدث، أو الأثر الذي عمله أو قام به للبلاد, (العمل والإنجاز ) أو التغير الذي أحدثه.

الصحيح أيضاً أن العوامي كان إيجابياً (بمعنى أن نظارة الإيجابية كانت على عينيه) في رؤيته للأحداث وتحليلها.. وربما لا يجد الإنسان في هذه الحياة إلا أن يكون إيجابياً ولربما كان التحليل المعمق للأحداث هو سبيله في تناول هذه الشخصيات، ولكن مع الحفاظ على الإيجابية.

الدولة التي تخاف من ابن أخوان لا خير فيها

إنه يؤرخ لهذه البلاد , وما جرى فيها من أحداث , أما تفاصيل حياة الشخصية , فكان لا يذكر إلا ما له صلة بالأحداث بشكل مباشر أو غير مباشر فنجده في مذكراته عن عبدالله بن علي أخوان يقول: "هو عبدالله بن علي بن منصور أخوان ووالده (علي بن منصور أخوان) أحد الشخصيات البارزة وقد لعب دوراً هاماً هو وصديقه (علي الناس) في التمهيد لدخول الملك عبد العزيز -طيب الله ثراه- القطيف إثر دخوله الأحساء, وبذلك لم يجد عبد العزيز أمامه أي مقاومة من السلطات التركية التي كانت مسيطرة على القطيف , إذ كان أهل القطيف قد ملوا حكم الأتراك المهلهل , الذي لم يجدوا في ظله لاسيما في السنوات الأخيرة ـ أمناً ولا استقراراً.

ولكن الولد يتحول -بفعل وجوده في العراق ضمن حركة سياسية كانت سائدة في ذلك الوقت- إلى معارض, يمارس التعبير عن رأيه والذي ظل ممنوعاً من السفر لسنوات عديدة لم يسمح له إلا في عام 1950م عندما فسح له الأمير فيصل بن عبد العزيز يوم كان وزيراً للخارجية قائلاً: "الدولة التي تخاف من ابن أخوان لا خير فيها".

البريكيان والقدرة على التكيف

(ولما فتحت أول مدرسة ابتدائية للبنين – في القطيف – عام 1367 هـ والتحق بها عدد كبير من التلاميذ أغلق البريكيان كتابهما، مدركين ان الزمن تطور وتغير).

في كثير من الأحيان يقع الكثير من البشر ضحايا عدم القدرة على التكيف مع التطورات التي تطرأ على حياتهم الثقافية أو الاجتماعية،وهنا وبكل فنيات الحرفنة الكتابية، يتمكن الكاتب من إلقاء الضوء على مرحلة مهمة في حياتنا الثقافية والتعليمية، وهي عبارة عن تاريخ التعليم في المنطقة الشرقية قبل ظهور النفط، والذي لم يكن يتعدى الكتاتيب العديدة، وأهمها وأطورها، هو كتاب البريكيان (والمقصود بالبريكيان هما الشيخ محمد الصالح، وأخيه ميرزا البريكي)، والذي يعترف الكاتب بالفضل لهما، في تعلم القراءة والكتابة في الصغر.

إلا أنه يشخص في حديثه، شيء آخر وهو قدرة البريكيان على استيعاب التطور الذي حدث في البلاد وتشخيصهما أن قيامهما بالتعليم، لا يغني عن الدور الذي يجب أن تضطلع به الحكومة في هذا الشان.

قصة الوزير العراقي

سلمان صالح الصفواني اسم لكاتب وصحفي شهير ووزير عراقي كان له دور في فترة من فترات العراق، نضل ودخل السجن بسبب مواقفه الوطنية، في القضايا القومية، وهنا يسجل العوامي حياة الصفواني، كأحد رموز هذه البلاد ليلفت نظرنا إلى أن شخصيات هذه المنطقة يمكن أن تلعب دورا بارزا، ومميزا عندما تكون الأجواء مواتية لهذه الأدوار.

هلا دللتني على قبر خولة؟

في الأخير لم ينس الكاتب العوامي أن يحفظ قضية زيارة بنت الشاطئ إلى القطيف يوم كانت القطيف مدفونة بين التلال، ولكن شعبها التواق إلى الثقاة والاتصال بالعالم المحيط به، جعل القطيف تسبق أختها جدة في الحجاز بالاحتفاء بندوبي جامعة القاهرة، الذين كانوا أيضا يفتشون عن بعض معالم التراث الإسلامي والمتمثل في أحد كتاب الشافي للشريف الرضا، واكتشفوا كنزا عربيا من الحضارة والثقافة، في واحة بعيدة على ضفاف الخليج العربي.

وهناك أمور أخرى تطرق له السيد العوامي في رجاله منعنا الرغبة في الاختصار عن ذكرها.

عضو هيئة التحرير
363661