اللهجات المحلية في الخليج (اللهجة في القطيف مثالاً) (3)
السيد شبر علوي القصاب * - 4 / 3 / 2011م - 2:48 م - العدد (24)

معاملة الفعل الصحيح المسند إلى تاء الفاعل كالمعتل الآخر بالياء

مع الإبقاء على حرف العلة من الفعل الأجوف دون حذف أحياناً، فيقولون في: شَبِعْتُ، ومِتُّ، وتِبْتُ، ورِحْتُ: (شْبَعَيتْ، أو شِبْعيتْ، مَاتيتْ، وتَابيتْ، رَاحيتْ، وهي لهجة أهل سيهات، والجش، وأم الحمام،كما أنها موجودة في لهجة بعض نواحي الأحساء، والبحرين، أما البقية من نواحي الواحة فيقولون: شْبِعْتْ، أو شَبَعْتْ، مِتّ، وتِبْتْ، رُحْتْ، أو رِحْتْ.

جعل حرف العلة الذي في أول الفعل المثال ألفاً لينة في آخره

وهي صورة من صور القلب بشكل يماثل الياء المنوَّه عنها في الظاهرة السابقة، وهي وإن كانت موجودة، إلا أنها في كلمات محدودة، ربما لا تتعدى الفعلين أخذ، وأكل، وليست ظاهرة عامة، فإذا كان الفعل غير مسند، أو مسنداً إلى هاء الغائب، أوالغائبة، أوالغائبين فإنها تنطق في لهجتهم ألفاً، فيقولون: (كلا، وكلاه، وكلاها، وكلاهم، وخدا، وخداه، وخداها، وخداهم)، أما إذا كان الفعل مسنداً إلى تاء الفاعل أوالفاعلة فإنها تعود ياءً في النطق، فيقولون: (كليت، وخديت)، وهي لهجة أهل سيهات، والجش، وعنك (العليوات)، وهي موجودة في لهجة بعض قرى الأحساء، وعدد من نواحي الخليج مثل: البحرين، وقطر، والإمارات.

وقد نفى الكاتب جمال خلفان المهيري أن تكون زيادة هذه الياء في قول الناس: (شربيت، وكليت) من العامية أوالفصحى، مجيباً على سؤال من سأله عن هذا بقوله: (إن العامية من الفصحى، وأنها لهجة وافدة وليست أصيلة، وأنها تسربت الى لهجة الأولاد من هذا الجيل علىحين غفلة من آبائهم)، وهذا الكلام ليس بصحيح، فالواقع يقول غير ذلك حيث أنها ظاهرة قديمة، وقد أصبحت تزدرى الآن من قبل الناس، ولا سيما المتعلمين، ولعلنا نعود إليها بشيء من التفصيل في وقت لاحق، كما أن الشواهد تنفي هذا القول، ومن هذه الشواهد قول الشاعر الإماراتي أحمد بن ثاني بن راشد الفلاسي:

واللي بيتحدى واقع ليش تركيته

وجيت لي بالملح يا ليت ماريته[1] 

وقوله:

وزار أبوي اعصريته يوم مل ليام

وعالريـگ أنا اشربيته يداوي لي أسقام[2] 

وقوله:

أنا البحر اترسيته هم واكدار

أنا الألم اعرفيته مْعهد لصغار

أنا العشـگ جربيته زينه وشينه [3] 

وقول الشاعر البحريني عبد الرحمن محمد رفيع:

عصفور جمعها في سنه

كلها الجمل گـال ما اشبعيت

وعندما تهدهد عندنا الأم السيهاتية قديماً طفلها في منزه (مهده) بصوتها الحنون وتناغيه قائلة:

صباحك صبحيتك

بماي الورد رشحيتك.

وعند ما تطلب إلى ضيف عندك من أم الحمام في القديم بقولك له: تْغدَّ، فيجيبك: شبعيت والحمد لله، أنعم الله عليك.

أو ما أشار إليه الدكتور ت. م. جونستون حيث يقول:

وفي البحرينية: (وبدرجة أقل في القطرية الشمالية) هناك اتجاه لجعل كل الأفعال تصريفاً واحدا، فتضاف النهايات إلى الصيغ الثابتة للأفعال الصحيحة والمعتلة على حد سواء، مثل: گيديت: گيدت، حصليت (القطرية الشمالية): حصلت، تهاوشيت: تخاصمت (تعاركت)، ناميت: نمت[4] .

وتعقيبه بقوله: ومثل هذه الصيغ تزدرى من قبل المتعلمين على اعتبار أنها سوقية، ولكنها على الرغم من ذلك تستعمل بكثرة[5] .

هل كل هذا مما طرأ على اللهجة في الخليج؟.

إسقاط حرف العلة والحركة السابقة من فعل الأمر

الذي يصاغ من الفعل الناقص المعتل الآخر للمفرد المذكر، أي إن الحرف السابق لحرف العلة (وهو المسمى عين الفعل) يعتبر نهاية الفعل بعد سقوط حرف العلة، ويكون ساكناً كفعل الأمر من الصحيح، وذلك على غير ما تقضي به قواعد التصريف من بقاء الحركة السابقة على حرف العلة بعد أن يحذف، فالأمر من خشي وفق هذه القواعد: إخشَ، ومن رمى: إرمِ، ومن دعا: إدعُ، ومن صلى: صلِّ، لكن التطور اللغوي في لهجات الخليج هو سقوط الحركة في آخر هذه الأفعال بعد سقوط حرف العلة[6] .

فالأمر من صلى: صلْ، وخلى: خلْ، والأمر من اشترى: اشترْ، ومن مشى: أمشْ، والأمر من استحى: إستحْ، ويقال تعال (بسكون اللام)، وفي المثل الشعبي: (روح بعيد وتعالْ سالم)[7] .

ويتساءل الدكتور عبد العزيز مطر: (هل هذه الظاهرة لهجة عربية؟ثم يجيب عليها بنعم[8] ، ويضيف: إن هذا النطق السابق لفعل الأمر المعتل الموجه إلى المذكر إنما هو نطق قديم كان معروفاً في لهجات بعض القبائل العربية، فقد روى إمام النحاة سبيويه (ت180 هـ)[9] : أن بعض العرب قد يقولون في حال الوقف إرمْ، وأغزْ، واخشْ، أي بحذف حرف العلة وإسكان ما قبله، وذكر سيبويه أن عيسى بن عمر الثقفي، ويونس بن حبيب الضبي حدثاه بهذه اللغة[10] ، وقد وقع ذلك في المضارع في قراءة: (والليل إذا يسْرْ)[11] ، بسكون الراء، وشاهد هذا النطق:

قالت سليمى اشتر لنا دقيقاً

وهات خبز البر أو سويقا[12] 

ويفسر سيبويه كيفية حدوث هذه الظاهرة، أي: إرم، ويبين أن ذلك قياساً على الفعل الصحيح الآخر الذي ينتهي بالسكون، فيقول: (جعلوا آخر الكلمة حيث وصلوا إلى التكلم بها بمنزلة الأواخر التي تحرك ما لم يحذف منه شيء)، أي جعلوا آخر الكلمة بحذف حرف العلة في الأمر، والمضارع المجزوم بمنزلة آخر الفعل الصحيح الذي لم تحذف لامه فعومل معاملته.

بهذه المناسبة نذكر أن سيبويه يقرر في هذا المجال مبدأً مهماً من مبادئ التطور اللغوي، وهو القياس الذي يقوم على إلحاق أمر بأمر، لعلاقة المشابهة بينهما، حتى لو لم تكن المشابهة من جميع الوجوه، فيقول: لأن من كلامهم أن يشبهوا الشيء بالشيء، وإن لم يكن مثله في جميع ما هو فيه، ويسمي المحدثون هذه الظاهرة القياس الخاطئ، وهكذا رأينا أن لهجات الخليج قد احتفظت بهذه الظاهرة: ظاهرة انتهاء فعل الأمر للمفرد المذكر المعتل الآخر بالسكون، وهي ظاهرة من ظواهر اللهجات العربية القديمة[13] .

بينما الدكتور رمضان عبد التواب لا يعدها من اللغة في شيء، ويراها من سقطات الشعراء النحوية واللغوية من الذين حفلوا بموسيقى الشعر والقافية، وحرصوا على وزن البيت فألهاهم، وشغلهم عن الإلتفات إلى النظام اللغوي، ثم جاء بعدهم بعض النحاة فالتمسوا لهذه السقطات تخريجاً وتعليلاً، لأن الشاعر عندهم لا يخطئ، وقوله حجة، ومن جملة كلامه في هذا الشأن:

وإذا أضطر شاعر إلى تسكين بعض الكلمات لضرورة الوزن فإنه لا يعدم من النحويين، منذ أيام سيبويه، من يطلب تأويلاً، ويتكلف له قياساً، فإذا قال الراجز:

فأحذر ولا تكتر كرياً هوجا

علجاً إذا ساق بنا عفنججا[14] 

أو إذا قال العذافر الكندي:

قالت سليمى إشتر لنا دقيقا

وهات خبز البر أو سويقا[15] 

إلى أن يقول: إذا سكن هؤلاء الشعراء كلمات: (لا تكتر، واشتر) لضرورة الوزن فإن سيبويه يرى أن ذلك شبيه بتسكين عين نحو: (فخذ)، و(عضد) عند من يسكنها فيهما، فيقول: (وقد يجوز أن يسكنوا الحرف المرفوع والمجرور في الشعر، شبهوا ذلك بكسرة فَخِذ، وبضمة عَضُد، حيث حذفوا فقالوا: عَضْد، لأن الرفع ضمة، والجرة كسرة [16] …هذا تعليل سيبويه في مثل هذه الأبيات؛ لأن الشاعر عنده لا يخطيء، ولا يضحى بالإعراب في سبيل موسيقى الشعر، وذلك ما لم يخطر لسيبويه على بال؛ ولذلك راح يتأول هذا التسكين، ويلتمس له نظيراً بين لهجات القبائل[17] . أما عبد القادر البغدادي فإنه يرى: "أن الشاعر سكن الراء في أمثال: اشتر، ولا تكتر"، وهي عين الفعل، وكان حقها الكسر،كأنه توهم أنها لام الفعل، فسكن للأمر)[18] .

والموجب لعرضنا لكلا الرأيين هو إطلاع القاريء على أصل نشوء هذه الظاهرة من جوانبه المختلفة، فلو أننا عرضنا أحدهما وتجاهلنا الآخر، فلربما قال قائل إن همه الإستناد على دليل حتى ولو كان هذا الدليل مطعون فيه، ودون الالتفات لما يقال عنه من الجانب الآخر، وقد نفى صحته اللغوي فلان، وبالضد لو تجاهلت الأول وجئت بالثاني، وقلت إنه لا يوجد دليل على قدم هذه الظاهرة، فلربما قال آخر أن هذه الظاهرة قديمة ولها أصالتها، وقد تطرق إليها اللغوي فلان، وأما ترجيح هذا الرأي أو ذاك، أو الاضطلاع برأي آخر في هذه المسألة، فهذا موكول لذوي الاختصاص، فليس هذا المقال معقوداً للمناقشة، وحسبنا أن نتأمل الظواهر السائدة في اللهجة وإيلائها ما تستحق من الإهتمام والتسجيل.

وأما قول الدكتور عبد العزيز مطر أنها قاعدة عامة، فلا يخلو هذا الرأي من تحفظ، لإن الواقع المعاش في بقية نواحي الخليج يقول غير ذلك، وربما يصدق هذا القول على المحيط الذي زاره وبنى عليه مقولته هذه، وهذا يصدق على القاعدة التي أوردها وحسب، وفيما يبدو فإن هذا الحكم مبني على استقراء لم يكتمل، ولعله يغير حكمه هذا، لو تسنى زيارة أماكن أخرى غير التي زارها مثل هذه الواحة، واستقرأ الأمثلة في لهجتها، ورأى أن صور الأفعال تتغير من فعل لآخر، وباختلاف مواقعها، وعلى سبيل المثال عند إسنادها إلى الضمائر.

فمن الملاحظ أن الفعل المجرد يحذف منه ألف الإسناد، ويبدأ غالباً بضم أوله عند إسناده إلى الضمائر، إلا عند إسناده لضمير الغائب المذكر فإنه يكون بصورة: إفعُه، أو إفعِه (حركة الحرف الذي قبل ضمير الغائب بين الضم والكسر)، فإذا كان هذا الحرف مستعلياً نطق بصورة إفعُه مثل: ارمُه، إسـگـُه[19] ، أما إذا كان مستفلاً فينطق بصورة إفعِه، مثل: إهدِه، إغنِه، ولا يقال: إهدُه، أوإغنُه، وهذا شأن لهجة الغالبية ما عدا لهجة البقية الباقية، وهم الذين تكثر الإمالة وترقيق الحروف في لهجتهم، فإنك قد تجده عندهم بصورة: إفعِه.

وتلحق بهذه المجموعة بعض الأفعال مثل: أعطى، أعمى اللذين تتداولهما الغالبية في لهجتها بصورة عطى، عمى، عدا بعض النواحي فهي تنطق الأول بصورة: عَط، أي على وزن فَعْ بفتح فائه، فصورته هذه ثابتة عندهم لا تتغير حتى عند إسناده إلى الضمائر. أما المشدد منها عند إسناده إلى ضمير المخاطب الغائب فإن حركته تعود لأصلها في الفصحى، غير أن الضمير يقفون عليه بالسكون تبعاً لظاهرة الوقوف بالسكون.

ويمكن تقسيم هذه الأفعال إلى المجموعات التالية:

مجموعة الأفعال المجردة مثل: شوى، نوى، عوى، سقى، هدى، فيقال في: سقى مثلاً: سُـگ، سُـگني، سُـگنا، إسـگه، سُـگها، سُـگهُم (سِـگهِم)، وتلحق بها بعض الأفعال المزيدة بالألف في أولها، كالفعلين المتقدمين.

مجموعة الأفعال المزيدة بتضعيف العين، مثل: صلَّى، ولىَّ، ودَّى (أدى)، خلَّى سمَّى، نقَّى، فيقال في خَلَّى مثلاً: خَلْ (لاحظ أنه ينطق بسكون اللام وحذف حرف العلة من آخره للتخفيف). (صورته في الفصحى: خَلِّ)، خَلْني، خَلْنا (خنَّا) (يدخله الإدغام أحيانًا)، خَلِّه، خَلْها، خَلْهُم (خَلْهِم).

مجموعة الأفعال اللازمة المزيدة بالتاء وتضعيف العين، مثل: تغذَّى، تعشَّى، تمشَّى، تنسَّى، فإن الغالبية منهم ينطقونها على النطق المماثل لصورتها في الماضي، والمقارب لصورتها في الفصحى عند مخاطبة المذكر، ولا تتداول بحذف حرف العلة من أواخرها إلا في نواحٍ قليلة مثل: دارين، ومثلها في الأحسا ء في بعض قراها، فلو قال شخص لآخر في غيرها: تَغدْ، لقال له: ويش هو تَغدْ ؟ گول تْغدَّى، وعند مخاطبة المرأة يقولون تْغدَّيْ،كما هو في اللغة.

 أما الأفعال المنتهية بهمزة فإنها تسهل بإبدال الهمزة إلى ألف في حالة مخاطبة المذكر، وتحذف عند مخاطبة المؤنث تبعاً لظاهرة التسهيل السابق ذكرها، فيقال في قرأ: إگرا، إگرَيْ، و: إگروا عند الإسناد لضمير الجمع.

 وسواء كانت الصورة الحالية للفعل مدار البحث قد ورثوها من لهجات القبائل القديمة، أم تطور في لهجتهم بمرور الأزمان إلى صورته المعهودة الآن، فإن لاختلاف صورة هذا الفعل فيما يبدو وظيفة، ربما كان هدفهم منها ـ علاوة على طلب الخفة في النطق ـ الفصل بين صورته الموجهة للمذكر والموجهة للمؤنث عند المخاطبة قدر المستطاع، فحين تقول: صلْ، فإن السامع يعرف أنك تريد بهذا الأمر شخصاً ذكراً، وحينما تقول: صلِّي يعرف أنك تخاطب إمرأة، حتى ولو لم ير أو يعرف الشخص الموجه إليه هذا الأمر، ولئلا تتداخل الصورتان.

ومثل هذا التفريق موجود في الفصحى، ففعل الأمر فيها منته بحرف مكسور ليدل على الحرف المحذوف في صورته الموجهة للمذكر، أما الأمر الموجه للمؤنث فإنه ينتهي بالياء، غاية ما في الأمر أن حركته تحولت في اللهجة إلى سكون في الصورة الموجهة للمذكر، فكأنهم أرادوا من ذلك زيادة التفريق لأن الحركة مسموعة غير مكتوبة، والإعراب ساقط من اللهجة.

وهذا الإفتراق يسري حتى إلى الفعل المضارع المسبوق بلا الناهية، وكذا لا النافية عند من يثبتون النون للأفعال الخمسة مطلقاً، فنجد صورة الفعل الموجه للمذكر عندهم: لا تخلي، وللمؤنث: لا تخلين، وعند الإسناد: لا تخليه، ولا تخلينه، ولا تتحد صورة هذا الفعل إلا عند من يحذفون هذه النون من هذه الأفعال مطلقاً بحيث يكون للمذكر والمؤنث على حد سواء، فيقال للرجل: لا تخلي، وللمرأة: لا تخلي، وكذا عند إسناده إلى ضمير المخاطب والمخاطبة، فيقال: خلك، وخلش، أو خلـچ، واتحاد صورته في المثالين الأخيرين تنتهي بالتفريق بالضمير المسند إليه، وهو ليس مجال بحثنا هنا، وإنما ذكرناه للمقارنة.

أما الآن فإن بعض أبناء هذا الجيل صاروا يستخدمون صورة واحدة، ولا يفرقون في الخطاب بين الرجل والمرأة متأثرين باللهجة المصرية والشامية ونحوهما، فيقول الواحد منهم للرجل خلِّيه، كما يقول ذلك للمرأة، بينما كان ذلك في السابق للمرأة فقط، ولو قال شخص فيما مضى لآخر خلِّيه، لقال له مستنكراً: ويش هو خلِّيه؟ (چـا أنا مره حتى تـگول ليّ خليه؟ گول خله). أي:كيف تقول لي خلِّيه ؟ وهل أنا امرأة حتى تقول لي خلِّيه؟ قل خلِّه. والرأي، عندي، أنهم لو تركوه على حاله لكان أصح وأحسن من أن يصبحوا مقلدين.

وإذا وجد في لهجة الأسلاف، في هذا الباب، بعض الأفعال مثل الفعل: أغنى التي لم يرثوا لها صورة واضحة في بعض المواقع[20] ، فإنهم يروونه بصورة أخرى مثل: يا الله تغنيني وتغنينا. نعم قد يقولون: غِنِّي، وغِنَّا، أي: اغنِني، واغنِنا، ولكنهم يفضلون الأولى على الثانية، ولا يقولون أبداً: أغنينا لمذكر، لأنه ينافي ما درجوا عليه، وما هو موجود في الفصحى، أواغنني واغننا، لأنه لا يوجد في لهجتهم كلمة فيها المقطع نِنِي، أو نِنِا، (بنونين مكسورتين متتابعتين)، وإليك طائفة من الأفعال في صورها المختلفة كافة علاوة على ما تقدم:

أعطى: عُطْ، عُطْني، عُطْنا، اعْطُه، عُطْها، عًطْهم (في لهجة البقية بفتح العين، وسكون الطاء، ما عدا عند إسناده لضمير الغائب فهو بصورة: (عَطَهْ).

أعمى: عِمْ، عِمْني، عِمْنا، اعْمِه، عِمْها، عِمْهم.

شوى: شُوْ، شُوْني، شُوْنا، إشْوُه، شُوْها، شُوْهم.

هدى: هِدْ، هِدْني (اهدني)، هِدْنا(إهدِنا)، إهْدِه، هِدْها، هِدْهم.

مشى: مِشْ (هِمْشْ، أو إمْشْ)، امْشي.

مَشَّى: مَشْ، مَشْني، مَشْنا، مَشِّه، مَشْها، مَشْهم.

تولى: تْولَّـ، تْولاّني، تْولاَّنَا، تْولاَّه، تْولأَّها، تْولاَّهم.

تقصير بعض الكلمات المصاغة على وزن فاعلة

ومن هذه الظواهر تقصير الكلمات المصاغة على وزن فاعل بحذف الألف منها إذا لحقتها تاء التأنيث، حيث تتحول من فاعلة إلى فعلة تبعاً لهذه الظاهرة، كما في كلمة: فيده، طيره، رَيْحه، خيسه أي: فائدة، طائرة، رائحة (ذاهبة)، خائسة (نتنة)، وهي لهجة القديح، والخويلدية، والجارودية، ولكنها تنحصر غالباً فيما كانت عينه همزة تحولت إلى ياء تبعاً لظاهرة التسهيل كما لا تجدها في أسماء الأعلام المؤنثة المصاغة على هذا الوزن حتى وإن كانت عينها همزة، بينما في لهجة غيرهم كالمصرية مثلاً تكاد تكون عامة فيقولون: دخله، خرجه، أي: داخلة خارجة، ويمكن أن تلحق بها بعض الكلمات مثل وحده، أي: واحدة مؤنث واحد، ريحه أي الرائحة التي تشم، وهي لهجة الواحة بصفة عامة، بل هي الصورة المتداولة في أغلب لهجات البلاد العربية.

اسم الفاعل المصاغ من فعل مزيد في أوله بالألف:

 الأصل أن إسم الفاعل المصاغ من فعل مزيد في أوله بالألف في الفصحى يكون على وزن (مُفعِل)، بينما تجد له في اللهجة أربع صور تبعاً لوجود حرف مرقق أو مفخم أو أكثر في أول الكلمة المصاغة على هذا الوزن أوآخرها، وفيما يلي هذه الصور:

الأولى: إذا اشتمل بعد الميم على أصوات مرققة متجاورة فهو مكسور الميم والعين، أي: بصورة: (مِفعِل) مثل: مِحسِن، مِسلِم.

الثانية: إذا ابتدأ بصوت مفخم بعد الميم، وانتهى بصوت مفخم، فهو مضموم الميم والعين، أي بصورة: ( مُفعُل ) مثل: مـُگحُم، مُطعُم، وكذا إذا انتهى بصوت مرقق من الأصوات التالية: الباء، الحاء، الفاء، وسبق هذا الحرف المرقق حرف مفخم، أوحرفين كما في: مُطرُب، مُـگُـرف، مُصبُح.

الثالثة: إذا ابتدأ بصوت مرقق بعد الميم، وانتهى بصوت مفخم فهو مكسور الميم مضموم العين، أي: بصورة: (مِفعُل) مثل: مِشعُر (كث شعر)، مِحزُر.

الرابعة: إذا ابتدأ بصوت مرقق بعد الميم، وانتهى بصوت مرقق، فهو يتفق مع الصورة المعروفة في الفصحى، أي: مضموم الميم مكسور العين (مُفعِل) مثل: محُقِد، مُعطي.

صيغة فعلول بين فتح الفاء وضمها

الأصل في هذه الصيغة في الفصحى أنها بالضم، وهذا ما قرره اللغويون، وعدوا الخروج عليها بفتح أولها خروجاً على الفصاحة[21] ، يقول الدكتور عبد العزيز مطر: (أن تحتفظ لهجة عربية معاصرة أو أكثر بظاهرة فصحى، ذلك أمر ليس بنادر، لأن هذا هو الأصل والشيء من معدنه لا يستغرب، ولكن أن تنفرد لهجة عربية معاصرة، أو لهجتان بظاهرة عربية فصحى أصابها انحراف على ألسنة المتكلمين بها في الوطن العربي منذ نحو إثني عشر قرناً، فتلك إحدى المسائل النادرة التي ينبغي تسجيلها فور اكتشافها، وهذا ما وجدته في لهجة شبه جزيرة قطر، ولهجة البحرين ـ ما عدا لهجة بعض المناطق البحرانية. سمعتهم ينطقون الأسماء التي جاءت في اللغة الفصحى على وزن: (فعلول) بضم الفاء علىحين نرى اللهجات العربية المعاصرة حتى بقية لهجات الخليج العربي تنطق جميع الأسماء من هذا النوع بفتح الفاء[22] .

 ومن خلال قراءتنا لأقوال عدد من اللغويين القدماء التي عرضها الدكتور مطر مثل: سيبويه، وابن السكيت، وابن قتيبة، والأزهري، وابن مكي الصقلي، وغيرهم[23] حول نطق هذه الصيغة؛ يتبين لنا أنهم مجمعون على أنها بالضم، ونكتفي هنا بعرض قول أحدهم، وهو ابن السكيت حيث قال: (وكل ماجاء على فعلول فهو مضموم الأول، نحو: زنبور، وقرقور، وعمروس، وعصفور، وما أشبه ذلك، إلا حرفاً واحداً نادراً، وهو بنو صعفوق لخول أي: (خدم باليمامة)[24] ، قال ابن بري رأيت بخط أبي سهل الهروي على حاشية كتاب: ما جاء على فعلول: صعفوق، وصعقول لضرب من الكمأة، وبعكوكة الوادي لجانبه[25] ، وقد استدرك ابن هشام اللخمي على ابن مكي في رده على كتابه في تثقيف اللسان ثلاثة أمثلة جاءت على فعلول بالفتح وهي: زرنوق، وبرشوم، وصندوق، وهذا اعتراف ضمني بأن ما جاء على فعلول هو المشهور، وهو القاعدة[26] ، وقد افترقت لهجة الواحة إلى فريقين:

الفريق الأول: يضم الفاء كما هي في الفصحى، والضمة هنا في لهجة هذا الفريق ينطبق عليها قول الدكتور مطر حيث قال: (ولكن توخياً للدقة نسجل هنا أن هذه الضمة في اللهجة القطرية ولهجة البحرين ممالة إمالة خفيفة نحو الكسرة شأنها شأن الضمة في جميع مناطق الخليج)[27] ، وهي لهجة نواح قليلة مثل: سيهات، وبني خالد، وهي كذلك في لهجة الأحساء، وأيضاً في لهجة قطر والبحرين ما عدا القرى الشيعية فيها[28] .

الفريق الثاني: بالفتح وهي لهجة البقية الغالبة، بل هي لهجة كثير من نواحي البلاد العربية، غير أن من المثقفين والمتعلمين من ينحون بكثير من أمثلة هذه الصيغة على النحو المعروف في الفصحى، فيقولون: جُمهور، ودُستور بالضم، وهذا الأخذ أو الإجراء مقصور على ما علموا أنه الأفصح، أما بقية الأمثلة فهي عندهم بالفتح كما هي سليقتهم التي ورثوا عنها هذه الصورة فيقولون: عَصفور، ودَستور بالفتح، ولربما لم يتأت لطائفة منهم أن القاعدة تقضي بأن كل ما جاء على هذه الصيغة هو بالضم كما تقدم، حتى يجري البقية على مجراها الفصيح، وإنما تأتى له بالسماع، ومما ورد من هذا القبيل في شعر حميد الأرقط في وصف ضيف له يصف أكله قوله:

ما بين لقمته الأولى إذا انحدرت

وبين أخرى تليها قيد أُظفور[29] 

شاهدنا قوله: أُظفور، أي: أظفر التي صارت: عُضفور بالضم في لهجة الفريق الأول، وعَفضور بالفتح في لهجة الفريق الثاني (تقدم الحديث عن العنعنة، وإبدال الظاء ضاداً في الحلقتين السابقتين).

 وهذا التطور الذي أصاب هذه الصيغة فتحولت من فُعلول بالضم إلى فَعلول بالفتح قديم، فقد قرر ابن مكي الصقلي المتوفى سنة 507 هـ: أن أهل صقلية في عصره كانوا يقولون: عَنقود، وزَعرور، وزَرزور، وبَهلول، وقَرقور، وبَرغوث بفتح الفاء[30] ، كما قرر ابن الجوزي المتوفى 597 هـ: أن العامة في بغداد كانوا يقولون: دَستور، وزعرور، وزنبور، وصعلوك، وطنبور، وكلثوم.[31] 

صيغة فِعليل بين فتح الفاء وضمها

وهذي الصيغة مثل سابقتها، فكما انقسم أهل هذه الواحة في اللهجة الأولى إلى فريقين انقسموا هنا كذلك، فالذي يضم في تلك يضم في هذه، والذي يفتح هناك يفتح هنا، وما يقال عن أصالة الضم في تلك، والتطور الذي أصابها يقال عنه في هذي، ومن أمثلة هذه الصيغة: دهريز (دهليز)، عفريت، سحتيت (خشارة اللؤلؤ وصغاره).

وقد نبه أصحاب كتب اللحن إلى الإنحراف الذي حدث في فعليل، حيث يفتح العامة الفاء كما حدث ذلك في فعلول، وقد جاء في إصلاح المنطق لابن السكيت ص 219 قوله: (وما كان على مثال فِعِّيل، أو فِعْليل فهو مكسور الأول)[32] .

صيغة فِعِّيل

وأما صيغة فِعِّيل فلا تعرف طريقها إلى اللهجة، وإن وجدت أمثلة فيها جاءت على هذا الوزن نحو: شريب، أولعيب، أو نحرير، أوحريف، أودويق، فإنها إما أن تكون قد دخلت إليها من اللغة، أو من بعض لهجات البلاد العربية الأخرى، نعم جاءت كلمتان وهما: سويد، وسريد، وهما من ألقاب الأسر في الواحة، فأوله لقب لأسرة تسكن البحاري، والثاني لأسرة تسكن الشريعة.

ضم عين إسم الفاعل المصاغ من الفعل الثلاثي

اسم الفاعل في اللغة كما هو معروف مكسور العين، وهذا ما يقرره علماء اللغة، ومنهم الجوهري حيث قال: هاوُن الذي يدق فيه معروف، وكان أصله الهاوون، لأن جمعه هواوين، مثل قانون وقوانين، فحذفوا منه الواو الثانية استثقالاً، وفتحوا الأولى لأنه ليس في كلامهم فاعُل بالضم[33] 

غير أننا نسمع كلمات في اللهجة مصاغة على هذا الوزن بالضم، وأخرى بالكسر فما السر في ذلك ؟

حينما حاولت معرفة هذا السر، أو الإجابة على هذا السؤال قمت بصياغة عدد كبير من الكلمات وفقاً لهذا الوزن ابتداء بالألف وانتهاء بالياء، ثم عكفت على استقراء هذه الكلمات المصاغة، وتجريب نطقها حسب صورتها المتداولة في عامة اللهجة كل واحدة على حدة، فأفادتني التجارب عن أسباب هذا التفاوت الحاصل بما يلي:

إن الصيغة المختومة بأحد الحروف المفخمة، والمستعلية: الخاء، والراء، والصاد، والضاد، والغين، والقاف والـگاف الفارسية، أوالتميمية، والكاف الفصحى تجيء دائماً مضمومة العين.

أما المختومة بالحروف المستفلة، والمرققة: التاء والجيم والجيم الفارسية المثلثة النقط (الـچـاء) لقربها منها في المخرج، والدال، والزاي، والسين، والشين، واللام، والياء تجيء دائماً مكسورة العين، أي: (كما في اللغة)، وهي تبقى مكسورة أبداً، حتى لو خرج صوت الحرف الواقع عيناً لهذه الكلمة مفخماً، فإنه يعود فيستقر على الكسر، باستثناء الكلمات المختومة باللام التي تنطقها بعض النواحي مثل: سيهات بالتفخيم في بعض المواضع إذا وقع في الكلمة قبلها أحد حروف الإستعلاء،كما في: صامُل (في لهجة البقية تنطق صامِل) بالكسر.

المختومة بأحد الحروف الأسنانية الثلاثة الثاء، والذال والظاء فسبيلها سبيل المختومة بأحد إخوتها القريبة منها في المخرج، فهي في اللهجة على التوالي: فاء، ودال، وضاد حيث لا توجد مثل هذه الحروف في عامة اللهجة، كما تقدم في الحلقة الأولى، ولو حاول العامي نطق كلمة ختمت أو اشتملت على أحد هذه الحروف وفقاً لنطقها الفصيح فإن الثاء تلحق بمجموعة الفاء، والذال بمجموعة الدال، والظاء بمجموعة الضاد.

المختومة بالباء، والحاء، والعين والفاء، والميم، فيتحقق الضم لعينها إذا كانت هذه العين نفسها أحد الحروف المفخمة المتقدمة، أو أحد الحروف الخمسة المعنية في هذه الفقرة (شريطة أن تكون الكلمة ذات معنى في اللغة واللهجة مثل صاحب)، وكذا إذا كانت فاؤها أحد الحروف المفخمة، وجاءت عينها: باء، أو خاء، أو فاء، أو ميم. أما إذا انفصلت فاؤها عن لامها (الحرف المختوم به) بحرف مرقق من الحروف المرققة الباقية فلا يتحقق الضم مثل: صالح.

 أما المختومة بأحد هذه الحروف الخمسة، وكانت عينها كذلك أحدها، فلا يحصل فيها ضم، ما لم يكن فاؤها أحد الحروف المفخمة، حتى لو كانت هذه الفاء أحد هذه الحروف الخمسة مثل: سامح، وعابد.

لا توجد في اللغة أو اللهجة كلمات لها معنى مختومة بالألف، أو الواو، فيما أعلم، لذا تركت إدراج هذين الحرفين في أي من هذه المجموعات، وإن كانت الواو تعد من حروف الإستعلاء، وتؤثِّر في الكلمات التي تقع فيها عيناً للكلمات المختومة بالحروف المذكورة في المجموعة الرابعة.

الهمزة المكسورة سبيلها سبيل الياء فهي غالباً ما تسهل إليها، ولو حصل أن نطقت كلمة من الكلمات بالتحقيق فهي في النطق كذات الياء.

أما بعض نواحي المنطقة فيكسرون فاء الكلمة غالباً، وأما مؤنثه فهو دائماً في اللهجة ساكن الوسط (العين)، وكذا جمع المؤنث السالم على قلته، وجمع المذكر السالم، والمضاف إليه وضمير المتكلم والمتكلمين، والمخاطب المذكر، والمؤنث المفرد، والجمع، وضمير الغيبة بأنواعه الثلاثة: الغائب، والغائبة، والغائبين، وهي ظاهرة عامة عند الجميع.

وربما جرت السليقة التي فطر عليها الفرد من عامة الناس في هذه الواحة إلى أن يتعدى حدود اللهجة فينطق عين الكلمة المصاغة على هذا الوزن بالضم، ولربما نطق العامي غير المتثبت الراء في قوله تعالى: (والسماء والطارق) بالضم.

مما تقدم يتبين لنا أن الأصل في اسم الفاعل أن يكون مكسور العين، وأما ما تراه من ضم لهذه العين في بعض المواضع فهو متطور عنها، وغاية ما في الأمر أن الحروف المفخمة في هذه الصيغة تجذب الحروف المرققة من سفالتها إلى استعلائها هي، فتبدو أو تخرج مضمومة، لأن الضم علامة التفخيم، وهذا من باب تقريب الحروف أو الحركات من بعضها البعض طلباً للخفة، والدليل على أن الكسر هو الأصل أنك تجدها مع الحروف المرققة تخرج مكسورة.

صيغة فاعول

وهي صيغة وسط بين فاعل، وفعول، وربما تكون أمثلتها قد تكونت من زيادة الواو بين عين الصيغة الأولى ولامها، أو الألف بعد فاء الصيغة الثانية، وتعني في أمثلتها المشتقة المبالغة، وأمثلتها محدودة بكلمات مسموعة ومتداولة، وإن كانت كثيرة إلا أنها أقل من غيرها، وهناك بعض الكلمات التي دخلت اللهجة من اللهجات واللغات الأخرى، واندرجت ضمن أمثلة هذه الصيغة، بعضها دخل وصورته موافقة لهذه الصيغة، مثل: خازوق، وخاشوگـة (ملعقة) اللتين أصلهما في التركية: قازوق، وقاشوق، وهناك بعض الأمثلة التي نتجت عن حذف وتحوير في صورتها مثل: فالول، وكاروكة، فإن الأولى في الفصحى: ثُؤلول (بثر في جلد الإنسان)، والثانية في الفارسية:كاريوك (مهد الوليد) حذفت منها الياء فصارت موافقة لهذه الصيغة، وزيدت فيها تاء التأنيث، ومثل ذلك حاصل في اللغة، قال العسكري: والصابون إسم أعجمي، وإن كان موافقاً لأبنية العرب مثل تامور وساجور[34] ، وقد وردت لهذه الصيغة بعض الأمثلة في القرآن الكريم، ومنه في قوله تعالى: (فإذا نقر في الناقور)[35] ، وقول عبد الله بن الأعور الحرمازي: (فابعث عليهم سنة قاشورة)[36] ، والقاشورة: سنة الجذب والمحل[37] .

ويرى الدكتور إبراهيم السامرائي أن هذه الصيغة أصيلة في الآرامية أكثر منها في العربية فيقول: ولعل وزن فاعول أصيل في الآرامية أكثر منه في العربية، وجريانه في الآلات والأدوات، مثل: ساطور، وشاقوف (آلة القطع السريانيتين)، وقد بقيتا في العربية[38] ، وقد علل لذلك بقوله: و(أقول) أصيل في السريانية أكثر من أصالته في العربية لأن هذا الوزن شاع شيوعاً في عاميتنا في باب الوصف وغيره، وما هو إلا لأن المد من إطالة الفتحة جرياً مع الذوق العامي، فلعوب تصبح: لاعوب، وشغول تصبح: شاغول، وعمود تصبح: عامود[39] ، وقد احتمل في مكان آخر أن هذه الصيغة نتجت عن مطل الحركات[40] ، ولعله يريد بقوله: أصيلة أن أمثلتها في الأراميةكثيرة ومطردة فيها أكثر من اطرادها في اللغة العربية.

ومما جاء في اللهجة من هذا الباب: باسور، ناسور، حاروگ(أسماء أمراض)، جافون أو جاثوم (الكابوس الذي يعتري الإنسان أثناء نومه)[41] ، بالول، هامور، حاگـول، حاسوم، ناتوش، ناعوض، ساحوچ، كاسور (أسماء أسماك)، زاروگ من القوراب الصغيرة السريعة، صاخوب، جاروف (وسيلتا صيد بحريتان)، طاووس (من الطيور الجميلة)، نابود، عاشور، صاهول، شاووش (ألقاب أسر في نواح متفرقة من الواحة)، والشاووش العسكري، وعاشور إسم مرادف لشهر محرم، گاشور (الشرير المشئوم)، زافون (راقص)،كاروب أو راكوب (فرخ النخل مادام متعلقاً بجذع أمه، عاگول (نبات شائك، ويسمى أيضاً حيج)، جابور(ما ارتفع من أرض البستان، وحد فاصل بين حوضين زراعيين[42] ، راغول (راوول في اللغة، وهو سن زائد نابت خلف الأسنان الحقيقية)، ساطور (أداة قطع)، ساتول (صف طويل من الناس، وغيرهم)، كادود، شاغول (صفتان محمودتان في الرجل من الكد والكسب)، ناطور (حارس)، ناحوز (الضرب بكوع اليد في الخاصرة)، عافور (عاصفة)، رادود (أحد أفراد الكورس)، ودابور (السوء) (بابه وسببه)، لاعون (داهية ولعنة)، كما في قولهم: (إن جا والا في لاعون).

صياغة اسم الفاعل من الفعل الثلاثي المثال

ومن الظواهر الفريدة في هذه اللهجة طريقة صياغة اسم الفاعل من الفعل الثلاثي المثال، ونعني بالفعل المثال كما هو معلوم في اللغة هو المبدوء في أوله بالهمزة، ففي الوقت الذي يصاغ فيه اسم الفاعل من هذا الفعل في اللغة بإدغام فيصير هكذا: (آعل)، على رأي بعض النحاة كما في: آكل، آخذ، يصاغ في اللهجة بتحويل إحدى الهمزتين إلى ميم فيقال: ماخد ماكل، وأحياناً يبقى المد على حاله، وتضاف إليه الميم كما في اسم الفاعل المصاغ من الفعل أمر، فيقال: مآمر بينما هو في اللغة آمر، أما في اللهجة فهو: (مآمر) تبعاً لهذه الظاهرة، وهذه الهمزة المفتوحة أصلها الهمزة المضمومة التي على الواو: مؤامر، ولكن الإبتداء بالساكن واستحالة الضمة في أول الكلمة إلى سكون منعها من الظهور فتحولت إلى همزة مفتوحة، وهناك أفعال قليلة من هذا الباب تجدها في اللهجة كما هي في اللغة مثل: آسف، وآخر، ولعله آت من نقله من الفصحى، وتوارثه بهذه الصورة، وبقائه على حاله الفصيح.

اسم الفاعل المصاغ من الفعل المثال المزيد بالتضعيف

أما إسم الفاعل المصاغ من هذا الفعل فيصاغ في اللهجة بزيادة ميم مع إبقاء المد أو الهمزة على حالهما؛ كما في اسم الفاعل المصاغ من الفعل أمَّر الذي يصير مأمُّر، وهذه الظاهرة تكتنفها ظاهرة أخرى، وهي تحويل همزة اسم الفاعل المضمومة إلى مفتوحة فيصير اسم الفاعل تبعاً لهذه الظاهرة من مؤعل إلى مأعل، كما في: مؤذِّن، مؤدِّي، مؤجر التي تصير: مأدِّن، مأدِّي، مأجُّر، وهناك بعض أسماء الفاعل التي تنطق بصورتين،كما في: مؤخر الذي ينطق موخر ومأخر.

اسم الفاعل المصاغ من الفعل المصاغ على وزن تفعل

أوتأعَّل على رأي بعض النحاة أي المزيد بالتاء في أوله والتضعيف: الذي كان قبل الزيادة بالصورة المتقدمة فلاسم الفاعل منه ثلاث صور: متأخر يغدو في اللهجة مِتَّخر، بإدغام الهمزة في التاء، متوخر بتسهيل الهمزة إلى واو، أما إذا كان بصورة متفاعل أومتآعل.

أما إذاكان مؤنثاً فيقال متواخره، وقد يقال: متَّاخرة، بإدغام أحد الهمزتين في التاء، وتسهيل الثانية بالحذف.

اسم التفضيل

اسم التفضيل: صيغة تدل على أن أحد المشتركين في صفة قد زاد على الآخر فيها: (عزيز أكبر من ليلى)[43] .

واسم التفضيل في اللهجة كما هو في اللغة، وله وزن واحد هو (أفعل)، مثل: أكبر، وأشد، وأحسن، ﴿وشذ عن هذه الصيغة (خير)، و(شر)[44]  فإن أصلهما (أخير)، و(أشر)، ولكن تعورف عليهما في اللغة واللهجة بدون همزة.

وتفترق اللهجة عن اللغة افتراقاً طفيفاً لا يكاد يعتد به، حيث أن الأولى تجيز صياغة اسم التفضيل من الفعل الذي جاءت منه الصفة على وزن أفعل، بينما الثانية لا تجيزه إلا بواسطة يتوصل بها إلى المفاضلة كأشد، وأعظم، وأكبر، ونحوها، غير أن إجازة الأولى له بدون واسطة في هذه الناحية فيما دل على لون من الألوان التي جاءت في الأقوال التالية: (أبيض من (الشب)، (الشاخ)، (الـگرطاس)، (الفضخ)، (الـگطنه)، (أسود من لكحل (الطفو)، (النيل)، (أصفر من علب الكركم)، (أحمر من الضو)، (أخضر من السلـگ)، (أ زرگ من النيل)، وهذا المحصور محصور أيضاً في الألوان التي ذكرت في هذه الأقوال، ولا يتعداها إلى غيرها، فلم نسمع صياغة إسم التفضيل من بقية الألوان، كما لم نسمع ضياغته في الأولى مما دل على عاهة أو عيب، فلا يقال: (أعرج من فلان)، أو (فلان أعصل من فلان)، بل يقولون: (عرجة فلان أكبر من عرجة فلان)، أو: (فلان عرجته أكبر من فلان)، وكذا الثانية: (عصلة فلان إلخ…).

إذاً افتراق الأولى عن الثانية، كما تقدم، شاذ، وربما كانت الأقوال التي جاءت فيها الألوان المذكورة مبنية على السماع.

أما أشكال التفضيل في اللهجة فمتعددة منها ما يأتي فيه طرفا التفاضل أي الفاضل والمفضول إسمين ظاهرين كما في قولهم السائر: (لطراگ أعظم من الجِمْع)، ومنها ما يأتي فيه الفاضل ضميراً مستتراً و المفضول اسماً ظاهراً كما في أقوالهم السائرة الآتية:

(أحر من الضو)، (أعند من چلب)، (أبخل من حجَّامه)، (أبرد من الفلج)، (أحمض من الخل)، وقد تقدم مثلها في مجموعة الألوان: (أبيض من الشب) إلخ...

ومنها ما يأتي فيه الفاضل متأخراً عن اسم التفضيل، أو مفصولاً بالمفضول كما في مثلهم السائر: (أحسن ما في الصيده؛ الـچنعده والميده)، والأصل: (الـچنعده والميده أحسن ما في الصيده)، وكذا الثاني: (أحسن ما في المواعين الغوري).

وقد يأتي الفاضل مفصولاً عن المفضول بمتعلق كما في قولهم: (الله أشفـگ على الولد من الوالد)، أو محصوراً بأداتي الحصر والإستثناء كما في أقوالهم الآتية: (ما أعز من الولد إلا ولد الولد)، (ما أخس من لحمار إلا المنفلت (المنحاش أي الهارب)، (ما أشد من الجوع إلا العطش)، وقد يأتي بالشكل التالي كما في قولهم: (أنا أخس الناس يا ربي ارحمني)، أي المفضول فيه مضافاً إلى إسم التفضيل، أو كما في قولهم: (الدوا في أخس الشجر)، أو كما في قولهم: (أخس الحياه ولا الموت)، وكل هذه الأشكال موجودة في اللغة أيضاً.

وقد يحذف من اسم المفضول، وحرف الجر (من) اختصاراً، لكونه معروفاً بقرينة سابقة، كالذي يأتي مشاراً إليه بأحد أسماء الإشارة: هذا، هدي، دولا، إلخ..،. وغالباً ما يكون جواباً لسؤال من سأل: (أي هو أحسن – مثلاً - هدا والا داك ؟)، فيجيب: هدا أحسن، ومثل ذلك واقع في كلام العرب كما في: (هذا أحسن من ذاك)، وقد ورد في قوله تعالى على لسان نبيه إبراهيم (عليه السلام) (فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر).[45] 

أما مجيء المحلى منه بأل في اللهجة فهو قليل بل نادر، ومقتصر على ما نقل من الفصحى، أو الأقوال السائرة، أما المضاف إلى نكرة فهو في ألفاظ قليلة، مثل: أحسن شي، أحسن واحد فيهم، وقد يأتي الفاضل مشاراً إليه: (هذا أحسن واحد)، وقد يحذف، وقد ينوب عن اسم التفضيل لا النافية المسبوقة بواو العطف التي تعني غالباً: خير، أو أفضل، أو أحسن من أن، كما في الجملة التالية: (تاكله ولا ياكله غيرك)، أي: (تأكله أنت أحسن من أن يأكله غيرك).

فعلا التعجب

للتعجب صيغتان: (ما أفعله)، و(أفعل به)، مثل: (ما أكرم خالداً)، و(أكرم بخالد)، وكلُّ كلمةٍ لا يصاغ منها اسم التفضيل لا يصاغ منها فعل التعجب، فلا يتعجب مما لا فعل له كالصخر والأسد، ولا من غير الثلاثي المجرد مثل: (احترس)، فلا يقال: (ما أحترسه)، ولا ما لا يقبل المفاضلة مثل: (مات)، فلا يقال: (ما أموته)، ولا مما تأتي منه الصفة المشـبهة على وزن أفعل مثل: (أعرج)، فلا يقال: (ما أعرجه)[46] .

غير أن الناس في الواحة يستخدمون صيغة التعجب على هذا النحو: (ما أفعله)، أي مع ضمير متصل، ويندر أن يستخدموه مع اسم ظاهر، كذلك لا يستخدمون صيغة التعجب هذه إلا في مقام الشتم أو الذم، فيقولون: (ما أعجـزْني)، (ما ألعنْـه)، و(ما أخَسِّش)، و(ما أرداكم)، (ما أبخلِه)، (ما أحمـگها)، (ما ألعنْهم) و(ما أمصخها).

أما إذا أرادوا التعجب من اسم ظاهر أو مدح شيء قالوا: (ويش حلاته (حلاوته)، أو: (ويش كبر هالبيت).

أما عند ذي الإنتماء القبلي فيستخدمون لذلك أسلوب النداء أو الندبة، فيقولون: (يا زينه زيناه)، و: (يا حلوها حلواه)، و: (يا ويلي ويلاه)، كمـا في قول الشـاعر: (يا ويلي ويلاه من حلاة عيونه)، أو: (يا حليله)، أو: (يا احليلك)، إلخ...، علاوة على الأسلوب المتقدم عند عموم أهل الواحة، وإن وجد شيء من هذا في كلامهم أي: مع اسم ظاهر)، أو في مقام مدح، فهو مقيد بنصوص الأقوال السائرة الآتية: (ما حلاه ما ياكل ما حلاه ما يشبع)، (ما اهْوَنِ الحرب عند المتسفر (المتفرج)، (ما أكفر(أكثر) خلـگك يا الله)، (محلى العسل محلاه).

وغير خافٍ على ذي حجى أن نص القول السائر، ولهجته يختلفان عن أسلوب الكلام العادي خارجه، فكثير من المفردات لا تراها في صورتها المغايرة إلا في القول السائر حتى إذا خرجت عن نطاقه تعذر عليك رؤيتها خارج هذا النطاق، فكلمة (آذان) في القول السائر (الجدران ليها آذان) لا تستخدم بهذه الصورة إلا في نطاقه، أما خارجه فالغالبية منهم يقولون: (أداين)، و(البل) في قولهم السائر: (غصباً على البل تركب جاريات السفن)، أما في خارجه فيقولون: (البعارين)، أو (النوگ)، أو (لرچـاب)، وهذا ما حدا بالبعض ممن يجهل الحد الفاصل بين النصوص الموروثة والكلام العادي أن يحاول التصرف في نص هذا القول فيجري مفردة من مفرداته على صورتها في الكلام العادي، أو ينفي آخر نسبة ذاك القول إلى الأقوال السائرة في الواحة، كما حصل لهذين القولين فصحح أحدهم نص المثل إلى: (الجدران ليها أداين)، قائلاً: (إحنا ما نـگول آذان إحنا نـگول (أداين)، كما نفى آخر القول الآخر قائلاً: (هذا مو من أمثالنا، إحنا ما نـگول البل، إحنا نـگول البعارين أوالنوگ، البل هدي مالة البدو).

وما يقال عن ذلك يقال عما يدور عليه حديثنا الآن في أسلوب التعجب، لأن الأقوال لها لهجتها الخاصة، وبعضها قد يكون منقولاً بنصه من لهجات نواح مجاورة أومتوارثاً بهذه الصورة عمن تقدم، إنما يعول على ما يستخدم في عامة كلامهم.

وشذ في كلامهم عن هذا قولهم: (مسرع ما جيت)، أي: (ما أسرع أن جئت) يعني مجيئك ونحوه، وليس بمطرد حتى يعول عليه.

وقد تأتي صيغة التعجب كالتالي: (ما أفعل + ضمير + من + اسم نكرة)، فيقال مثلاً: (ما أخسك من ولد)، ويدخل في ذلك قولهم، (أبركها من ساعه)، لإنَّ أصله: (ما أبركها من ساعة)، حذفت منه ما للتخفيف، ولم أجد ذلك إلا في هذا القول، ولا تحذف (ما) من أسلوب التعجب فيما أعلم إلا في هذه العبارة، ولا يأتي المتعجب منه ممدوحاً في نطاق الكلام العادي إلا فيها، مما يدل على أنها منقولة بنصها، أما الأسلوب السابق لها ونحوه فلا تحذف، فلا يقال: ( أخسك)، أو: (أخسك من ولد) بدون (ما) أبداً.

أما الصيغة الثانية للتعجب، وأعني بها صيغة: (أفعل به) فاستعمالها محصور على فعلي (أنعم وأكرم بـ) الموجودين في العبارة التي تقال جواباً لمعرف شخص على آخر (وسيط التعارف)، كأن يقول أحدهم لآخر: (هذا فلان)، فيرد المقدم إليه هذا الشخص: (وأنعم وأكرم به (بك وبه)، أو جواباً لطالب تزكية لشخص (ويش تـگول في فلان؟)، فيرد المسئول (ماگدر أگول فيه شي، وأنعم وأكرم به)، ويندر أن تأتي هذه الصيغة خارج هذه العبارة، أو تلمس أحد فعلي التعجب منفرداً عن الآخر، فيقال: (أكرم به)، أو (أنعم به)، كل واحد على حدة بل نجدهما مقترنين ومعطوفين، مما يدل أن العبارة متوارثة بهذه الصورة.

وما يقال عن الصيغة الأولى من ندرة استخدامها مع اسمٍ ظاهر، أو في مقام مدح، أو ثناء، يقال عن هذه، فنطاق الصيغة الثانية محصور بهذه العبارة، ولا يتعداه إلى غيرها، فلا توجد شواهد أخرى في عامة كلامهم حتى يمكن أن نبني بها حكماً على تواتر استخدام هذه الصيغة فيـه.

تحويل صيغة تفاعل إلى (تْفيعل)، أو (تْفوعل)

ومن الظواهر السائدة في اللهجة تحويل صيغة تفاعل إلى (تْفيعل)، أو (تْفوعل) في الماضي، و(يتفيعل)، و(يتفوعل) في المضارع، و(متفيعل)، و(متفوعل) في اسم الفاعل بإمالة أو جعل ألفها ياءً، أو واواً، وهذه الإمالة أو الجعل فيما يبدو ليس له سبب يتعلق بسهولة النطق أونحوه، وإنما للتمييز بينهما وبين الصيغة الأخرى المشابهة لها أصلاً في الوزن، الدالة على الإستمرار، أوالإستغراق في الفعل، كما في: (تبارك)، أي حلت بركته واستمرت، أو (تبارگ) أي استمر بريقه، كما في قولهم: (ولنجوم تتبارگ )، و(تناغل الدود)، استمر في إرتفاعه وانحداره أثناء سيره (فلـگـت ديك اللوزه ولا طالعتها والا الدود يتناغل فيها)، أو الصيغة الأخرى التي بنفس الوزن الدالة على المشاركة كما في: (تْشارك) أو: (اشَّارك) التي نجدها في قولهم: (النوخدا والمعلم اشّاركوا في سفينه).

ومن أمثلة الصيغة الأولى في الماضي: (تْنيوم)، وهي في الأصل: (تناوم" أي: (تصنع النوم)، (تْغيشم)، أي: (تصنع البلاهة والبلادة)، و (تْفيـگل)، أي: (تثاقل وتكاسل)، وفي المضارع: (يتهيـوى)، أي: (يدعه على هواه، ويقف منه وقفة المتفرج)، (يتعيلف) أي: (يتحرش)، وفي الأمر: (تْعيزز) أي: (تظاهر بالتعزز والتمنع)،كما في قولهم السائر: (تْعيزز والمحبوب يراشيك)، و(تْحيبب) أي: (تظاهر بالتحبب واللباقة)، كما في قولهم السائر: (تحيببي يا سكنه حتى أجيش البطنه).

وفي اسم الفاعل (متعيجز) أي: (متعاجز ومتكاسل)، (متجيرم)، (مجَّيرم) أي: (مستشعر جرمه، وفي حالة من الخزي بحيث لا يستطيع معه مقابلة الناس أو من أساء إليهم)، (متريـگد)، أي: (يتصنع الرقاد أو الغفلة والجهل)،كما في قولهم السائر: ( وع راگد ولا توعِ متريـگد).

وإذا كانت الصيغة (تفيعل) تعني التصنع من ذات النفس فإن الصيغة الثانية (تفوعل) فيما يبدو تعني غالباً الإصطناع القسري لوقوع الفاعل تحت تأثير أو سبب خارجي بغير إرادة منه فظهرت حالته كأنها غير طبيعية، أو على غير المعهود منه، لكن هذا لا يمنع أن يكون للحالة الأولى فيها نصيب، ومن أمثلتها في الماضي: (تْعوبل) أي: (تعوق)، (تْخوبل) أي: (أصيب بالخبال أو الإندهاش)، (تسورگ) أي: (كاد يموت من شدة الخوف أوالبرد)، (إزّوبـگ) أي: (تلهف، وتطلع إلى الظفر عاجلاً بما يهوى أو يتمنى).

ومن أمثلتها في المضارع: (يدَّوهى) أي: (يتصنع عدم السمع، أو الفهم)، (يتنوخد) (يتقمص دور الربان فيأمر وينهى)، كما في قولهم السائر: (من عمره ما دش البحر، دش البحر وگام يتنوخد)، (تتبوسر)، أي: (تتفلل وتذهب يمنة ويسرى) كما في قولهم السائر: (حزمة العسـگ تتبوسر).

تحول صيغة فعّال إلى صيغة فعّالي

ومنها تحول صيغة فَعّال الى صيغة فَعّالي، ولكنها ليست ظاهرة عامة، وإنما منحصرة في كلمات متوارثة ومحفوظة حفظاً سماعياً، ومن خصائص هذه الصيغة أن أغلب أمثلتها تحكي هيئة الشيء، أو الحالة التي يصير إليها، أو القابلية لحصول التحول والتطور، كما أن منها ما يدل على حرفة مثل: حمالي، خمامي، وهذه طائفة منها: وگَّافي، بطَّاحي، سدَّاحي، روَّاسي، جلاَّسي، زنادي، زلاَّطي، نزَّافي، برَّاقي، بلاَّقي، غيَّامي، سيَّافي، علاَّقي، طيَّاري، (صمَّاحي رماحي)، وهذه الأخيرة من الإتباع. زرَّاقي، بطَّالي، حوَّامي، خصَّافي، طوَّالي، خمَّاري، صبَّاحي، سفَّاقي، سمَّاري، هفَّافي، قلاَّعي، شلاَّعي، دوَّاري، ميَّالي.

        وليس معنى هذا أن كل صيغة على وزن فعَّال تحول الى فعَّالي، بل إنَّ بعضها يحول إلى هذه الصورة، وبعضها يبقى على حاله، فالصورتان موجودتان في اللهجة، ولكل منهما وظيفة ومدلول، وزيادة الياء في أمثلة هذه الصيغة من أجل التفريق بين وظيفة ومدلول الصيغة المحولة عنها التي بالياء والتي بقيت على حالها التي لم تلحقها الياء، فعند ما نقول مثلاً: شلاع، قلاع قد يتبادر إلى ذهنك صيغة المبالغة من إسم الفاعل قالع وشالع، أما زيادة الياء كما في: قلاعي شلاعي فتعني القابل للتحول أو التحرك، وكذا حمال بدون ياء كما في قولهم (حمال الأسية)؛ فهي تعني المبالغة في فعل الشيء، والفاعل لا يختص بهذا وحده، أومن جنسه بل يشترك فيه عامة الناس، أما حمالي فتعني المتخصص في حمل الأشياء للناس بأجر بحيث أصبحت هي مهنته، وهذا مردُّه إلى ظاهرة أخرى، وهي اختلاف المدلول باختلاف الصورة، مع أنهما من أصل واحد، وسنفرد للحديث عنها مكاناً أخر في حلقات لاحقة من هذا البحث إن شاء الله.

 ولعل الياء التي في هذه الصورة، وأمثالها من المفردات خارج هذه الصيغة في اللهجة، إنما هي كسرة متطورة عن الضمة، هي في الأصل فعالٌ، أو فعّالُ، ثم تحولت إلى فعّالِ فتوهَّمها الناس على مر العصور ياءً.

سقوط صيغة الفعل المبني للمجهول وإنابة الصيغتين: إنفعَل وتفعَّل وسائل أخرى

ومما نلاحظه من هذه الظواهر سقوط صيغة الفعل المبني للمجهول من الاستعمال تماماً إلا من بعض الأقوال السائرة، والاستعاضة عنها بصيغتي انفعل واتفعل، وبالفعل المسند إلى واو الجماعة، في حين أنها موجودة في لهجة ذوي الانتماء القبلي مثل بني خالد،كما أنها موجودة في لهجة بلاد أخرى مثل الأحساء، حيث يقولون: شيف، بيع، أي رؤي، وبيع.

 ومن هذه الأقوال السائرة التي جاءت فيها شواهد لهذه الصيغة المندثرة من اللهجة قولهم: كل واشرب تسأل تضرب، و: ارحم ترحم، و: من لا يرحم لا يرحم، و: بلادٍ ترزگ فيها إلزگ فيها، لاحظ أن الضمة التي في أول هذه الأفعال قد مالت أو تحولت إلى كسرة، وأن الأفعال في هذه الأقوال كلها جاءت بصورة المضارع، وقد تقدم الحديث عن اختلاف نصوص الأقوال السائرة عن نص الحديث العادي، راجع (صيغ التفضيل).

وتشترك اللهجة المصرية مع لهجة هذه الواحة في هذه الناحية، ويرى الدكتور رمضان عبد التواب ـ في معرض كلامه عن فائدة دراسة اللغات السامية ـ أنهما تسربتا من اللغتين السريانية، والعبرية، وهذا ما قاله بالحرف الواحد: (بل أن دراسة اللغات السامية قد تفسر لنا ظواهر في العامية كظاهرة صياغة المبني للمجهول في العامية، وهي: فعل يفعل إذ نابت عنها في العامية إنفعل مثل: انكتب، وانفهم، وينفعل بدلاً عن: فُهِم، وكُتِب، أو صيغة إتفعل: إتقتل، أترمى بدلاً عن: قُتِل، ورُمِي، ففي العبرية توجد الصيغة الأولى، وهي هناك نفعل مثل نقتل، وفي الآرامية توجد الثانية، وهي هناك على وزن إتفعل مثل إنقتل بمعنى قتل[47] .

غير أن هناك ضوابط وفوارق بين الصيغتين عند الإستعمال، التي منها مايلي:

 أن الصيغة الأولى أكثر استعمالاً في اللهجة من الثانية.

لا تأتي الأولى إلا من الفعل الثلاثي المتعدي، مثل: ضرب، حلب، أو مضعف الثلاثي أي ما كانت عينه تماثل مثل: مد أو رد شريطة أن يكون متعدياً.

وقلما تأتي من الأفعال الثلاثية الجوفاء مثل: جاب، وشاف بصورة الماضي، بل غالباً ما تسمعها في المضارع مسبوقة بالحرف لو، فيقال: لو ينجاب، لو ينشاف، أو تأتي مسبوقة بالفعل يبغى أ يمبى مع ضمير يسبقه حرف جر مثل: يبغى له ينجاب، أي: لو يجاء به، ولو يشاف، وقد تأتي مسبوقة بالفعل يبغى مع مصدر الفعل المراد، كما في: يبغى له جيبان.

لا يؤتى بهاتين الصيغتين من الأفعال اللازمة، أو التي تفيد المطاوعة في صيغة المبني للمجهول، فلا يقال انمات الرجل، أو إتطاح الجدار بمعنى أُسقِط. بل تنوب عنها صورة الفعل المسند إلى واو الجماعة فيقال: موَّتوه، طيَّحوه أي أماتوه، وأسقطوه، أو أطاحوا به.

وقد يظن أن أفعال المطاوعة مثل انكسر الكاس، كما في قولهم: طاح من فوق ولا انكسر كسرته بيدي وانكسر، وما شابه ذلك الأفعال مثل: انخفس، وانبطح، وانذبح، وانعفس، وانردم، وانخلع، وما شابه هي أفعال مبنية للمجهول، غير أن الحقيقة هي ليست كذلك، فإن هذه الصيغة ليست مبنية للمجهول، بل هي للمعلوم، كما لا يخفى.

إن الصيغة الثانية إتفعل لا تأتي من فعل ثلاثي، سواء كان سالماً أم أجوف، مثل: رمى، قتل، شاف، فلا يقال: اتقتل، اترمى، يتشاف كما في اللهجة المصرية، بل تأتي من مزيد بتضعيف العين مثل: سوَّى، عدَّل، فيقال: يتسوى له، يتعدل، ولا يقال: ينسوَّى له، أوينعدَّل، وفي الأحساء يقولون أحياناً: ينتحلل، ينتعدل.

[1]  جوانب من التراث البحري في دولة الإمارات العربية المتحدة ص 210 علي بن ابراهيم الدرورة مركز زايد للتراث و التاريخ العين الإمارات العربية المتحدة ط1422 هـ بدون رقم طبعة.

[2]  نفســه ص 212.

[3]  نفســه ص 220.

[4]  دراسات في لهجات شرقي الجزيرة العربية ( مرجع سابق) ص 207

[5]  نفسه.

[6]  ظواهر نادرة في لهجات الخليج العربي ص 35.

[7]  الأصالة العربية في لهجات الخليج ص 16.

[8]  ظواهر نادرة ص 39.

[9]  الأصالة العربية في لهجات الخليج ص 17.

[10]  ظواهر نادرة ص 39، و الأصالة العربية ص 17.

[11]  الأصالة العربية ص 17.

[12]  نفسه ص 54.

[13]  ظواهر نادرة (السابق) ص 40.

[14]  فصول في فقه العربية ص 167.

[15]  نفسه ص 168.

[16]  نفسه ص 169.

[17]  نفسه ص 170.

[18]  نفسه.

[19]  راجع الحديث عن الحروف المستعلية أو المفخمة و المستفله أو المرققة في باب الكلمات المصاغة على وزن فاعل من هذه الحلقة.

[20]  صورة هذا الفعل عند إسناده لهاء الغائب واضحة و معروفة، فهي: إغنه، كما في قولهم السائر: إغنه إغنه ولا لك في غناته صالح.

[21]  الأصالة العربية في لهجات الخليج ( مرجع سابق ) ص 109.

[22]  ظواهر نادرة في لهجات الخليج ( مرجع سابق ) ص 43.

[23]  نفسه ص 45 وما بعدها.

[24]  نفسه ص 46.

[25]  نفسه ص 49.

[26]  نفسه ص 48.

[27]  نفسه ص 45.

[28]  كما روى ذلك الدكتور عبد العزيز مطر (راجع المصدر السابق ص43، 51).

[29]  المستطرف في كل فن مستظرف ج ا ص 186.

[30]  نفسه ص 47.

[31]  نفسه ص 48.

[32]  ظواهر نادرة في لهجات الخليج ص 51.

[33]  مباحث لغوية حاشية الصفحة 25.

[34]  الأوائل لأبي هلال العسكري ق 2 ص 180 تحقيق د. وليد قصاب، و محمد المصري مط المتوسط بيروت الناشر دار العلوم للطباعة و النشر الرياض ط 2 س 1401هـ.

[35]  المدثر الآية 8.

[36]  الأوائل (السابق) ص 181.

[37]  نفسه (الحاشية).

[38]  فقه اللغة المقارن (مرجع سابق) ص249.

[39]  نفسه.

[40]  نفسه ص 45.

[41]  وكابوس هذه من أمثلة هذه الصيغة.

[42]  يسمى في بعض النواحي مثل الجش (اليامد) أي الجامد.

[43]  دليل الإعراب و الإملاء ص 151.

[44]  نفســه.

[45]  الأنعام الآية 78.

[46]  دليل الإعراب و الإملاء ص 152.

[47]  فصول في فقه العربية ص 47.
باحث
363415