الإبداع والألم
د. سلطان سعد القحطاني * - 5 / 3 / 2011م - 6:35 ص - العدد (25)

الإبداع هو خلق شيء جديد لم يُسْبَق إليه المبدع، وهذا الخلق يتطلب جهداً غيرَ عادي، وهذا الجهد لم ينشأ من فراغ، بل وراءه دوافع قد لا يعلمها أحد حتى المبدعُ نفسُهُ في كثير من الأحيان، فالعملية الإبداعية عملية شاقة يكتنفها الكثير من الآلام، وفي مقدمتها القلق الذي لا يفارق المبدع حتى في لحظات فرحه وسروره، فالمبدع شخص شديد الحساسية مدعاة للأمراض النفسية والعضوية، وكلما ازداد ألمه ازداد إبداعاً، حتى في أشدّ حالات الألم ما قبل الغيبوبة، والعملية الإبداعية ليس لها علاقة بسنٍ أو منصب أو مال، أو فقر، وكل مبدع مهما علت رتبته أو قلّتْ أو ضعفَ مركزه الاجتماعي يكون وراءه فرط الحساسية والشعور بالألم والمعاناة والإحساس بشعور الآخرين، وهذا هو الفرق بين المبدع والإنسان العادي.

إن الذين أبدعوا روائع الأدب -قديماً وحديثاً - كانوا يعانون آلام الإبداع وظروف الحياة القاسية، صاغها بعضهم في قوالب أدبية راقية كان ومازال لها شأن في عالم الكلمة شعراً ونثراً، فقد كان (تشارلز ديكنز) يعاني من الفقر بسبب ظروف والده وكثرة اخوته وهو عائلهم، وقد صاغ ذلك في العديد من أعماله الأدبية الرائعة، مثل (الأوقات العصيبة) - HARD TIMES - و(محمد محمود أبو الوفا) الذي كان يعاني من الفقر والمرض والعاهة المستديمة التي لم تمنعه من إبداع أروع القصائد ومنها قصيدته الرائعة ( عندما يأتي المساء) أو الشاعر الفحل أحمد مخيمر الذي لم يستطع طباعة ديوانه من شدة الفقر، حيث طُبع بعد موته، وإن نسينا في هذه العجالة وضيق الوقت فلن ننسى الأديب السعودي، الروائي الصادق، عبدالعزيز مشري، الذي عانى قبل موته كل الأمراض المستعصية من ضعف النظر إلى الفشل الكلوي، والضغط والسكر وتشنج الأطراف، فكلما تجدد دمه بعد الغسيل تجدد معه فكره المتدفق حيوية بعد موت، صارع الفكر مثلما يصارع الألم متابعاً للحركة الأدبية العربية منها والعالمية.

بعد هذه الأمثلة، يبدو لي أن الأمر قد انجلى حول علاقة الإبداع بالألم، وكنت أتمنى لو كان الوقت يسعفني لأورد بعضاً من أعمال هؤلاء المكافحين في عالم الفكر والكلمة..

عضو هيئة التدريس في جامعة الملك سعود - السعودية.
363657