الشعر، الموهبة، والرسالة
يوسف عبدالله بوقرين * - 15 / 10 / 2007م - 4:41 ص - العدد (3)


 

"  ليس الشعر إلا وليد الشعور، والشعر تأثر وانفعال، رؤى وأحاسيس، عاطفة ووجدان صور وتعبيرات، ألفاظ تكسو التعبير رونقاً خاصاً، ونغماً موسيقياً ملائماً إنه سطور لامعة في غياهب العقل الباطن تمدها بذلك اللمعان ومضات الذهن وإدراك العقل الواعي "(1)

الشعر لوحات فنية تجول في نفس الشاعر، وانفعالات تضطرم في داخله، وهي تدور بين المد والجزر من حيث القوة الخارجية والتأثير النفسي الذي يطغى على ذلك الإنسان. فأما صاحب الموهبة المتأصلة، والقريحة الوقادة، فإنه يستطيع أن يموسق تلك اللحون، ويصوّر تلك الآهات التي تذوب في نفسه الشفافة، وعقله الواعي، فتبرز في قطع منمنمة الشكل، مخملية اللون، وعقود جمان ذات لمسات هندسية، وأفياء تمد الروح بالدفء، وتنزع منها زخات الألم الملتهبة.

وأما من لم يؤت تلك الموهبة فإنه لا يخلو من تلك الأحاسيس الجياشة، والنزعات المتصارعة، فيبقى في حالة من الوهن والإعياء، وقد يتنفس منها النور كشطحات غير منظمة ولوحات مرتبكة النسج، مهلهلة التصميم، ولكنها تنم عن خلجات انفعالية ولو لم يكن صاحبها ذا قدرة على رصف الكلام، وتنضيد اللؤلؤ، إلا إنه قد يستغلها في سبك نثر مسجع أشبه بلغة الشعر، وأليق بذوق الشعراء، ومن هنا نشأ الشعر والنثر وأصبحا توأمين في مسارين طويلين إلى قيام الساعة.

ونلحظ مما سبق أن النثر وسيلة من وسائل الإبانة عما يخالج النفس من لذة وألم، ولذلك نستطيع القول بأن الشعر والنثر هما من سنخ واحد وهو ما يسمى "بعلم الأدب، وموضوعه الكلام المنظوم والمنثور من حيث فصاحته وبلاغته، وغايته الإجادة في فنَّيْ المنظوم والمنثور على أساليب العرب، وتهذيب العقل، وتزكية الجنان"(2)  

فالكتابات النثرية ذات الخيال المجنح، والمعاني السامية، والأفكار النبيلة، التي تلتزم بأركان البلاغة وتعتمد على ما يبرز تلك الكتابات في حلل خضراء، ولا يتأتى ذلك إلا بالاعتماد على السجع والتشبيه وقوة السبك واننسجام الالفاظ.. مثل هذا النثر الذي أسبغنا عليه تلك الصفات، والذي يلتزم بقواعد الكتابة الفنية هو "النثر الأدبي" الذي يحاكي الشعر من حيث معـناه ومبناه. "وأما الشعر فإنه بمجرد أن اهتدى إليه الإنسان، أصبح فناً جميلاً لا يستخدم لأغراض الحياة العادية، بل ينظم بطريقة خاصة، ولأهداف خاصة، جعلت منه تراثاً أدبياً باقياً"(3)، تعالج بواسطته أغراض الشعر المعروفة كالتشبيب والفخر والمدح والهجاء والرثاء والاعتذار والوصف والحكمة.

لماذا لمع الشعر في سماء الأدب؟
 
 

ورد في الأمثال النبوية: إن من البيان لسحراً. جاء في الأثر أن العلاء بن الحضرمي، وفد على النبي . فقال: يا رسول الله إن لي أهل بيت أحسن إليهم فيسيؤون، وأصلهم فيقطعون، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ( ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم. وما يلقاها إلا الذين صبروا، وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم. فقال العلاء إني قد قلت شعراً، وأنشد:

وحيِّ ذوي الأضغان تسب قلوبهمْ

فإن أظهروا خيراً فجاز بمثله

فإن الذي يؤذيك منه سماعه
 تحيتك العظمى فقد يرفع النَّغلْ

وإن خنسوا عنك الحديث فلا تسلْ

وإن الذي قالوا واءك لم يُقلْ
 

فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : إن من الشعر لحكمة، وإن من البيان لسحراً، وإن شعرك لحسن، وإن كتاب الله أحسن " (4)   . ففي هذا الخبر نجد أنه وردت فيه ثلاث جمل تخص موضوع حديثنا وهي: إن من الشعر لحكمة، وإن من البيان لسحراً، وإن شعرك لحسن. وكل جملة قد أكدت بعدة مؤكدات تدل على أهمية المؤكد وتوضح موقعه من نفس السامع، وثبوت منزلته التي تفرد بها.

فالأدب منذ بزوغ فجره وهو يحرز قصب السبق، ويمتلك مشاعر البشر، سواء كانوا شعراء أو غير شعراء، فمتذوق الشعر يتفاعل معه تلبية لنوازع ورغبات داخلية مكبوتة، وكذلك إشادة بمن يتلمس مواجع آلامه، ويتغنى بأفراحه، فيما يكتبه من قصائد شعرية جميلة. وكما يقول صاحب كتاب "فصول في الأدب الحديث والنقد" في معرض حديثه عن "الإبداع والإلهام": (إن دارس الشعر بخاصة، والأدب بصورة عامة في مختلف الشعوب والأمم، سيجد الأدب هو السجل الإنساني الحقيقي). ويضيف: (لأن الشعر بخاصة والفن بصورة عامة، سجل المشاعر الحساسة العميقة التي يحس بها الفرد ويعاني منها الإنسان أو يسعد بها البشر، في الآلام والأفراح والأتراح والأمل الحلو والخيبة المرهقه)(5).

وكما يقول أيضاً "الأنصاري" في تصديره ديوان "ربيعه الرقي": (والشعر غناء الحياة، وترجمان النفس، وروح الشاعر ومعاناته في أمسه ويومه وغده، والنفس الإنسانية واحدة في معاناتها، وصدق مشاعرها، مهما انطوت القرون، وكرت السنون، ومرت الليالي والأيام" (6).

إذاً: الشعر تاريخ قائم بذاته، وحضارة بكل ما تحمله من نتاج عبر أجيالها المختلفة، وعصورها الغابرة.

وفيما يلي سوف نوجز الأسباب التي جعلت "الشعر" يبرز كأداة فنية للتعبير وتسجيل الأحداث:

من الأسباب كما يقول الدكتور/ محمد مندور في كتابه "الأدب وفنونه":

1 - "لأن أقدم النصوص الأدبية التي وصلت إلينا نصوص شعرية لا نثرية، أي إن الشعر كان أسبق ظهوراً من النثر الأدبي.

2 - تدوين الأشعار المحفوظة أول الأمر.

3 - سهولة حفظ الشعر وتناقله حتى جاء عصر التدوين)(7)

أضف إلى ذلك:

4 - الجرس الموسيقي الذي يتولد من تأثير الوزن والقافية على الأذن، مما ينتج عن ذلك شدة النشوة في نفس السامع.

5 - اهتمام الناس بهذا اللون ـ الشعر ـ فلو استقرأنا العصور لرأينا الخلفاء والأمراء يحتفون بالشعر ويهتمون بالشعراء، ويمنحونهم الجوائز السنية حتى على البيت الواحد والبيتين، وكذا عادة العرب في الجاهلية إذا نبغ فيهم شاعر أشاروا إليه وأقاموا له الأفراح.

6 - علاقة الشعر بالفقه واللغة، حيث الإفادة منه في نظم بعض القواعد الفقهية التي تسهل على طالب العلم حفظها، وكذلك القواعد النحوية، حيث ظهرت الألفيات كألفية ابن مالك وغيرها.

7 - ومن الأمور التي فضل الشعر بها، كما يقول ابن رشيق: "والشعر مزلة العقول، وذلك أن أحداً ما صنعه قط فكتمه ولو كان رديئاً، وإنما ذلك لسروره به، وإكباره إياه، وهذه زيادة في فضل الشعر، وتنبيه على قدره وحسن موقعه من كل نفس"(8)

متى وكيف يكتب الشاعر ؟
 
 

كنت أظن - قبل أن أكوِّن علاقة مع الشعر - أن أي إنسان يكتب شعراً لا بد أن يكون في استطاعته الكتابة متى شاء وفي أي لون أحب، ولما توطدت العلاقة مع الأدب، وبدأت الكتابة طرحت هذا التساؤل على أحد أساتذة الجامعة فكان مجمل قوله: ليس الحال كما تظن إنما الشاعر كالغصن لا يصفق إلا في مهب الريح، فقد ينضب المعين، وينقطع حبل الأفكار، وتحول العوائق، ويستغلق التعبير، مما يجعل الشاعر - حتى ولو كان مطبوعاً - يقف مذهولاً لا يستطيع أن يتم قصيدة بدأها، للأسباب السالفة الذكر، فينصرف عنها لتستجم نفسه، ويلملم خيوط أفكاره، ويستعيد ما كتبه مرة وأخرى، لينطلق فيها  ـ أي القصيدة ـ ويسكنها قالبها الشعري الذي ستستقر فيه.

وهناك فهم خاطىء نجده عند عامة الناس من حيث إلحاحهم على الشاعر كي يستجيب لهم في التعبير عما في أنفسهم من حب وألم وهجاء،  أي يريدونه أن ينطق بما تكن صدورهم، وتنطوي عليه سرائرهم، ليقى أداة مصنعية جامدة تدار في كل وقت، وهذا بطبيعة الحال من أخطر ما يحدق بالأديب من عوائق في طريق سيره، لأن الشاعر انطلاقة بركانية، وشرارة لا تخضع لتسخير، وإنما تستجيب رغبة للمؤثرات والعوامل الداعية لذلك.

وسوف نوضح ما سبق من خلال النقطتين التاليتين:

الأولى: دواعي قول الشعر
 
 

يقول ابن قتيبة: "وللشعر دواع تحث البطيء وتبعث المتكلف، منها الشراب، ومنها الطرب، ومنها الطمع، ومنها الغضب، ومنها الشوق... ويقال: ما استدعي شارد الشعر بمثل الماء الجاري والشرف العالي والمكان الخَضير الخالي. وقال عبد الملك لأرطاة بن سهية: هل تقول اليوم شعراً؟. قال: وكيف أقوله وأنا لا أشرب ولا أطرب ولا أغضب، وإنما يكون الشعر بواحدة من هذه"(9).

إذاً: فلا بدّ من توفر مثل تلك الدواعي التي تستثير القريحة، وتجعل الشاعر يعيش جواً من الشاعرية المحضة، وتجعله قادراً على الدخول في زحمة الخيالات، وتقمص شخصية انفعالية غير شخصيته كإنسان يأكل ويشرب، أو يحس ويتألم، كما يصنع العامة من الناس.

الثانية: أوقات صنعة الشعر
 
 

قد يظن البعض أن الشعر كما تصول له نفسه من السهولة بمكان، بل الشعر أسمى وأخطر من ذلك، فليس أن يضم المرء كلمات مهلهلة، ثم يقيسها بالمسطرة، ثم يضع في مقابلها كلمات بنفس المقدار خالية المضمون، مبتذلة المعنى، ليكون بيتاً شعرياً. ذلك أن للشعر دواعٍ وله أوقات يتحينها الشاعر ليكسب شعره رونقاً وطراوة، وقوة سبك، ورقة معان، ففي ذلك يقول ابن قتيبة : "وللشعر أوقات يبعد فيها قريـبه ويستصعب فيها ريضه.. منها أول الليل قبل تغشي الكرى، ومنها صدر النهار قبل الغداء، ومنها يوم شرب الدواء، ومنها الخلوة في المجلس وفي المسير"(10)

وبطبيعة الحال لا يعدو قول قدماء النقاد كابن قتيبة وغيره سوى ظواهر رأوها جديرة بأن تدون لكي يكون للشعر سياج من الهيبة، وحدود تجعله متميزاً عن غيره من الفنون الأدبية الأخرى، وإلا فهي ليست قواعد إلهية، وأنماطاً من النظريات العلمية، لأن الشاعر أو بالأحرى المشاعر التي تتموج في قلب الشاعر لا تنتظر إحضار قلم أو ورقة، لأنها بمثابة القنبلة الموقوتة، ولا أعني بالموقوتة التي تنتظر وقت ما قبل الغداء أو الليل قبل تغشي الكرى، وإنما العواطف والمشاعر هي التي تفرض نفسها على الشاعر، لا العكس. وليس معنى هذا أن ننكر الزمان والمكان فهما عنصران أساسيان في صناعة الشعر وترقيق الطبع، وشحذ القريحة.

وابن رشيق ينحو هذا المنحى - أي منحى ابن قتيبة السابق - تحديد أوقات صناعة الشعر حيث يقول : "فليس يفتح مقفل باب الخواطر مثل مباكرة العمل بالأسحار عند الهبوب من النوم، لكون النفس مجتمعة لم يتفرق حسّها في أسباب اللهو أو المعيشة أو غير ذلك مما يعيبها"(11)

ومما يؤيد عدم اكتراث المبدع بالزمان والمكان، انه لو استقرأ تاريخنا الحافل بروائع القصائد والتي تعد من عيون الشعر العربي، لرأينا الشعر فيها أشبه ما يكون بالمذياع الواثب للعطاء طوع الإرادة، والقبائل في العصر الجاهلي، والخلفاء والأمراء في العصور الأخرى، كانوا يقربون الشعراء، ويصرفون جلّ أموالهم عليهم، وينادمونهم لأنهم - أي الشعراء - لسان البلاط، وهم الذين يرفعون ويخفضون، ومثل هذا يحتاج إلى السرعة في الرد، ومقارعة الخصم الحجة بالحجة، في تلك اللحظة التي تحتم على الشاعر المبدع ألا يلتزم بالحدود الزمانية، وأقرب مثال حي على ذلك قصيدة الفرزدق في مدح الامام علي بن الحسين زين العابدين في قصتها المشهورة، حيث أجاب فيها ارتجالاً عن سؤال هشام بن عبد الملك:

يا سائلي اين حل الجود والكرم

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته
 عندي بيانٌ إذا طلابه قدموا

والبيت يعرفه والحل والحرم
 

وهناك مواقف تعج كتب الأدب بالكثير منها.

صقل الموهبة وشحذ القريحة
 
 

إن من لوحظت عليه علامات النبوغ، وتوسمت فيه الملكات النفسية، والأحاسيس الجميلة، التي تؤهله لأن يكون في عداد الموهوبين، سواء كان مطبوعاً بفطرته، أو كان مصنوعاً تعلم صنعته الشعر بالاضافة إلى الملكات التي تنطوي عليها نفسه ولا تظهر إلا بالمران والتثقيف.. وكلا النوعين من مطبوع ومصنوع، هما قوام العملية الشعرية، ورافدان من روافد الأدب في مسيرته الطبعية، وقد برز من خلال ما يسمى بمدرسة الطبع والصنع في العصر العباسي، وإن كانت الصنعة والتكلف ممقوتان في كل شيء في الأمور الحياتية والمعاشية، والتكلف من عوامل الانحدار بالعمل الفني، وأقرب مثال على ذلك شلال الماء فإنه وإن كان جميلاً وأخاذاً، إلا ان ما يحدثه من جلبة وضجيج يجعله ثقيلاً على الأذن، وقد يجلب لها الصم، أما الجدول ـ إشارة إلى الشاعر المطبوع ـ الذي يحدث تموجات صوتية هادئة وأنغاماً موسيقية حالمة، فإنه يأخذ من النفس مأخذه، وقد تغفو العين على نعومة انسيابه ومداعبته شفاه الجدول، وكذا الحال بالنسبة لنوعي الشعر السالفي الذكر.

وتحدثنا كتب الأدب عن أحوال بعض الشعراء في قضية نظم الشعر كما يقول ابن قتيبة في كتابه: الشعر والشعراء، وكان الفرزدق يقول : " أنا أشعر تميم عند تميم، وربما أتت عليَّ ساعة نزع ضرس أهون علي من قول بيت..."(12)

أو كما يقول ابن رشيق في العمدة وفي نفس المعنى: "وكان أبو تمام يكره نفسه على العمل حتى يظهر ذلك في شعره. حكى ذلك عنه بعض أصحابه، قال: استأذنت عليه - وكان لا يستتر عني - فأذن لي فدخلت [فإذا هو] في بيت مصهرج قد غسل بالماء، يتقلب يميناً وشمالاً، فقلت: لقد بلغ بك الحر مبلغاً شديداً، قال: لا، ولكن غيره، ومكث كذلك ساعة ثم قام كأنما أطلق من عقال، فقال : الآن وردت"(13) يعني بذلك القصيدة.

وإن ما تم نقله هنا عن حالات نظم الشعر لا يعني أن الشعر بهذه القسوة والاجترار، إن صح التعبير، وإنما هو شحذ قريحة وصقل موهبة، وما نقرأه في كتب الأدب من أمثال تلك الظواهر هي ما هو إلا إيضاح لمنزلة الشعر وخطورته (الشعر صعب وطويل سلّمه) حتى لا يكون كالواقع الذي نعيشه اليوم، كثرة شعراء وقلة مضمون. فالمتشاعرون حسبوا بأن الشعر يباع في متاجر الوارقين دون موهبة أو وعي في مجال علم الشعر، فالتكلف قد يكون سمة بارزة في أوعية بعض الشعراء لأنهم يبحثون عن القصيدة فلا يرونها وإن فبالقوة والتعسف.

أما المبدع فالقصيدة تبحث عنه، وتلج بابه ليكشف عنه استار الظلام، وذلك بخلق التفاعل وإيجاد الحالة النفسية المناسبة، وعشق الموضوع الذي أرادت القصيدة أن تضطجع على أفيائه.

وإيجازاً لما سبق فإنه يجدر الحديث في النقاط التالية:

1 ـ يقول د / يوسف عز الدين في كتابه "فصول في الأدب الحديث والنقد": (الأديب الناجح والكاتب المبدع يجب ألا يكتفي بالموهبة التي حباها به الله، وإنما يجب أن يصقل هذه الموهبة ويهذب قابليته الفنية بالإطلاع الواسع والدراسة الجادة)(14) .

2 ـ مزاحمة الشعراء وحفظ شيء من قديم الشعر وحديثه.

3 ـ دراسة علم العروض، لمعرفة بحور الشعر، فإن علم العروض فن قائم بذاته، ومادة لها نصيبها في التعليم الجامعي، لأنه يعين الناقد والشاعر في معرفة التفعيلة وعيوب القوافي وما يتعلق بهما.

4 ـ التوغل في دراسة علمي النحو والبلاغة، لأنهما ركنان أساسيان وأداتان من أدوات النقد والشعر.

5 ـ محاولة المبتديء من الشعراء ايجاد كلمات بديلة ـ وبنفس المعنى ـ لأبيات شعرية، وإتمام بعض اشطر الابيات ووضع القوافي البديلة وهذا مما يساعد في خلق جو شعري ايجابي.

6 ـ عقد الحلقات الأدبية لتدارس بعض القصائد من حيث الأسلوب والألفاظ والمعاني، لمعايشة جو القصيدة والسير على خطى الشعراء.

7 ـ حضور الأمسيات التي تعقدها النوادي الأدبية، لمعرفة الشعراء وطرق نظمهم.

دور الشعر ورسالة الشاعر
 
 

منذ أن بزغ فجر الدعوة الإسلامية وقبل ذلك، كان للشاعر رسالة منوطة به، سواء تلك التي يفرضها عليه الوسط الإجتماعي، أو تلك التي تفرضها عليه نفسه لحمله راية من رايات الدفاع عن حوزة قبيلته. وحتى بعد ذلك العصر لا زال الشاعر.. يحمل تلك الرسالة المقدسة، فلقد كان الشعر سلاحاً فتاكاً، وقوة ضاربة يحسب لها ألف حساب، وكان الناس يتقون شر ألسنة الشعراء يشترونها منهم.

ولقد استغل الاسلام هذه الوسيلة في الدفاع عن الرسالة الخالدة، والذب عن أعراض المسلمين وتسجيل الأحداث والوقائع، لكي تبقى مثبتة في "ديوان العرب"، وقد امتد هذا العمل إلى العصور التالية، وأصبح لكل فرقة من الفرق الإسلامية شاعر وظيفته الرسمية مناصرة شيعته وحزبه، إلا فترات مرات على الشعر العربي كاد فيها ان يفقد قدسيته إذ كان يتناول موضوعات رخيصة، يصرف فيها الشاعر وقته ويجهد قريحته، لأنه انحرف عن خطه، وضيع رسالته.

والشعر كلما كان صدى للواقع الذي يعيشه الناس، كلما كان اوقع في النفوس، واشد تأثيراً فيها، لأن السامع لا يستعيد البيت إلا اذا كان ينبض بالحياة، حين يسجل نقداً اجتماعياً، أو يعالج خللاً سياسياً، أو يستوعب معاناة عالطفية، أو يستنكر، أو يشجب ويندد...

يقول شوقي:

والشعر ما لم يكن ذكرى وعاطفة
 أو حكمة فهو تقطيعٌ وأوزان(15)
 

ويقول الشيخ الوائلي :

جنِّدِ الشعر للمواقف والشـ
 ـعر بلا موقفٍ كلام رتيبُ(16)
 

وفي موضع آخر يقول :

فهو حيناً قيثارة وهو حيناً

وهو آناً من اللهيب شواظٌ
 فيض دمع بمقلةٍ مسكوبُ

وهو آناً من المدامة كوبُ
 

إلى قوله:

ودعا للسلام وارتاع للإنسان  

هكذا الشاعر الأصيل صدى للنــ
 أن غالت السلام حروبُ

اس فيما يسرهم وينوب (17)
 

ومن وظائف الشعر هو الدفاع عن المبادىء الأصلية، أو ابراز قضية من القضايا التي أهملها التاريخ، وما أكثرها. فينبري شاعر في الدفاع عن قضيته، أو عن الرموز التي يريد المخالفون طمسها. يقول الشاعر:

إنني والقصيد يجلوك ما جئــ

هل تزيد الشموس فيما عليها

لا ولا جئت للمديح فما أنــ

..إنما جئتُ أنفض الترب عن وجه

وأجلّي مبادئاً رسموها
 ــت ليضفي عليك شيئاً صداحي

من شعاع ذبالة المصباح

ـــتَ فقير لمدحة المداح

أرادوه نائماً وهو صاحي

فَشَلاً وهيْ قمة النجاح(18)
 

ويقول أبو ماضي في ديوانه :

لم يفهموا بالشعر إلا أنه

فلذاك ما لاقيت غير مشببٍ

ضاقت به الدنيا الرحيبة فانثنى

شقي القريض بهم وما سعدوا به
 قد بات واسطة إلى الإثراء

بالغانيات، وطالب لعطاء

بالشعر يستجدي بني حوّاء

لولاهم أضحى من السعداء(19)
 

وعن مهمة الشاعر، يقول ابو ماضي تحت عنوان "الشاعر":

عندما أبدع هذا الكون ربُ العالمينا

ورأى كل الذي فيه جميلاً وثميناً

خلق الشاعر كي يخلق للناس عيونا(20)
 

نعمْ خلق الشاعر ليكشف زيف الحقائق، ويهتف بالمبادىء، ويرفع الحجب الكثيفة عن حياة المغمورين في خضم الحياة التي بسطت نفوذها عليهم وأرهقتهم ذلاً واعتسافاً.

يقول شاعر العرب الأكبر في العصر الحديث، تحت عنوان "سبيل الجماهير":

وهل أنا إلا شاعر يرتجونه

فمالي عمداً أسْتضيم مواهبي

وعندي لسانٌ لم يخنّيِ بمحفلٍ
 لنصرة حق أو للطمة معتدي

وأُورِد نفساً حرةً شر موردِ

كما سيف عمرو لم يخنه بمشهد(21)
 

ويقول في موضع آخر:

لأم القوافي الويل إن لم يقمْ لها

سأقذف حر القول غير مخاتلٍ
 ضجيجٌ ولم ترتجَّ منها المحافل

ولا بد أن يبدو فيخزي المخاتل(22)
 

سيخزى المخاتل إذا ما فضحه الشاعر، وبيّن أوضاعاً يعيش عليها الدود وينتقل، بقذائف نارية يوريها ضميره الحي، وشعوره النابض، وبطريقة يعشقها الناس، الذين ينتظرون أبياتاً ملتهبة تعالج ما يسعى المصلحون لإصلاحه، الذين استلذوا قافية الأبيات، وأبيات القافية، وراحوا يبحثون عن صدى صوت الشاعر، ويتحسسون مواجع آلامه، إنهم سئموا بكاء الأطلال ورثاء الدمن، وعشقوا أحاسيساً جياشة يرجعون إليها كلما أرهقتهم الحياة، فيجدون فيها ثورة على باطل وتصحيحاً لأوضاع، ويجدون لساناً يداعب أحلامهم فيعشقونه ويذوبون فيه توظيفاً لشعره، واجلاء لصوت الحق في بيانه.

يقول الوائلي مبيناً رسالة الشعر :

قالوا بأن الشعر لهوُ مرفهٍ

وإذا تسامينا به فهو الصدى

إن تطرب الأرواح فهو غناؤها

فذروه حيث يعيشُ غرِّيداً على

..أكبرتُ دور الشعر عمّا صوروا

فالشعر أجج ألف نار وانبرى

لو شاء صاغ النجم عقداً ناصعاً

أو شاء رد الرمل من نفحاته

أو شاء رد الليل في أسماره

أو شاء قاد من الشعوب كتائباً

أنا لا أريد الشعر إن جَّدت بنا

أو أن يوشي الكأس في سحر الهوى

أو أن يباع فيشترى إكليلهُ

لكن أريد الشعر وهو بدربنا
 وسبيل مرتزق به يتذرع

للنفس يلبس ما تريد ويخلع

وإذا شجاها الحزن فهو الأدمع

فنن وملتاعاً يئن فيوجع

وعرفت رزء الفكر فيمن لم يعوا

يلوي أنوف الظالمين ويجدعُ

يزهو به عنق أرق وأنصع

خضلاً بأنفاس الشذا يتضوع

واحات نور تستشف وتلمع

يعنو لها من كل أفق مطلع

نوبٌ يخلي ما عناه ويقبع

ليضاء ليل المترفين فيسطع

تاج من المدح الكذوب مرصع

مجدٌ وسيف في الكفاح وأدرع(23)
 

هذه هي رسالة الشعر سيفاً تذاد به الخطوب، وترفع به رايات العزة والكرامة.


--------------------------------------------------------------------------------

:الهوامش
 

(1)- اعلام في أحلى الكلام،  لعبد الله بن إدريس. ودراسات شعرية، شركة العبيكان. ط 14122 هـ -  1992 م ص163 

(2)- جواهر الأدب، محمود الهاشمي، مكتبة المعارف، بيروت جـ1 ص14.

(3)- الأدب وفنونه، ومحمد مندور، دار فضة مصر - القاهرة، بدون تاريخ ص11.

(4)- الأمثال النبوية لمحمد الغروي، الاعلي للمطبوعات، الطبعة الأولى 1401 هـ  جـ1 ص250

(5)- فصول في الأدب والحديث والنقد ليوسف عز الدين، دار العلوم - الرياضة - 1402 هـ - 1982 م مقدمة ص 8

(6)- شعر ربيعة الرقي، تحقيق د / يوسف حسين بكار : دار الأندلس، بيروت ط 2 عام 1404 هـ 1984 ص24.

(7)- الأدب وفنونه، مصدر سابق ص11

(8)- العمدة لابن رشيق ط 5، 1401 هـ - 1981 م جـ1 ص117

(9)- الشعر والشعراء لابن قتيبة الطبعة الأولى، قسطنطينية  1282 هـ ص8 - 9

(10)- الشعر والشعراء مصدر سابق ص9.

(11)- ابن رشيق العمدة مصدر سابق جـ1 ص208.

(12)- الشعر والشعراء ص9

(13)- العمدة، مصدر سابق، ص 209، جزء 2

(14) فصول الأدب الحديث والنقد،  مصدر سابق ، ص 11

(15) الشوقيات، أحمد شوقي، دار الكتب العلمية ، ط1 بيروت، 1405، جء ص 100

(16) ديوان الشيخ الوائلي، الديوان الثاني، دار الكتاب اللبناني، ص 104

(17) ديوان الوائلي جـ ) ص102 / 103.

(18) ديوان الوائلي جـ 2 ص 18 / 19

(19) مقدمة ديوان أبو ماضي، دار العودة - بيروت ص 25

(20) أبو  ماضي ص750

(21) ديوان الجواهري، طبعة وزارة الاعلام، مطبعة الأديب البغدادي، جمع وتحقيق د / ابراهيم السامرائي وآخرون، جـ2 عام 1973 م ص 15.

(22) ديوان الجواهري جـ 2 عام 1973 م ص233

(23) ديوان الوائلي الطبعة الثانية عام 1405 هـ - 1985 م ص51 / 52

كاتب
358516