مواقع مجهولة: واحة العبا قديماً أم الساهك حالياً
أحمد مكي الغانم * - 6 / 3 / 2011م - 6:55 ص - العدد (26)

يظن كثير من الناس إن (العبا) لا تعني سوى عين ماء أو رقعه صغيرة من الأرض كانت ذات شأن يوماً ما، وقد يكون ذلك بسبب مجموعة أحداث ما لبث أن نسيها الناس مع مرور الزمن.

والعبا اسم لبقعة تضم العديد من القرى التي غابت عن العيون كما اختفى من عاش في مرابعها.

جاء في قانون الضرائب العثماني الصادر عام 1556م - 959هـ والخاص بالقطيف ما يقرب الـ (45) قرية بعضها مازال غير معلوم لنا حتى الساعة، ومن بينها (15) قرية واردة في هذه الدراسة.

قيل قديماً أن التاريخ هو السجل الخالد لحياة الشعوب والأمم. وحتى يكون كذلك يجب أن يسطر بأيدٍ أمينة وقلوب صادقه، الأرض التي نتحدث عنها ونحن في السنة الأخيرة من القرن العشرين، غيرها في أوائل النصف الثاني من ذات القرن وهي خلاف ما ردده الأباء عن الأجداد.

مصدران أساسيان يمكن الرجوع إليهما عند التحدث عن هذه البقعة المنسية حتى من

الأقربين إليها:

1- بعض من التاريخ الذي كتب في الصدر الأول من قيام الدولة الإسلامية، ولا شيء عندنا قبله حيث إن كل المعالم الأثرية والتاريخية للمنطقة قد غابت عن الأنظار سوى بضع من الرجال يرفضون البوح عن أي معلومة لديهم عن هذه التربة، ولا علم لنا عن سر التحفظ على ذلك.

2- الأدب غير المكتوب وحفظته: لم يعد أحد منهم باقياً غير عدد لا يذكر وهذه القلة أيضا معلوماتها ضبابية، ومن واقع الحال الذي شاهدناها عليه قبل أربعين عاماً مضت وحالتها الحاضرة.

لقد عفا الزمن على الكثير من المناطق المأهولة، أما بواسطة غزو الرمال لها أو تحويلها لاحقاً لمزارع أو مناطق سكنيه قديماً وحديثاً، هذه العوامل ساعدت متجمعة على عدم التحقق من أي موضع نأمل الحديث عنه، ومن المناطق التي نسيت تماماً شمال حاضرة أم الساهك والمعروفة باسم (العبا) وتقدر مساحتها بـ 950 كم2.

العبا في التاريخ الإسلامي

أول المتحدثين بها (المسعودي) ذكرها باسم (أفنان) وقال (أفنان ماء ونخل) وهذا توكيد على المكانة التاريخية للعبا في أيامه وقبله ومن أخبارها عنده (أراد العباس بن عمرو الغنوي نزولها، وذلك عند ارتحاله من الماء المعروف بالأعباء) [ولعله يقصد العبا المعروفة لدى أبناء المنطقة حالياً] (فسبقه أبو سعيد إلي بالماء، وطول هذه السبخة سبعة أميال، وبينها وبين البصرة سبعة أيام، وهي على بعد يومين من ساحل البحر).

و ما أظنه مصيباً في هذا التوصيف إلا إذا كان موقع العبا في مكان غير الذي عرفناه، ونحن نعلم انه إلى وقت قريب كان أحد فروع الخليج العربي في الشمال من بلدة أبو معن الواقعة في الشمال الغربي من حاضرة أم الساهك حالياً ببعد يصل إلى 8.5كم. ولما فصلت الرمال بين هذا الفرع بمرور الأيام تحول إلى منجم ملح، وكان هذا المنجم مصدر رزق للبعض من أبناء صفوى وأم الساهك على السواء وحتى بداية السبعينات من القرن العشرين. ويمضي المسعودي قائلاً: (وهي القطيف، وبين القطيف وبين البحر ميل، ولها مدينه على الساحل يقال لها عنك) [1] .

أما ياقوت الحموي فقد قال: (العباء، بالفتح، ثم السكون، وياء موحدة، وألف ممدودة؛ اسم لسبخه معروفة بناحية البحرين بحذاء القطيف على سيف البحر فيها حجارة ملس سميت بذلك لأنه لعب فيها كل واد سال، والنسبه إليها لعباني كالنسبة إلى صنعاني، وتنسب إليها الكلاب فيقال كلاب لعبانية).

وقال مزرد:

وعالا وعاما حين باعا باعنز

وكلبي لعبانية كالجلامد

وقال المهلبي: (قوله لعبانية نوقاً شبهها بصلابتها بحجارة اللعباء. والعباء أيضا ماء سماء في حزم بني عوال جبل لغطفان في الحجاز، وهناك أيضا السدو وهو ماء سماء).

قال كثير:

فاصبحن باللعباء يرمين بالحصى

مدى كل وحشي لهن ومستحي

وقيل: العباء ارض غليظة بأعلى الحمى لبني زياد، وإياها عنى حميد بن ثور الهلالي بقوله:

إلى النير فاللعباء حتى تبدلت

مكان رواغيها الصريف المسدما

والعبا بدون همزة، بالضم ثم السكون، والياء موحدة، فعلى من اللعب قصور: هو موضع في ديار عبد القيس بين عمان والبحرين. "عن الحازمي"[2] .

من الوصف الذي أتى به المسعودي والحموي لتحديد موقع العبا نرى انهما غير دقيقين إلا إذا كانتا العبا والقطيف في غير المواقع التي يقيمان بها حالياً كما سبق ذكر ذلك. وأرى انهما لم يريا القطيف أو العبا واعتمدا على السماع فقط دون التحقق، وهذا حال الكثير من المؤرخين العرب والمسلمين، وسار على نهجهم المتأخرين معتمدين على النقل دون المعاينة. لذا نراهما إذا أرادا الحديث عن أي بلدة يكتفيان بالقول (من بلاد عبد القيس أو البحرين) كأنما ديار بني عبد القيس أو البحرين بلدة أو قرية بذاتها، بينهم حدود ديار البحرين وبلاد عبد القيس كما ورد في المخططات للجزيرة العربية في أيام الرسول (إن ديار البحرين وبلاد عبد القيس من عمان شمالاً حتى البصرة جنوباً)[3]  وتضم العديد من البلدات والقرى التي لا نعرف عنها شيء من أمثال بلدتي المديني وبنكات.

ومن المؤرخين الذين تطرقوا إلى العبا الشيخ حمد الجاسر، غير انه عدها من قرى الجبيل الجنوبية غربي سبخة الرياس الممتدة إلى قرب القطيف. والبعض يقول (العب) ويمر بها الطريق المتجه إلى الجبيل القديم المار بالدريدي الواقع في سواد القطيف، وسبخه الرياس تفصل بينها وبين الساحل، ويمر بها خط أنابيب النفط الممتد من القطيف إلى القيصومة (خط التابلاين)[4] .

و نحن نرى لو لا اعتراض خط النفط المذكور لما ذكرها الجاسر وغيبها كما غيب العديد من بلدات القطيف. ويضيف الجاسر قائلاً: في خبر آبي سعيد القرمطي مع العباس بن عمرو الغنوي سنه 287هـ الذي أرسله المعتضد للقائه من البصرة فكانت الواقعة بالسبخة المعروفة بالأعباء، فسبقه إلى الماء، وطول هذه السبخة سبعه أميال وبينها وبين البصرة سبعة أيام وهي على يومين من ساحل البحر وهي القطيف، وبين القطيف وبين البحر ميل، ولها مدينة على الساحل يقال لها عنك.

والسبخة المذكورة في كلام المسعودي هي المعروفة الآن بسبخة الرياس وقال الجاسر أيضاً، (ولا استبعد أن يكون الماء وهو (الأعباء) الوارد في كلام البكري في الكلام على نزول عبد القيس بلاد البحرين: فغلبت عبد القيس على البحرين واقتسموها بينهم، فنزلت جذيمة الخط وأعناءها. إلى آخر كلامه.

وأضاف:وأن كلمة الأعباء تصحيف الأعباء- بالباء التي كثيراً ما يقع التصحيف بينها وبين النون، ثم سهل الهمز فقيل العبا- وكذا تفعل العامة فيقولون (الحمر) و(العور) في الأحمر الأعور- وهكذا في الكلمات المهموزة.

والعباء (الأعباء) من الخط، ومنازل جذيمة في القطيف ونواحيها، كالبيضاء، بيضاء جذيمة الواقعة غرب القطيف. والعبا (الأعباء) داخلة في منازل أولئك[5] .

أما الأستاذ/ عبد الرحمن الملا، فنأسف على توصيفه لموقع العبا حيث جعلها تمتد من الجبيل جنوباً حتى شمال الدمام، وقال أيضاً: أن عنك تقع شمالها شرقيها، ملغياً كل المناطق التي في شمال وجنوب (عنك) وأضاف: والعبا تقع على بعد/40 كيلومتر من عنك والمسافة الحقيقية تتجاوز الخمسين كيلوا لكنه أجاد بقوله: وسكانها قديماً بطون من الازد وعبد القيس، وإلى عهد قريب كانت آثار العمران قائمة بها[6] .

العبا في الأدب غير المكتوب

من الأدب الشعبي غير المكتوب أنقل هذه الأبيات، مروية عن والدتي:

أهل العبا شجرة في ظلها الكونين

واصلها المصطفى ذاك النبي الزين

يا قائل المدح بالله قول فيم زين

كثر صلاتك على محمد والله موفي الدين

أهل المديني والخطي والبحرين

فيكم من يفاخر دينا ومنين [7]  **

****

قال الحسن للنبي يا سيد هذه الأمة

بك افتخرنا واسمع ذرة من ثمه

****

لك أب مثل أبي أو أم مثل أمي

ماركب العرش والكرسي

إلا باسمك وأسم أبي وأسم أخي

وأني وأمي[8] .

لاشك أن ضياع الأدب الغير مكتوب يعود لعدم تسجيله من قبل سامعيه مما دفع لضياع جزء كبير من تاريخ المنطقة، وقد يكون ذلك دون قصد، لكنه غاص تحت الرمال، أما بسبب غياب من كان يلم به بالموت أو بالهجرة، أو بسبب عدم اهتمام البعض من الأقدمين بالعبا. إن سبب ذلك لا يعود -في رأينا- إلى كونهم قد هزموا الجيش العباسي الذي يفوقهم عدداً فيها، بل يرجع السبب إلى كون أهلها الذين هجروها من الشيعة الحسينيين وهم من أصول يمنية من قبيلة (حمير)[9] .

الموقع

تقع (العبا) على بعد 8كم تقريباً في الشمال الشرقي من بلدة أبو معن الحالية، وفي المنطقة الفاصلة بينهما كانت بعض الوحدات السكنية وتقلصت وانمحت بالكامل، وتحولت إلى أراضٍ سبخة، وصحارٍ، وقليل منها تحول إلى مزارع للمواطنين.

أبـو مـعــن

بالعودة إلى التسلسل التاريخي لنشوء الوحدات السكنية القديمة في الواحة، قد تكون وحدة أبو معن هي الثانية بعد العبا، وتحتل بموقعها المتقدم مركزاً هاماً للدفاع عن المواقع التي وجدت فيما بعد، أي بعد أن أخذت العبا في الأقوال، وعلى ما يبدو لا نستطيع الجزم بإعطاء تفسير للاسم فقد يكون منسوباً لرجل، وقد يكون مشتقاً من وفرة المياه، وكلا الاحتمالين وارد والمعين من الماء هو: الغزير أو شديد التدفق.

وفي خلق الإنسان في القرآن الكريم ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا وفي آية أخرى ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاء مَّهِينٍ[10] .

تعد بلدة أبو معن من المنازل القديمة التابعة لواحة العبا، من قبل الرسالة المحمدية، وبعد ذلك فقد كانت من المحطات التي ينزل بها الحاج القادم من شمال شرق الجزيرة العربية، ويظن أنها المكان الذي كان به هزيمة الجيش العباسي على يد شلة من القرامطة، ومن المرجح أنها من الأماكن المحصنة المتقدمة، في الشمال الغربي منها، عاينت العديد من كسر الفخار الذي يعود إلى العهد القرمطي، كما وجد في إحدى المزارع بعض أساسات لجدران قديمة.

وقيل في معنى معن هو مفعول من عنت الماء إذا استنبطته أي استخرجته من باطن الأرض، وقيل هو الماء المتدفق من باطن الأرض بغزارة، وماء معين وافر وغير منقطع12 فهل أن اسم البلدة مأخوذ من كثرة المياه فيها، أم أنه مشتق من اسم رجل يكنى بـ/ معن، يروي أحد أبناء البلدة (نسبة إلى رجل كان يمعن في الكرم والعطايا وحبا لاحيا ذكره سميت البلدة به[11] .

وقال الجاسر: أبو معن بالإضافة إلى الاسم المعروف: من قرى القطيف تقع غرب بلدة صفوى. ولم يزد على ذلك وأظنه في هذا معتمد على ما جاء في (كتاب دليل الخليج). أما المرحوم محمد سعيد المسلم، فقد قال: من قرى القطيف ليست بذات أهمية[12]  وتبعد عن القطيف في الشمال الغربي بحدود عشرين كم، وتتميز بكثرة المياه بعض المصادر تذكر أنه كان بها أكثر من 64 عين ماء وكان أول من سكنها على ما يعتقد هم آل سنان وآل المرزوق وآل الناصر. وكلهم أبناء عم هاجروا من حمير اليمن منذ مئات السنين واستوطنوا قرية أبو معن المعروفة، وكانت غنية بالمياه، حيث زادت عيونها على: 64عيناً ولكن لما زحفت الرمال هاجر هؤلاء إلى القطيف والاوجام وصفوى، والمعلوم أن آل هجلس في صفوى هم من آل سنان وكذلك آل الناصر.

يروى أنه عندما أنشأ المرحوم أحمد عبدالله آل إبراهيم، مزرعة له شمال غرب أبو معن عمل على تمهيد ساقية ماء للمزرعة، وأثناء ذلك رأى عين ماء مغطاة بقطع الحجارة[13] .

ومن القرى التابعة لها الرويحتان الشمالية والجنوبية، أصبحتا فيما بعد بلدة واحدة ويفصل بين الرويحتان وأبو معن الطريق القادم من أم الساهك، ومن المهم أن لا يغيب عن البال أن العوائل التي مر ذكرها، رغم انتقالها إلى بلدات أخرى ظلت صلتها مستمرة بالعوائل التي ما تزال تقيم بها وصلة الرحم بينهم متواصلة

رويحة:

رويحة: تصغير راحة والراحة باطن الكف، اعدها صاحب كتاب (ساحل الذهب الأسود) من قرى القطيف[14]  وتقع في جنوب وحدة ابومعن يفصل بينهما الشارع القادم من ام الساهك، والبعض يقول: رويحتان شمالية وجنوبية التقتا بالمنازل حتى اصبحتا بلدة واحدة.

والاسم أظنه مشتق من الرواح أو من الاستراحة، وكذا الراحة والروح أيضا والريحان[15] .

سعادة:

تلفظ محلياً بالتصغير (اسعيده)، في الشمال الغربي من العبا وقد امتحت كامل معالمها الأثرية، بما في ذلك العين الشهيرة بها "سعادة" بفتح العين والسين المهملتين، بعدهما ألف فدال مهملة فهاء. وهي سبخه تقع في الشمال الغربي من منطقة القطيف غرب أم البردي، وفي طرفها الشمالي الغربي ما يدعى سعادة أيضا. وعد صاحب كتاب (دليل الخليج) سعادة من المياه البيضاء، وذكر إنها في الجنوب الغربي من الجراري بنحو 14ميلاً[16] .

أم البردي:

يقول الجاسر: أم البردي ارض بين سبختي الرياس شرقاً وسعادة غرباً في منطقة القطيف. وفي طرفها الشمالي منهل يدعى أم البردي[17] .

القول بأنها سبخه صحيح في الوقت الذي زارها فيه الجاسر أما قبل ذلك فقد كانت ارض عامرة، وتقع في الشمال الغربي من العبا بينهما ما لا يقل عن 6كم.

مقله:

جنوب شرق العبا يفصل بينهم أبو ادريجة، بالتصغير كما ينطقه أبناء المنطقة شمال شرق منه والبعض يطلق عليها جزيرة -مقلة- لا لكونها جزء من اليابسة تحيط بها المياه كما هو متعارف عليه، بل واحة خضراء تحيط بها الرمال من كافة الجهات أعلاها شمال غرب وشمال شرق، والمسافة بين أبو ادريجة ومقلة لا تزيد عن (01.3كم) لم أجد لها ذكر فيما اطلعت عليه من مراجع. في السنين العشر الأواخر، أخذت المزارع تتسع فيها وتعتمد في الري على الآبار الارتوازية حتى بات من المتعذر على الرائي التمييز بين أرض وأخرى.

أبو ادريجة:

شمال غرب الصبيغاوي، بما يقدر بـ/3.2كم، ولم أجد لها ذكر في أي من المراجع التي قرأتها.

أبو الهيل:

شمال غرب مقلة في حدود (3.5كم) وهي الآن صحراء كان بها عين ماء ويغلب عليها حالياً السباخ كما يوجد بها بعض أحراش من النخيل.

الصبيغاوي:

من الأماكن التي كانت آثارها باقية حتى وقت قريب، ومن يراها الآن لا يصدق أنها كانت في يوم من الأيام ذا شان تزخر بمعالمها الأثرية، تحولت في وقت قصير إلى أرض بور إلا ما ندر من المزارع قليلة الجدوى.

الموقع:

على بعد 2 كيلو متر غرب أبو معن، كان بها اساسات جدران لمباني، رأيت بجانبها العديد من كسر الفخار، وحتى فوق بعض التلال الرملية شمال وشرق العين وفي الأماكن المنبسطة حول التلال، متطابقة مع فخاريات (ثاج) ومناطق جنوب شرق الجبيل: (عند حفر اساسات استراحة الصبيغاوي التي رافقت إنشاء محطة بنزين، استخرجنا من الأرض حجران كان عليهما رسومات وخطوط لا نعرف ما هي، يقدر طول الواحدة بين 50-60 سم، وعرض يتراوح بين 20 - 25سم وسمك 5سم تقريباً، وضعتهما بجانب العين حتى يكتمل بناء الاستراحة قبل المساح، بجانب باب الاستراحة وفجأة اختفى الحجران.

ويضيف قائلاً: وعند تنظيف العين استخرجنا كثير من قطع الفخار بعضها ملون وبعضها عليه نقوش)[18] .

وآخر قال: عندما كنت اعمل مع عمال المباني في الصبيغاوي، في ذات أمسية كنت أسير بالقرب من بعض التلال جنوب شرق الاستراحة وبيدي جاروف يدوي (صخين) باللهجة المحلية، عبثا أخذت احفر به في الرمال فعاينت أساسات لجدار[19] .

هذه الأقوال يؤيدها ما ورد في حولية (أطلال) العدد الثامن ص162، الصادرة سنة 1984م- 1404هـ، ولو أردنا متابعة ما سمعناه عن هذا المكان لطال بنا المقام، وحيث لا فائدة ترجى من ذلك في الوقت الحاضر رأينا الاختصار[20] .

الدريدي:

يقول الضالعون في اللغة العربية، أن من مميزات كلمة (دريدي) (أن الكلمة الواحدة، قد تأتى بأكثر من معنى)

من ذلك دريد ودريدري، دريد: تصغير دردور، والدردور أحد المناطق البحرية العميقة التي تجيش مياهها ويخشى الغرق فيها، وجمع دردور: درادير، والدردور أو الدرادير البحرية يعرفها من يمتهن البحر، لذا يتحاشون المرور بها والدخول فيها، والدردور البحري موضع فيه الماء كالرحى دورانا فترة ولا سكون فإذا سقط إليه مركب أو غيره فلا يزال يدور حتى يتلف.

والدريدي الذي هو موضوعنا: أظنه مشتق من دردور الأتربة التي ترتفع أثناء اشتداد الرياح، حيث تأخذ الأتربة بالدوران عالياً حول نفسها مكونة عموداً قد يصل في ارتفاعه إلى أمتار. وقد تكون المنطقة فيما مضى بحراً عميقاً في سالف الأزمان.

أما الأستاذ/ حمد الجاسر فيقول: (الدريدري: نسبة إلى دريد، وهو من أسماء الأعلام العربية، قرية ذات نخل تقع على مقربة من أم الساهك وتبعد عن صفوى (10كم) وهي واقعة في حزم، (أي مكان مرتفع) فتسمى احياناً حزم الدريدري: بالضم كانه منسوب إلى دريد- قرية ذات نخل غربي صفوى، بنحو عشرة اكيال بمنطقة القطيف[21] . وتقع جنوب غرب حاضرة أم الساهك في حدود (خمسة كيلومتر)، وهي من المواقع التي محت الأتربة كل معالمها، بفعل الرمال الزاحفة عليها وكذا السكن المستحدث فيها، فأينما بحثت فيها فإنك ستجد كسر الفخار القديم، حتى المزارع التي تحرث على مدار العام تجد كسر الفخار بها خاصة في الشمال الغربي والشمال الشرقي.

حزم أم الساهك:

يحتل تلة ترتفع قليلاً عن حاضرة أم الساهك، ويعرف الحزم بـ/الأرض المرتفعة قليل عن مستوى ارض البلدة القريبة منه، وأرضه قد تكون حجارة مخلوطة بالرمال، أو صخور طينية كما هو الحال بالنسبة إلى حزم صفوى، وفي منطقة القطيف يذكر ثلاثة حزوم رئيسية هي:

حزم صفوى وحزم أم الساهك وحزم الدريدري، والبعض يطلق على أبو معن اسم حزم أيضا، وقال ياقوت الحموي: (انه يوجد في جزيرة العرب الكثير من الحزوم وذكر منها حوالي - خمسة عشر حزماً)، وعرف الحزم بقوله: (الحزم بالفتح ثم السكون وقال صاحب كتاب العين:الحزم من الأرض ما احتزم من السيل من نجوات الأرض والظهور والجمع الحزوم، وقال النضر بن شميل: الحزم ما غلظ من الأرض وكثرت حجارته وأشرف حتى صار له إقبال، لا يعلوه الناس والإبل إلا بالجهد، تعلوه من قبل قبلة، وهو طين وحجارة، وحجارته اغلظ واخشن واكلب من حجارة الأكمة، غير أن ظهره طويل عريض ببعاد الفرسخين والثلاثة ودون ذلك، تعلوه الإبل له قبل كقبل الجدار، قال: وقد يكون الحزم في القف لأنه جبل وقف إلا أنه ليس مثل الجبل، وقال الجواهري: (الحزم ارفع من الحزن، وفي بلاد العرب حزوم كثيرة)[22] .

وجاء في معجم المنطقة الشرقية: ( أي مكان مرتفع، واقع غرب واحة القطيف بقرب أم الساهك، غربها، ويسمى حزم أم الساهك، وحزم صفوى لقربه منها[23] .

وحزم أم الساهك في واقع الحال جنوب غرب أم الساهك.

أم الساهك:

من المؤسف أن تاريخ كثير من الوحدات السكنية غير معروف لدينا وما نعلمه عنها يحيط به الضباب، لعدم وجود سفر يعتمد عليه من يريد الحديث عنها. فلو عدنا قليلاً الى الوراء أي قبل عام 1958م - 1379هـ لوجدنا حاضرة أم الساهك تتكون من بعض الأحياء المتقاربة لا يكاد يفصل الحي عن الآخر سوى زقاق ضيق للغاية، وتحيط بها بساتين النخيل من كافة أضلاعها الأربعة، وتمتد من المسورة وبضع أحياء أحدها شمال شرق يأخذ للشرق اكثر من الشمال، وواحد جنوب غرب واخر يمتد جنوباً شرقياً وهو يلي المسورة من حيث الحجم، وستة آخرين جنوب الحي الثالث. وكلها انشئت بعد أن قدم إليها بعض الاسر العربية البدوية مثل الخوالد، وما أن أخذت بعض القبائل العربية في التقاطر عليها، حتى أخذت في انشاء الاحياء بالقرب من المسورة مثل الحي الشمالي الشرقي والجنوب الغربي. واستمر توسع البلدة جنوباً اكثر منه شمالاً وشرقاً واصبح عددها حوالي ثمانيه احياء بين صغير وكبير. وكلما زاد عدد النازلين ازداد اتساعها خاصة بعد اكتشاف البترول. وفي وقتنا الحاضر شكلت الاحياء المتناثرة عبارة عن مدينة واحدة تمتد من شمال المسورة حتى جنوب الخترشية، حتى بات من المتعذر التمييز فيما بينهاو لا فرق بين حي قديم واخر جديد.

1/ المسورة:

يميل الرأي إلى أن تاريخ إقامتها كان على يد الحسنيين الذين نزحوا من العبا بعدما اخذ نجمها في الأفول، بسبب غزو الرمال من شمال وغرب البلاد. والأرجح في الصدر الأول من قيام الدولة الإسلامية غير انه يوجد رأي يؤمن بان الجزء المسور هو الذي أقيم في العهد الإسلامي الأول، لحمايتها من غارات الرمال. أما تاريخ نشوئها فسابق لذلك بسنين عديدة، وقد يعود إلى الأيام الأولى التي نزل بها بني عبد القيس، وقيل أن بعض العوائل من بني هلال هم الذين أقاموها حيث أن بعضهم كان يقيم في الشرق منها في منطقة المسيبة، وحيث لا اسم نجزم به أعطيناها اسم المسورة. وكان بالسور أربع دروازات في كل ناحية دروازة حيث توجد موارد المياه ومزارع النخيل، وبعد أن استوطنها بعض الخوالد أنشؤوا أول حي لهم في شمال شرق المسورة). وكانت الألفة بين السكان الأصلين والقادمين، واستوطن البعض من الخوالد المسورة بعد أن أخذ عدد من السكان الأصليين بالتناقص. وما لبثوا إلى أن استولوا عليها كلياً.

2/ بعد ذلك أقاموا الحي الثاني في الجانب الغرب جنوبي للمسورة.

3/ والحي الثالث جنوب المسورة مباشرة، ويأخذ امتداد شمال جنوب وهو أكبر الأحياء، وهكذا أخذت الأحياء في الأتساع حتى كادت تلامس منطقة الحزم.

ورغم اختلاف السكان في المذهب،إلا أنهم عاشوا أخوة متحابين متعاونين فيما بينهم، حتى قدم العثمانيون وبذروا بذور الشقاق كي يتمكنوا من بسط نفوذهم على الجميع، وفي هذا يقول بعض أخواننا السنة في أم الساهك: (اكلت يوم اكل الثور الأبيض). ومن الملاحظ أن البعض يعتقد أن الحسينيين قد انقرضوا تماماً من أم الساهك، إلا أننا نرى أن لهم بواقي فيها وما زالوا يحملون نفس الكنية، بغض النظر عن المذهب الذي يعتنقونه، وقد يكون لذلك أسباب خارجة عن إرادتهم، ولعل عائلة/ الخضراوي التي تقيم حالياً في بلدة القديح، من تلك الأصول ويرددون أن لديهم بعض الوثائق تؤكد ملكيتهم لأماكن ضمن المسورة.

من بينها محلة تعرف (الحسينية)، وهو إثبات لما جاء به صاحب كتاب (دليل الخليج):- أن سكان أم الساهك خليط من السنة والشيعة. وإلى وقت قريب يشاهد بعض من أهالي أم الساهك وهم من السنة، يأتون صفوى ويشاركون في المناسبات الدينية، ولا يزال أبناء أم الساهك وأهل صفوى في ترابط ومحبة، ولا يجدون أي غضاضة في كافة معاملاتهم، وهذه نعمة يجني فائدتها الجميع، وما زلت اذكر أن البعض من طلبة أم الساهك الذين تعرفت عليهم أيام الدراسة الابتدائية كانوا هم الدافع لي في الدخول لمعهد المعلمين الابتدائي. ومع ظروف الحياة التي فرضت مسيرة كل واحد منا، وما أن ألتقي بواحد منهم عن طريق الصدفة حتى يعيد تلك الذكريات التي عشناها معاً، وهم كثر وأخص بالذكر الأستاذ/ سعيد سعد القحطاني، الأستاذ/ فرحان مسفر القحطاني، العميد/ صالح شبيب القحطاني، الأستاذ/ عبد الله عيد بقران الخالدي، الأستاذ/ عبد الرحمن المصلح، الأستاذ/ مبارك العواد، وغيرهم من لا تحضرني أسماؤهم حالياً.

الاسم والمصدر:

ليس لدينا ما نجزم به عن إطلاق الاسم غير أننا نأتي بما ذكره من هم قبلنا وتحدثوا عنه، الساهك:في اللغة- الرمد وحكة العين، الذي يكون بسب أتربة الرياح الساهكة كما يقال لغوياً، ولعل عبارة (أم) أضيفت إلى الساهك مع مرور الزمن، ومن الممكن أن يكون ذلك بعد أن سكنتها بعض القبائل البدوية وهم الذين لا يلحنون في اللغة، وليس في مقدورنا تحديد زمن ذلك الوقت، لأن المصادر التي وقفت عليها تصمت عن ذلك.

التاريخ القديم للمنطقة يؤكد أن غالبية سكان البلاد من المتحضرين، والبدو لايشكلون إلا قلة، والمنطقة في مجملها واحة خضراء في وسط صحراء، تروي بعض المراجع أنه: كان لبعض الولاة العثمانيين: مزارع يستثمرونها محاصصة مع الفلاحين. ولما تم للعائلة السعودية حكم المنطقة اقروا هذا الوضع وعملوا على تثبيته، كما يقول البعض من أبناء الواحة.

إن مشاهدتنا توحي بتاريخ وتراث ضارب بجذوره في أعماق الأرض، ومع شديد الأسف لم نعثر منه على شيء، وكانت أم الساهك مثلها مثل باقي المدن والبلدات في المنطقة محاطة بسور، ويقال إن الحسنيين هم من اسماها، أم الساهك ومن أخذ براي البدو يقول: اخذ البدو يرددون كلمة ام الساهك، عند الغدو والرجوع من البلدة، فتعود الناس سماع الكلمة، مما غلب على الأسم القديم. الذي لم نتوصل إليه، ومن المؤرخين من قال: أنها كانت تحت الحكم الفارسي، فإذا صح هذا فإن تاريخها اعمق مما نتصور.

أما الشيخ الجاسر فقد قال: (أم الساهك بإضافة إلى الساهك بالسين المهملة مفتوحة بعدها ألف مكسورة فكاف- من قرى القطيف، ونقل عن دليل الخليج- أم الساهك: على بعد ميلين غرب صفوى وسكانها خليط من السنة والشيعة. هذا القول صحيح حتى وقت قريب، وأضاف: أم الساهك هي منطقة زراعية معزولة.

وفي مكان آخر قال: يحسن التنبيه على خطأ وقع فيه بعض الباحثين يتعلق بهذه القرية- فقد جاء في مقال للدكتور/ خالد العسلي في الكلام على حملة شمريهرعس (ذهبت إلى الشمال الشرقي للجزيرة العربية- أي إلى مدينة القطيف (ف ط وا ف) حيث حصل قائد الحملة على سبي وغنائم ثم توجه نحو (س وك) والتي يطلق عليها حتى الآن اسم (أم الساهك) القرية التي يقدر سكانها بنحو/3000نسمة، والتي تقع على بعد 14كيلاًإلى الشمال من مدينة القطيف).

ويظهر أن القطيف وسوك (أم الساهك) كانت تحت النفوذ الفارسي آنذاك (م م ل ك ت ي ف ر س)، ويسجل الجاسر على قول العسلي ملاحظتين الأولى- كنت عرضت الكلام هكذا على الدكتور محمد الغول- وهو من علماء الآثار وقد اطلع على النقش الذي ورد فيه الاسمان، فقال: أن صواب الكلمتين: (ق ط وص ف) و(ك وك) لا (ق ط وا ف) و(س وك) ولا صلة لهما بالقطيف وأم الساهك.

الثانية: سكان القرية أقل بكثير مما ذكر والاسم حديث).

ونحن نرى حتى ولو أن النص الذي جاء به العسلي لا ينطبق على أم الساهك، فإنه يورد أحرف من أسماء ثلاث بلدات من المنطقة ذاتها وهي: القطيف - صفوى - أم الساهك، ومن ناحية أخرى لا ينفي كون المنطقة قد كانت في يوم من الأيام تحت الحكم الفارسي فها نحن قد عثرنا على فخاريات (ساسانية) في منطقة دويليب شرق صفوى، وكذا الحال شمال أم الساهك، ومن الملاحظ أننا لم ننقب في السجلات والمكتبات الفارسية حتى الآن كي نعلم منها تاريخ المنطقة، حيث تواجد الفرس بالمنطقة قبل العثمانيين.

ولا أعتقد أن الشيخ الجاسر يغفل وجود بعض السكان الفرس بالمنطقة، في حين لم يهمل التاريخ ذكرهم من أمثال (اسبيخت بن عبدالله) وقيل اسمه (اسبيخبت) الذي كاتبه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكان شفيعا لقومه عند النبي حتى انه سمى قومه بني عبد الله. كان حاكما في هجر (الأحساء حالياً) وعموم منطقة القطيف وذي صلة بالمنذر بن ساوى والمكعبر الفارسي، الذي قام بتأديب تميم وأردشير الملك الفارسي الذي بنى قلعة القطيف التي أزيلت من الوجود في 22/3/1996م – جمادى الأولى 1405هـ[24] .

و نص رسالة النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى اسبيخت في تشفيعه لقومه موجود في مجمل كتب التاريخ: ( انه قد جاءني الأقرع بكتابك، وشفاعتك لقومك، وإني قد شفعتك وصدقت رسولك الأقرع في قومك، فأبشر فيما سألتني، بالذي تحب ولكني نظرت أن اعمله وتلقاني، فإن تجئنا أكرمك وأن تقعد أكرمك أما بعد فأني لا استهدي أحداً وأن تهدي لي اقبل هديتك، وقد حمل عمالي مكانك وأوصيك بأحسن الذي أنت عليه من الصلاة والزكاة وقرابة المؤمنين، وأني قد سميت قومك بني عبدالله فمرهم بالصلاة، وبأحسن العمل وابشر، والسلام عليك وعلى قومك المؤمنين)[25] .

والاسترسال في هذا المجال يخرجنا عن هذا الموضوع وعنها قال المرحوم/ المسلم:أم الساهك- ضيعة تقع بالقرب من صفوى إلى جهة الغرب، وسكانها 3000نفس.

وهذا الرقم سجل قبل الوقت الذي قال فيه الدكتور/ الغول: أنه أقل من ذلك. ويذكر المسلم أيضاً: وهناك بعض القرى الشبيهة بها والتي يغلب عليها طابع البداوة. كابي معن والدريدري.

صفيرا:

هذا هو الاسم الذي تعرف به المنطقة، الواقعة في الشرق من الحاضرة والاسم الصحيح على ما أظن (صفدا) وبها عين ماء مشهورة في المنطقة، وهي وحدة مستقلة بذاتها، وفي الشمال منها يقع المقيطع الذي بدوره قسم إلى قسمين شرقي وغربي بفضل طريق الجبيل السريع، وهي من المناطق الماهولة بالسكان من منذ زمن ليس بالقريب، والمراجع التي بين أيدينا لا تذكر شيئاً عنها[26] .

وقبل أن ننتقل إلى جنوب شرق الحاضرة يحسن بنا أن نعول على شرقها لذكر بعض الوحدات السكنية التي تمكنا من الوقوف عليها:

سبخة الملح (صبغة):

السبخة: هي الأرض التي تكثر في تربتها الأملاح، وتكون رطبة لوقوعها غالبا قرب السواحل، والمواضع المنخفضة التي تتجمع فيها السيول[27] .

والسبخات في المنطقة الشرقية كثيرة، ممتدة بامتداد شاطئ البحر، وقد ذكرت في الأسماء التي تضاف إليها.

وسبختنا موضوع الحديث اسم على مسمى، كانت لعهد قريب منجم للملح، غير أنه كان في شمالها الغربي بعض احراش النخيل وقليل من التلال الرملية، وهي امتداد لمنطقة الجزيرة الواقعة جنوب شرق العبا وقد مر ذكرها في الحديث عن العبا، وفي الشرق منها تقع منطقة البمبري، الذي شطر بدوره إلى قسمين شرقي وغربي بواسطة طريق الجبيل الدمام السريع أيضاً، والصحيح ان اسم المنطقة (صبغة) وليس سبخة.

المقطع:

ذكر في مصور لأرامكو بالمقيطع، ويقع جنوب شرق البمبري شرق جنوب سبخة الملح، وسمي بالمقطع: لأن المياه الزائدة عن حاجة مزارع النخيل شمال الحاضرة وكذلك عيونها تسيل فيه من الجنوب إلى الشمال، حتى تصب في سبخة الملح أخيراً.

السراوي (السروات):

وهي ثلاث في الجنوب من المقطع - سرات الجزيرة - سرات الزابوقة - سرات دجين، كانت منذ أن رأيناها وحتى اليوم مزروعة، وفي أيامنا طورت حتى غدت أشبه ما تكون بالجنائن.

ورد اسم هذه السروات في مصور ارامكو لعام 1964م-1384هـ.

أبو شميلة:

وتسمى أبو شميلة على اسم الحشرة الزاحفة. وتقع في الشمال الشرقي من ( صبغة الملح)، من المناطق القديمة بالمنطقة، وبقيت آثارها حتى وقت قريب جدا ومن أبرزها أعينها المشهورة بعذوبة مائها وغزارته، أسماها الشيخ الجاسر أبو سيلة وذكر أنها (من مياه منطقة القطيف، شمال صفوى بنحو ستة أميال). عن كتاب دليل الخليج[28] .

والواقع أنها شمال غرب صفوى، وهي واحة قائمة بذاتها تتمتع بمكانة مميزة عن باقي واحات المنطقة، كانت تنتج كافة أنواع الثمار إضافة إلى أشجار النخيل طيبة المذاق[29] . وأسماها أحد أبناء المنطقة كعادته من تحوير الأسماء (أبو ثيلة) وقال: (أبو ثيلة عين ماء قديمة تغطيها الرمال فلا يكاد يبتان منها شيئا، وقد سألت بعض من امتد بهم العمر حتى هذه الأيام فقالوا أنهم كانوا يجلبون الماء في قرب جلدية من بئر أبو شميلة المسور وذلك لعذوبة مائه وهذا ما يؤكد أن العين عندما طمرت بالرمال ضاقت حتى أصبحت على شكل بئر، أما على التل أو في سفحه فتوجد أعداد كبيرة من القطع الفخارية البيضاء والملونة بألوان مختلفة ومقابض وأحجار ملتصقة ببعضها بواسطة مادة الجص مما يدل دلالة واضحة على أنها بقايا لجدران أبنية مندثرة[30] .

الخترشية:

من البلدات الواقعة في الجنوب الشرقي من الواحة، وفي الشمال منها وحدة دخيخينات وشمالها الشاهين،وفي الغرب من هاتان الوحدتان وحدة المرسان بعض المصورات تسميها (المرصان)،لم أجد المصدر الذي اشتق منه اسم الخترشية غير أن البعض يقول:الخترشية (بالفتح،وإسكان التاء المثناه الفوقية،وفتح الراء،وكسرالشين المعجمة،وفتح المثناة التحتية مشددة فهاء) من قرى القطيف.

تقع في الجنوب من حزم أم الساهك مباشرة، يفصل بينهما الشارع الذاهب إلى أبو معن، وهذا القول ليس دقيقا، الخترشية تقيم جنوب شرق الحزم.

وفي إعطاء الاسم أظنه مأخوذ من خَتْرَشَ يُخَتْرِشُ خَتْرَشَةً (وهذا لا أستطيع الجزم به). يقول أحد أبناء المنطقة: من خترشة سعف النخيل أي احتكاكه بسبب الريح الدائمة الهبوب على البلدة وتقارب النخيل، وأنا أميل إلى ما جاء به الشيخ الجاسر من احتمال أن اسمها قد يكون (الخرشنة) ولعل القول خترشية تحريف للخرشنة وفي هذا يقول الجاسر أيضا: الخرشنة: بعد الخاء المفتوحة، راء وشين معجمة ونون كلها مفتوحة ثم هاء: هذا الموضع ورد في أرجوزة وهب بن جرير الجهضمي في وصف الطريق بين الطنب وماوية، وأنه ومن معه ساروا من الخرشنة حين بدا الصبح، وأنهم عاشوا في الطنب.

قال بعد ذكر مسيرهم من ماوية بعد صلاة العتمة (صلاة العشاء):

ثم استمرت كي توم الخرشنة

محمودة لدا الكلال محسنة

ثم استمرت والمطايا خضع

تعنق مرات ومرة توضع

فعرسوا وهوموا فوقا

كيما تريح الأنيق العتاقا

حتى إذا بدا للركب ثاروا

وثارت كالحسام الغضب

ثم ذكر الطنب - متعشى - ثم الحدادة - بركة - ثم ذات العشر ولم أر للخترشية هذه ذكر في غير كتاب (المناسك) وبطن الوادي تكثر فيه آثار الآبار والمباني القديمة.

وعلى مسافة تقرب من عشرين كيلا غرب الماوية، تقع قرية (ذبحة) الحديثة، وليس من المستبعد أن تكون في موقع الخترشية، فقد أقيمت على أنقاض عمران قديم من آبار وغيرها. على ما حدثني به أحد أهلها[31] .

والأنقاض التي مر ذكرها، شاهدنا بعضها في أيام الدراسة الابتدائية ورأينا العديد من كسر الفخار متوسطة الحجم وهشمناها، باعتبارها من مخلفات أقوام كفرة، لجهلنا في تلك الآونة، الخترشية أظنها كلمة أعجمية ليس لها اشتقاق في اللغة العربية.

ناضرة:

نظرة خاطفة للمخطط الذي هو موضوع البحث لدينا، ترينا العديد من المواقع المندثرة والتي لم نعرف عنها شيء ولم يعد أحد يذكرها، بينما كانت فيما مضى ذات شأن لا يمكن التقليل منه أسوة بجاراتها التي ما تزال تنعم بالحياة، وناضرة واحدة منها، والحال ينسحب على الكاظم وسوق اليماني.

ناضرة: اسم مؤنث لمكان يغلب على أرضه الرمال، ومن الممكن أن تكون ناظرة وليس ناضرة مذكرها المفرد ناظر، والناظر هو المراقب، من الأرجح أن يكون مشتق من البهاء- الجمال الذي يتغنى به، في البقعة موضوع البحث كثير من الأمكنة التي يغلب عليها التوصيف، ومن النواظر التي حظيت بشهرة ناظرة الأحساء المخلدة في شعر ابن المقرب العيوني، وهي قريبة من قرية الكلابية بقوله:

 أتى مغيرا فوافي جو ناظرة

فعاين الموت منا دون ما زعما[32] 

ورد البيت ضمن قصيدة طويلة يذكر فيها أمجاد أسرته، وفي هذا الموقع جرت مواجهة بين: زكريا بن عياش. حاكم القطيف وعبد الله بن علي العيوني، فكانت الغلبة فيها للثاني على الأول، وناظرة: بالظاء المعجمة، بلفظ الفاعل المؤنث من نظر: جبل من أعلى الشقيق، وقال ابن دريد: موضع أو جبل، وقال الخارزنجي: نواظر اكام معروفة في أرض باهلة، وقيل ناظرة وشرج: ماء أن لعبس، وقال الأعشى (شاقتك أظعان ليلى يوم ناظرة). وقال جرير:

أمنزلي سلمى بناظرة أسلما

وما راجع العرفان إلا توهما

كان رسوم الدار ريش حمامة

محاها البلى واستعجمت أن تكلما[33] 

وناضرة قرية في الغرب الشمالي من حزم أم الساهك، ما يزال الناس يذكرونها.

ومن المناطق التي كانت مأهولة (السعلول والسدرة) الواقعتين غرب جنوب الخترشية والسوادة، وغيرهم كثير لم نتمكن من الإلمام بهم، لعدم وجود سفر يتبناهم فيما بين يدينا، مما يجعل البحث شاق بالنسبة لنا، ولعل الأقدار تأتي بما يخفف ذلك، ومن اللافت للنظر أن بعض الوحدات السكنية القديمة، لم تندثر بل اندمجت مع مناطق قريبة منها فصعب التمييز فيما بينها، بسبب طغيان أسم أحداهما على الأخرى والبعض منها ضمتها مزارع النخيل وكذا العمران في المنطقة.

ضمير:

ضمير أو (ضميره أو ضميرا) والبعض ينطقها ظميرا أو اظميرا من أبناء الواحة، مرة بالتصغير وأخرى بالتكبير، وهي غرب عوينة بن دلهان، وبها عين ماء كانت تجري سيحا، لم أتمكن من تحديد مكانها بالضبط، واختفت كافة آثارها تماما ولا أحد يعرف عنها أي شيء، غير الاسم، ولم أجد ذكر لها في ما رأيت من المراجع التي بحوزتي باستثناء (ياقوت الحموي) ذكرها في موضعين: الأول في ( بلاد الشام) والثاني (من أعمال عُمان)[34] .

الضبية:

فيما اطلعت عليه لم أرى أي ذكر لهذه البلدة القديمة سوى في معجم الشرقية للجاسر، وقد أسماها سبخة، قال عنها: (الضبية كأنها منسوبة إلى الضب مع هاء التأنيث: سبخة تقع غرب القطيف، ممتدة شمالا إلى محاذاة "راس أبو مريخة" غرب سبخة الرياس، جنوبا إلى محاذاة الظهران وهي من أطول السبخات)[35] .

ونحن نرى أن الضبية ليست سبخة كما هو الوضع الذي شاهدها عليه شيخنا، في الثمانينات من القرن العشرين بل كانت فيما مضى بلدة عامرة، وكان آثار ذلك العمران باديا للعيان حتى أواخر النصف الأول من القرن العشرين، وفي منتصف النصف الثاني من ذات القرن يوجد بهاما يؤيد ما ذهبنا إليه، وعندما أسست أول المزارع الحديثة في المنطقة نفسها، وجد البعض أساسات جدران لمباني قديمة فيها، وضاع اسمها فيما بعد كما هو الحال للمناطق الأخرى التي كانت بين مزارع النخيل حيث أطلق عليها (افدية)، وهي في الأساس قرى اختفت من الوجود، وتقع الضبية جنوب غرب الخترشية وجنوب شرق السعلول.

ومن الأمكنة التي غابت تحت الرمال وتحولت إلى سباخ بسبب قربها من الساحل ولم يعد أحد من أبناء المنطقة يعرفها بـ(الكاظم)، والكاظم جمعها كواظم: من الأسماء التي أطلقها الساسانيون على بعض المناطق في غرب الخليج العربي وسوق اليماني شمال الضبية والسدرة وأبو همزة وغيرها كثير، وهذه المناطق امتداد إلى منطقة المزار، ما زلت أذكر انه في سنين الدراسة الابتدائية، كنت برفقة بعض زملاء الدراسة، وقد ذهبنا إلى الأوجام عبر المكان ذاته ورأينا العديد من كسر الفخار وكان بعضه كبير فعملنا على تهشيمها اعتقادا منا بأنها مخلفات قوم كفرة.

وأظن أن أصل ضبية كان في الأصل ظبية حذف منها عمود الظاء.

والضبية من المناطق القديمة، ومن المؤسف لم ألتقي بأحد يعرف عنها شيء غير قولهم كانت مسكونة، فمتى هجرت علمها عند ربي.

[1]  التنبيه والأشراف، المسعودي، عام 1981م، ص357.

[2]  معجم البلدان، ياقوت الحموي، سنة 1410هـ- 1990م ، ج5، ص20-21.

[3]  خارطة الجزيرة العربية في عهد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) مجلة تراثنا نشرة فصلية تصدر عن مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث العدد (25) السنة السادسة شوال عام 1411هـ.

[4]  معجم الشرقية (البحرين قديماً) الجاسر ج/3 عام 1410هـ- 1981م ص1124.

[5]  المصدر السابق ج/3 ص1124-1125.

[6]  تاريخ هجر، طبع عام 1410هـ - 1990م، ج1، ص177.

[7]  منين جاءت هنا مستغربة في الأدب الشعبي لأنهى آتية من اللهجة العراقية بمعنى (من أين) وهو أمر يحتاج إلى إعادة نظر ومراجعة. كما أن إيراد كلمة العبا هنا في هذا الشعر الذي يمتدح فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته قد يقصد فيه (العباءة) أي الكساء اليماني الذي ضم الرسول وأهل بيته وسمو بعد ذلك بأهل الكساء (المدقق).

[8]  مريم بن حسن عبدالله المسلم، من مواليد 1337هـ، توفيت صباح يوم الجمعة 10/ 8/ 1409هـ. كانت تحفظ الكثير من الأشعار والأهازيج الشعبية، وهي إضافة إلى ذلك بارعة في تجبير الكسور، وتجيد عمل المساج، وكانت تقوم بهذه الأفعال (مجاناً) بدون أجر قربة إلى الله تعالى.

[9]  ساحل الذهب الأسود/ المسلم ص 143. معجم الشرقية مصدر سابع ج/3 طبع 1401هـ- 1981م ص 1124-1125. الموسم (مجلة فصلية) العددان 9-10 سنة 1991م ص533.

[10]  قرآن كريم: سورة الفرقان آية (52) سورة المرسلات آية (20).

[11]  مسفر عايض القحطاني.

[12]  ساحل الذهب الأسود سنة 1962م ص56.

[13]  سيد محمد السيد علي الزين 5/ رمضان/ 1422هـ –20/ 11/ 2001م.

[14]  ساحل الذهب الأسود ص56.

[15]  مختار الصحاح، ص131.

[16]  معجم الشرقية ج/2 ص850.

[17]  معجم الشرقية ج/1 ص168.

[18]  علي محمد قريش: مساء يوم 13/5/1986م كان الحديث في ساحة الصبيغاوي.

[19]  علي عبدالله آل سند: سمعت ذلك منه في معرضه بالقطيف في يوم الثلاثاء 27/2/2001م – 4/ذي الحجة/1421هـ.

[20]  حولية أطلال تصدر عن الإدارة العامة للآثار والمتاحف/ وزارة المعارف السعودية بالرياض عام 1404هـ-1984م.

[21]  معجم الشرقية ج/2 طبع سنة 1400هـ- 1980م ص694.

[22]  معجم البلدان ج/2 ياقوت الحموي ص291.

[23]  معجم الشرقية ج/2 ص486.

[24]  معجم الشرقية ج/1 ص171-172.

[25]  الواحة عدد 4 شوال سنة 1416هـ – مارس 1996م ص10.

[26]  رسائل الرسول طبع سنة 2000م/ اعداد سعيد حسين ص59-60 ساحل الذهب الأسود ص56.

[27]  لم أجد ذكر لهذا البلدة في أي من المراجع لدي.

[28]  معجم الشرقية ج/2 ص829.

[29]  ذات المصدر ج/3 ص1344.

[30]  المواطن علي محمد كريم آل براهيم.

[31]  كنت قد كتبت/ أبو بكر عبدالله محمد ابراهيم الشمري ص41.

[32]  معجم الشرقية ج/2 ص598-599.

[33]  ديوان علي بن المقرب العيوني طبعة أولى عام 1383هـ- 1963م. ص 538- 539. معجم البلدان ج3 ص 526-527.

[34]  نفس المصدر ج5 ص593.

[35]  معجم الشرقية ج3 ص 1020.
كاتب
370311