أبو البحر الخطي
عن حياته وشعره
حسين علوي الجراش * - 15 / 10 / 2007م - 4:44 ص - العدد (3)

 

هو الشيخ أبو البحر شرف الدين جعفر بن محمد بن حسن بن علي بن ناصر بن عبد الإمام العبدي، من عبد قيس بن شن بن أفصى بن دغمي بن جديلة بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان الخطي، نسبة إلى بلاد الخط.

لقد اختلف المؤرخون في الجهة التي أتى منها والده، بعضهم قال أنه أتى من البحرين (أوال)، وبعضهم  قال أنه أتى من الأحساء، ولكن مما لا شك فيه أن شاعرنا العبقري ولد في قرية التوبي، وهي إحدى قرى القطيف تحيط بها النخيل والبساتين الجميلة، والتي يقول فيها الشاعر:

يا قرية التوبي إليك إليك
 أن الجمال أطلَّ من عينيك
 

بدأت ملامح حبه للأدب والشعر تظهر وهو مازال ليّن العود، أحب تراثه القديم وأخذ ينهل منه، فتأثر بالمتنبي والشريف الرضي،وكان لكثرة العلماء والأدباء في بلاده الأثر الكبير في تربية ذوقه وتغذية شاعريته، وكذلك جمال الطبيعة والحياة الفطرية البسيطة التي تركت في أعماق نفسه، وخلجات وجدانه، بالغ  الأثر، وزرعت في داخله بذور العشق والحب للتراب والأرض، فطار شاعرنا وهو يغني الأغاني الجميلة والحزينة وهو ما زال يافعاً يرمي بنظره هنا وهناك.

جاء هذا البلبل الصداح في عصر بدأ الأدب فيه يتهالك، وبدأت شمعته بالإنطفاء، وجذوره باليـبس والموت.

لكنه أصبح علامة دهره، حيث أعاد للأدب شيئاً من رونقه وجماله، فذاع سيطه بين البلدان، وأصبح العوام والخواص يشيرون إليه بالعبقرية والإبداع.

وكان شاعرنا دائم السفر والترحال. ذهب إلى البحرين ومدح الأمراء ورجال الدين وبعض من له صلةٌ بهم. وسافر إلى العراق وإيران، وقد شهد له العلماء والآدباء بالفضل والأدب والأخلاق والعلم، فهو مع ما يملكه من الشاعرية الفذة والسحر البياني البديع، عالمٌ بأصول الشريعة المقدسة، ملمٌ بأحكام الفقه، محيطٌ بالفروع والشرائع الإسلامية الحنيفة.

أجمع نقاده على أنه شاعرٌ مطبوعٌ، حسن السبك، جميل المعاني، لا يتكلف في لفظه وهو من شعراء المائة الحادية عشرة في أوائلها. وممن شهد له بذلك العلامة الشيخ البهائي فعرض عليه أدبه فأعجب الشيخ به، واقترح عليه معارضة قصيدته الرائية المشهورة (سرى البرق من نجدٍ فهيّج تذكاري) فطلب منه أن يمهله شهراً، ثم طلب منه يوماً واحداً، ثم أنشأها في مجلسه نفسه (هي الدار تستسقيك مدمعك الجاري) وكان الشيخ الخطي على الرغم مما هو عليه من البؤس والأملاق، رفيع النفس، بعيد الهمّة، فخوراً بنفسه.

له ديوان شعر كبير حاوٍ لجميع فنون الشعر، جمعه في حياته روايته ومنشده: الحسن بن محمد الغنوي الهذلي، بأمر السيد الشريف جعفر بن عبد الجبار العلوي، وقد ذكره السيد علي خان في (السلافة) وأثنى عليه بالأسجاع المعروفة في ذلك الزمان. قال فيه: (ناهج طريق البلاغة والفصاحة، الزاخر الباحث الرحيب الساحة، الشاعر الساحر البيان).

توفي سنة 1028هـ في بلاد فارس، سقى الله جدثه الرحمة والرضوان، وإليك بعض النماذج من شعره "معارضاً أبو نواس":

وليلةٍ بتَّ تجلو لي حنادسها

كالنار والماء إن شيمت وإن لمست

شمطاءُ عذراءُ في دنٍّ وفي قدحٍ

كأنها في الدجا والزقّ يقذفها

يسعى بها شادنٌ ميلٌ معاطفه

له محلان في قلبي وفي بصري
 مدامة كدم المذبوح حمراءُ

وفي الحقيقة لا نارٌ ولا ماءُ

فاعجب لها وهي شمطاءٌ وعذراءُ

برق لها من خلال الغيم لألاءُ

داجي الغدائرِ قاني الخد أحواءُ

سواد هذا ومن ذاك السويداءُ
 

وقال عندما عبر البحر من قرية (كتكان) في البحرين قاصداً قرية بوبهان، أصابته سبيطية في جبهته:

برغم العوالي والمهندة البترِ

ألا قد جنى بحر البلاد وتوبلي

دمٌ لم يرق من عهد نوح ولا جرى
 دماءٌ أراقتها سبيطية البحرِ

عليّ بما ضاقت به ساحة البرِ

على حدِّ نابٍ للعدو ولا ظفرِ
 

إلى أن قال :

لعمري أبي الخطي ان بات ثاره

فثار عليٍ بات عند بن ملجمٍ
 لذى غير كفو وهو نادرةُ العصرِ

وأُعقبهُ ثار الحسين لدى شمرِ
 

وقال مشتاقاً إلى بلاده:

هلاّ سألت الربع من سيهات

ومجرُّ أرسان الجياد كأنها

إن القطيف وان كلفت بحبها

إذْ أين جزت رأيت فيها مدرجى

لأجلُّ ملتمسي وغاية منيتي
 عن تلكم الفتيان والفتياتِ

فوق الصعيد مسارب الحياتِ

وعلت استيطانها زفراتي

طفلاً وأترابي بها ولداتي

أني أقيمُ بتلكمُ الساحاتِ
 

وقال في الرثاء:

معاهدهم بالأبرقين هوامدُ

ولولا أحمرار الدمع لا نبعثت بها
 رزقنَ عهاد المزن تلك المعاهدُ

سحائب دمعٍ بالحنين رواعدُ
 

إلى أن قال :

ولم يبق إلا واحد الناس واحداً

يكرُ فينثالون عنه كأنهم

يحامي وراء الطاهرات مجاهداً

فما الليث ذو الأشبال هيج على طوىً

ولا سمعت أذني ولا أذن سامعٍ

إلى أن أسأل الطعن والضرب نفسه

وأعظم شيء ان شمرا له على

وان قتيلاً أحرز الشمر شلوه
 يكابدُ من أعداته ما يكابدُ

مهىً خلفهنّ الضارياتُ الشواردُ

بأهليبأشجع منه حين قلَّ المساعدُ

وبي ذاك المحامي المجاهدُ

بأثبت منه في اللقا وهو واحدُ

فخرَّ كما أهوى إلى الأرض ساجدُ

جناجن صدر ابن النبي مقاعدُ

لأكرم مفقودٍ ليبكيه فاقدُ
 

وقال في قصيدته التي عارض بها الشيخ البهائي عندما مرَّ به في أصفهان وطلب منه أن يعارض قصيدته (سرى البرق من نجدٍ فهيّج تذكاري) فعارضه في نفس الوقت وقال:

هي الدار تستسقيكَ مدمعكَ الجاري

فلا تستضعْ دمعاً تريق مصونه

فأنت امرؤٌ قد كنت بالأمس جارها
 فسقياً فأجدى الدمع ماكان للدارِ

لعزته ما بين نؤيٍ وأحجارِ

وللجار حقٌ قد علمت على الجارِ
 

إلى أن قال :

إلى ماجدٍ يعزى إذا انتسب الورى

ومضطلعٍ بالفضل زرت قميصه

سمي النبي المصطفى وأمينه

به قام بعد الميل وانتصبت به

فلما أناخت بي على باب داره

فكان نزولي إذ نزلت بمعزفٍ

أساغ على رغم الحوادث مشربي

وأنقذني من قبضة الدهر بعدما
 إلى معشر بيضِ أماجد أخيارِ

على كنز آثارٍ وعيبة أسرارِ

على الدين في إيراد حكمٍ وإصدارِ

دعائم قد كانت على جرفٍ هارِ

مطاياي لم أذمم مغبة أسفارِ

على المجد فضل البرد عارٍ من العارِ

وأعذب ورد العيش لي بعد إمرارِ

ألحَّ بأنيابٍ عليَّ وأظفارِ
 

وقال معتذراً من الشريف أبي عبد الله الحسن بن عبد الرؤوف العلوي:

يا سيداً عظمت مواقــ

هذي مواهبك التي

ما بالها كثرت على

لم أدري أي خطيئةٍ

خطبِّ لعمر أبي تضيــ
 ــع فضله عندي وجلتْ

سقت الورى نهلاً وعلتْ

غيري وعني اليوم قلتْ

عثرت بها قدمي وزلتْ

ـــقُ به السماء وما أظلتْ
 


--------------------------------------------------------------------------------

:الهوامش
 

1) كتاب الأزهار الأرجية، للمرحوم الشيخ فرج العمران.

2) ديوان أبو البحر الشيخ جعفر الخطي.

كاتب
358516