التوجه القلبي للقرآن المجيد
الشيخ أحـمد الخليفة * - 6 / 3 / 2011م - 7:35 ص - العدد (26)

قال الله تعالى:: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا صدق الله العلي العظيم.

كثيرة هي الأفكار والرُؤى والمبادئ المرتبطة بالقرآن الكريم والتي نعرفها جميعا وتمر علينا مرارا وتكرارا طوال حياتنا ومع كثرتها من جانب و عظمة القرآن من جانب آخر حيث يمثل المعجزة الكبرى لأفضل نبي بعثه الله للخلق أجمعين، ومع ما فيه من المعاجز والكرامات والآيات، إلا أن الإنسان يبقى يتعامل مع هذا الكتاب السماوي ومع رسالة الله للخلق تعاملا جزئيا ومحدودا وبسيطا. وتأتي فائدة مجالس الذكر حينما يسمع المؤمن موعظة وتذكيرا من آية أو رواية من الروايات فإنه لا يشغل باله بأن هذه الفكرة معروفة وقد سمعها مرارا. إن الفكرة بحد ذاتها ليست هي الأزمة الكبرى التي يعاني منها أبناء الأمة الإسلامية، وإنما الأزمة الحقيقية هي فقدان روح الفكرة الدينية تلك الروح التي إذا انضمت مع الفكرة ومع العقيدة ومع الحكم الشرعي فإنها تجعل الإنسان ينطلق إلى الفضائل وهو محب وراغب وعاشق وواله، ولا ينفذ ذلك وهو يشعر بالكسل والخمول أو بالتثاقل. كما تحدثنا بعض الآيات عن أناس أنهم إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى وإذا أنفقوا لا ينفقون إلا وهم كارهون، وهذا الخط العريض الذي إذا فهمه الإنسان بدأ يتعلم كيف يبحث عن روح الأفكار وعن النفحة الإلهية وراء المعلومة التي يسمعها. فنحن إذا سمعنا آية أو دعاء من الأدعية أو حديثا من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ووجدنا لذلك وقعا في القلب وأثرا في النفس فلنعرف أن هناك تجاوبا بين القلب وهذه الفكرة وأنها وصلت إلى قلوبنا مع روح ومحتوى ولب وجوهر تلك الفكرة الإلهية، وإلا فهاهي الأبواق التي ترتل القرآن وتتحدث بالآيات والأحاديث والمواعظ ولكن لربما أن هناك من يتحدث بهذه الأمور رياء وسمعة وربما أن هناك ألوفا بل ملايين من بني البشر يسمعون ذلك الحديث ولكنهم لا يشعرون انهم معنيون به. لذلك في علاقتنا مع القران يجب أن نتميّز من جانب ونتطور من جانب آخر وان هذا المستوى الذي ورثناه نحن في مجتمعنا بأننا نسلم بهذا الكتاب وان هذا الكتاب موجود في كل بيت وأننا نقرأه في مختلف المناسبات فيجب أن نتميّز حينما نلتزم به ونطبقه ونكون أحد حاملي راياته.

القرآن يقود الإنسان إلى الجنة

من جانب آخر يجب أن نتطور حينما نأخذ كل آية تدفع الإنسان للتقدم في مسيرته إلى الله وكل آية تحثه على فضيلة من الفضائل لم يلتزم بها بعد فليعلم انه معنيُّ بها وأنها سوف تلاحقه إلى قبره والى يوم القيامة وكل آية من الآيات ستتجسد للإنسان وتطالبه فإن طبّقها رفعته درجة وإن لم يطبقها ركس في نار جهنم أعاذنا الله وأياكم منها. فكل آية أو سورة في هذا القرآن هي عبارة عن كيان حي له روح ووجدان وله أحاسيس حتى جاء في بعض الروايات "أن من جعل القرآن أمامه قاده إلى الجنة ومن جعله خلفه ساقه إلى النار". فكيف يجعل أحدنا القرآن إمامه؟ كلما أراد هذا الإنسان أن يتصرف في هذه الحياة ويخطط لنفسه ويبرمج لمستقبله فانه ينظر إلى ما يريده القرآن فيأخذ تعاليمه وينطلق فإذا اخذ بتعاليم القرآن قاده إلى الجنة، ولماذا يجعل الإنسان منا القرآن يسوقه إلى النار؟ لأنه سوف يتحرك حسب ما تهواه نفسه أو تمليه عليه تصوراته البشرية فيؤدي به إلى ضلال الطريق الإلهي، وبالتالي فإن القرآن سيسوقه إلى النار والعياذ بالله، ونحن نأمل بان يكون القرآن دائما إمامنا حتى نضمن أن يقودنا إلى الجنة، لذلك فان هذا القرآن وما فيه من عظمة فإن الإنسان لا يتمكن من أن يستفيد منه إلا إذا تعامل معه تعاملا جادا، بمعنى انه لا يكفي للإنسان أن يقتني القرآن ويأخذ نسخة جميلة منه ويضعها في مكتبته أو أن يحمله معه في أوقات المناسبات أو يرتله في فاتحة من الفواتح أو ختمة من الختمات فحسب، وربما يردد الواحد منا بعض آيات هذا الكتاب في شهر رمضان ثم يقول له الفراق إلى شهر رمضان التالي أو إلى فاتحة تالية. إن مثل هذه الحالة إذا وقع فيها الإنسان فإنه يكون قد خسر العلاقة المتميزة مع كتاب الله تعالى.

كيف نستفيد من القرآن

نلخص ذلك فيما يلي:

- إن القرآن ينمي العلاقة الروحية بالله تعالى:

إن العلاقة الروحية كلمة تدل على الشعور القلبي الذي يحفظه الإنسان في نظرته وتفكره وتأمله مع ربّه وخالقه، وإذا تأملت مع الله قليلا فماذا تشعر في الأعماق؟ انك تشعر بالحب والرغبة فيما وعد الله وخوف مما توعد وأنذر وبحنين إلى الفضائل وكره للرذائل وهذه الحالة تسمى حالة روحية وحالة إيمانية. عندما يكون إنسان ما في عمله ويحفظ لمدير العمل احتراما معيّنا فانه يحب أن يعطيه ذلك المدير بعض الأعمال لينفذها باجتهاد آملا أن تكون له مكانة عنده. وعندما يبني تاجر مع تاجر آخر علاقة فإنه يأمل أن يحقق معه صفقة رابحة و يتعامل معه بجد ورغبة.

إن مصطلح الرغبة هو شيء نفهمه بلا تردد لأننا نحسه في رغباتنا الدنيوية.. فهل نجد مثل هذه الرغبة والإرادة في تعاملنا مع الله و آياته ومع هذا العرض القرآني العظيم وهذا التبتل والرقي والتسامي؟ حينما يفتح أحدنا القرآن ويرى في الآيات أسماء الله الحسنى، ويتردد ذكر كرم الله وجوده ورحمته ومغفرته، كما يرى تعدد بدائع صنعه ومخلوقاته. وحينما يرى هذه الآيات التي تعظه بالتي هي احسن.. بالترغيب والترهيب تارة، والتسارع و التنافس أخرى.. فتقول له هلم إلى رحمة الله وإلى جنان الخلد والى مقعد صدق عند مليك مقتدر والى جنة عرضها كعرض السموات والأرض أعدت للمتقين، وتعال إلى الحور العين والولدان المخلدين، وانهار من خمر وعسل.. تعال وهلم فهناك رحمة واسعة. ألا يحب الواحد منا الشخص الذي يدعوه إلى مأدبة بسيطة ويعطيه منفعة، فكيف إذا دعانا الله عز وجل؟ إن هذا من المفترض أن ينمي العلاقة الروحية بالله جل وعلا. يقول الإمام علي (عليه السلام) في وصف علاقة المتقين مع القرآن: فإذا مرّوا بآية فيها ترغيب (جنة ونعيم…) ركنوا إليها طمعا وإذا مرّوا بآية فيها تخويف توقفوا عندها خوفا وخشية وكأن زفير جهنم يدوي في آذانهم، خوفا من العذاب ورغبة في الثواب). وهذا نموذج من الحياة الروحية للمؤمن وهو يقرأ كتاب الله وهو راغب في القراءة وليس كمن ينتظر متى ينتهي من الجزء الذي يقرأه.. وهو يأمل أن يزداد هدى، وان الذين يتزودون قوة إيمانية ومعنوية من القرآن يعتبرون من الرابحين لأن عندهم بحراً لا حدّ له وهم عطشى ويرتوون منه كلما حنوا وحبوا وشاءوا.

- إن القرآن ينمي القدرة الفكرية عند الإنسان، وينمي قدرته على التفكر في الحياة بالمنظار القرآني والتفكر العميق لكسب الدرجات الأخروية ومعنى التدبر في القرآن هو أن يقف الإنسان عند الآية ويتفكر فيها. وينظر ما تعني وعلى من تنطبق وكيف يستفيد منها. والآية القرآنية التي بدأنا بها الحديث تقول: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا... وان الإنسان الذي يتمكن من التفكر في هذه الآيات فيعتبر قلبه مفتوح وأما الذي لا يتمكن فالآية تقول إن قلبه مقفل، بمعنى أن فكره وروحه من الداخل معطلة ولا تعمل ويمر على الآيات بالمئات ولكنها لا تزلزل قلبه ولا تحرك مشاعره ولا تجلب منه دمعة ولا شوقاً إلى ما وعد الله تعالى فان هذا القلب فيه علل ونواقص، والآية توضح هذا المعنى، ولابد لهذا القفل من الطرق وكثرة التفكر والتدبر ومحاولة الفهم والعلاقة مع القرآن لتنفيذ ما فيه من أوامر وتوجيهات.

فلنأخذ مثال استخدامات اليدين اليمنى واليسرى فإنك تجد أن اغلب الناس أن يدهم اليمنى أقوى من اليسرى فما هو السبب؟ لأنه يعتمد دائما على اليد المنى وكثيرا ما يستخدمها وعلى كل حال إن الإنسان كلما استخدم عضلة من عضلات جسمه قويت تلك العضلة وقوى ذلك العضو وإذا أهمل أخرى ضعفت ونرجع إلى أن هذا الفكر إذا كان اغلب ما يشغله الدنيا والتفكير الحياتي فإنه يكون نشطا وفاعلا في الفكر في الأمور الحياتية وإذا قل تفكره فيما يرتبط بالآيات وفي أمر الله والقرآن والأدعية فإن قدرته تضعف، ولو قرأت الآن آية من الآيات وقلت لمن حولك من الناس لنفكر في هذه الآية فماذا يفهم كل واحد منا؟ وما هي الأبعاد الفكرية والعقائدية والأخلاقية والاجتماعية والسياسية لهذه الآية؟ ربما البعض يجد أن هذا الأمر ثقيل ولم يتعلم أن يفكر فيه ولكن قم بطرح مشروع تجاري فإنك تجد مشاعره وأحاسيسه قد عملت بأجمعها لأن ذلك أمر ملموس ومتعود عليه، وهذا الأمر طبيعي لأن كل شيء يتعود عليه الإنسان فإنه يكون نشطا فيه والذي يكون غير متعود عليه فإنه يكون ضعيفا فيه، والمشكلة إذا كان الإنسان يمر به العمر وفكره وتفكره وتدبره وتلك القدرة الروحية والمعنوية تبقى معه ضعيفة ويموت وهي كذلك ويلقى الله ضعيف الفكر والإرادة والعزيمة ولم يستفد من هذا الميدان وهذه الساحة التي فتحها الله لمن يريد أن يقوى تفكره وتأمله وتدبره.

إن في القرآن الكريم آيات متعارضة من حيث الألفاظ وإن الإنسان إذا كان يفكر ويقارن بين الآيات فإن فكره ينمو، وفي هذا القرآن أمثال وقصص و مشاهد كلها تستحق أن يتوقف عندها الإنسان ويفكر، وهذه واحدة من الغايات الكبرى التي تجعل الإنسان ذا حظ عظيم، فكلما تفكر ولو لساعة يوميا كانت له افضل من عبادة سنة فهناك آيات تدعو الإنسان بأن يتفكر في خلق السموات والأرضين والنفس، وأخرى في مصير الأقوام الماضين والمصير الذي ينتظر كل إنسان.. بل قد يكون هناك تدريبات في بعض الآيات على التفكر كمثل قصة نبينا إبراهيم (عليه السلام) عندما رأى النجم قال هذا ربي فلما أفل انتقل إلى القمر فلما أفل ورأى الشمس قال هذا ربي هذا اكبر فلما افلت قال يا قومي إني بريء مما تشركون فان الإنسان يجب أن يفكر ويرى في أي شيء تكون مصلحته الحقيقية ويحب يبحث يمينا ويسارا ثم يرسو على المصلحة الحقيقية التي يجب أن يحققها في حياته.

- يعطي للإنسان قدرة على التخلق بأخلاقيات الله:

والالتزام بالخلق الكريم فأحيانا يكون منطق الناس منطقا حياتيا ومحدوداً ولا يفكرون في الأبعاد الأخروية ويأتي القران ويبين لنا قصة أبناء أبينا آدم (قابيل وهابيل) فقابيل أراد أن يذبح هابيل على مصلحة دنيوية فقال له هابيل: ﴿لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) سورة المائدة، فإن هذا خلق في التعامل مع من يختلف الإنسان معهم من الناس، خاصة أن التعاليم الأخلاقية تقول: إذا أساء إليك أخوك عن يمينك ثم دار إلى يسارك واعتذر إليك فعليك أن تقبل عذره. ويعرض القرآن لنا قصة نبي الله يوسف عندما تآمر عليه اخوته وهو صغير وبعد أن تحول إلى عبد وسجن سبع سنوات أو أربعة عشر ثم بعد ذلك عفا عن اخوته وقال ﴿قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (92) سورة يوسف. وهذا خلق يبينه القرآن عبر قصة حيوية نقرأها لا لكي نتسلى بها كقصة وان نهايتها كانت بهذا الشكل والسلام، إلاّ أن هذا مجال لمن يريد أن ينمي قدرته الخلقية في الصفح والإحسان والعفو والرحمة في علاقته مع الآخرين حتى روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) انه كان خلقه القرآن بمعنى أن كل تصرف من تصرفاته كان ينبع من صميم الخلق القرآني ومهمتنا نحن أن نقتفي هذا الأثر ونسير في هذا الطريق.

- إن القران الكريم ينمي عند الفرد الوعي الديني والاجتماعي:

وكثير من الأحيان إذا سيطرت على الإنسان المفاهيم القبلية والمصلحية والعشائرية فإنه يضل ضلالا مبينا، وإذا ألمت به المصاعب والغموم والمشاكل قد ييأس، ولكن الله تعالى وعبر آيات عدة في هذا القرآن يعطي للإنسان درجة عليا من الوعي والفهم والانتباه فتجد أن الله إذا أراد أن يوعي هذا الإنسان بأن هذه الدنيا زائلة فلا يكتفي بأن يقول في الآية ﴿إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ.... لا، بل نجد عندما عرض الله تعالى قصة قارون الذي خرج بزينته على القوم كما تنص الآيات ﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ وحسب تعبيرنا المعاصر انظر كم يملك من عقار وكم هو رصيده البنكي... الخ، وربما لا تخلو قلوب كثير من أبناء المجتمع من هذا التمني دون أن يعلم بأن هذا من الأخلاق المذمومة كما تعرضه الآية لأن الله نسبه لطلاب الدنيا في مقابل طلاب الآخرة فالقرآن يقول للإنسان لا تتوقف عند هذا الحد ولا تتمنى ما عند غيرك، أما الذين أوتوا العلم قالوا: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلا الصَّابِرُونَ (80) سورة القصص، فالثواب افضل من هذه الزينة التي خرج بها قارون، ونجد ذلك عندما قال القرآن﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ وأن تلك الأموال وتلك الكنوز والتي تنوء بمفاتيحها سبعين جملا قد ذهبت كلها في لحظات فقال الذين يتمنون مكانه بالأمس القريب ﴿وَيْكَأَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ الحمد لله إننا لم نكن مثله وإلا لهلكنا معه، وان هذا التصوير القرآني نجده بين دفات هذا الكتاب فيعلم الإنسان درسا بأن لا يتمنى دنيا لم تصل إليه برزق من الله فان هذا يعتبر سببا من أسباب الخيبة والضياع إذا شغل الإنسان تفكيره بمثل هذا الأمر.

ومن الأمور التي تعطي الإنسان أملا وثقة في هذه الحياة قصة الخضر(عليه السلام) وحقيقة أن قصته من القصص المثيرة جدا كما يسردها القرآن مع نبي الله موسى عندما ركب معه في سفينة فخرقها وعندما مر على غلام فقتله وبنى جدارا فقال له موسى لو شئت لاتخذت عليه أجرا كما نعرف أحداث هذه القصة، وهذا النبي (الخضر) الذي كتب الله له الحياة الخالدة نجد انه يتصرف في هذه الحياة بتصرفات متعددة يوميا من هذا القبيل وربما الكثير منا يجهل خبايا كثير من الأحداث سواء كان هو منفذها بنفسه أو آخرون ولكنها ضمن التخطيط الإلهي، فإن هناك حكمة تحكم هذه التصرفات و الأحداث وكل ذلك لمصالح إلهية. إن الظاهر العام لهذه السفينة عندما خرقت أن أهلها خسروها ولكن عندما تبين أن هنالك ملكاً يأخذ كل سفينة غصبا، تبين سبب خرقها حيث تركها الملك لذلك العيب. والولد الذي قتله تبين انه ولد غير صالحاً وقد خلصهما الله منه ورزقهما آخر صالح، وبالنسبة للجدار تبين أن تحته كنزاً من العلوم الإلهية وقد حفظها الله لينتفع بها هؤلاء الأيتام وينتفع به الناس ولينطلقوا في مسيرة إلهية ملؤها الوعي والمعرفة، وكثير من الأحداث التي تقع علينا فنرضى أو نحزن بينما إذا تفكرنا في أحداث هذه الحياة لوجدنا أن لها مدبراً ولماذا الحزن "ولعل الذي أبطأ عني هو خير لي لعلمك بعاقبة الأمور".

- إن القرآن مرجع توثيق لكل الأحاديث والروايات:

فنحن إذا سمعنا حديثا أو رواية فكيف نأخذ بها، فلو أن شيئاً من الأعراف والعادات انتشر في المجتمع ولا نعلم هل أن هذا موافق لما أراد الله أم لا؟ فنأتي ونرى أن تعاليم الأئمة سلام الله عليهم تقول لنا: "اعرضوا كلامنا على كتاب الله فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالفه فزخرف وفي بعض الروايات أن ما خالف كتاب الله فارموا به عرض الحائط"، وقد اعتمد ذلك الفقهاء والأصوليون في معرفة صحة بعض الروايات أو بطلانها وان هناك ألوفاً من الروايات المغلوطة والمزورة التي دست في الكتب من مخربين وطامعين في الدنيا وأصبحت المسئولية كبيرة على رجال العلم بأن يحققوا ويدرسوا الرواية بشكل مفصل.. من قالها؟ ومتى؟ وكيف؟ و ما هو معناها وهل تتعارض مع رواية أخرى أم لا؟ وهل تتوافق مع القرآن أم تعارضه؟ فإذا قرأنا القرآن علينا أن نقوم بالمقارنة بين ما نرى في الواقع وبين تعاليم آياته، وعرضنا أنفسنا و ما يوجد فيها من رغبات وأهواء ومستويات على ما في القران من صفات إيمانية ودرجات وهدى، كعملية مراجعة للحسابات ومراجعه للصفات والأفكار والعادات والتقاليد، فالقرآن حبل ممدود بين السماء والأرض، والثقل الأكبر، حتى أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقول: "إذا أقبلت عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن" فعندما تواجه أزمة أو ضيقا فخذ الزاد من القرآن فإنه يعطيك الفكرة والعزيمة والروحية العالية، وان هذه الروح التي نتحدث عنها إذا اكتسبها الإنسان وقرأ آيات الله تعالى فإنه يكون من الذين يتزودون من هذه المعاني والمعارف والروحيات الإلهية، ويكفي هذا الكتاب فخرا أنه كتاب الله عز وجل وهو كلام الله إلى الخلق.

أحاديث تنير الطريق نحو عالم القرآن وأهله

1ـ يقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).. "خيركم من تعلم القرآن وعلمه".

2ـ ويقول:."يقال لصاحب القرآن اقرأ وأرقى ورتل كما كنت ترتل في دار الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية كنت تقرأها".

3ـ ويسأل رسول الله في أثناء دفن شهداء معركة أحد من يضعون أولا فيقول: "انظروا أكثرهم جمعا للقرآن فاجعلوه إمام صاحبه".

4ـ وبعث رسول الله وفدا إلى اليمن وأمّر عليهم أصغرهم فقالوا: "يا رسول الله أن هذا أصغرنا فكيف تأمره علينا فقال لهم رسول الله لقراءته للقرآن".

وقد ظهر في هذا الزمن مواهب قرآنية إلهية لمجموعة من الأطفال يجاوبون على الأسئلة بطريقة أشبه ما تكون بكرامة إلهية ومواهب قد أعطاها الله لهؤلاء الأطفال فإنهم بعلمهم هذا هم الذين سيكونون قادة المستقبل وان هذه من بشائر الخير.

5ـ ويقول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): "إذا احب أحدكم أن يحدث ربه فليقرأ القرآن".

6ـ وقال: "إن هذه القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد فقيل: يا رسول الله فما جلاؤها فقال بتلاوة القرآن" هكذا تتطهر القلوب من الصدأ، والصدأ هو عبارة عن جملة من التعلقات الدنيوية والغفلة والجهل.

7ـ ويقول (صلى الله عليه وآله وسلم).. "عليكم بقراءة القرآن فإن قراءته كفارة للذنوب، وستر في النار وأمان من العذاب".. إن هذه إغراءات عظيمة ولا يوجد مبرر للبعض من الذين يتعاملون مع القرآن بشكل جزئي وبسيط ولا يفتحه إلا في مناسبات نادرة.

8- ويقول: "من قرأ القرآن فكأنما استدرِجت النبوة بين جنبيه" وكأن النبوة تتغلغل في أعماقه إلاّ أنه لا يوحى إليه فكيف أن التكامل الإنساني يجعل الإنسان يترقى بمثل الصفات النبوية في شخصية الإنسان.

9ـ ويقول الإمام الصادق عليه السلام وهو يفسر قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ فقال: أي الذين يرتلون آياته ويستفهمون معانيه ويعملون بأحكامه ويرجون وعده ويخشون عذابه ويتمثلون قصصه ويعتبرون بأمثاله ويأتون بأوامره ويجتنبون نواهيه.

10ـ وقال (صلى الله عليه وآله وسلم).. "اقرؤوا القرآن بحزن فإنه نزل بالحزن" بمعنى أن يقرأ بخضوع وترتيل وتفنن وتجويد حتى تحصل عنده حالة الخشوع مع مثل هذه القراءة.

 11ـ ويقول: "اقرؤوا القرآن وابكوا وان لم تبكوا فتباكوا".

12ـ ويقول.. "من استمع إلى أية من كتاب الله كتبت له حسنة مضاعفة ومن تلى آية من كتاب الله كانت له نورا يوم القيامة".

كل تلك الروايات هي دعوات من الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) جعلنا الله من السالكين لهذا الطريق والمتمسكين به ومن المهتدين بهذا الكتاب العظيم وان يجعله ربيع قلوبنا وجلاءً لهمومنا وغسيلاً لذنوبنا.

عالم دين - السعودية.
358078