التسحير في المجتمع الخليجي (تاروت نموذجاً)
قرن ونصف من نموذج التسحير الخليجي تسحقه العادات الجديدة
جعفر محمد العيد * - 6 / 3 / 2011م - 8:34 ص - العدد (26)

التسحير عادة إسلامية قديمة، وشعيرة من شعائر الدين الإسلامي، فقد كانت المجتمعات الإسلامية قليلة العدد وبيوت المسلمين متلاصقة، بحيث مكنت مجموعة المسحرين في كل مدينة من المدن الإسلامية الشهيرة قادرين على تقسيم الحارات والأزقة فيما بينهم. أما الآن وبعد أن كبرت المدن، وأصبح فيها عمائر شاهقة، وازداد عدد السكان، أصبح من الصعب التعامل معها على الطريقة القديمة.وينقل لنا التاريخ إخبارا عن اثنين من اشهر المسحرين في العالم الإسلامي وهما ابن نقطة في بغداد، والزمزمي في مكة المكرمة.

ابن نقطة في بغداد

كان ابن نقطة يوقظ الخليفة الناصر في بغداد، وقد عرف ما يقال في التسحير في أيامه (بالقوما) من قوله

(قوما تسحروا قوما) فلما مات ابن نقطة، ذهب ابنه وكان رقيق الحال. له صوت حسن، فوقف تحت قصر الخليفة ثم انشد:

يا سيد السادات لك في الكرام آيات

أنا ابن أبو نقطة تعيش أبويا مات

فعرفة وقربه إليه.

والزمزمي في مكة

أما الزمزمي فقد حدثنا عنه ابن جبير الأندلسي من خلال رحلته إلى بلاد الحجاز في القرن السادس من الهجرة بقوله[1] :

".. والمؤذن الزمزمي يتولى التسحير في الصومعة التي في الركن الشرقي من المسجد، بسبب قربها من دار الأمير، فيقوم في وقت السحور داعيا، ومذكرا ومحرضا على السحور، ومعه أخوان صغيران يجاوبانه ويقاولانه".

فيقول:

* قياما قوما قوما للسحور *

فيردد الطفلان ما قاله ثم ينشد:

أيها النوام قوما للفلاح

واذكروا الله الذي أجرى الرياح

وإن جيش الليل قد ولى وراح

اشربوا عجلي فقد لاح الصباح

تسحروا غفر الله لكم

تسحروا فإن في السحور بركة

".. وقد نصب في أعلى الصومعة خشبة طويلة عليها قنديلان من الزجاج كبيران لا يزالان يتقدان مدة التسحير. فإذا قرب تبين خطي الفجر، ووقع الأذان بالقطع.. حط المؤذن المذكور القنديلين من أعلى الخشبة، وبدأ بالأذان، وثوب المؤذنون من كل ناحية بالأذان.. وفي ديار مكة السطوح مرتفعة، فمن لم يسمع نداء التسحير، ممن يبعد مسكنه عن المسجد، يبصر القنديلين يقدان في أعلى الصومعة، فإذا لم يبصرها علم أن الوقت قد انقطع.. وأن وقت السحور قد فات.

نموذج من التسحير في الخليج: قرن ونصف من الزمن والتسحير (محصور) في عائلة واحدة في تاروت

التسحير في تاروت واحد من النماذج، في قرى ومدن الخليج العربي وليس حصرا، فقد أشارت الدلائل أن العادات والتقاليد في هذا الخليج متشابهة حد الانطباق، وقد أشارت بعض المصادر إلى أن التسحير يرجع تاريخه إلى عهد الخلفاء الراشدين.

أما لماذا تاروت، فلأنها أولا اقرب إلى فهم الباحث، ومتابعته، إضافة إلى وجود احد أفراد عائلة المسحر التي استمرت في التسحير ما يقارب القرن والنصف من الزمن، ونقول ذلك نظرا لوجود الدلائل التي تشير إلى ذلك

(أبو مجيب) هذا هو اسم شهرة (المسحر) احمد حسن المسحر (50 عاماً) والذي يمثل الجيل الرابع من المسحرين من عائلة المسحر، والتي جاءت إليه عن طريق الوراثة، ولكنه وعلى يديه بدت مهنة التسحير بالضمور والاضمحلال، ككل الأشياء الأخرى القديمة، الجميلة التي تغيرت، واندثرت، أما لعدم صلاحيتها للعصر الحديث، أو لأن الوضع الاجتماعي، تخطاها، إلى درجة، انه لم تعد الحاجة إليها، ضرورية.

كان ذلك في العام 1419هـ عندما قرر أبو مجيب ترك التسحير للناس، بدون رجعة وتردد، وعمل فراشا في إحدى المدارس... وارجع ذلك، لوجود الكثير من المشاكل الاجتماعية، ومنها (على سبيل المثال) طلب بعض المواطنين عدم الإزعاج، وبعض السكان لا يدفعون ما عليهم، بحجة عدم استفادته من التسحير، ويذكر

(أبو مجيب) انه وبعد مرور عام كامل من انقطاعي عن التسحير، حاول الكثير من الناس إثنائي عن الانقطاع، ولكني، آمنت بأن زمن الأوائل قد ولى إلى غير رجعة، كان التسحير يشعرني، بالسعادة، والهناء، إني أساهم في مساعدة الناس على القيام بواجباتهم.. ومع ذلك (وبالرغم عني) تركت هذه المهنة، واستطرد قائلاً: كان التسامح، والتعامل الجيد بين الناس، في الجيل القديم، أما الآن، أصبحت المهنة متعبة، ومؤذية، ولماذا يدخل الإنسان نفسه في متاهات، يستطيع الاستغناء عنها.

عبثاً... حاولت أنا مع مجموعة من أصدقائي معرفة، من الذي دفع المسحر، واجبره، على ترك التسحير، إلا انه رفض الإفصاح عن ذلك، واخبرني أحد المقربين منه، بأن أبا مجيب، إنما ترك التسحير لأسباب صحية بحتة، لا يريد البوح بها (لأن معرفة السبب من الناس لن تفيده بشيء أبدا، وأشار إلى أن حمل الطبلة، والضرب عليها له، بعض المضار، واحمد هذا، أصبح يشكو من آلام في بطنه، وصوت الطبل... يفاقم ذلك الألم، الأمر الذي اضطره لترك التسحير إلى غير رجعة).

لا أحد يعرف منذ متى بدأت عائلة المسحر مشوارها في التسحير، إلا أن بعض المخبرين ومنهم والدة الكاتب، والحاج حسن الفارس (أحد المعمرين في الجزيرة) قالوا إن اتفاقا ابرم بين رؤساء جميع الفرقان في الديرة، يقضي بإيكال مسألة تسحير بيوتات الديرة في جزيرة تاروت، للحاج عبد الحسين (وهو جد المسحر الحالي الثاني)، وذلك نظرا لضعف حالته المادية، ولم يكن موجودا في ذلك الوقت (في تاروت) إلا مجموعة قليلة من البيوت، للعوائل الكبيرة في تاروت، أما بقية المساحة الجغرافية فكانت مليئة بالزراعة.

وكانت الديرة قديما، محاطة بسور، وله أربع دراويز (بوابات) كبيرة، مثل دروازة السوق، أو الدروازة الشرقية، وغيرها,

لم يكن معروفا في أي عام ابرم ذلك العقد، إلا أن أهل البلد يشيرون أن التسحير في زمن الشيخ عبد الله المعتوق قائما ً، وإذا عرفنا أن الشيخ عبد الله كان 1274هـ، فإن ما يقرب القرن ونصفه، استمر التسحير في جزيرة تاروت.

المسحرون في تاروت حسب تسلسلهم الزمني

1- الحاج أحمد المسحر (الحالي)

2- الحاج حسن المسحر

3- الحاج عبد الله المسحر

4- الحاج عبد الحسين المسحر

من آل إسماعيل.. إلى آل المسحر

اختلف الناس والرواة، في أصول هذه العائلة، واسمها لتغطية اسم المهنة على الاسم الأصلي، بما فيهم الحاج احمد المسحر نفسه، ولكن الروايات تنحصر في اسمين فقط، وهم عائلة آل إسماعيل، وعائلة آل حماد، واغلب المرجحات تشير إلى أن أصولهم تنتمي إلى عائلة آل إسماعيل، إنما تزوج من عائلة الحماد، ولكن اسم المهنة هو الذي طغى وسيطر على جميع الأسماء

عبد الحسين... النهام

لم يكن مطلوبا من عبد الحسين، سوى الضرب على هذه الطبلة ومناداة الناس بالجلوس للسحور، ولكن عبد الحسين، ولحسن صوته، وسابق خبرته بالنهامة، ادخل على التسحير بعض الموواويل البحرية، وذلك طلبا منه لتسلية نفسه في الليل الدامس، وبالتالي كانت جميع المواويل البحرية عرضة للإنشاد البحري في السحور خصوصا تلك التي لها ربط بالدين، والولاء لمحمد وآل بيته عليهم السلام.ومما نقل عن أهازيجه هذا الموال:

يا مال.. يا مال.. هووه يا مال

بحماك يا مطوع الكفار للجنة

ضاقن همومي في لب حشاي والجنة

أنت الموكل على النيران والجنة

كل العرب سادن لشرعك ما قبلوا غيرك

صرنا بشده ولا لنا واحد غيرك

ضاقت أنفاس الخلايق للجنة[2] 

أعمى يسحر المبصرين

أما الحاج حسن المسحر والد المسحر الحالي، فقد كيف وضعه عندما زاد عدد الحواري، بأن ضمها إلى مشواره، ففي عهده زاد على فريق الديرة الأثري (المعروف) فريق الدشة، وكذلك فريق الوقف ويسمى في بعض الأحيان (الدباس، أو فخيروه).. فكان يبدأ مشواره من فريق الوقف، ثم يعرج على الدشة، منتهيا بالديرة، والتي من بعدها يعود إلى بيتهم، لتناول وجبة السحور.

وأصيب رحمة الله عليه بالعمى في آخر حياته، ولكن ذلك لم يكن أبدا عائقا ذا شأن عن ممارسة التسحير، فقد كان يخط جميع هذه الطرقات، بكل حرفنة، أما مرافقه، فكان يحمل الفانوس فقط درءً عن أي مخاطر محتملة

الغريب أن كل من المسحر حسن (أبو احمد)، وابنه (أبو مجيب) كانا يسيران على مخطط واضح، بحيث لا يتكرر مرورهم على الزقاق (الزاروب) مرتين... وكذلك فإن توقيت الخروج إلى التسحير، ينسجم، وموعد الأذان بحيث يتسحر الناس قبل الأذان بساعة واحدة،أ و أكثر، وينتهي من جولته في وقت محدد، ليتناول سحوره، قبل إعلان الإمساك والأذان.

أيام (اللمّه) الجمع

عندما كان يختلط صوت المسحر وطبلته بأحلام الليل... ويأخذ صورة سحرية شاعرية... وعندما كان يخرق سكون الليل وهجيعة، بظرباته القوية على الطبلة، كان قلبنا الصغير يجيش بأمنية واحدة وهي رؤية هذا المسحر ولو لمرة واحدة، لنعلن له عن فرحنا، أو غضبنا... فرحنا المملوء غضبا (أو غضبنا المملوء فرحا)... نعم هذه حقيقة مشاعرنا، كلها إحساس وبراءة، ولكن يحالفنا الحظ فعلا، عندما نراه مرتين في الشهر الكريم، نراه في أيام الكريكشون يمر على الحارات نهاراً، للم أجرة تسحيرة طوال الشهر الكريم، ومرة أخرى تراه، في السابع والعشرين من الشهر، حيث يأذن مروره على الحواري بتصرم ورحيل شهر رمضان الكريم، و مما أتذكره أن الناس كانت تعطي، ما تستطيع لهذا المسحر، وهو لا يستنكف، ولا يتأفف من اخذ أي شيء منهم، وآخر مرة رأيت فيها والدي يعطي المسحر جزاء تسحيرة، كان يعطيه مبلغا مقطوعا عن الليلتين وقدره خمسون ريالا فقط.

ليلة الوفاة.. والوداعية.. وغيرها

تعودت تاروت... على امتناع المسحر عن حمل طبلته، ليلة وفاة الإمام علي (عليه السلام)، وذلك احتراما منه للمشاعر الحزينة في تلك الليلة، لكنه يمر على الأبواب وينادي من دون طبلة.كما تعودت تاروت (أيضا) أن تسمع المسحر يهتف بأهازيج مختلفة في الأيام الأخيرة من الشهر مثل:

ودعوا يا كرام شهر الصيام

وعليك السلام يا شهر الله

الوداع.. الوداع.. شهر الصيام...الخ

[1]  رحلة ابن جبير: أبو الحسن محمد بن جبير الأندلسي ط (2) دار مصر للطباعة 1955م. راجع:رمضان في الشام (أيام زمان): منير كيال ط (1) (ص 107 ـ 123) مؤسسة النوري للطباعة والنشر والتوزيع 1992م دمشق.

[2]  كانت الديرة في تاروت، مقسمة على شكل دروازات، كل دروازة فيها مجموعة من البيوتات، وعليهم رئيس، هو الذي يحق له أن يوقع نيابة عن الفريق.
عضو هيئة التحرير
363415