في دائرة الضوء
الصحيح.. سيرة ذاتية
هيئة التحرير - 15 / 10 / 2007م - 4:48 ص - العدد (3)

 

فاشرئبي

يا عصافير وثوري يا بلابلْ..

وهناك انتظريني

عند أغصان الشجيرات التي لا تهتدي درب السواحلْ

فعسى أنْ تعرفيني

حينما أمتد موجاً من خيول ومشاعلْ

وعسى أن تفهميني

حينما أعلن ميلاد الزلازلْ

إن إسمى هجريٌ ..

وانتمائي هجريٌ ..

ومواويلي وأشواقي وروحي هجريه

 

لا أعتقد أنني في حاجة إلى تسخير النجوم بحثاً عن صور الماضي في أروقة الذاكرة، فهذه الصور مازالت تتزاحم بها حواف أهدابي، وتتقاتل رغبة في الفرار من ذلك السجن (السري) إلى الحياة أنى كانت، سواءً في كتاب أو جريدة أو ربما في قلوب الناس، ولكنَّني أعلم أن في تحررها استرقاقي وفي انعتاقها شد وثاقي.

فيا لوقفة الحيرة في نشيج الأمواج لا تكاد تجذبني ضفة حتى تشدني الضفة الأخرى.

ولكنني سأدير دفَّة المركب إلى الضفة الأخرى وأحطم القضبان أمام طيوق قبعت في قعر السجن لمدة (خمسة وعشرين عاماً)، وسأبدأ بالإفراج عن ذلك الطفل (الشقي) الذي لم يكدْ يتعدى السبع سنوات عندما كان يعي ما يقول ويدرك ما يعمل من خير وشر، والوعي في هذه المرحلة من العمر جريمة في حق الطفولة، حيث أن أعماله لم تكن وليدة الفطرة، إذاً فأولى جرائم هذا الطفل أن احترفت على يديه البراءة وذر رمادها إلى الريح ليعلن تمرده المبكر على قوانين الطبيعة الإنسانية، ويتفتح قلبه قبل أن تنفتح عيناه على عشق الجمال، وكأني به يختطف من هذه المرأة قبلة لا يجهلها الخُبْثُ، ويختلس من تلك الطفلة نظرة لا تعرفها الطهارة.

ولن أنسى الجانب المشرق من حياته حيث كانت المجالس الحسينية تملأ روحه (مُلا محمد عبد العزيز، الحاج علي الحسين، ملا علي البصري، الشيخ أحمد الطويل ..) والمساجد تعمر قلبه، لكنها لم تستطعْ أن تقطع كل خيوط اتصاله بما يوقد في أعضائه  واحاسيسه شعلات الموسيقى، حيث بقي ذلك الخيط الرقيق يشده إليها عبر (الأبُوذيَّة العراقية) و (الزهيريَّة البحرية) وكأني بأصدائها ترن في آفاقه:

القلب من عُظم فرقاهم عَلَيْهَمْ

ثجيل، أوْ فَـقِدْ محْبوبَه علْيهَمْ

يطارشْ لو رحِتْ سلّمْ عليهمْ

وقِلْهمْ يا وكِتْ يلفون ليّهْ

*  *  *

طير الطربْ فر عني بالجناح وطارْ

أبعد به الحوم ومنّه ما قضيت أوطارْ

الاوّل أنا بالهوى أسجع بفنّ وطارْ

واليوم شفنا هواهم مختلف طوره

الاوّل انا ارعي حَيَا في أرض ممطوره

واليوم صارت قحل وتقاصرت الامطارْ

*  *  *
 

كان هذا النوع من الموال هو كل ما يعنيه الشعر لديه؟

حتى إذا تشبعت به  مشاعره وطفحت به حواسه، كان لا بد أن يبحث عن جديد يرضي به الرغبة المتوحشة التي تزأر في أعماقه، فكان الشعر الحسيني هو البديل الوحيد، حيث كان يصغي إليه ليل نهار، وتمضي السنوات ولم يبق لدى (الملالي) الذين كان يستمع إليهم شيءٌ جديدٌ يضيفونه إليه، فكان لا بد أن يرضي الرغبة المتمردة داخله من جديد.

وفي هذه المرة كانت المعلقات، ودواوين المتنبي، الشريف الرضي، أبو فراس الحمداني، أبو نواس، أبو تمام، ابن أبي الحديد المعتزلي ... كل هذه الدواوين وغيرها كانت هي البديل، فانفرطت أحاسيس ذلك الطفل (اليافع) في عالمٍ من السحر والخمر والحكمة والجمال، لينمو في حضن بركانٍ ينفجر بالعاطفة المتطرفة.

كل هذا والمراحل الدراسية تتفتت على صخرة عناده، التي لم تصمد أمام رقة فؤاده، حتى يصطدم بمنظر زهرة، أو يرتطم بإطلالة وجهٍ حسن.

ويلتحق الطفل (الشاب) بالحياة العملية (شركة ارامكو عام 1980م) والشعر يلاحقه، وديوان المتنبي يثور في دمه، وعلوَّيات ابن أبي الحديد تهرول في عروقه، (وأراك عصي الدمع) تئنّ في شرايينه، و ... كل هذا المخزون الشعري أصبح في روحه فوراناً .. فوراناً.. فوران..

وفي عام 1986م، كان عليه أن يرحل إلى (الولايات المتحدة الأمريكية) مبتعثاً من قبل عمله، وهناك حيث تكشف فصول السنة عن هويتها الطبيعة الحقيقية على ضفة المحيط الهادي في ولاية (أُوريكون) هناك تقع مدينة بورتلاند.. المدينة التي طحنت ما تبقى في قلب ذلك الطفل (الشاب) من استسلام للنواميس، لتضيف إلى غليانه غلياناً وغلياناً وغليان..

فها هو يصطدم بالجمال مع كل رعشة هدب، وهذه أطياف الوطن تملأ عليه فضاء الغربة لتتلاقح في روحه الثورات الثلاث ... ثورة عشقه للجمال، وثورة أطياف الحنين، وثورة ذلك المخزون الشعري المتجذّر في أعماقه، فلم يبق إلا أن ينفجر بعد عام من هذا التلاقح (1987 م - 1988م) صارخاً من خارج دائرة وعيه:

غوادي المزن تهمي يا بلادي

وسحر (الشرق) من عينيك يسري

فمرحى يا رُبى الاحساء مرحى

ويا ( جفر ) الحبيبة ذبتُ وجداً
 على أسمى تلاعك والوهادِ

على موج الأثير إلى فؤادي

لنبتك من زهور أو قتادِ

لحضنك.. لا لهند أو سعادِ
 

وتتولد البداية التي لن تنتهي أبداً، فتتصارع الدراسة الأكاديمية والشعر على حافة قلمه، وتظل الحرب سجالاً بينهما، تارة لصالح الدراسة وتارة لصالح الشعر، وفي خضم هذا الصراع جمعه القدر بأحد رجالات العراق الأديب المرحوم السيد كاظم الطباطبائي، كان ذلك اللقاء عام 1989 م في أحد المؤتمرات الإسلامية بامريكا، واستمع إليه يرثي أحد رجال العلم الراحلين قائلاً:

ليس الرحيل بمطفي جذوة الأمل
 إن الشرارة تذكو بعد مُرتحل
 

فتعلق بأذيال السيد الجليل طوال مدة المؤتمر، وتعلق بحبال صوته عبر التلفون طوال المدة الباقيه له في أمريكا، حيث عاد إلى الوطن عام 1990م.

عاد ليبحث عن فضاء يطلق فيه صراخاته وإلا اختنق بها، فانداحت أماه المحافل فضاءات شاسعة تمتد بلا منتهى، وما زال يشق ويحلق في أرجائها بكل ما أوتي من أجنحة، ولكنه اكتشف أن هذه الأجنحة لا تختلف عن تلك التي توغل بها الشعراء القدماء في آفاقهم، فكأنه يعيش عصر جده الخامس عشر، فرأى لزاماً عليه أن يعيش واقعاً، وأن يكتب هويته بلغة حاضرة.

وهنا تقاذفته الدواوين الحديثة التي اخذ يتقاذفها بين يديه ورأسه (دواوين أبو ريشة - بدوي الجبل، السيّاب، السيد محمد حسين فضل الله، محمود درويش، أبو القاسم الشابي، محمد العلي..) في محاولة للإطلاع على ما وصل إليه السباق الشعري، ليتفاجأ بأنه حتى هذه اللحظة ما زال يجتر أقوال الماضين، وأنه لم يضف إلى ديوان العرب ولا بيتاً أو معنى واحداً كفيلاً بأن يدرجه في صفحات ذلك الديوان.

لكن أشعاره التي جبلت على الفطرة المحضة، بدأت تلملم ذلك الرماد القديم وتسلب في روحه خلجات البراءة ليحيا معاني الطفولة في عمر شاخت عليه الأحداث:

أصاهر فيك أساطير عهد الغرامْ

وأدخل دنيا البكارات

متشحا بانغماس المحبين

في نشوات الهيام

جميل شروق البدايات

حين يطرّز أرواحنا بالوئامْ

جميل نشيج المواليد

مفتتحاً مهرجان السلام
 

جاسم محمد الصحيح

29/9/1415هـ


--------------------------------------------------------------------------------
قالوا عن (الصحيح)
 
 

..من شعراء العقيدة، فالالتزام بمن هم المثل الأعلى واضح في شعره، ومغرق في الولاء وبحرارة، ولا أثر للتصنّع، وإنما هو مزاج يجري في حروفه، ونهج ينتظم اتجاهه بوضوح، وله صور مبدعة في الذوبان بمن يحب. إن ذلك واضح في قصيدته (هدهد لظاك) ومن الصور البديعة فيها قوله:

الشعرُ ما برحت تؤجُّ عروقهُ

بدماك حيث ترعرع القرآن

.. يمتاز بخلفية تاريخية دأب على توظيف أحداثها في كثير من الصور، وهي ميزة تعطي الشعر غنى تراثياً، يربط الشاعر بجذور أصالة من جانب، ويبرعم من هذه الاصول غصوناً مشدودة إلى عصرها. وهو بهذا كالنبتة التي تغرز جذورها في أرضها، وتبسق بالأغصان متطلعة إلى الأفق.

الشيخ الدكتور أحمد الوائلي، 19 جمادى الأول 1415

.. ولا أراني أتهم بالتملق للأستاذ الصحيح إن قلت أنه أحد أبرز الشعراء في الأحساء، وأن شعره يمثل مرحلة تطور للشعر الأحسائي بحيث استطيع أن أقول بأننا وقفنا أو قاربنا الوقوف على الأقل في مصاف شعراء العراق ولبنان وسوريا.

السيد محمد علي السيد هاشم العلي، 20 جمادى الثانية 1413

.. أما رابعاً فهو:

الحس الوطني الجارف:

أحساء يا دمي المهجر من دمي

عودي لأوردة إليك ظماء

أحساء حسبك غربة أزليّة

عودي مكرّمة إلى الأحساء

دع عينيك تستقران ملياً على هذه الصورة الآسرة ..

دعهما تشربان من هذه الينابيع الصافية مثل ينابيع الأحساء. إنك هنا لا تجد طرفين بينهما يلتهب حب أو شوق، أنت هنا تجد (توحّدا)، تجد دما تهجر قسراً عن دم، تجد واحداً تغرب عن ذاته، ويطارده نداءٌ حارق ليعود إليها. إنها روعة، روعة جامحة، لا نجدها إلا عند هذا الشارعر الأحسائي الأصيل.

والحس الوطني، هذا لا ينفصل عن الحس بالآخرين الذين نلتقيهم دائماً شاخصين في وجدان الشاعر:

وتري ما برحت أصداؤه

تتشظى عن أنين الضعفاء

هو لولاهم لما صاهره

عالم الليل وآخاه البكاء

الأستاذ محمد العلي، 14 جمادى الاولى 1415

370438