اللهجات المحلية في الخليج
(اللهجة في القطيف مثالاً) (5)
السيد شبر علوي القصاب * - 6 / 3 / 2011م - 9:18 ص - العدد (26)

ملازمة الكلمات لحالة واحدة

ومن هذه الظواهر فيها: ملازمة أواخر الكلمات لحالة واحدة مهما اختلف موقعها، خلافاً لما هو معروف في الفصحى بأن الكلمة يختلف إعرابها بحسب موقعها من الجملة، فالرفع: علامة الفاعل والنصب: علامة المفعول، والكسرة: علامة المجرور، وهو منهج مالت إليه غالب اللهجات العامية في البلاد العربية على مر العصور المختلفة بل ربما كلها؛ وكأنما مر عصر جليدي جمد فيها حركة الكلمات، فنتج عنه سقوط الإعراب منها، وأدى لملازمتها لصورة واحدة، فصارت وكأنها مبنية؛ لذلك قلما تجد في كلام الناس معرباً على أصله في اللغة إلا ما نقل عنها برمته مثل: محمدُ بنُ عبدِ الله، وموسى بنِ جعفر، ولا يقال: محمدْ بنْ عبدَ الله، أو موسى بِنْ جعفر، لئلا يختلف المقصود، فيظن أنه شخص من عامة الناس؛ ومن أهم مظاهر هذه الظاهرة:

الوقف:

وهو ـ في الأصل ـ قطع النطق عند آخر الكلمة عما بعدها اختياراً [1] ، وهو من سنن العربي في حديثه في آخر الجملة ليدل على إنهاء معنى معين، وقد يضطر للوقوف قبل انتهاء الكلام لانقطاع النفس[2] ، وقاعدته في الفصحى: إذا كان الاسم الموقوف عليه ساكناً بقي على سكونه: (اسمع يا هذا)، وإذا كان منوناً بعد فتحة أبدل ألفاً نحو: رأيت سليماً، وإن كان منوناً بعد ضمة، أو كسرة حذف التنوين وسكن، فيقال: جاء سليم، ومررت بسليم، إلا إذا كان تاء مربوطة أو شبهها فتبدل هاءً ساكنة، نحو: مريم نائمه، وجاء الرجل العلامه[3] .

والذي نلاحظه أن هذا الاختيار قد تحول من اختيار مؤقت يعود بعده المختار له إلى حالة الإعراب الطبيعية، إلى اختيار دائم، حيث عولوا عليه وتركوا الإعراب، أو بمعنى آخر أسقطوا الإعراب من كلامهم وأقاموا الوقف مكانه؛ ويرى المستشرق نولدكه: أن الوقف بالسكون في كثير من الأحيان كان من الأمور التي ساعدت على فقدان الإعراب، ووافقه على هذا الرأي الدكتور رمضان عبد التواب[4] ، وللوقف في اللهجة أشكال، ومن أشكاله:

(أ) الوقف على المرفوع والمنصوب والمجرور بالسكون:

ومن شواهده في الشعر لإحدى حالاته وهي الرفع قول الأقيشر الأسدي:

رحتِ وفي رجليكِ ما فيهما

وقد بدا هَنْكِ من المئزر[5] 

ورب قائل يقول: لم تعول على شاهد كهذا، ألم تعلم أنه معلول ومطعون فيه، لعدم جريانه على القاعدة الصحيحة؟، وأقول له: إنما تعويلي عليه للتدليل على أن الإسكان في مثل هذه المواضع ليس جديداً، وإنما هو حاصل منذ العصور الأولى للغة ليس إلا.

وقد وجدنا سيبويه يحظر الإسكان في الكلام أو النثر ويقول: إن مجال ذلك في الشعر فقط، لكن القراء رووا روايات كثيرة في القرآن الكريم، وروى ذلك ابن جني في كتابه المحتسب غير مرة، ومن ذلك: قال: عباس سألت أبا عمرو عن ?يُعلِّمْهم الكتاب? فقال: أهل الحجاز يقولون: يعلمهم ويلعنهم مثقلة، ولغة تميم يعلمهم ويلعنهم، وقد قرأ مسلمة بن محارب: ?وبعولتْهن أحق بردهن? ساكنة التاء، وقرأ الحسن، وأبو رجاء، وقتادة، وسلام، ويعقوب، وعبد الله بن زيد، والأعمش، والهمذاني: ?ويذرْهم?، وقرأ ?ويذرْك? بإسكان الراء الأشهب، وقرأ مسلمة بن محارب: ?وإذ يعدْكم? بإسكان الدال، وقرأ الحسن: ?أو يحدث لهم ذكراً? بإسكان الثاء، وقرأ الأعرج ?ثم نتبعهم? بإسكان العين، ويلاحظ أن التسكين قد ورد في الأفعال المضارعة المتصلة بالضمائر غالباً، ويبدو أن بني تميم كان ينفرون بالتنوين من توالي المتحركات، وإن هذا الأداء يعبر عن نظام مقطعي في لهجتهم[6] .

ولا يعني أن التسكين مقصور على هذا النوع، فقد ورد مع الأسماء، فالقراءة التي نسبها سيبويه إلى أبي عمر بالاختلاس، وهي: ?إلى بارئكم?، رواها عنه غيره بالإسكان، يقول أبو حيان: (وقرأ الجمهور بظهور حركة الإعراب في ?بارِئكم?، وروي عن أبي عمر بالاختلاس، روى ذلك سيبويه وروي عنه بالإسكان، ويقول ابن جني: (وحكى أبو زيد: ?بلى ورسُلْنا لديهم يكتبون? بالإسكان)[7] .

ومع أن الوقف على أواخر الكلمات بالسكون هو السمة الغالبة، إلا أنها قد تتأثر بالتابع لها فينتقل فيها من السكون إلى التحريك، كما في: (گالُ أسامة)، و(عبدَ الله)، و(الحمدِ لله)، ففي الأولى صارت اللام مضمومة لتأثبرها بضمة الهمزة، وفي الثانية صارت الدال مفتوحة لتأثرها بالألف، وفي الثالثة صارت مكسورة لتأثرها باللام.

كما تتأثر عند اقترانها بالضمائر، ولكنه محصور بياء المتكلم، وكاف المخاطب، وشين أو چاء المخاطبة؛ وهاء الغائب.

فأما المتصل بياء المتكلم فهو مكسور كما في: ولَدِي إلا في لهجة من يقفون على المتصل بياء المتكلم بهاء السكت فهو ساكن مطلقاً: ولدْيَه.

وأما المتصل بكاف المخاطب ففيه لهجتان: الضم عند من يفخمون: عمُّك، عَبيدُك، والكسر عند من يرققون: عمِّك، عبيدِك، ولا فرق بين مفرد أو جمع، إلا إذا كان المقترن بها منتهٍ بياء مخففة مثل: سمي، أو متحرك الوسط أو ما قبل الحرف المجاور للام الكلمة مثل: ولَد، فهي ساكنة: سَمِيك، وَلَدْك، أما عند من يبدءون مثل هذه الكلمة بالساكن، أو يسكنون وسطها: وِلْد، فهي متحركة الآخر بالضم أو الكسر، وْلِدُك، أو وْلدِك، أو بمعنى آخر: إذا كان الحرف السابق للمجاور للضمير متحركاً سكن المجاور، وإذا كان الحرف السابق له ساكناً حرك، وأما إذا أنث سكن ما قبله وهي تاء التأنيث: سيارتْك، ومنهم من يحركه بالكسر وهي لهجة صفوى، ومنهم من يدغم تاء التأنيث في هذه الكاف في كثير من الكلمات، فيقولون: سياركّ، أي: سيارتك.

وأما المتصل بشين أو چاء المخاطبة التي حلت محل كاف المخاطبة في الفصحى فإذا كان الاسم الذي قبلها مذكراً فهو مكسور، أما إذا أنث فهو ساكن: عمَّتْش، أو عمَّتْـچ (غالباً ما يحرك في الثانية للثقل): عمَّتِـچ.

وأما المتصل بهاء الغائب فهو مكسور مطلقاً ما لم يكن مفخماً أو مستعلياً كما في: ضربُه، وصلخُه في لهجة من يفخمون، وبما أن الحاء، والعين معدودان من حروف التفخيم في لهجة القلعة وتاروت لذا تسمع: دبَحُه، وبلعُه، بينما البقية يقولون: دَبَحِه، بَلَعِه، وأما من تسود في لهجتهم الإمالة والترقيق فهو مكسور أو مائل نحو الكسرة، لذا تسمعهم يقولون: ضَربِه، صَلخِه، إذ لا أثر لحروف التفخيم في لهجتهم.

إلا إذا كان لام الكلمة السابق لهذه الضمائر ألفاً أو واواً، فهو مفتوح مع الألف مضموم مع الواو، ومن أمثلته مع كاف المخاطب: ما لم يكن الحرف السابق لها الواو: ودَّاك، أبوك، أما إذا كانت واو جماعة فإن حركتها تكون مائلة في لهجة من يميلون الحركات: ودّوَُك، وبينة في لهجة من يحققونها: ودَّوْك.

وهذا الأثر ضعيف في لهجة بعض النواحي مثل سيهات لذا تجد الغالب على أواخر الكلمات في لهجتهم السكون، وهم لا يضطرون إلى تحريك أيٍ من حروف الكلمة إلا عند اجتماع ثلاثة مقاطع ساكنة كما في: نَفْسْ، وعند اقترانها بكاف الخطاب الموقوف عليه بالساكن تصير ثلاثة: (نَفْسْكْ)، لذا قد يحركون ثانيه بالكسر اضطراراً وهرباً من توالي المقاطع الساكنة فتصير: نَفِسْكْ، وعلى ذلك فقس: (خالْك، وعَمْك، وخَالْشْ، وعَمْشْ، ونفْسْشْ أو نفِسْشْ)، بينما البقية الغالبة يقولون: (خالُكْ، وعَمُكْ) بالضم، وخالِشْ، وعمِّشْ، ونفْسِشْ) بالكسر.

وأما الفعل الماضي المتصل بتاء الفاعلة فهو في اللهجة كما هو في الفصحى مبني على الفتح في لهجة الجميع.

(ب) سقوط التشديد من المضعف:

ومنها: سقوط التضعيف من لام الكلمة، ومن عين الفعل المضارع المقترن بهاء الغائب كما في: خَفَّ، التي تصير: خَفْ، الذي يظهر عند اقتران الفعل بالضمير أو إضافته للاسم الظاهر كما في: خَفُّه، وخَفّ الباب، ويوسع التي تصير يوسْعه ( بالتخفيف).

(ج) الوقف بالسكون على المبنيات:

ولم يقتصر الوقف بالسكون على المعربات بالسكون، بل تعداه إلى كثير من المبنيات، ومنها الضمائر التي غلب عليها السكون سواءً كانت منفصلة أو متصلة إلا قليلاً منها، ومنه ما حصل على سبيل المثال لضمير المخاطب: أنتَ الذي صار بصورة: أنتْ لدى ذوي الإنتماء القبلي، مطلقاً، وحين الوقوف عليه عند البقية، ولا تظهر فتحته إلا حين وصله بالكلام ولو على سبيل الإضمار، كأن يقول شخص: من اللي سوى هذا؟، فيقال له: إنتْ، أو إنتَ لإضمار الجملة التي بعده، وبسبب الوقف بالسكون تداخلت صورة تاء الفاعل المتكلم مع تاء الفاعل المخاطب، لذا قد يلتبس عليك قصد المتكلم، ولا تستطيع أن تفرق بين: أنا ضربتْ، وأنت ضربتْ، إلا بالضمير المنفصل الذي يسبق الفعل، أو من سياق الجملة.

ولكن لا يصح أن نعزو ما نراه من إسكان لبعض الضمائر، أو من ضم للهاء من ضمير الغائبين وكسرها لهذه الظاهرة، لأن بعضها موروث بصورته من لهجات القبائل القديمة.

(د) الوقف على المنون المنفصل بالسكون:

ولا تسمع كلمة منونة في الأصل من هذا القبيل إلا ساكنة الآخر في اللهجة، إلا ما كان منقولاً برمته من الفصحى مثل: قطعاً وطبعاً، وسلامٌ عليكم، وحقٌ حقْ، وبَخٍ بَخٍ.

وقد نسب إلى ربيعة أنهم كانوا يقفون على الاسم المنون بالسكون في كل أحوال الإعراب فيقولون: (رأيت خالدْ، ومررت بخالدْ، وجاء خالدْ)[8] ؛ وغيرهم يشاركهم إلا في النصب.

بيد أن هذه الرواية لم تكن محل القبول عند الدكتور صبحي الصالح، وحجته في ذلك أنه: (حين ينقل لنا أن ربيعة تقف بالسكون على الاسم المنون المنصوب فتقول هل رأيت زيد مثلما تقول: جاء زيد ومررت بزيد في المنون المرفوع والمجرور…، حين ينقل لنا هذا أو أضرابه نستطيع أن نفسره بظاهرة الشذوذ اللاشعوري، لا بظاهرة المخالفة المقصودة الواعية للإعراب، وبينهما اختلاف جوهري، فإن ربيعة لا تقول: رأيت زيدْ بتسكين زيد إلا في حالة الوقف، أما إذا أتمت جملتها فإنها تقول: مثلاً رأيت زيداً في بيته، ولم يحفظ لنا إسقاطها حالة الإعراب في مثل هذا المقام ولا إسقاطها في غير الاسم المنون المنصوب حين الوقف،… وكذلك لم نجد ربيعياً يقرأ ?خُلِقَ الإنسان ضعيف? بل ضعيفاً[9] .

(هـ) الوقف على المنون المتصل:

ومنه الوقف على المنون المتصل بما بعده من الكلام بالكسر، كالذي يلحق النكرة الموصوفة، ومن ذلك ما نجده في الأقوال السائرة الآتية: (بابٍ مردود عن شيطانٍ مهدود)، و: (لحساب عبدٍ صالح).

والسبب فيما تراه من تنوين لكثير من الألفاظ ربما للتمكين والتأكيد على مطابقة الصفة للموصوف، وبيان قوة العلاقة بينهما على سبيل الإتباع والتأكيد على أنه مخصوص بهذه الصفة فعلاً، أو مجرد الرغبة في إتباع السابق باللاحق طلباً للخفة، ومما يدخل في هذا الباب قولهم: (عايدٍ لايد)، و(لا گهوةٍ تعمل ولا يدور غليون).

وهو وإن كان اختيارياً، لكنه يمتنع إذا كان التابع مما يبدأ بهمزة قطع، أو بالساكن في اللهجة، لأنه ينتقل من الخفة إلى العسر، وهذا ما لا يحبذ لأن الرغبة في الاقتصاد في المجهود العضلي هو المطلب.

وقد يكون سببه الرغبة في فصل الكلمات لبيان حدود التابع من المتبوع كما في قولهم: لو فيها حليب حلبت، فلو نون المتبوع لربما توهمه السامع هكذا: حليب انحلبت، وهذا التنوين الحاصل في الأمثلة مقصور على ما أثر من نصوص سابقة، وقد خف أثره في الوقت الحاضر.

ومنه تنوين العوض اللاحق لبعض الكلمات عند حذف ما تضاف إليه تعويضاً لها عن المضاف إليه هذا المحذوف، ومنه اللاحق للفظ: كل، نحو: قوله تعالى ?كلٌ يعمل على شاكلته?[10] .

وقد تحول هذا التنوين في اللهجة من الضم إلى الكسر، ومن أمثلته في أقوالهم السائرة: وكلٍ على قد حاله يشتكي، و: كلٍ يرى الناس بعين داته (طبعه)، والأصل: كلٌ.

ومنه تنوين الفاعل العامل، وعند إسناده لكاف المخاطب يتحول فيه الكسر إلى الضم = ضاربْنُّك؛ (في لهجة من يفخمون كما سيأتي)، وهذا الاضطرار إلى الضم في هذا الموضع راجع إلى كون الحروف المستعلية لها أثر عند هؤلاء، فأما الذين لا تعرف لهجتهم هذا الأثر ويميلون للكسر وترقيق الحروف فلا يحدث هذا عندهم.

(2) التزام المثنى والجمع بالياء والنون

فمن أمثلة المثنى: (ماتت بـگرتين، وشريت بـگرتين، وسلمت على ولدين)، ومن أمثلة جمع المذكر السالم: (راحوا المدرسين، وشفت المدرسين، وسلمت على المدرسين)، ويقرر الدكتور إبراهيم السامرائي أن المثنى بالياء والنون لغة جماعة من الناس أو قل جهات إقليمية من جهات إقليمية من جهات العربية، ولكن لما درجت العربية في طريقها التطوري وآن لها أن تنسجم في لغة هي لغة القرآن الكريم والحديث اختص الاستعمال المثنى بالألف لحال الرفع، والمثنى بالياء لحال النصب والجر[11] .

ويدلل على ذلك قائلاً: ونجد صدق الدعوى فيما بقي من استعمال المثنى في لهجاتنا العربية الحديثة، فقد التزم الياء دون تفريق بين النصب والجر والرفع بهذا لغة عند الناطقين بالعربية في يومنا هذا[12] .

(3) عدم الاعتراف بتأثير أدوات النصب والجزم

ومن ذلك عدم الاعتراف بأثر أدوات النصب والجزم السابقة للأفعال المضارعة، وبالتالي أدى إلى إثبات النون في الأفعال الخمسة مطلقاً في لهجة قوم، وحذفها مطلقاً في لهجة آخرين، كما أدى إلى إبقاء حرف العلة من هذه الأفعال، وعدم تقصير المسبوق منها بإحدى أدوات الجزم، ويظهر أثرها هذا عندما يكتب غير الملم بقواعد العربية فيخطئ في إثبات هذه الحروف، لتأثير هذه الظاهرة عليه، كما أدى إلى سقوط حرف العلة والحركة السابقة له من فعل الأمر المعتل الآخر، وقد تقدم الحديث عنه في موضعه.

(4) التزام الأسماء الخمسة بالواو[13] 

فيقال: (قام أبوك وصافحت أبوك وسلمت على أبوك).

وقد وقع الاختلاف في الإعراب بين علماء اللغة، فمنهم من ذهب إلى أن الإعراب كان موجوداً في اللغة، ولكن العرب كانت تتخفف أو تتحلل منه، ومنهم الدكتور أ.د/ محمد إبراهيم البنا الذي روى لنا عن أبي سعد الآبي أن عبد الله بن سوار حدثه عن أبيه: أن العرب تجتاز بالإعراب اجتيازاً[14] ، وحدث عن عيسى بن عمر أن ابن أبي إسحاق قال: العرب ترفرف على الإعراب ولا تتفيهق فيه، وقال: سمعت الخشخاش بن الحباب يقول: العرب تقع بالإعراب وكأنها لم ترد[15] ، وقال: سمعت يونس يقول: العرب تشام الإعراب ولا تحققه، وقال: وسمعت أبا الخطاب يقول: إعراب العرب الخطف والحذف، فتعجب كل من حضر[16] .

وعقب على ذلك بقوله: (إن هذه الروايات بحسب ظاهرها تجمع على أن هذا أداء العرب جميعهم، ولا تتعارض هذه الروايات مع ما سقناه عن سيبويه إذا أحلنا هذه الروايات على لغة الخطاب، أما اللغة الأدبية فهي التي كانت تحقق الحركة الإعرابية ولا تسرع في أدائها)[17] .

ومنهم من ذهب إلى أن الإعراب كان بين الناس خاصهم وعاميهم ثم زال من كلامهم ومنهم الدكتور إبراهيم السامرائي حيث قال: (وقد كان هذا الإعراب سهلاً على الألسنة ثم ثقل وصعب حيث فسدت الطبائع العربية وفشا اللحن وتحول المجتمع العربي الخالص إلى مجتمع ضخم كبير فيه أجناس شتى، ولاسيما في الحواضر العربية فلم يلجأ للإعراب في فترة متأخرة[18] ، ومن ذلك قوله: (ومادام الإعراب ثقيلاً على الألسنة فقد تخفف منه كثير من الناس، بحيث صار للناس في لغة التخاطب لم يلتزم فيها هذا القيد الثقيل في حين أنهم يلتزمون بالإعراب إذا كتبوا[19] .

ومنهم من ذهب إلى أنه كانت للناس منذ القدم لغتان: لغة تخاطب، ولغة أدبية، فمن المتقدمين ابن خلدون حسبما يشير كلامه الآتي:

اعلم أن لغة التخاطب في الأمصار وبين الحضر ليس بلغة مضر القديمة، ولا بلغة أهل هذا الجيل، بل هي لغة أخرى قائمة بنفسها بعيدة عن لغة مضر وعن لغة هذا الجيل لعهدنا العربي لعهدنا، وهي عن لغة مضر أبعد، فأما أنها لغة قائمة بنفسها فهو ظاهر يشهد له ما فيها من التغاير الذي يعد عند صناعة أهل النحو لحناً، وهي مع ذلك تختلف باختلاف الأمصار في اصطلاحاتهم، فلغة أهل المشرق مباينة بعض الشيء للغة أهل المغرب، وكذا أهل الأندلس وكل منهم متوصل بلغته إلى تأدية مقصودة، والإبانة عما في نفسه، وهذا معنى اللسان واللغة، وفقدان الإعراب ليس بضائر لهم كما قلناه في لغة العرب لهذا العهد[20] .

ومن المحدثين الدكتور إبراهيم أنيس الذي عقب بعد عرضه لطائفة من الروايات التي وقع فيها الاختلاف بين النحاة قائلاً: وهذه بعض أمثلة مما روى النحاة في كتبهم، ونسبوه إلى اختلاف اللهجات العربية، والحق أن هذا النوع من الاختلاف الإعرابي لا يمت للهجات العربية بصلة، وإنما هو من صناعة النحاة حين اشتد الجدل بينهم وحاول كل فريق أن يأتي بجديد في تلك القواعد الإعرابية التي ملكت عليهم مشاعرهم، وصرفتهم عن كثير من البحوث القيمة في اللغة؛ فلم تكن لهجات الكلام عند القبائل تلتزم الإعراب على الصورة في اللغة الأدبية التي نزل بها القران الكريم ونظم بها الشعر؛ وقد كان الإعراب من الظواهر اللغوية التي عني بها الخاصة عن العرب في خطبهم وشعرهم، وعد بينهم مما يفخر به الأديب ويمهر في مراعاته، أما في لهجاتهم ولغة التخاطب فلا نكاد نعلم شيئاً عن قواعد إعرابهم، وعما التزموه في تحريك أواخر الكلمات أو إسكانها؛ فالإعراب كما نعرفه لم يكن إلا مسألة مواضعة بين الخاصة من العرب، ثم بين النحاة من بعدهم، ولم يكن مظهراً من مظاهر السليقة اللغوية بين عامة العرب، ويدل على هذا شعورهم بقواعده وقوانينه منذ العهد الجاهلي، فإذا خرج أديب عن تلك القواعد عيب عليه هذا؛... وإلا فكيف تتصور من الناحية الصوتية أن لساناً يعجز عن نصب خبر (ما)، أو نصب اسم (لعل)، أو جر تمييز (كم) الخبرية؟،...فمراعاة الناحية الإعرابية كانت من صفات اللغة الأدبية، بل لقد كون فيها عنصراً عظيم الأهمية، عد منذ الجاهلية مقياساً من مقاييس الفصاحة[21] .

ومن ذلك قوله: وأخيراً وليس آخراً كيف تسنى أن يكون موقف اللهجات الحديثة جميعها متحداً في سلوكها مع المثنى والجمع والمذكر السالم والأسماء الخمسة،.. فليس في هذه اللهجات من مظاهر المثنى إلا الاسم مثل: كتابين، ورجلين، وفيها يلتزم المذكر الصحيح حالة واحدة مثل: مسلمين، مظلومين، وتلتزم الأسماء الخمسة حالة واحدة هي الواو مثل: أبوك، وأخوك، أليس من الممكن أن يكون دليلاً على أن القبائل القديمة كانت تسلك هذا المسلك في لهجات خطابها، ولنا في كلام النحاة ما يؤيد ذلك فقد أشاروا في كتبهم أن العرب كانوا يلتزمون حالة واحدة لكل من الجمع والأسماء الخمسة، ولسنا بعد ذلك نتجنى حين ندعو إلى الفصل بين ظواهر اللهجات وظواهر اللغة النموذجية الأدبية، وإلى اعتبار ما اشترك من لهجات الكلام الآن ما ينتمي إلى ظواهر قديمة شاعت في لهجات الحديث عند العرب القدماء[22] .

وممن ذهب إلى هذا الرأي الدكتور رمضان عبد التواب ومن ذلك قوله: وقد وصلت إلينا اللغة العربية في صورة أدبية حيناً، وصورة، شعبية حيناً آخر؛ أما الصورة الأولى فإنها تتمثل فيما نسميه بالأدب الجاهلي، أو الآثار الأدبية الجاهلية، من الأشعار والخطب والأمثال والحكم، وهو ما نسميه باللغة العربية الفصحى؛ أما الصورة الثانية، فلم تصل إلينا منها أعمال متكاملة، وإنما نلحظها فيما روى لنا في بطون كتب اللغة والنحو والأدب، متناثراً عن لهجات القبائل العربية الخاصة بها[23] .

وتعقيبه على ذلك بقوله: تتميز تلك العربية الفصحى المشتركة بصفات معينة، شأنها في ذلك شأن كل لغة مشتركة؛.. فالصفة الأولى أنها فوق مستوى العامة، بمعنى أن العامة لا يصطنعونها في خطابهم، وإنما إذا سمعوا متكلماً بها رفعوه فوق مستوى ثقافتهم، فاللغة المشتركة العربية التي وردت بها الآثار الأدبية، والتي نظم بها الشعراء وخطب بها الخطباء، لم تكن في متناول جميع العرب، بل كانت في مستوى أرقى وأسمى، مما يمكن أن يتناوله العامة؛ فإنه حتى ذلك الإعراب الذي هو من مميزات الفصحى، لم تكن كل العرب تقدر عليه[24] .

والذي يكاد المرء يطمئن ويميل إليه: أن ظاهرة ثنائية اللغة والتحلل من الإعراب أو التخفف منه بدأت منذ القدم بالشكل المعروف في اللهجات العربية المعاصرة، ونعني بثنائية اللغة أن عامة الناس كانت لهم لغة تخاطب يستخدمونها فيما بينهم، ولغة أدبية يلزمونها إذا كتبوا، ولم يكن يلتزم اللغة الأدبية إلا الأدباء والمتكلمون في ذلك العصر، وهذا ما لا يشك فيه أحد، وإن هذه اللهجات بما فيها لهجة هذه الواحة لم تأتِ فيه بجديد.

الميل إلى الكسر

ومن الظواهر السائدة في اللهجة بصفة عامة: الميل إلى الكسر وإيثاره على غيره من الحركات في كثير من المواضع ولاسيما الضم، وهذا الميل شبه مطرد، ولا تنجر سليقة العامي إلى الضم إلا حينما لا يجد مناصاً منه كتأثر الحروف المستفلة بالمستعلية، كما في: رُگـعة التي هي في الفصحى كذلك، ومع هذا فضمتها في اللهجة مائلة نحو الكسرة.

ولتأصل الكسر في اللهجة فلا تستغرب إذا سمعت العامي بفطرته التي فطر عليها يقرأ: الحَمدِ لله، أو الحِمْدِ لله، وإياك نَعَبِدُ، أو نِعْبِدُ، وإياك نِسْتَعين، أو نِسْتِعين، وقِلْ أو كِلْ هو الله أحد) بالكسر، في مقام: الحَمدُ، ونَعبُدُ، ونَستَعين، وقُل، وكم تعب المرشدون في الحج في تلقين العوام الضم في مثل: نعبد، المرشد يقطِّع الكلمة ليقول: نَعبُ، والعامي يقول: نَعبِ، ويظل المرشد يقول: نَعبُ، وهو يقول: نَعبِ، ويعمل جاهداً تلقينها إياها بالضم وهو يأبى إلا الكسر.

والكسر دليل التحضر والرقة في معظم البيئات اللغوية كما يقول الدكتور إبراهيم أنيس، فالنطق بالكسر نسمعه غالباً في المدن ومن أفواه النساء بصفة خاصة[25] ، فحيث كسرت القبائل المتحضرة وجدنا القبائل البدوية تضم[26] .

والضم والكسر من الناحية الصوتية متشابهان لأنهما من أصوات اللين الضيقة لذا يحل إحداهما محل الأخرى[27] .

على حين نتساءل عن أي الصوتين أيسر في النطق؟، أو أيهما يحتاج إلى جهد عضوي أكثر؟، نجد أن الضمة هي التي تحتاج إلى جهد عضوي أكثر، لأنها تتكون بتحريك أقصى اللسان، في حين أن الكسرة تتكون بتحريك أدنى اللسان، وتحريك أدنى اللسان أيسر من تحريك أقصاه، وقد كنا نتوقع من أجل هذا أن يشيع الكسر في بيئة البدو حيث الميل للاقتصاد في المجهود العضوي، وبذل أقل جهد ممكن في أثناء النطق متى تحقق الناطق أن مثل هذا الجهد سيحقق له الهدف من الكلام، ولكن النطق كما قلنا آنفاً صفة من صفات الخشونة التي يحرص عليها البدوي، والتي يدرك أنها تميزه عن غيره، ولذلك استمسك بها وتعصب لها في غالب الأحيان[28] .

وقد حدث في النادر أن نسى البدوي نفسه وانطلق على سجيته فنطق بالكسر حيث كنا نتوقع الضم، هذا هو ما يمكن أن يفسر لنا تلك الروايات النادرة، على افتراض صحتها، التي جاء فيها الكسر منسوباً لقبيلة بدوية[29] .

ومما نلاحظه أن اللغة العربية في تطورها إلى اللهجات الحديثة مالت في غالب الأحيان إلى التخلص من بعض ضماتها، ولسنا نعني بهذا أن لهجات البدو قد خلت من الكسرات، وأن لهجات الحضر لا تعرف الضمات، وإنما كل الذي نهدف إليه هو أنه إذا رويت لنا الكلمة بروايتين إحداهما تشتمل على ضم في موضع معين من هذه الكلمة والرواية الأخرى تتضمن الكسر رجحنا أن الصيغة المشتملة على الضم تنتمي إلى بيئة بدوية، وأن المشتملة على الكسر تنتمي إلى بيئة حضرية[30] ، وتتجلى مظاهر هذه الظاهرة في الأمثلة الكثيرة التي نورد بعضها هنا، فمن ذلك:

أولاً: الكسر في أماكن متفرقة وبشكل عام

ومن صوره:

(1) الكسر للإتباع:

وهو يقوم بإحداث المجانسة بين أصوات اللين المجاورة[31] ، كقولهم: الحمدِ لله بكسر الدال، وقد أثر هذا الأثر، ومن ذلك قراءة إبراهيم بن أبي عبلة وغير واحد: الحمدِ بكسر الدال[32] ، وهو كما ذكر النحاس خاص ببني تميم، وعزي كذلك إلى بني غطفان، وليس هذا بمستبعد لمجاورتهم إياهم في المسكن[33] .

(2) كسر بعض الضمائر والحرف السابق لها:

ومن صوره: كسر الحرف السابق لهاء الغائب، وهذه صورته في اللهجة بصفة عامة، ما لم يكن هذا الحرف حلقياً، مثل: الحاء، والعين، دبَحُه، وبلعُه والضم لهجة تاروت، والقلعة بصفة خاصة، أو مفخماً أو مستعلياً كما في: ضربُه، وصلخُه في لهجة من يفخمون، أما من تسود في لهجتهم الإمالة والترقيق فهو مكسور أو مائل نحو الكسرة، لذا تسمعهم يقولون: ضَربِه، صَلخِه.

وكسر حرف الجر السابق لكاف المخاطب المذكر:كما في: لِك، أي وهي لهجة ذوي الانتماءات القبلية وصفوى، وفي لغة خزاعة يكسرون لام الجر مطلقاً مع الظاهر والضمير، فيقولون: المال لكِ ولِه[34] .

وكسر ضمير الغائبين (هم) وضمير المخاطبين (كم) مطلقاً، في لهجة عدد من النواحي مثل: صفوى، والآجام، والعوامية، والتوبي، والخويلدية، وتعرف هذه الظاهرة بالوكم والوهم؛ وسيأتي الحديث عنها بشكل مفصل في باب الضمائر.

(3) كسر أوائل بعض الأدوات والحروف:

ومن أمثلته: كسر كاف كأن، وهمزة إنَّ الناسختين، وأن التي تنصب الأفعال المضارعة مطلقا،ً وكسر ميم مَنْ الموصولة والاستفهامية، والشرطية التي تستخدم للعاقل مطلقاً، حيث تحولت إلى: چن[35] ، وإن، ومِنْ، كما في قولهم السائر: (مِن گال الله حلف)، وهي لهجة الغالبية؛ ولهجة ذوي الأصول القبلية في الأخيرة (مَن)، أي: كما هي في اللهجة المشتركة، وقد تحولت في عدد من اللهجات العربية كالمصرية، والشامية، والحجازية إلى: مين بمطل الكسرة إلى ياء.

(4) البناء على التنوين بالكسر:

والتنوين دائما في اللهجة مكسور، ولاسيما إذا كانت الكلمة المنونة متصلة بما بعدها من الكلام، مثل: رجال زين، حالةٍ گشرا، ولا تسمع كلمات منونة بالضم أو الفتح إلا ما نقل نقلاً برمته مثل: سلامٌ عليكم، وقطعاً، وطبعاً، ومنه تنوين الفاعل العامل، ولا يتحول فيه الكسر إلى الضم إلا مع وجود حرف مفخم أو مستعلٍ بعده، كإسناده لكاف المخاطب = ضاربنٍ + نون الوقاية+ ك = ضاربْنُّك؛ (في لهجة من يفخمون كما سيأتي)، وهذا الاضطرار إلى الضم في هذا الموضع راجع إلى كون هذا الحرف معدود في الحروف المستعلية التي لها أثر عند هؤلاء، وهذا لا يحدث عند الذين يميلون للكسر وترقيق الحروف لأنه ليس معدوداً من الحروف ذات الأثر عندهم في مثل هذا الموضع.

(5) كسر الألف من أل التعريف:

أل التعريف غالباً ما تكون مكسورة إلا في مواضع قليلة كالاسم المشار إليه بهاء التنبه، أو هذا، أو هذي، شريطة أن يكون ما بعدها مفتوحاً، أو بالأحرى أن يكون ما قبلها وما بعدها مفتوحاً، كما في: هالأولاد، هاللون، أما إذا جاء بعدها مكسور، فإنها مكسورة، حتى وإن كان ما قبلها مفتوحاً، كما في: هاللي، وكذا في ألفاظ قليلة كما في لفظ الجلالة: الله المفخمة اللام فإنها تنطق دائماً مفتوحة، أما إذا كانت مرققة فإنها مكسورة، وكذا إذا كانت بعدها ضمة أو واو فإنها لا تتأثر بذلك بل تبقى مكسورة، وقد يسري هذا الكسر إلى الحرف الذي بعدها، وسيأتي بيانه بشكل مفصل في مكان لاحق.

التلتلة مظهر آخر من مظاهره:

وقد تقدم الحديث عنها بشكل مفصل في مكان سابق، ونشير إليها هنا بإيجاز، وهو كسر حروف المضارعة وهي ظاهرة تكاد تكون عامة، وحتى في المواضع التي تتأثر فيها الحرف المستفلة بالمستعلية تجد فيها لضمة مائلة نحو الكسرة.

وهذا سيبويه يذكر كيف يراعي التميميون القياس في كسر أوائل الأفعال المضارعة، ويقرر بوضوح أن ذلك لغة جميع العرب إلا أهل الحجاز، ويؤكد ابن منظور في لسان العرب نسبة هذا القول إلى سيبويه في العبارة التالية: وزعم سيبويه أنهم يقولون: أنت تَتَّقي الله وتِتَّقي الله على لغة من قال: تَعْلم وتِعْلم بالكسر، وتِعْلم لغة قيس وتميم وأسد وربيعة وعامة العرب، أما أهل الحجاز وقوم من أعجاز هوازن وأزد السراة وبعض هذيل فيقولون: تَعْلم، والقرآن عليها، قال: وزعم الأخفش أن كل من ورد علينا من العرب لم يقل: إلا تِعْلم، قال نقلته: من نوادر أبي زيد[36] .

(6) إمالة إحدى الحركتين الفتحة أو الضمة إلى الكسرة:

ومن المواضع التي تجد تأثير الكسرة واضحاً عند من يشربون أو يشمون حركة الحرف السابق لحرف الياء ولا يحققون كما في بيت، ومنها الكلمة المصاغة على وزن: فُعلول، حتى عند من يضمها حيث تجد الضمة مائلة نحو الكسرة: فُِعلول، ومنها الكلمة المصاغة على وزن فُعلان، مثل: عُِمران، عُِميان مما كان أوله عيناً وثانيه ميماً، أما إذا كان ثالثه ياء فإن كسرته واضحة بينة وليست مائلة.

ثانياً: الكسر في موضع الفتح

ومن صوره:

كسر الكلمة المصاغة على وزن فَعيل:

ومن أمثلته: سِمير، زِكي، سِبيل، في لهجة الآجام، وقد سمعتُ أحدهم يقرأ: (في سِبيل الله) لتأثره باللهجة، ولكنهم قد يفتحون فاء بعض الكلمات مثل: خَليل، خفيف.

وقد قرئ بهذه اللغة في الشواذ فقد روي أن أبا السَّمال قرأ: (بِهيمة)[37]  بكسر الباء من قوله تعالى ?أحلت لكم بَهيمة الأنعام?[38] ، وقد قرر سيبويه: أن التميمي كان يتبع حركة فاء الكلمة لحركة عينها إذا كانت مكسورة، وجاءت على أحد وزني فعيل وفَعِل بشرط أن تكون العين أحد أصوات الحلق الستة، وهي: الهمزة، والهاء، والعين، والغين والحاء والخاء، سواء كان ذلك في اسم أو فعل وذلك مثل: لِئيم، وشِهيد، وسِعيد، ونِحيف، ورِغيف، بِخيل[39] .

(2) وبعض فَعْل أو فَعِل، وفُعْل:

ومن أمثلته: شِي، وچِبْد، أو چِبْدَة، ومنه ما ورد في قوليهما السائرين: (ما لينا في الشهر شِي ولا نعد أيامه) و(چِبْد اللي تعيف ما تسمن)، وچِدب، ولِعْبْ في لهجة الغالبية؛ و: لِعِبْ، وضِحُك في لهجة أم الحمام؛ و: ِبحِر، وتِمُر، (في لهجة الآجام)؛ والحِيْ: في لهجة من يبدلون الجيم ياءً؛ وهي على التوالي: شَيء، وكَبِد أو كَبْد، وكَذِِب، ولَعِب، ضَحِك، وبَحْر، وتَمْر، والحَج؛ وقد وردت في قوله تعالى: ?ولله على الناس حِج البيت?[40]  بالكسر وفقاً للهجة التميمية، كما أثر عنهم (أي تميم): ضِحك، ولِعب، ووخِم، وقد اكتفى سيبويه بعزو هذه الظاهرة إلى تميم[41] ، ولكننا وجدنا صاحب العين يضم إليهم سفلى مضر، والمعروف أن سفلى مضر هم بنو تميم ومن كان يجاورهم من سكان نجد، وقد أكد نُصير الرازي هذه النسبة فعزاها إلى عامة قيس، وتميم وأسد[42] .

(3) وبعض فَعْلة وفَعِلة:

ومن أمثلته في اللهجة: چِلمْمة، كما في قولهم السائر: (چِلمْمة اللي تستحي منها بدها)، ومِعْدة، وشِمْعة، ونِجْمة، في مقام: كَلِمَة، ومَعِدة، وشَمْعة، ونَجْمة، ونسب إلى تميم كِلْمة بكسر أولها وسكون ثانيها، وإلى الحجازيين بفتح أولها وكسر ثانيها، ونقل الجوهري عن الفراء: أن هذا اللفظ له ثلاث لغات هي:كِلْمة وكَلِمة، وكَلْمة، ومنه قول الشاعر:

لقد أذهلتني أمُّ عمروٍ بكِلْمَة

أتصبرُ يوم البين أم لست تصبرُ[43] 

وأثر عنهم: مِعْدة، ونِقْمة بالكسر، وأن الجمع راعى الصيغة التميمية دون الحجازية[44] .

(4) وبعض فَعَال:

ومن أمثلته: بِيان، تِمام، في لهجة الآجام، أي: بَيان، وتَمام، وقد أثر عن تميم أنهم كانوا يقولون: تِمام بالكسر، قال اليزيدي في نوادره: ولدته لتمام مفتوح، وتميم تكسر[45] .

ثالثاً: الكسر في موضع الضم

ومن أمثلته في اللهجة عامة: كِتِبْ (جمع كتاب)[46] ، خِبْز (مع ترقيق الباء وإسكانها) في لهجة الآجام، أو: خِبِز (مع ترقيق الباء وتحريكها بالكسر) في لهجة الجش، أي: خُبْز، واسم الفاعل المصاغ على وزن مُفِعل؛ وغالب الكلمات التي جاءت بصورة ثنائية، وهي ذات أصل ثلاثي فهي مكسورة، مثل: كِل بمعنى: جميع، وكِل من الأكل، وسِد ورِد، أي: سُدَّ، ورُدَّ، وتزداد نسبته عند من يميلون ويرققون، ومن يغلبون الجيم الفارسية المثلثة (الـچاء) مكان الكاف الفصحى، فتجد: صِم (سِد)، خِف، تِب في لهجة العوامية، وچِِل، وحِـچ، في لهجة الخويلدية والقديح، أي صُم، وخُف، وطُب، وحُك، وكِل (أي: كُل) في لهجة الغالبية؛ وذكر صاحب إتحاف فضلاء البشر في معرض حديثه ?والرجز فاهجر?: أن ضم الراء لغة الحجاز وكسرها لغة تميم، وقد وردت هذه الكلمة عشر مرات وضبطت كلها في المصحف المطبوع في مصر وفقاً لقراءة حفص عن عاصم ما عدا آية المدثر: ?والرجز فاهجر? التي ضبطت بالضم[47] ، وقد أثر عنهم (تميم): مشط (اسم لآلة يمشط بها الشعر) بكسر الميم، والِشقة بكسر الشين، وقد قرأ بها عيسى بن عمر: ?ولكن بَعُدت عليهم الشِّقة? في الشواذ من القراءات[48] ، ومنتن، قال ابن سيده: أنتن الشيء فهو مُنتن وهي لغة الحجاز إلا أن طائفة من العرب جُلهم من تميم يقولون: شيء مِنتن بالكسر[49] ، ومِصحف[50] ، ومِغزل يذكر صاحب المحكم وعنه نقل صاحب اللسان: أن ميم مغزل تضم وتكسر وتفتح، وأن الكسر لتميم[51] .

وليس معنى هذا أن الكسر دائماً لتميم والضم لغيرهم، فقد رويت لنا مفردات مثل: أسوة، وقدوة، وعشوة، وصنوان، وقنوان، ومرية، بضمها عند تميم، وكسرها عند الحجازيين[52] .

ومع ما أثر عن تميم بأنها قبيلة بدوية تميل للخشونة دأبها الضم والتفخيم، إلا أن ما أوردناه من الأمثلة الكثيرة تكاد تشهد باطراد هذه الظاهرة في لغتها لتقف شاهداً ودليلاً على رقتها، وهذا ما يدعو للعجب والاستغراب؛ على أن من علماء اللغة كالدكتور صبحي الصالح من يذكر خلاف ذلك فيجعل الضم لتميم والكسر لغيرها، وتابعه في ذلك الدكتور إبراهيم أنيس[53] ، وإليك طرفاً مما ذكره الدكتور الصالح:

(فكما آثر التميميون الصوت الأشد وهو الضاد على الأخف وهو الظاء ظلوا على عادة البدو يجنحون إلى التفخيم، ففضلوا الطاء على التاء فقالوا: أفلطني الرجل إفلاطاً، عوضاً عن: أفلتني الرجل إفلاتاً، وقالوا: فحصط برجلك، يريد: فحصت برجلك، وحصط: يريدون: حصت، وفضلوا الصاد على السين فقالوا: شمر عن صاقه عوضاً عن: ساقه، وسمخه يسمخه سمخاً أصاب سماخه فعقره، ولغة تميم الصمخ[54] ،.. وفضل التميميون القاف على الكاف فقالوا: قشطت الجل عن الفرس، بدلاً من: كشطه، قال أبو عبيدة: وقريش تقول: كشطت، وتميم وأسد تقول: قشطت[55] .

وقوله: (على أننا بصورة عامة لاحظنا في الشواهد التي تخالف العرب في نطق الأصوات، وأن تميماً تجنح للأشد الأفخم لأنها بدوية وأن قريشاً تختار الأرق الأنعم لأنها حضرية)[56] .

وقوله: (ويزداد هذا وضوحاً بمقارنة اللذون التميمية بالذين الحجازية، وحوث التميمية، بحيث الحجازية)[57] .

ويواصل قائلاً: (وفي وسعنا أن نلحق بهذه الظاهرة الأخيرة ما لوحظ من حرص التميميين على الضم لخشونته حين يحرص الحجازيون على الكسر لرقته، فتميم: القُنوة، والحجاز: القِنية، وتميم رُضوان، والحجاز رِضوان، وتميم: أُسوة وقُدوة،والحجاز: إِسوة وقِدوة، وجمهور تميم: ما رأيته أمسُ، والحجاز: أمسِ بالبناء على الكسر)[58] .

وعقب الدكتور أنيس بعد ما استشهد بجل الأمثلة المتقدمة: (تلك هي بعض الروايات التي توضح لنا بجلاء ميل البدو إلى الضم وإيثار الحضر للكسر، أي: أن قبائل الحجاز بوجه عام كانوا يميلون إلى الكسر، في حين أن تميماً ومن على شاكلتهم من قبائل وسط الجزيرة وشرقيها كانوا يضمون؛ وهناك روايات أخرى كثيرة وردت في لسان العرب وفي المخصص وتؤيد ما نذهب إليه هنا)[59] .

وعزا الدكتور جواد علي الاختلاف الذي رأيناه بين العلماء في نسبة الأمور المذكورة على ألسنة القبائل، وعدم اتفاقهم في كثير من الحالات في تثبيت اللغات المذكورة إلى قبيلة معينة أو حصرها في قبائل وترددهم في أقوالهم ـ على ما يظهر ـ أن ما ذكروه من اختلاف لم يكن حاصل دراسة استقرائية، وإنما هو حاصل اتصال بأفراد أو بعدد قليل من الأعراب ومن المدعين بالعلم بألسنة العرب، ولهذا تجد التناقض بادياً في أقوالهم، وصارت دراساتهم ناقصة غير كاملة، ولا تتناول إلا أموراً جانبية لا تمس صلب اللغة ولا تنال قواعدها في الصميم[60] .

كما رأى أن الواجب يقتضي على علماء اللغة في الوقت الحاضر الخروج على الجادة القديمة التي يسيرون عليها اليوم في دراسة اللغة، بالذهاب بأنفسهم من جديد إلى مواطن اللغة للأخذ من أحجارها المكتوبة إن وجدت ومن ألسنة الأحياء الباقين، أخذاً علمياً مقروناً بدراسة حديثة مبنية على تسجيل الأصوات، للاستعانة بها في الكشف عن لغات العرب بأسلوب علمي حديث[61] .

وإلى ذلك ذهب الدكتور أنيس حيث قال: وحين نعتمد على تلك الروايات المبتورة الناقصة التي رويت لنا متناثرة في بطون كتب اللغة والأدب، نجد أنفسنا أمام صفات صوتية نسبت لبعض القبائل دون تحقيق كاف في الرواية والنقل، فلا عجب أن يتخللها لهذا بعض الخلط، وبعض اللبس فلا سبيل للتخلص منه إلا بدراسة اللهجات الحديثة دراسة مستفيضة مبنية على أسس علمية صحيحة[62] .

ومن شواهد اضطراب الروايات عندهم أن يذهب كثير منهم إلى: إن القرآن نزل بلغة قريش[63] ، وقريش قبيلة حضرية تميل للكسر، فكيف يمكن التوفيق بين هذا القول ووجود الضم في القرآن؟.

ومن ذلك ما رواه الدكتور أنيس نفسه أن يعقوب وحمزة وهما عراقيان أو ممن تأثروا بالبيئة البدوية قرأا: (عليهُم، إليهُم) بضم الهاء بدلاً من المشهور الشائع في البيئة الحجازية بكسرها[64] ، بينما ذكر الرافعي العكس فقال: هاء الغائب مضمومة في لغة الحجاز مطلقاً إذا وقعت بعدها ياء ساكنة، فيقولون: لديهُ وعليهُ، ولغة غيرهم كسرها، وعلى منطق أهل الحجاز قرأ حفص وحمزة ?وما أنسانيهُ إلا الشيطان?[65] ، وعنه نقل الدكتور جواد علي[66] .

وسواء أذكر بعض علماء اللغة الضم لتميم، والكسر للحجاز مع ما نراه من اطراد الضم في اللهجة الحجازية المعاصرة، أو نسب أحدهم تلك الحركة للقبيلة الفلانية، وذكر آخرون العكس، فهذا لا يهمنا كثيراً هنا، فالذي لا يختلف فيه اثنان، ولا يسع أحد منهم الشك فيه أن هذه الظاهرة مدار الحديث ظاهرة أصيلة ومعروفة لدى العرب قديماً.

تنوين آخر اسم الفاعل تنويناً ملازماً للكسر

من المعروف في اللغة أن اسم الفاعل المشبه بالفعل العامل عمله ينون إذا كان مجرداً غير مسند نحو: ما حامدٌ السوق إلا من ربح، أو: نرى رجلاً قائداً بعيراً، كما أن دخول نون الوقاية عليه لتكون بينه بين ياء المتكلم أمر وارد فيها أيضاً، نحو: أسمعني يا معلمني، فمعلمني النون للوقاية، والياء في محل نصب مفعول به من معلم، فإذا لم نرد إعمال اسم الفاعل (معلم) عمل فعله جعلناه مضافاً إلى ياء المتكلم حاذفين النون[67] ، ولم أهتدِ إلى كيفية إعماله في اللغة مع بقية الضمائر إذ لم أجد مصدراً واحداً يشير إلى ذلك، كما لم أقع على أثر لتنوينه فيها في حالة إسناده للضمائر إلا فيما أشير إليه في تخريج شاهد من قول يزيد بن محرم أو محمد الحارثي:

فما أدري وكل الظن ظني

أمسلمني إلى قومي شراحي[68] 

والشاهد فيه قوله: أمسلمني، فقد قال الشارح في تخريجه: إن النون هنا للوقاية، وهذه تلحق اسم الفاعل واسم التفضيل، وقيل أن النون هنا التنوين لحقه شذوداً[69] ، وشراحي: شراحيل.

وقد انقسمت لهجة الواحة فيه إلى قسمين أو فريقين:

الفريق الأول: وهم ذوي الانتماء القبلي والمسند إلى ضمير لا ينون في لهجتهم، مع أنهم ينونون غير المسند غالباً، فيقولون: ماخدٍ شي، شايفٍ رجال، أما دخول نون الوقاية فمنحصر عندهم في المسند إلى ياء المتكلم وحسب، ولا يظهر في غيرها مع إسكان آخره على السكون (مْعَلِمْني)، والنون هي التي تميز العامل من المضاف، ومن شواهده قول الشاعر الكويتي سلطان السهلي: (مْولِّعْني وْمِشـگِيني ورد الـگلب في عمياه)[70] ؛ أما المقترن ببقية الضمائر فقد يلتبس أمره على السامع لتداخل الصورتين وانعدام ما يميزه، ولكنه يدرك من سياق الجملة.

الفريق الثاني: وهم البقية الباقية والسواد الأعظم، وله عندهم في هذه الحالة صورتان:

الأولى: المضاف إلى ضمير ويقصد منه التملك أو شبيهه، فهو على ما هو على الحالة الثانية في الفصحى المشار إليها آنفاً، كما يتفقون فيه مع الفريق الأول.

الثانية: أما المشبه بالفعل فهذا الذي يلحقه هذا التنوين، وهو الذي عليه مدار الحديث هنا، وهذا التنوين يتحول إلى نون مشددة، وهذا التشديد الحاصل فيه فلعله بسبب مجاورته لنون الوقاية التي تدخل على الفعل في حالة إسناده إلى ضمير المتكلم، انقلبت في الإدغام إلى نون مشددة مع التنوين اللاحق لاسم الفاعل قبل اتصاله بأحد الضمائر التالية: المتكلم، والمتكلمين، والمخاطب، والمخاطبة، والغائب، نحو: ماخْدنِّي، ماخْدنَّا، ماخدنُّك، ماخدنِّش، ماخدنِّه.

لاحظ أن المسند إلى المخاطبين، والغائبة، والغائبين، ماخدنْكم، ماخدنْها، ماخدنْهم لا يلحقه تشديد؛ وقد اجتمعت فيه أكثر من ظاهرة وهي:

(1) البناء على التنوين بالكسر في جميع الحالات.

(2) ملازمته لصورته المبنية حتى بعد إسناده الضمير.

(3) دخول نون الوقاية على جميع أشكاله المسندة إلى الضمائر المتقدمة.

(4) تحول التنوين إلى نون مشددة في البعض من أشكاله لإدغامه في نون الوقاية.

(5) تحول التنوين إلى نون ساكنة في المسند إلى البقية من الضمائر.

والغرض من تنوينه فيما يبدو عندهم هو للتفريق بين العامل منه أي: الذي يعمل عمل الفعل ويشبهه من غير العامل، أي: الذي يفيد التملك ونحوه، فعندما يريدون التعبير عن معنى الفعل يقولون: إنتَ ضاربني أي: أنت الذي ضربتني، أما إذا أرادوا الثاني يقولون: أنت ضاربي.

ومن المحتمل جداً أن هذا التنوين هو تنوين التمكين، وهو الذي يدخل على الأسماء العربية كزيد ورجل، وفائدته الدلالة على خفة الاسم، وتمكينه من باب الاسمية لكونه لم يشبه الحرف فيبنى ولا الفعل فيمنع من الصرف[71] .

ومن شواهد هذه الظاهرة في الشعر العامي قول الشاعر علي بن حسن الدرازي من سنابس تاروت: (عندي جار اشـگد أدكره مْشاركنِّي في اللِّعِب)، ومن شواهدها في الأقوال السائرة: (ويش حادِّنُّك يالمسمار گال المطرقة)، و: (ضاربتنِّه أم الديفان).

وهذا التنوين دائماً مبني على الكسر، ولا يتحول فيه إلى الضم إلا عند إسناده لضمير المخاطب = ضاربٍ + نون الوقاية+ ك = ضاربْنُّك (عند من يفخم)، أما لماذا تحول إلى الكسر دون مراعاة لموقعه من الجملة فلأن اللهجة تخلت عن الإعراب مطلقاً والتزمت البناء، ولما كانوا يميلون إلى الكسر فقد غدا مكسوراً، ولو كان لهم هوى في الفتح أو الضم لفعلوا.

واسم الفاعل المضاف المضعف العين نحو: معلم، يبقى التضعيف لعينه على حاله عند الفريقين لا يتغير إلا إذا أضيف إلى ضمير المتكلم، والغائب: مْعلْمي، مْعلْمه، وأما العامل فالتضعيف فيه باق على حاله مطلقاً عند الفريق الأول: مْعلِّمْني، مْعلِّمْك إلخ..، وأما عند الفريق الثاني فهو مخفف مطلقاً = اسم فاعل (مْعلم) + تنوين + نون الوقاية + ضمير المتكلم(ي) = معلمٍ +ن +ي = مْعَلْمِنِّي، وأصله مُعلِّمُنِّي فخفف التشديد الأول كراهة منهم لاجتماع تشديدين متقاربين للاستثقال.

ولا يأتي المنون (العامل) من فعل لازم مثل: قام، ونام، لأن التنوين علامة التعدية ليأخذ مفعولاً، واللازم ممتنع من ذلك، أما المضاف غير العامل فيأتي منه، فيقال: گايمي، نايمي أي: صاحبي النائم، وصاحبي القائم، كما لا يأتي من فعل جاء اسم الفاعل المشتق بصورة العلم أو صفة علمية مثل: هاشم، وعالم، إلا إذا أريد منه معنى الفعل: گاسمنِّي، گاسمنِّا، هاشمنِّي، هاشمنِّا.

ورب قائل: إنك تقول: إنه لا يأتي من فعل لازم فما بالنا نسمع: جايبنه، وهو من الفعل جاء وهو لازم ؟، وللجواب على هذا السؤال:إن الفعل: جاء هذا قد يلحق به حرف الجر الباء عن طريق الإلصاق التوهمي حتى أن الناطق به لا يحس بأنه ليس من بنية الفعل، فينطقه بصورة: جاب في الماضي، و: يجيب في المضارع، فيصير وكأنه متعد بنفسه لا بوساطة حرف الجر، فيصير اسم الفاعل جايبنه، كما أن اسم الفاعل هذا له صورتان مختلفتان: جاي به، وجايبنه، فإذا انفصل حرف الجر عنه لم ينون، وإذا حسب حرف الجر فيه ضمن بنيته نون، كما أن المعنيين يختلفان باختلاف الصورة، وتلك ظاهرة أخرى تركنا الحديث عنها لمكان آخر غير هذا، فقولهم جاي بالنعال (مثلاً) تعني: جئت به لابسه في رجلي، أما جايبنه فتعني: جئت به محمولاً من غير لبس، وقد تعني جابينه: والده من الولادة كما تعني شاريه أو جالبه.

فإذا قال: حسناً أليس مِدْريني ومْدرِّينيِّ قد لحقته نون الوقاية في الصورة الأولى ونون الوقاية والتنوين في الصورة الثانية وهما من الفعل درى وهو لازم؟، قلنا له إن هاتين الصورتين ليستا من الفعل درى الثلاثي حتى تكون من صورته اللازمة، وإنما من: درَّى المتعدي بتضعيف العين، والصورة الأصلية تبعاً لهذه الظاهرة هي الثانية المشددة، وتحولت النون المشددة إلى مخففة بعد بالاكتفاء بنون الوقاية للتخفيف، وبما أن الصورة غير متضمنة إلا لمعنى واحد وهو معنى الفعل وحسب دون معنى الاسم، لذا ترك التشديد حيث أمن اللبس.

لا يأتي غير المنون (العامل) من فعل معتل الآخر سواء كان ثلاثياً أو مزيداً بتضعيف العين مثل: سمَّى، وحمَّى مع ياء المتكلم، فلا يقال: مْسمِّيي، ومْحمِّيي، مع أنه يأتي مع بقية الضمائر، فإذا أرادوا التعبير عنه استعاضوا بضمير المتكلمين، مْسمِّينَا ومْحمِّينا، أي: صاحبنا المسمِّي أوالمحمِّي والمسمي حـگنا أوحـگـي أو: اللا لينا أو ليي.

وكلاهما لا يأتيان من فعل ناسخ مثل: كان، أو الذي لا يتصرف بشكل تام مثل: ظن وأخواتها ونحوه،وأما ما تسمعه أو تقرأه في قول الشاعر حمد الحمود من تاروت (ت1346هـ):

(اغتريت بْكم ظاننكم من أهل ومحل)[72] .

فالظاهر أنه نتج عن تسهيل الهمزة بالحذف إلصاق توهمي، ولعل أصله هكذا: ظان إنكم، وكتبه سامعه بالصورة التي توهمها، والدليل على ذلك أن مثل: ظن، وحسب لا يتعدى عندهم بنفسه بل بحرف الجر على، فيقولون: ضنيت عليك، وحَسَّبت عليه، فيصير اسم الفاعل ضان عليك، وحاسب عليه، كما أن مجيء الحرف الناسخ إنَّ بعد مثل هذه الأفعال طارئ على اللهجة، وهذا التركيب في هذا النص محصور بحدوده، ولعله منقول أو محاكاة للهجة أخرى.

أما إذا كان منتهياً بحرف علة فيحذف منه هذا الحرف وتقصر الحركة ويصبح التنوين وكأنه لاحق للحرف السابق له: شارنِّي، شارنَّا، شارنُّك، شارنِّه، شارنِّش؛ شارنْها، شارنْهم شارنْكم، ولو صادف كون عينه التي سبقت حرف العلة نوناً فلا تحذف، بل تبقى ويأتي بعدها التنوين كما في قولهم: (الله غانِنِّي)، (والأصل غانْيِنِّي)، وهذا في الأغلب الأعم للتخفيف والاختصار، وكما يحصل هذا في اسم الفاعل المصاغ من الفعل الثلاثي يحصل كذلك من الفعل المزيد فيقال: مشترني، مشترنا إلخ..، أما إذا أنث فإن التنوين يأتي بعد تاء التأنيث فيقال: شاريتنه.

وقد ناب عن هذا التنوين هنا تنوين التعويض، وهو اللاحق لنحو: غواشٍ وجوارٍ عوضاً عن الياء[73] ، أو: كافٍ كما في قوله تعالى: ?أَليسَ اللهُ بِكافٍ عَبْدَه?[74]  لاستحالة اجتماع تنوينين في كلمة واحدة، ومنه قول الشاعر:

كريم للثنا بالجود شارٍ

مناقبه تعجِّز كل شارح[75] 

وتشترك لهجة البحرين مع لهجة هذه الواحة في هذه الظاهرة، وقد أشار إلى ذلك الأستاذ سالم النويدري في أعلامه[76] ، ومن شواهدها قول الشاعر البحراني أحمد البصري؟: (عنده ديـچ شارِنِّه من الحارة)[77] ، وقول الشاعر عبد الرحمن رفيع:

ليتني كركوشه في رْگبته

والا طوگ صابينه صب[78] 

كما تشترك معها لهجة الديار العمانية على بُعدها، وتتجلى شواهدها في أقوالهم السائرة الآتية: (ما فاسلنْها فسبخه)، فاسلنها أي: زارع الفسيلة في سبخة[79] ، (ما عاجبنُّه العجب ولا الصيام في رجب)[80] ، (ما ضاربتنُّه السودا)[81] ، (اللي حارقتنُّه المرقة ما ينفخ في اللبن)[82] ، وفي الكويت يقولون: يَاينِّك، أي: جاينُّك.

[1]  القواعد الأساسية ص367 السيد أحمد الهاشمي دار الكتب العلمية بدون رقم طبعة ولا تاريخ.

[2]  لغة تميم (مرجع سابق) ص 346.

[3]  القواعد الأساسية (السابق) ص367.

[4]  فصول في فقه العربية (مرجع سابق) ص 394.

[5]  الإعراب سمة العربية الفصحى دراسة تتناول وظيفته وتقويماً لمنابع بيانه، وعلاقته بالأداء ص 28 أ.د/ محمد إبراهيم البنا دار الإصلاح للطبع والنشر والتوزيع بدون رقم ط ولا تاريخ ولا مكان الطبع.

[6]  نفسه ص 30.

[7]  نفسه ص31.

[8]  تاريخ آداب العرب (مرجع سابق) ص ج ص 147.

[9]  دراسات في فقه اللغة (مرجع سابق) ص 138.

[10]  القواعد الأساسية ص 15.

[11]  فقه اللغة المقارن ص 89.

[12]  نفسه ص90.

[13]  الأسماء الخمسة في اللهجة ليست خمسة، وإنما هي ثلاثة: أبو، أخو، حمو (ينطق حمي بالياء، ويطلق على أخي زوج المرأة)، أما ذو فقد ناب عنه في اللهجة (أبو)، أما: (فو) فهو غير معروف بلفظه.

[14]  الإعراب سمة العربية الفصحى (مرجع سابق) ص28.

[15]  نفسه ص29.

[16]  نفسه.

[17]  نفسه.

[18]  فقه اللغة المقارن (السابق) ص 121.

[19]  نفسه.ص 117.

[20]  مقدمة العلامة ابن خلدون عبد الرحمن بن خلدون المغربي دار الكتب العلمية بيروت ط 4 س 1398هـ.

[21]  في اللهجات العربية (مرجع سابق) ص 84.

[22]  نفسه ص 242.

[23]  فصول في فقه العربية ص 77.

[24]  نفسه ص 80.

[25]  في اللهجات العربية ص 92.

[26]  نفسه ص 91.

[27]  نفسه ص 96.

[28]  نفسه.

[29]  نفسه.

[30]  نفسه ص 92.

[31]  الإعراب سمة العربية الفصحى (مرجع سابق) ص 36، لغة تميم ص267.

[32]  نفسه.

[33]  لغة تميم ص267.

[34]  تاريخ آداب العرب ج1 ص 151.

[35]  صورتها في لهجة الغالبية مع الإسم الظاهر أو الضمير المنفصل كما هي في الفصحى، ولا تحذف منها ألفها إلا في حالة اقترانها بالضمائر المتصلة، أما لدى ذوي الأصول القبلية فهي في الغالب ثابتة على الصورة المعهودة هنا، ولا تكاد تتغير.

[36]  دراسات في فقه اللغة (مرجع سابق) ص 74.

[37]  لغة تميم 212.

[38]  المائدة الآية 1.

[39]  لغة تميم ص 213.

[40]  آل عمران الآية 97.

[41]  لغة تميم ص 212.

[42]  نفسه 213.

[43]  المعجم المفصل في شواهد النحو الشعرية ج 1 ص 349 إعداد الدكتور أميل بديع يعقوب دار الكتب العلمية بيروت لبنان ط 1 س 1413 هـ 1992م.

[44]  نفسه ص 216.

[45]  نفسه.

[46]  تعد الآن لهجة ركيكة قولة: كِتِبْ بالكسر.

[47]  لغة تميم ص 194.

[48]  نفسه ص 196.

[49]  نفسه ص 197.

[50]  نفسه ص 198.

[51]  نفسه ص 199.

[52]  نفسه ص 170وما بعدها، وفي اللهجات العربية ص 94.

[53]  في اللهجات العربية ص 94.

[54]  دراسات في فقه اللغة (السابق) ص 93.

[55]  نفسه ص 95.

[56]  نفسه ص 96.

[57]  نفسه ص 97.

[58]  نفسه.

[59]  في اللهجات العربية ص 95.

[60]  المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام مج 8 ص 586 الدكتور جواد علي دار العلم للملايين بيروت، ومكتبة النهضة بغداد ط ا س 1971م.

[61]  نفسه.

[62]  في اللهجات العربية ص85.

[63]  المفصل في تاريخ العرب ج 8 ص 602.

[64]  في اللهجات العربية ص 94.

[65]  تاريخ آداب العرب (مرجع سابق) ج 1 ص 150.

[66]  المفصل في تاريخ العرب ج 8 ص 580.

[67]  الوحيد في الإعراب (مرجع سابق) ص 341.

[68]  المعجم المفصل في شواهد النحو الشعرية (مرجع سابق) ج 1 ص 180.

[69]  نفسه.

[70]  الفن والسامري ص 104عبد الله عبد العزيز الدويش مطابع الوطن بلد الطبع غير مذكور ط 1 س 1983م.

[71]  فقه اللغة المقارن (السابق) ص126.

[72]  شعراء الموال في جزيرة تاروت (1258ـ 1408هـ) ص 154على ابراهيم الدرورة مطابع الصناعات المساندة المحدودة الجبيل بدون تاريخ ولا رقم طبعة.

[73]  فقه اللغة المقارن (السابق) ص 127.

[74]  الزمر الآية 36.

[75]  الكشكول ص 712 الشيخ إبراهيم بن مهدي آل عرفات تحقيق عبد الغني العرفات مؤسسة أم القرى للنشر والتحقيق بلد الطبع غير مذكور ط 1 س 1418هـ.

[76]  أعلام الثقافة الإسلامية في البحرين خلال 14 قرناً مج ا ص 59 مؤسسة العارف بيروت لبنان ط1 س 1412هـ.

[77]  من شريط مسجل من إذاعة البحرين، وعلامة الاستفهام إشارة إلى أن صاحبه غير معروف لدي بشكل قاطع.

[78]  ديوان الشعر الشعبي ص 120 للشاعر عبد الرحمن محمد رفيع ذات السلاسل الكويت 1970م بدون رقم طبعة.

[79]  أقوال عمان لكل الأزمان خليفة عبد الله الحميدي ج 3 ص 183 مطبعة عمان ومكتبتها القرم ط 1 س 1410هـ.

[80]  نفسه ص 178.

[81]  نفسه ص 176.

[82]  نفسه ص 210.
باحث
363660