الروح الوطنية في شعر الرمضان
محمد علي الحرز * - 6 / 3 / 2011م - 9:39 ص - العدد (26)

المشاعر الوطنية وحب الوطن من الأمور التي تنغرس في نفسية كل إنسان، تنمو معه وترافقه في سنين حياته، وقد يزداد الحنين والشوق كلما بَعُد عن الدينار، وطاف به طيف الأحبة والأصدقاء، ودغدغه نسيم الديار ورياحه، فتتأجج الأحاسيس، وتغمر البسمة، ويتحرك الخيال، وتشرد النفس، هنا تنقلب الغربة كربة، والوحدة عناء، ويطرق باب العودة إلى الوطن من جديد.

وشاعرنا عاش حياته على شذا الأحساء ونسيمها، وعلى نخيل هجر وروابيها، ولكن الظروف القاهرة اضطرته لهجرها والتنقل بين مناطق بلاد فارس التي لم يستطع التكيف معها، والعيش على ذكرى بلاده، يعصره الألم كلما هاج به طيف الأحبة: إنه الشاعر الشيخ علي بن الشيخ محمد الرمضان الذي عاش في مطلع القرن الثالث عشر الهجري بين عامي (1185 – 1265هـ) تقريباً، إلا أن الشاعر كان يخفف من وطأة النار المستعرة في داخلة بما كان ينشده في بلاده الأحساء من قصائد تعبر عما يختلج في صدره، وقد تجلت هذه الروح الوطنية بين ثنايا أبياته في جوانب أربعة نذكرها على التوالي:

أولاً: الدفاع المستميت

لعل الشغف الكبير الذي كان يكنه الشاعر لبلده الأحساء في بلاد الغربة كان سبباً في عتاب بعض من هم حوله، بل وللتجاسر بالنيل من جمال وطبيعة وطنه الأحساء، الأمر الذي لم يلق رضاً من قبل الشاعر فتصدى لمثل هذه الهجمات الشرسة بروح ملؤها الدفء والثناء على كل ما يمت لما يسمى بهجر فمن أبياته:

يريدون صرفي عن هواي سفاهة

وهيهات يأبى ذاك من طلب الرشدا

يقولون في أرض العجير قذارة

فقلت لهم والله اشتاقه جدا

وقالوا أبو زهمول مرّ مذاقه

فقلت لهم والله أحسبه شهدا أ

ألا ليت لي من مائه المر شربة

يصادف حر القلب من طيبها شهدا

ويا ليت لي، وهي السعادة، وقفة

على رمل أم الذر أبري بها الوجدا

ويا ليت شعري هل أبيت برملها

وأوقد حمضًا يفضح المسك والرندا

إذا عبقت بي نفحة من دخانه

شممت بها ما تحمل الريح من شعدا

فكل الصفات الذميمة التي يراها غيره في الأحساء هو يراها سجايا ينبغي أن تفخر بها الأحساء فهو يراها صافية مصفاة من كل سوء، لا يستطيع الدنس أن يقترب منها. فيكفيه أنه لامس تراب الأحساء التي حرم منه، وأصبح مستعصياً عليه، فقِيم الأشياء وجمالها في نظر الشاعر لا تبتني على الشكل أو الطعم أو غيرها من المقايسس الجمالية الضيقة صاحبة النظرة الآنية وإنما بما تحمله من قيم معنوية في نظر المحب التي لا تتغير مهما تغيرت الظروف واختلفت الأحوال.

ثانياً: الحنين الدائم

قد لا تخلو قصيدة من قصائده من ذلك الحنين والشوق الذي لا يبرى، فقلبه دائم التحرق والاشتعال، فهو متعلق بكل ما يرتبط بالأحساء: أهلها. نخيلها. ريحها. عصافيرها. عيونها. أنهارها. كل شبر منها يذكره بها لذا يقول:

أهيم بتلك السوح وٍدّا وقد درى

أخو اللب مماذا أهيم بها ودا

ويقول في قصيدة أخرى وهو يعيش الأمنيات والأحلام بلقاء أهله وأصدقائه:

فيا ليت شعري هل ابيتن ليلة

عليّ لطيب العيش أكْسيَةٌ خصر

وهل يحتويني والأحبة مجلس

به من رحيق البن غانية بكر

ولعل من أجمل روائعه في الشوق بالأحساء والتغني بها، تلك المقطوعة التي تعبر عن مدى تعلق الشاعر ببلاده، وما تحتله من مساحة في فؤاده إذ يقول:

تحملت الهوى وبه فسادي

وأهملت الحجى وبه رشادى

وقادني الغرام إليه حتى

أتيت بكفه سلس القياد

وأهون ما ألاقي منه داء

تَصدَّعُ منه أكباد الصلاد

وبالأحساء، وهي مناي، قوم

بعادهم نفي عني رقادي

لهم جفني القريح يفيض ريا

بفيض دموعه والقلب صادي

هيامي فيهم شغلي ودأبي

ووجدي منهم شربي وزادي

أحب لأجلهم خفقان قلبي

وأهوى في محبتهم سهادي

وهم حصني المنيع، وهم سنادي

وهم ركني الوثيق وهم عمادي

سقى الأحساء باريها بغيث

يمد الخصب من صوب العهاد

فهنا يكشف الشاعر سراً من أسراره في تعلقه ببلاده إذ هي التي تضم الأهل والأحبة الذين تربطهم بالشاعر طفولة وشباب ونسب وهي أمور لا يمكن أن تمسحها السنون بجميع ما تحمل من أزمات وعقبات فكل هذا يذهب ويبقى القلب متعلقاً بمن أحب لا يغيره الزمن ولا يرهقه الوهن.

ثالثاً: وصف المعالم الجغرافية

إن من علائم الحب للوطن حفظ المعالم الجغرافية وما تحويه من انهر، وعيون، وهضاب، وتلاع، وحصون، أنها الصورة التي لا تغيب مهما طالت السنون وفرق بين الحبيبين الدهر الخؤون، فيبحث عن أي زائر لبلاده كي يحمله تلك اللوعة وينقله مشاعره إلى الأحبة وهذا ما حدث للشاعر عندما وجدا من يحمله فؤاده فأخذ يصف الأحساء وكأنها أمامه، وهو الخبير بمعالمها:

أهيل النياق الهوج يزجو بها إلى

دياري من هجرِ وشوقي إلى هجر

إليكم لهذا الواله الصب حاجة

فإن تنجحوها تربحوا أعظم الأجر

خذوا نظرة مني إذا ما نزلتم

على النهر صافي الماء من أيمن الجفر

فلاقوا بها تلك التلاع لعلني

أبل بها حراً تضمنه صدري

ومهما مررتم بالفضول فعرجوا

على ( أم فراج ) لدى الدوح والزهر

وإن كظكم حر الظماء فدونكم

( غصيبة ) حيث العذب فوق الحصى يجري

وفي ضمن هذا فاذكروني فإنني

لمنتعش منكم على النأي بالذكر

وإن بلغت أيدي المطيّ بكم إلى

ربوع من الهفوف نفاحة النشر

فخُروا على حر الوجوه لربكم

سجوداً وأدّوا ما عليكم من الشكر

يتدرج الشاعر من المسافرين في ترحالهم حيث يضعهم على حدود الأحساء في الجهة الشرقية من الهفوف حيث قرية ( الجفر )، ثم يجرهم نحو هدفه فيعبرون على قرية ( الفضول ) غربي الجفر، وهنا لا ينسى مسافريه فيأخذهم في نزهة بأم فراج ليروا الرياض والدوح، ثم يروي ضمأهم في عين من أروع عيون الأحساء ( غصيبه )، إلى أن يبلغ بهم الهدف المنشود منطقته الهفوف معقل آل الرمضان.

وفي كل ذلك نلحظ بما لا يخفى أمور:

- عنصر التدرج لدى الشاعر وهو أمر نفسي حيث تتهيأ النفس للقاء أمر عظيم وهو فن من فنون التفخيم.

- إدراك الشاعر بحال المسافرين وما هي الأمور التي يلحظها المسافر وتلفت نظره أول قدومه إلى بلد جديد، من المعالم السياحية والماء لبعث النشاط والحيوية في النفس والدواب.

- الاندماج الكبير الذي يحمله الشاعر مع المسافرين فيستشعر نفسه واحداً منهم يرى ما يرون، ويذوق ما يذوقون، إذ هو في الواقع لا يصف لهم وإنما يصف لروحه التي تخفق بينهم في خطوة من خطواتهم وتستشعر جميع ما يقومون به.

رابعاً: ذم الاغتراب

بالرغم مما في الغربة من حسنات ذكرها الشعراء فإنها لا تخلو من مساوئ لا يشعر بها إلا من عاش الغربة وشعر بوحشتها، والشاعر الرمضان ممن خبر الغربة وعرف الكثير عنها لذا ينتهي إلى نتيجة واحدة لا يحيد عنها هي:

لعمرك إن الاغتراب هو الردى

فما لفتى يحيا به أبداً عذر

فهو يصنع لنا معادلة رياضية تحمل خبرته ونظرته وهو الذي عاش الغربة سنين طويلة فيقول:

الغربة = الردى ( الموت )

وأما جميع حسنات السفر فإن الشاعر لا يراها مبرر كافياً للاغتراب، وليس هناك استثناء من القاعدة إلا حالة العذر المقبول عرفاً ككسب الرزق أو الخوف من شيء ما وحال الشاعر من القسم الثاني.

عضو هيئة التحرير
363648