ديناران قرمطيان ضربا بمكة
محمود بن يوسف سليمان الهاجري * - 11 / 3 / 2011م - 8:25 ص - العدد (27)

تأتي أهمية المسكوكات في التأكيد والتصحيح لبعض الروايات التاريخية أحياناً وإضافة بعض المعلومات الجديدة في أحيان أخرى، خاصة في تاريخ القرامطة حيث المعلومات ضئيلة ومتضاربة، فلقد طالعنا ستيفن ألبوم في أحد الإصدارات الحديثة[1]  على دينارين قرمطيين ضربا بمكة المكرمة مقرونين باسم الخليفة العباسي المطيع لله (334 – 363هـ) مؤكدة لبعض الروايات التاريخية ومضيفة لحقائق جديدة لتاريخ القرامطة في البحرين، وهي المرة الأولى التي ينشر فيها دنانير قرمطية ضرب مكة، فقد عرف عن القرامطة سك دنانيرهم بمدن الشام، وهي بلا شك ستضيف شيئاً لتاريخ القرامطة وعلاقتهم بمكة قبلة المسلمين خاصة إذا ما عرفنا تهافت الدول الإسلامية آنذاك على شرف الخطبة لها وكذلك محاولة القرامطة السيطرة عليها وتثبيت هذه السيطرة بسك النقد.

الدينار الأول

كتب على الوجه

            لا إله إلا الله

            محمد رسول الله

            المطيع لله

وعلى الهامش: بسم الله ضرب هذا الدينر بمكة سنة تسع وخمسين وثلثماية

كتب على الظهر

            آمر من الغاية

            آل أبي سعيد

            جعفر بالله

وعلى الهامش الآية الكريمة: (محمد رسول الله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون)

الوزن = 2.75 غرام

جاء هذا الدينار ليؤكد ما ذكره الجزيري في (درر الفرائد المنظمة) من أن الخطبة لهذا العام كانت في مكة للخليفة العباسي المطيع لله جنباً إلى جنب مع الزعيم الجنابي الحسن بن أحمد[2] ، مع أنه لم يذكر اسمه على النقد بل ذكر آل أبي سعيد وهم كما يعتقد أبناء أبي سعيد المتبقين، أبي القاسم سعيد، أبي يعقوب يوسف و أبي منصور أحمد بن الحسن و الذي ذكر أنه توفى هذا العام (359هـ)[3]  وهذه دلالة بأن الزعامة لم تكن في شخص واحد وهذا مع ما سبق ذكره من أن الخطبة كانت بعد المطيع للأعصم دلالة على التعقيد في حكم القرامطة، كما أشرك شخص آخر هو جعفر ولا أدري ما هو المقصود بإضافة كلمة لفظ الجلالة لاسم جعفر، وجعفر هذا ربما يكون جعفر بن الفضل ابن عم الأعصم الذي ورد اسمه على دينار ضرب بفلسطين سنة 366 هـ[4] ، والأغلب أن يكون الشريف جعفر بن محمد أمير مكة لهذا العام 359 هـ، (وهو جعفر بن محمد بن الحسين بن محمد بن موسى بن عبدالله بن موسى بن عبدالله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وهو أول من ملك مكة من بني موسى الجون)[5] ، وقبل هذا كانت النقود بمكة تسك باسم الإخشيديين، وبعد موت كافور استغل القرامطة الفراغ وسيطروا على مكة وقد عرف أن الإخشيديين كانوا يجزلون العطاء للقرامطة.

هذا النقد حسب علمي أقدم نقد قرمطي يظهر إلى الآن باستثناء نقد ذكر أنه ضرب بالشام عام 353هـ يحمل اسم الأعصم أثناء غزوه لها أول مرة (لم يذكر مصدر هذا النقد)[6] .

إن ضرب هذا الدينار سنة 359 هـ بمشاركة الخليفة العباسي المطيع يدل على أن تحالف القرامطة والعباسيين تم هذا العام وليس سنة 360هـ، حيث أعلنوا ولائهم للعباسيين بلبس السواد ورفعوا أعلاماً كتب عليها اسم الخليفة العباسي المطيع لله وتحته كتب "السادة الراجعون للحق"[7] .

الدينار الثاني

كتب على الوجه

في الوسط:        لا إله إلا الله

            محمد رسول الله

            المطيع لله

على الهامش: بسم الله ضرب هذا الدينر بمكة سنة اثنين وستين وثلثماية

على الظهر

في الوسط:        أمر من السيد

            الرأس أبي يعقوب

            الحسين بالله

على الهامش الآية الكريمة: (محمد رسول الله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون)

الوزن = 2.78 غرام

يأتي هذا الدينار ليضيف لنا حقيقة جديدة لسيطرة القرامطة على مكة المكرمة عام 362 هـ ربما بمشاركة أمرائها الأشراف والخليفة العباسي حيث ذكر اسم الخليفة العباسي المطيع لله مقروناً باسم الزعيم القرمطي أبي يعقوب يوسف بن أبي سعيد الجنابي والذي ذكر أنه تولى زعامة القرامطة سنة 361 هـ بعد وفاة أخيه أبي القاسم سعيد[8] ، وهو أخر أبناء أبو سعيد الجنابي مؤسس الدولة القرمطية حيث ذكر ابن الأثير أنه آخر من استقل بالحكم القرمطي وتوفي سنة 366 هـ ولكن يذكر أن خبر وفاته وصل للكوفة في صفر سنة 367 هـ حيث أغلقت أسواقها ثلاثة أيام إجلالا لمصيبته.

وجاء بعد اسم أبي يعقوب "الحسين بالله" وهو أيضاً اسم علم مضاف إلى كلمة لفظ الجلالة "الله" وهو ربما يكون الأعصم حيث يرد في بعض المصادر أحياناً باسم الحسين بن أحمد وقد ورد أيضاً اسمه (الحسن بن أحمد) على دينار لنفس العام ضرب بفلسطين، أو أنه الشريك الحجازي على السكة بالإضافة إلى الخليفة العباسي والزعيم القرمطي أبي يعقوب، ولكن لم يرد في المصادر من كان أميراً لمكة هذا العام بهذا الاسم غير أنه يتردد اسم نقيب الطالبيين أبو أحمد الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن موسى الكاظم الموسوي والد الرضي والمرتضى الذي حج بالناس قبل العباسيين في تلك الفترة والذي خاطب الخليفة وهنأه بنجاح أحد مواسم الحج (انظر أبن الأثير حوادث عام 359، 360، 361هـ)[9] . 

[1]  sylloge of Islamic coins in the ashmolean, volume 10 – Arabia and east Africa by Stephen al bum

[2]  الزيلعي، أحمد بن عمر، مسكوكات ذهبية جنابية ضرب بلاد الشام.

[3]  ذكر أبو الفداء ج11 - 12 ابناً لأبي سعيد هو أبو العباس الفضل ولم يذكر أبو منصور أحمد بن الحسن.

[4]  الزيلعي، أحمد بن عمر، مسكوكات ذهبية جنابية ضرب بلاد الشام

[5]  عبد الغني، عارف، تاريخ أمراء مكة.

[6]  الخليفة، مي، من سواد الكوفة إلى البحرين.

[7]  الزيلعي، أحمد بن عمر، مسكوكات ذهبية جنابية ضرب بلاد الشام.

[8]  تاريخ الطبري.

[9]  ابن الأثير ـ الكامل في التاريخ، ج 8.
كاتب - متحف الدمام الإقليمي - السعودية
370314