الحاجة إلى تنمية الصناعات الحرفية من خلال إنشاء مراكز للتدريب
ورقة عمل قدمت لورشة تطوير الحرف اليدوية سلطنة عمان 16 - 18 سبتمبر 2002م
عبدالله الشايب * - 11 / 3 / 2011م - 8:35 ص - العدد (27)

مقدمة

تعد الصناعات الحرفية التقليدية إحدى عصب الاقتصاد التقليدي في الماضي وهي مهن متوارثة بحيث نرى أسراً بالكامل تمتهنها.

ونظراً لما لهذه الصناعات من أهمية سواء من الباب التاريخي والثقافي والاجتماعي والاقتصادي فإن هذه الورقة تحاول أن تلقي الضوء على الصناعات الحرفية في الأحساء وإمكانية تنميتها لتكون رافداً في اقتصاد العربية السعودية الحديث الأمر الذي يتطلب نقل الخبرة إلى أجيال الشباب والشابات من خلال إنشاء مراكز للتدريب.

ومدينة الهفوف عاصمة الأحساء والمدن الأربع المبرز والعيون والعمران والجفر وعشرات القرى والهجر على مساحة تصل إلى 24% من مساحة المملكة زاخرة بالصناعات الحرفية والتي اندثر جزء منها وبقيت الأخرى تصارع بينما نجد أن البعض لازال حياً نابضاً.

ولاشك أننا في المملكة على عاتقنا مهمة كبرى في النهوض بهذه الصناعات سواء في القطاع العام أو في القطاع الخاص وإذا علمنا أن هناك جهوداً لا بأس بها في بعض الدول العربية فإن المملكة من خلال الهيئة العليا للسياحة - برنامج الثقافة والتراث معنية بهذا الموضوع.

كما أن المهرجانات المختلفة كمهرجان الجنادرية يساعد على تسويق هذه الصناعات واستمرارها.

ولذا يأتي إنشاء مركز النخلة للصناعات الحرفية بمدينة الهفوف بالأحساء منسجماً مع هذا السياق.

هدف وتعريف

الهدف: هو دراسة الحاجة لإيجاد مركز للتدريب للصناعات الحرفية والإنتاج. والصناعات الحرفية تعني الصناعات التقليدية والحرف اليدوية والصناعات الخفيفة. وتستخدم كلمة الصناعات الحرفية للدلالة على:

1- تلك المهن التي مارسها الإنسان لتسد حاجته اليومية.

2- لتوفير مستلزمات القيام بالأنشطة.

3- تعتمد على المهارة اليدوية.

4- استخدام أدوات بسيطة.

5- استخدام المواد الخام الطبيعية المتوفرة.

6- إنتاج سلع تلبي حاجة السكان المحيطين.

7- الصناعات الحرفية تكون متوارثة في بعض الأحيان.

8- تتميز بانخفاض التكاليف للإنتاج.

لماذا الصناعات الحرفية؟

للمتتبع لموضوع الصناعات الحرفية يلاحظ تطوراً ملحوظاً في الاهتمام بها، ويأتي من كونها رافداً اقتصادياً. فالدول كثيراً ما تبذل جهداً في سبيل تطويرها ولا يمكن بأي حال إغفال الناحية الاجتماعية والثقافية كموروث في الثقافة المادية لأي أمة ويأتي الحفاظ عليها أيضاً جزء من تراث الأمة.

المنظور التاريخي:

كتب التاريخ مليئة بمسميات للصناعات الحرفية والعاملين بها ومنهم العظماء كصحابة رسول الله (صلى الله عليه عليه وآله وسلم) والصناعات الحرفية تعبر عن هوية البلد الوطنية وهي إحدى وسائل الحفاظ على التراث والموروث. وإلى وقت قريب لبت الصناعات حاجات السكان وكانت منسجمة مع المتطلبات المعيشية. وبدأت الصناعات الحرفية في الانحسار بدخول الآلة للصناعة والإنتاج الكمي وتغير أنماط المعيشة ودخول التقنيات والمواد البديلة مما أعطى ميزة سعرية تنافسية، وأدى ذلك إلى الحاجة للعناية بالصناعات الحرفية واختلفت المدارس لذلك:

1- أن ينظر إليها من منظور تراثي تقليدي فيلزم عدم المساس بها.

2- إدماج هذه الصناعات في خضم الصناعات الحديثة وإهمال ما لا يندمج حتى يندثر تلقائياً.

3- التعامل معها كتراث يجب المحافظة عليه، وكصناعة توفر وظائف من خلال التشغيل والتسويق وأن يتطور مع رغبات المستهلكين وذوي الاهتمام بالاقتناء.

المنظور الاجتماعي:

نظراً لأن الصناعات الحرفية تعتبر ضمن إطار الصناعات فهي إذن تساعد على الحد من البطالة والاستفادة من كافة الموارد البشرية سواء الذكور والإناث الذين يستطيعون أداء بعض الأعمال في بيوتهم أو في محيطهن كذلك يمكن لكبار السن والمعوقين وغيرهم المشاركة في العملية الإنتاجية في سكناهم مما يعطي مصدراً للدخل بالإضافة إلى رفع المعنويات.

المنظور الاقتصادي:

يعتبر الأفراد أهم مقوم في الإنتاج وأما بالنسبة لرأس المال فهو متدنٍ وهذا يعين بالضرورة توفير فرص عمل كما أنها تنتج للتصدير ولها مردود من السياحة وتتركز الأهمية الاقتصادية في:

1- أنها تساعد على إيجاد فرص وظيفية بالنظر إلى نسبة تخصيص الموارد والحاجة إلى تعليم بسيط وبالتالي تتمكن حتى ربة البيت من ممارسة الحرفة.

2- توفر الخامات وبالتالي تساعد على الاستفادة منها.

3- توفر فرصاً للتدريب أثناء العمل ومما يساعد على ذلك أن التقنيات ليست صعبة الاستيعاب.

4- توفر توازن في التخطيط والتنمية بين المناطق المدنية والريفية وذلك لتعميم انتشارها.

5- تمكين تحقيق متطلب المستهلك من المنتج نظراً لإمكانية التعامل مع الخامات.

خصائص الصناعات الحرفية

حتى تكتمل الصورة عن الصناعات الحرفية فإنه يجب أيضاً النظر إلى خصائصها فيما يتعلق بالوضع الراهن وهذا يساعد على إعطاء صورة أوضح عند الأخذ في الاعتبار النتائج وتأتي هذه الخصائص بمقاييس التنظيمات والإنتاجية وما إلى ذلك وتتركز هذه الخصائص كالآتي:

1- من المنظور الإنتاجي يعتبر منخفضاً.

2- الدخل المنخفض: لأن العاملين ذو أجر منخفض سواء من الرجال أو من النساء أو الأطفال أحياناً.

3- نظراً لأن الحرفي لا يؤدي عمله في إطار التنظيم الرسمي فهو لا يحتاج إلى ترخيص أو سجل ولكنه يفقد الميزة التجارية وربما الإعفاءات.

4- غياب التنظيم على مستوى المنطقة أو الدولة للصناعات الحرفية.

التدريب

تعتبر مهمة التدريب قديماً عند الحرفي نشاط جانبي ففي الغالب يتدرب الأبناء أو من يعملون معه على رأس العمل وذلك بالتقليد (وهو نوع بسيط من التدريب)، ويواجه هذا النمط عدم رغبة الأجيال الشابة في الاستمرار أو الانخراط في هذا العمل فلا تكون هناك بدائل للحرفي القديم وأيضاً لا تنتقل الخبرة، ولكن التدريب في الصناعات الحرفية مهم جداً على أن يكون بشكل نظامي لتأهيل أجيال جديدة وبهذا تستمر الحرفة ويحافظ عليها وترقى مستوى الحرفة وبالتالي تصبح منتجاتها عالية الجودة.

ولذا فالتدريب مهمة أساسية في ذلك سواء برعاية الدولة أو القطاع الخاص بوجود مراكز تدريبية. ولذلك فيجب عدم إغفالها عبر بعض الجهات مثل الجمعيات والتي تحتضن بعض الدورات التدريبية.

نماذج من الصناعة الحرفية في الأحساء

ترجع الصناعات الحرفية في الجزيرة العربية إلى آلاف السنين وتعددت الأنشطة الحرفية نظراً لاشتغال السكان بالرعي وتربية الماشية كما قاموا بالصيد البري والبحري بالإضافة إلى التجارة والصناعة.

والأحساء بواحتها الزراعية وإطلالتها وكونها محل استيطان منذ خمسة آلاف سنة فقد نشأت بها الصناعات الحرفية وقد اعتمدت على المواد المتوفرة محلياً.

1- النخيل ومنتجاتها.

2- الأخشاب من الأشجار المختلفة كالتوت والإثل وغيره.

3- المنتجات الحيوانية: الوبر والصوف والشعر والجلود من الجمل والأغنام والأبقار.

4- الأحجار والطين.

5- المعادن مثل الذهب والفضة والنحاس والحديد وغيرها.

وتميزت الصناعة بـ:

1- الدقة والابتكار في المنتج.

2- كفاءتها العملية.

3- المستوى الجمالي المرتفع ولذا انتشرت الصناعات الحرفية على المستوطنات الساحلية وفي الأرياف والمدن والبادية.

وقد اندثرت الآن عدد من الصناعات والباقي لا يزاوله إلا القليلون.

وتنقسم الحرف إلى نوعية أساسية مثل الزراعة والتجارة والرعي والصيد والغوص، وحرف خدمية كالبناء والنجارة والحدادة والصفارة والصياغة والحياكة والتطريز وصناعات منتجات النخيل والأكلات الشعبية وما إلى ذلك.

الخامات المستخدمة في الصناعات الحرفية ومخرجاتها

1- المواد النباتية: (الخوص، السعف، الجذع، اليف، السدر، والإثل) وغيره بالإضافة إلى أنواع النباتات الطبيعية مثل الأعشاب وهذه تستخدم في الصناعات الخوصية وصناعات السموط والليفية والخشبية والصياغة وغيره.

2- المواد الحيوانية المعتمدة على جلود الأغنام والماعز والإبل وكذلك الصوف والوبر ومن أهم الصناعات القائمة عليها النسيج والحياكة) والمنتجات الجلدية.

3- مواد من الأرض: الطين والمعادن مثل الذهب والفضة والنحاس والحديد وتستخدم في الصياغة والمنتجات الحديدية والنحاسية والفخارية.

وتزخر الأحساء (كونها واحة زراعية وتحيط بها مناطق طبيعية وتطل على ساحل الخليج العربي) بخامات متنوعة مما ساعدها دائماً أن تكون مركزاً للصناعات الحرفية.

نماذج من الصناعات القابلة للتطوير

إن نجاح أي مركز للتدريب يعتمد على أن المتدربين يستطيعون الخروج إلى سوق العمل، وهذا لا يتأتى إلا إذا أدركنا قابلية استمرار وتطوير الحرفة وتسويق المنتج. والأمثلة التالية هي نماذج للصناعات القابلة للتطوير:

1- منتجات النخلة: الحصر والسلال والسفر والمناسف والقبعات والمهفات والأقفاص والمنتجات الليفية وغيرها.

2- المنتجات الفخارية: ومنتجاتها الجرار والقدور والمباخر والمزهريات وأصايص النباتات.

3- الحياكة والمنتجات النسيجية: ومنتجاتها من البشوت والعباءات.

4- الصياغة: ومنتاجها من مشغولات الذهب للزينة النسائية أو التطريز، وأغلفة الخناجر والسيوف.

التدريب

إن إنشاء مراكز للتدريب يقدم بها دورات تأهيلية يجب:

1- أن لا تكون مدة التدريب أو التطوير طويلة، في حدود شهر ويمكن تطوير المهارات أي عبر دورات منفصلة ودورية.

2- أن يكون التدريب على أسس علمية ومناهج ووجود حرفيين ينقلون المعارف الحرفية.

3- أن يعنى بقطاع الإناث على حد سواء مع الذكور.

4- دعم الأجهزة الرسمية لمثل هذه المراكز يعتبر ذا أهمية.

5- أن تكثف عملية التدريب عبر القطاع العام والخاص.

وصف العمليات التدريبية

إن الاعتماد على مهارات الحرفيين المدربين ونقل معارفهم وخبراتهم إلى المتدربين والتعامل مع نوعية الخام التي يتم تشغيلها وتحويلها عبر سلسلة من مراحل التدريب إلى منتج وذلك بعرض نماذج وتصميمات مختلفة للمنتجات التي يمكن للمتدرب أن يؤهل لإنتاجها وتكون ملائمة لمتطلب المستخدم.

إن دور التطوير والتحديث للمنتج يكسب المتدرب مهارة عالية ويمكنه من أن ينافس بها في سوق العمل مع إبقاء روحية الصناعة الحرفية، فلا يمكن أن تجاري آلة أو ماكينة كفاءة ومهارة الحرفي. وهذا وصف لعمليات التدريب وفي خطوات تنظيمية تمثل مراحل التدريب المختلفة:

- استقبال المتدربين وتهيئتهم لشروط التدريب وتعريفهم بالعدد والآلات اللازمة للعمل.

- شرح مفصل عن المواد المستخدمة وطريقة معالجتها وتهيئتها للعمل مع التدريب على ممارسة التهيئة.

- التعريف بالتصميمات والنماذج التي يتم التدريب عليها بدءاً من النماذج البسيطة إلى الأكثر تعقيداً.. وهكذا.

- إكساب المتدرب مهارة الصناعة من خلال توجيهه بطريقة الأداة المتبعة أثناء الصناعة ورفع كفاءة المنتج.

- الرقابة وعمل الفحص النهائي على طريقة الأداء وكذلك تشطيب المنتج.

خاتمة وتوصيات

نتيجة للتدهور المستمر في الصناعات الحرفية في مجال نوعية المنتج وتسويقه وتناقص الحرفيين فإن من الواضح الحاجة الماسة إلى وجود مراكز للتدريب للصناعات الحرفية وذلك لخلق جيل جديد تستمر معه المعارف الحرفية وهذا يساعد على:

1- استمرار الحرفة.

2- إيجاد فرص وظيفية.

3- النهوض بالمستوى الاقتصادي.

4- إبقاء التراث حياً.

إلا أن جدوى هذه المراكز على المدى الطويل يبقى مرهوناً بإيجاد مراكز إنتاج ومن ثم التسويق، ولذا فإن وجود جهة منسقة لجميع جوانب الصناعات الحرفية أمر في غاية الأهمية وإن جهة مثل الهيئة العليا للسياحة بالمملكة هي المؤهلة لذلك.

وتطوير أو إعادة تشكيل أو إيجاد صناعات حرفية جديدة لتلبي أيضاً المتطلبات محل أهمية في مجال الصناعات الحرفية. ويعتبر صدور أول ترخيص رسمي للقطاع الخاص لمركز النخلة للصناعات الحرفية بمدينة الهفوف بالأحساء مدخلاً جيداً لذلك.

عضو هيئة التحرير
363648