الدم الجديد
د. غازي بن عبدالرحمن القصيبي
أمين بن حجي البودريس * - 11 / 3 / 2011م - 9:26 ص - العدد (27)

(1) كيف تقدم شاعراً كالقصيبي..؟

إن شأن معرفة غير بك عرفت واستزدت، ثم راودتني، بل عاودتني برهة المديح، وكتابك: (عن هذا وذاك)، للمرة الخمسين قرأت، وناشدتك - من بين الأسطر - أن تكمم فا هي فما فعلت، بالله بملكوته، وبأنبيائه عليك أقسمت أن تحررني عما ذهبت، حينها انقطع شكي بيقين ما كتبت، وتبدا لي: أنك خير من قرأت وعرفت[1] .

قد يكون مألوفاً أن يكون الرجل شاعراً، لكن من النادر، وغير المألوف أن يكون الرجل شعراً -إذا فهمناه- تجتمع فيه أمشاج الوجود الإنساني، فيه الاقتحام وفيه الألفة، وفيه الوصول، وميزة الانكماش، فيه الالتحام بالآخرين، لكنه خاص جداً ينساب، لكنه لا يذوب يقترب، لكنه لا يختفي، بالبساطة يمتلك الجسور اللا محدودة، وبالعفوية يوحي بالمشاركة ينشغل بك حتى ليشغلك من نفسك بعد أن يشغلك بنفسه، يترقرق كحد الشفرة، ويقطع كحد الشفرة. تجتمع هذه كما تجتمع فيه حالة التوازن والتوافق.

كل هذا يبدو بهدوء، وجلاء، حين تلتقي رجلاً كغازي

القصبي، وتحادثه محادثة الخلان وتصغي إليه غيابياً أو حتى يصغي إليك، يدخلك معه في نسيج الشعر، حتى وهو يتحدث عن أمور لا شعر فيهان لكنه يحيل الحجارة إلى مفردات شعرن معه يصير الإسمنت شعراً، الدبلوماسية شعراً، السياسية شعراً، والأعظم من كل هذا أن يجعل الشعر شعراً في زمان أفسد فيه الناس الشعراء، فأفسد هؤلاء الشعر[2] .

(2) الدم الجديد..!

لكل مجال رجاله، والرجال مجالات، وشاهدنا العصور وإفرازاتها، فلا ثبات للرجال بداية قد تكون موفقة وإن جانبتها احتمالات الصحة والتوفيق فما هي إلا قطوف حالمة من ابن لأبيه، نحن مع القصيبي فخاطبناه غياباً دون استئذان.

العودة غالباً مدعمة بصيد ثمين أو بزاد -معنوي/ مادي- غزير، وعودة أديبنا كانت من ذلك النوع الغزير، لكنه لم يتنكر لأصدقائه الأوفياء، البحر والبر والشعر، فلكل عنصر من هؤلاء له الأثر البارز، والذي يصارع تأثيره في نفسية أديبنا عن العنصر الثاني أو الثالث، فتفوق أحدهم على الآخر ينذر بالعودة التي تستقطب أديبنا لا أن يستقطبها فالشعور بها قسرياً من جانبها حالة: (تزور ولا تزار، تصيد ولا تصاد، تهجر ولا تهجر)[3] .

لذا، آثرنا أن نشد على ساعد أديبنا، وهو يعيش أن ندعوه لمعاينة نديمه المحبب والذي إن تغير بالشكل (الغلاف)، فلن يتغير بالمضمون (أفكاره، شعره ونثره) فكانت قصة الغلاف[4] .

أما التسمية، فلم تكن وليدة بنات أفكارنا وإن أطلقناها (جزافاً) لا تأكيداً بأن أديبنا يمثل المرحلة الثانية بعد رائد الحركة الحداثية في الشعر العربي السعودي (محمد حسن عواد)[5] .

إذن لا غرو بأن نطلق ذلك لنشارك (عبدالله محمد الطائي) إثر صدور الديوان الأول لأديبنا سنة 1960م حيث وصم بالدم الجديد، فهو بحق رائد التجديد في الشعر السعودي المعاصر سواء في شكل القصيدة ومضمونها أو اختياره لمجموعة من قصائده المتناثرة في دواوينه بحيث جمعها في ديوان خاص تمثل أخصب ما كتب[6] .

(3) مولد القصيبي الزمني والأدبي..!

ولد سنة 1359هـ، بمنطقة الأحساء/ شرق السعودية، وبعد إكماله تسعة أشهر من ولادته توفيت والدته، وتربى في كنف جدته لأمه، وانتقل لدولة البحرين قبل اكتماله الخامسة من عمره حيث تدرج في أخذ دراسته الابتدائية والإعدادية فالثانوية[7] .

أقبل على تذوق الشعر، وهو لما يتجاوز العاشرة، وأول ما تذوق: الشعر العربي لفحول ذلك العصر ك: كامل الكيلاني ويوسف السباعي وآرسين لوبين وكامبول.

رغم ولعه بالشعر والشعراء، إلا أنه لم يتفوه بشعره إلا بعد إكماله للمرحلة الثانوية من دراسته النظامية بدولة البحرين، وكان أبوه يقدمه لزائريه كإحدى طرق الاحتفاء بابنه غير المباشرة، فالوضع الرسمي لأبيه كوزير دولة أو القائم بأعمال المملكة العربية السعودية بدولة البحرين بمنتصف السبعينيات الهجرية مكن ابنه من الاستفادة من هذه الأجواء الخصبة وهيأ له دوافع الارتقاء بتميزه ونبوغه ومنحه دفعة، بل دفعات نحو الإمام.

ويذكر أديبنا بأن الأجواء المدرسية كفلت له التصميم نحو الأفضل، وكان من بين زملائه الشاعر المعروف: عبدالرحمن رفيع، وكان للخصومات (المفتعلة) بينه وبين الشاعر رفيع ما أجج دوافع التميز لديه، فالغيرة توالدت لديه من المواقف التي كانت مرد تفاعله إيجاباً أو سلباً مع الشاعر رفيع.

لم تكن سن الثالثة عشرة عمراً زمنياً -عابراً- لأديبنا، بل تحللها اعتكاف على شعر شوقي وحافظ والجواهري، وهذا مما أخصب شعره الوطني[8] .

(4) آلية الحداثة والقصيبي..!

إن تحول مسار القصيبي الشعري بدأ عندما قرأ لأبي ريشة، وبذلك تحددت معالم القصيدة الحديثة لديه المتحررة من التفعيلة بقراءته لشعر نزال قباني، وتجلي هذا التأثير في أشعاره عند بنائه لقصائد ديوانه: أشعار من جزائر اللؤلؤ، خاصة ذات الاتجاه الوجداني، وتأثره هذا لم يتجاوز الألفاظ والأسلوب[9] .

بعد ذلك توطدت علاقته بالشعر الحر عندما تعرف على بدر شاكر السياب، فرائعة السياب: المومس العمياء، هي أول ما قرأ له القصيبي وحفظها عن ظهر قلب، وكذلك الحال ينطبق على قصيدة: أنشودة المطر، وإضافة للآفلين من الشعراء فقد تأثر بإيليا أبي ماضي، وإبارهيم العريض، وعلي محمود طه، وأمين نخلة، وسليمان العيسى، وإبراهيم طوقان، وبدوي الجبل، وسعيد عقل، وشفيق معلوف، وصلاح عبدالصبور، وأحمد عبدالمعطي حجازي، ناهيك عن قراءته للقديم من الشعر كالمعلقات، وشعر العصر الإسلامي وازدهاره حتى عصر الانحطاط، فشاعرنا أعجب كذلك بشعر جرير، وعمر بن أبي ربيعة، والعباس بن الأحنف، وابن الرومي، والشريف الرضي، والشعراء العذريين[10] .

وقرأ قصائد شكسبير، وبيرون، وشيلي، وجريفر، وبدأ شعره عمودياً ثم مارس كتابة الشعر الحديث في سن السابعة عشرة بعنوان: نداء الربيع، وعند حديثه عن المراة في شعره قال: ليست إنسانة بالضرورة، فقد تكون رمزاً من الرموز، فقد يكون الاستقرار الذي أنشده، أو المستقبل الذي أسعى إلى تحقيقه، وبذا يعتمد القصيبي على الرمز[11] .

كان النيل عاملاً إيجابياً في استمرار أمسياته الشعرية، وذلك إبان دراسته بالقاهرة أو أثناء رحلاته من البحرين لقاهرة المعز، والعكس. وقعد هذه الفترة الذهبية تعرض شعره لفترات حدب معللاً ذلك بقوله: إن الشعر يزور ولا يزار، بصيد ولا يصاد، يهجر ولا يهجر[12] .

وعن قصائده الوطنية في تلك الحقبة الزمنية يقول: بأنها غير صالحة للنشر، نتيجة للمضايقات التي قد تسببها له من جراء نشرها[13] .

(5) عندما يتحول الشعر إلى وطن..!

يمثل عام 1975م الاستقرار، المسؤولية، والانتماء لأديبنا، وجاء ديوانه: (أنت الرياض) ترجمة لتلك المشاعر التي أجبرت شاعرنا بطريقة أو بأخرى على تأطير مشاعره، بل توجيهها. لأن إذا ما قلنا بأن الشاعر قد أطر مشاعره بمعنى حددها إزاء الوطن فذلك يمثل خرقاً بائناً لمقصود شاعرنا، ويخالفه. فشاعرنا بعد توليه المهام الرسمية كممثل لإحدى القطاعات الحيوية في وطنه -السعودية- كوزير لوزارة الصناعة والكهرباء فالوطن لديه العالم بأسره، ويصف نفسه بأنه شطر الإنسانية الصامت أو الساك على حد تعبيره فهو لا يدري! فلو كان له وطن محدد لتبرأ منه، لأن العالم من وجهة نظره هو كل لا يتجزأ، وإن كان لابد من وطن فالعالم هو وطنه[14] .

وهناك عامل هام إذا ما عولنا عليه لنجده تبريراً منطقياً، ففي تجواله إما سعياً وراء طلب العلم أو ظروف انتقال والده إلى البحرين حيث وجد مسيراً لا مخيراً حيث أملت مهام والد، كقائم بالأعمال السعودية في البحرين ودراسته بمصر، وإكمال دراسته العليا بأمريكا، ومن ثم توليه المهام السياسية في اليمن لم يشعره هذا الترحال بالوجل نظير افتقاد وطن ما[15] .

لربما وضع أبيه المادي إذ يعتبر من رجال المال والأعمال فهذا النوع من الدفء لم يشعر أديبنا بفقدان أي وطن ما، أو لنجد التفسير الذي أشرنا إليه آنفاً من أن: القصيبي قد جعل العالم بأسره وطناً له، هذا بالرغم من أن بعض قصائده تشير، ولو بشكل غير مباشر بأن له وطناً محدد المعالم، لكنه وطن الأسفار والاستقرار والاطمئنان حيث هذا يمثل الجانب أو التيار النفسي الذي يؤرق أديبنا فكلما حن للوقوف آثر مجبراً على تحديد معالم وطنه، وهذا إشارة إلى الوطن المذكور، وهو الحنين لوقفة أو افتقاده للذة الشعور بالاستقرار.

إن المبررات السابقة حول وطن الأديب، ما هي إلا مبررات، إلا أن ثمة تفسير أنجع وأصدق، فالشاعر مسقط رأسه الواحة الخضراء - الأحساء/ شرق السعودية - التي طالما تحدث عنها الكثير، وأعطاها من عبق مداده، وتحمل في البعد عنها مكانيا، لكنه لم ينفصل عنها زمانياً، بالرغم من قسوة أطلالها عليه، وهجرانها له بمياهها، وبأزقتها العتيقة، هذا ما حدا بالشاعر من اتخاذ البديل، وهو المغزى الفلسفي للدلالة على أنه إنسان مجرب، وطيب جراحه بذاته، لذا اتخذ عالمية الوطن كوقاية تطبيبية لتدثير صقيع وجدانه[16] .

(6) أغراض شعر القصيبي..

إن أكثر ما أجاد، واسهب من شعر هو، شعر الرثاء نظير الفجائع التي لفته حولها بدءاً من وفاة جدته لأمه (سعاد) عام 1388هـ، ووفاة شقيقه (نبيل) في العام التالي 1389هـ، وفجيعته في وفاة عقيلة أحبه (عادل) عام 1390هـ حيث قام شاعرنا برثائها، وبعد ذلك بستة أعوام توفي والده (عبدالرحمن) أي عام 1396هـ، ورثاه بقصيدة عمودية مطلعها:

وفي لحظة يا أبي وصديقي

فقدتك عدت يتيماً صغيرا

كل ذلك جعل منه رثائياً من الدرجة الأولى، وليس لشعوره بالجزع كونه من ذوي الجاه والثروة الذي يخافون المصائب والفجائع كما عبر الصوينع[17] .

أما بالنسبة للشعر الوطني فيذكر بأنه قليل وغير صالح للذكر نتيجة للمضايقات التي قد تسببها له من جراء نشرها[18] .

أما الغزل أو التيار الوجداني في شعره فقد أكثر منه، وتقول الدكتوره: نورية الرومي في كتابها (الحركة الشعرية في الخليج العربي بين التقليد والتطور): إن شعره الوجداني يتعدى مجرد كونه من الرومانسيين العرب[19] .

والمرأة في شعره الوجداني تمثل معنيين لا ثالث لهما:

أولهما: الشعور بالأمن والاستقرار في الأسرة، وتستشهد بذلك بقصائد: جزيرة اللؤلؤ، وليلة الملتقى، ولولاك، ورحيل، وجارتي[20] .

وثانيهما: المستقبل المجهول، ويستشهد بذلك بقصائد: فتاة الخيال، وحيرة، ويا قلب[21] .

أما الأغراض التقليدية الأخرى كالهجاء، والمدح فإنها لم تأت في قصائد مستقلة، بل جاءت في شعر المناسبات كما في ديوانه: (أنت الرياض)[22] .

 * * * *

[1]  رسائل غير منظورة، مخطوط، أمين البودريس.

[2]  لقاؤه مع محرر (بانوراما الخليج البحرينية) أ. عبدالحميد المخادين، ع 33 فبراير 1986م.

[3]  سيرة شعرية، د. غازي القصيبي، 41.

[4]  العودة إلى الأماكن البعيدة، د. غازي القصيبي.

[5]  نبت الصمت، د. شاكر النابلسي، 9.

[6]  أدباء من السعودية، د. يوسف نوفل، 107.

[7]  بتصرف من كتابه: سيرة شعرية.

[8]  المرجع 5 - 30، سيرة شعرية، د. غازي القصيبي، 24.

[9]  سيرة شعرية، د. غازي القصيبي، 26.

[10]  المرجع ذاته، 28.

[11]  المرجع ذاته، 20.

[12]  المرجع ذاته، 41.

[13]  المرجع ذاته، 59.

[14]  حركة التجديد الشعري في المهجر، د. عبدالحكيم بلبع، 51.

[15]  حركة التجديد في الشعر السعودي المعاصر، د. عثمان الصوينع، 600.

[16]  رسائل غير منظوره، أمير البودريس، مخطوط.

[17]  حركة التجديد في الشعر السعودي المعاصر، الصوينع، ج2، ص602.

[18]  سيرة شعرية، د. غازي القصيبي، 59.

[19]  العصرية - الكويت: 1980م، ص356، ومن: 384 إلى: 416.

[20]  أشعار من جزائر اللؤلؤ، د. غازي القصيبي، ص: 12، 17، 32، 113، 136.

[21]  المرجع نفسه، د. غازي القصيبي، ص: 39، 126، 145.

[22]  حركة التجديد في الشعر السعودي المعاصر، الصوينع، ج2، ص602.
أديب - السعودية.
370517