سطح الجزيرة العربية وجغرافيتها
محاولة لفهم الأحداث الجغرافية التي مرت عليها وأثرها على سطحها (1 - 2)
سعود الزيتون الخالدي * - 11 / 3 / 2011م - 9:38 ص - العدد (27)

مقدمة

هل كانت جزيرة العرب الحالية في الزمن السابق كما هي الآن؟ أم كانت بصورة مختلفة؟

كيف كانت ولماذا أصبحت بهذا الشكل وبهذه التضاريس؟ ما هي العوامل التي تأثر بها سطح هذه الجزيرة؟وما هي الأحداث التي مرت بها سواء كانت من داخل الأرض أو من خارجها.. إلى أن وصلت إلى هذه الصورة؟

هذه ما تحاول هذه الدراسة الإجابة عليه.

وجدوائية مثل هذه الدراسات أنها تعطينا إطلالة على الأسباب الطبيعية وغيرها، التي مرت وتأثرت بها هذه القطعة الأرضية، وهذا بدوره يكسبنا تفهماً واستيعاباً لصورة الأحداث القديمة، وتصوراً للدول التي قامت على أرض الجزيرة، وبعد أو قرب المناطق من بعضها، والتصاقها أو انفصالها من خلال الأزمنة والانكسارات التي حدثت وطمرت أنهاراً أو بحاراً وأحدثت بحاراً أخرى على سطح الجزيرة العربية الحالية.

عوامل تشكل سطح الأرض في العالم

وتنقسم العوامل التي تؤثر في تشكيل سطح أي جزء من أجزاء الأرض إلى مجموعتين:

1- إحداهما ترجع إلى العوامل التي يطلق عليها (التكتونية) التي تنشأ من باطن الأرض[1]  وتتركز في حركة النواة التي يسببها يتحرك الغلاف الصخري ليؤثر في القشرة.

2- أما العوامل الأخرى فتنشأ في العادة من كل من الغلاف الجوي والحيوي والمائي، والذي بسبب ما يقوما به من عوامل تفتين أو تحليل يتشكل على أساسه سطح أي إقليم من أقاليم الأرض المختلفة والذي لا نرى أن الجزيرة العربية نشأت عن ذلك.

الدلائل التاريخية عن تشكل سطح الجزيرة العربية

يدل التاريخ الجيولوجي لتكوين بنية شبه الجزيرة على أنها تتكون من قاعدة من الصخور من الصخور البلورية الأركية، وكانت الأجزاء المتخفضة من هذه القاعدة الأركية الثابتة[2]  تغشاها البحار الداخلية (Seas - Epieontinental) أو البحار القارية التي كانت تذهب وتجيء أو تتقدم وتتأخر بين فترة وأخرى تاركة وراءها طبقات رقيقة من الرواسب أو من الصخور الرسوبية، وكان إلى شمال وشرق هذه البحار الداخلية حوض رسوبي ثابت كبير يشغله بحر تثس (Tethyan - Trough) ويمتد من تركيا وشمال العراق وجنوب غرب إيران، وقد استمر هذا الحوض المائي أي بحر تثس على حاله طيلة الزمن الأول والثاني وقد تراكمت فيه آلاف الأقدام من الرواسب. وفي أواخر الزمن الثاني من العصر الكريتاسي حدثت حركة رفع في القشرة الأرضية في هذا الحوض في تركيا والعراق وإيران وعمان، وقد بلغت حركة الرفع أقصاها من خلال الزمن الثالث في عصر الميوسين الذي حدثت فيه الحركة الأبية فحدث الالتواء الضخم الذي كوّن جبال طورس (زاجروس) عمان. وقبل عصر المايوسين بقليل حدثت حركة أرضية انكسارية كونت البحر الأحمر وتكررت هذه الحركة بعد عصر المايوسين حيث كونت مضيق هرمز ومضيق باب المندب.

وتعتبر الدراسات الجيولوجية الشاملة لشبه الجزيرة العربية قليلة، أما الدراسات التي وجدت فيما بعد الثلاثين فكانت على هدف واحد وهو البحث عن مصائد النفط والغاز الطبيعي من قبل شركات النفط والتي أهملت أبحاثها الفوائد الأخرى المرجوة عن الدراسات الجيولوجية[3] . ومع ذلك وجد من الباحثين من يقول[4] : إن الجزيرة العربية تقع على كتلة تعرف باسم كتلة شبه الجزيرة العربية، وهي تشمل كل الجزيرة العربية فيما عدا جبال عمان الالتوائية الحديثة، وتحد هذه الهضبة القديمة جبال طوروس في الشمال وسهول العراق والخليج العربي في الشرق، وقد كانت هذه الهضبة جزءاً من الكتلة القديمة المعروفة باسم (قارة جندوانا) والتي كانت تشمل أيضاً هضبة الدكن والكتلة الإفريقية والكتلة البرازيلية والكتلة الأسترالية، وقد انفصلت هذه الكتل المختلفة بعضها عن البعض الآخر عندما أصيبت قارة جندوانا بالانكسارات الكبيرة التي صحبها تكوين الأخدود الأفريقي العظيم ونشاط بركاني في منطقة جبال البحر الأحمر في شبه الجزيرة العربية، وتعرف هذه الطفوح باسم (الحرات) في جزيرة العرب.

وبناء الجزيرة العربية جيولوجياً استغرق وقتاً طويلاً حيث يعتقد أن الجزيرة العربية مرت من خلال تكوينها بأربعة أزمنة جيولوجية[5] ، وعصورها هي نفسها المتعارف عليها من العمر الجيولوجي لأي جزء من سطح الأرض، مع إمكانيات اختفاء تكوينات عصر أو جزء منه في هذا الإقليم أو ذاك، بحيث إنه مع بداية تكوينها ظهر الدرع العربي فيها ككتلة مستقرة وظل أرضاً يابسة شاسعة المساحة منذ الزمن (الأركي)[6] ، وكان يتألف من الأرض التي تمتد لتشمل الحجاز ونجد وعسير وهضبة اليمن بكاملها، بحيث ترى صخوره ظاهرة بمنطقة غرب الجزيرة على وجهة الأرض[7]  في عدة مناطق في جبال السروات وتهامة. وإلى وقت قريب كان الدرع العربي جزءاً من الكتلة الإفريقية، إلا أنه انفصل عنها بسبب الانكسار الذي أصاب الكتلة الإفريقية من خلال الزمن الجيولوجي الثالث[8] ، ونتج عنه أخدود أفريقيا وحوض البحر الأحمر، مع أن الدلائل تشير إلى أن الدرع العربي خضع من خلال الزمن الأركي لالتواء حوضي جعل أرضه تهبط إلى أسفل فغمرتها مياه البحر وتراكمت فيها الرواسب بعدما تعرضت للانكسارات واندفاع المنصهرات الجوفية من خلال الشقوق التي تعرضت لها بسبب هذه الانكسارات التي أصابت صخوره النارية القديمة التي تمثل في نفس الوقت القوى التي تكونت حولها القارات[9] ، إن هذا الدرع بعد أن تماسكت أرضه أصبح كتلة صلبه ت حولت بفعل التعرية إلى سهل سفلي ومالت أرضه إلى الشمال والشرق وغطتها مياه بحر (تيثس القديم) ولعل من بقايا هذا البحر القديم البحرية التي اكتشفها (برترام توماس) في الربع الخالي عام (1939م) والذي قال عنها: إنها تمثل بحرية من المال المالح يبلغ طولها سبعة أميال وبها بقايا حيوانات ونباتات مبعثرة هناك، والذي تأكد لدى العلماء فيما بعد أن تلك البحرية كانت فيما مضى جزءاً من الأراضي التي غمرتها مياه بحر تيثس القديم في سالف عهدها[10] ، وأصبحت أرضاً يابسة بعد أن غار عنها وغيرها. وهذا وبسبب الغطاء المائي الضحل الذي غطى الدرع بحقبة وجود بحر تيثس بالجزيرة تكونت على صخوره غطاءات رقيقة من الرواسب البحرية التي تأخذ بامتدادها الشكل الأفقي الذي لم يتأثر بحركات قشرة الأرض ليشمل بتكونيه نطاقاً يعرف باسم (الرف العربي)[11] ، وهذا الرف بسبب المياه التي شملت نطاقه لفترة من الزمن الجيولوجي تكونت على صخوره القاعدية غطاءات من رواسب المياه الضحلة التي تجمع بين مكوناتها أحجاراً جيرية ورملية وطفيلية، وقد توجد على شكل طبقات رقيقة على رقع واسعة الانتشار في وسط الجزيرة وشرقها وشمالها، بحيث يبلغ عرضها ما يقارب (400كم)[12]  بامتداد من الشمال إلى الجنوب ويقع على منطقة مستقرة تكوينياً تعرف اصطلاحاً باسم الجزء الأول من الرف العربي، يليها القسم الثاني منه والذي قع بمحاذاته من الشرق، ويعرف باسم (الرصيف العربي) ويقع على مساحة وساعة من الأرض وقد تختلف في عرضها من مكان لآخر إلا أن ميلها قد لا يلاحظ، كما هو في الجزء الثابت من الرف، وذلك بفعل ما قام به هذا الرصيف من مقاومة الضغوط التي تعرضت لها قشرة الأرض في المنطقة[13]  ليسلم على ضوئها الغطاء الرسوبي الذي يعلوه من الاضطرابات الأرضية ليضل أفقياً في مكونات طبقاته، غلا أنه مع ذلك تكونت أيضاً مجموعة من المنخفضات الحوضية الضحلة التي تجمع فيها رواسب أعظم سمكاً من الرواسب التي توجد في الأراضي المجاورة وقد تكون ذلك بسبب هبوط حدث في قشرة الأرض ونتج عنه (حوض الربع الخالي) الذي يغطي بامتداد الجغرافي مع ما يشمله كذلك حوض الخليج العربي ومنطقة الدبدبة والحماد وسهل العراق، والذي تحدد لفترة تكوينه في الزمن الجيولوجي الثالث، وقد تكوّن عن هبوط حدث في منطقة مفصلية متحركة تنحصر بين كتلتين من الكتب الصلبة الثابتة إحداهما تمثل كتلة الدرع العربي والأخرى تتمثل بكتلة إيران، وقد نجد تكوينات هذا الحوض بما يشمل وتوابعه واضحة في كل من عصر الباليوسين والأيوسين[14] ، مع أن تكوينات الزمن الثاني السابقة لها قد أرسبت في منطقة أكثر اتساعاً من منطقة الحوض الحالي، وتوجد مباشرة إلى الغرب الشمالي من الحوض فقد يمثل شمال حوض الخليج مع الدبدبة والحماد ومنخفض سهل العراق والذي ينحصر بين الأراضي الإمامية لجبال زاجروس في الشرق وبين الأطراف الشرقية لمنطقة الرف العربي والتي تمثل بموقعها الدبدبة التي تقع على المنطقة الهابطة من قشرة الأرض والتي تمتد بين مرتفعات الجوف ووقرة واليرقان من جهة وبين منطقة الرف العربي ذات الطبقات المائلة من جهة أخرى والتي تمتد إلى أن تعطي بنطاقها منطقة الحماد التي تتوزع بين أراضي البادية في العراق وسوريا وغيرها.

هذا ويمتد على طول الجانب الشرقي لجزيرة العرب مجموعة كبيرة من السلاسل الجبلية المتوازية، والتي تمثل بموقعها نطاق متحرك من قشرة الأرض، وتنتمي في تكوينها إلى مجموعة الجبال الالتوائية والألبية[15]  التي يعود بناؤها إلى الزمن الجيولوجي الثاني والثالث، إذ بدأت في العصر الكريتاسي وامتدت حتى الميوسين وبلغت ذروتها في البليوسين، إذ تكونت هذه الجبال على طول الأطراف الشرقية لكتلة الدرع العربي ونتج عنها جبال زاجروس التي تؤلف نطاقاً جبلياً عظيم الارتفاع، جاء نتيجة ضغوط شديدة عملت في قشرة الأرض إلى أن التوت فيها الطبقات الصخرية وكونت جبالاً التوائية بعدما تعرضت لانكسارات وانبعثت منها منصهرات بركانية شديدة، على ضوئها حدثت عيوب وبسببها زحفت التكوينات بعضها على بعض ونتج عنها في مواقع الجبال مناطق التواءات بسيطة وأخرى عنيفة وثالثة زاحفة، بفصلها جميعاً عن بعضها البعض أودية طويلة[16]  قد تمتد في بعضها إلى مئات الأميال،وما سلسلة جبال عمان إلا امتداداً لجبال زاجروس أو فرغاً من فروعها، فقد التوت فيها الطبقات الصخرية اللينة على طول الأطراف الجنوبية الشرقية لكتلة الجزيرة العربية الصلبة وقد انفصلت عن جبال زاجروس في عصر (البليوسين) بسبب هبوط حدث في قشرة الأرض في منطقة (يوغاز هرمز) وبرزت بعدها كسلسلة جبال عرفت باسم جبال عمان وتمثلت بثلاثة أنواع متباينة من التضاريس.

هذا وعلى ضوء هذه الحركات الالتوائية التي حدثت في الزمنين الجيولوجين الثاني والثالث وتكونت بسببها الجبال الالتوائية في إيران وعمان والتي تمتد إلى الشرق من الكتلة العربية، طغى ماء البحر في هذه الأثناء على مساحات واسعة من الجزيرة العربية ولكن رواسبه كانت دائماً قليلة فمن سهل العراق إلى هضبة الأردن قد لا يلاحظ الارتفاع التدريجي في سطح الأرض فيما عدا بعض التلال في الجانب الأردني وبعض الحرات البركانية التي تتناثر هنا وهناك، حيث تمتد الأراضي السورية شمال الجزيرة تنتهي سلاسل جبال لبنان الداخلية أمام الهضبة العربية ذات السطح المستوي ويبدو أن سلاسل جبال لبنان الالتوائية قد التوت نتيجة لقوة دافعة ضغطت عليها من الغرب نحو الهضبة ذات السطح المستوي وأثرت فيها بثنيات محدبة، وقد تأثرت سهول العراق بعض الشيء بالالتواء وحدث عن هذا التأثير هبوط نجم عنه تكوين المنخفض الذي يشغله حالياً سهول العراق وامتدادها إلى الجنوب والذي يتمثل في منخفض الخليج العربي وقد تخلو منطقة الكويت والأحساء والقطيف من أي تأثر بحركات الالتواء، إلا أنا نجد لها بعض التأثير في جزيرة البحرين التي تنكشف في قبتها الطويلة تكوينات عصر الأيوسين كما تتكرر نفس الظاهرة في قطر التي تتألف عن التواء قبابي آخر في طبقات الأيوسين، وقد عملت الحركات الالتوائية وأثرت في الرصيف العربي وتقوس إلى أعلى تقوساً بسيطاً وعنه فتح قبة بقيق وقبة الدمام، أما هضبة اليمن فهي أقل ثباتاً بحيث كانت تمتص مختلف الحركات الأرضية وظلت أرضاً يابسة حتى نهاية العصر الجوارسي والذي فيه انثنت إلى أسفل لأول مرة في تاريخها فأتاحت الفرصة لبحر تيثس أن يتصل مباشرة بالنطاق البحري في شرق أفريقية[17] ، أما سواحل حضرموت فقد تعرضت للتعرية فحولت أراضيها القاعدية إلى سهل تحاتي، كما هو في المهرة وظفار وجزر كوريا موريا، أما الطبقات الأركية القديمة التي يتكون منها غربي شبه الجزيرة العربية فقد تمكنت بشدة صلابتها من مقاومة حركات الالتواء رغم الانكسار التي تعرضت له ونتج عنه أخدود البحر الأحمر.

هذا وعلى ضوء ما ذكرناه آنفاً قد نلخص التاريخ الجيولوجي لبناء وتركيب الجزيرة العربية على النحو التالي:

ففي الزمن الابتدائي أو ما قبل الكمبري أو ما يعرف بـ(الأركي) الذي امتدت فترته ما يقارب المائتي مليون سنة، كانت أرض الجزيرة بكاملها ضمن قارة جندوانا، وقد تميزت فترته بمواد تشتمل على صخور نارية ومتحولة قاومت الحركات الأرضية[18]  قد تكوّن الأساس في جميع أراضي الجزيرة، وقد تعرضت في بعضها لعوامل النحت والتعرية لفترة طويلة نتج عنها انخفاض في سطحها ومستواها، وطغت بسببه عليها مياه البحار القديمة في بعض عصورها الجيولوجية.

أما في العصر (الكمبري) أحد عصور الزمن الأركي، الذي يحدد لفترته بسبعين مليون سنة فقد غطت مياه البحار معظم شبه الجزيرة العربية حتى نتج عن ذلك وجود مكونات قارية وبحرية ضحلة من الرسوبات الملحية والتفتيتية والكلسية المخلوطة ببعض التكوينات الجبسية مع الاندفاعات الملحية الناتجة عن حوض المتبخرات إلا أنه لم تتضح معالم العصر (الأردوفيشي) أحد عصور الزمن الأركي في تكوينات شبه الجزيرة رغم أنه استمر بتحديد الجيولوجيون سبعين مليون سنة من نهاية الكبري، وقد أعقبه في ذلك الزمن عصر (السيلوري) وكان أكثر وضوحاً رغم فترته التي لا تتجاوز الخمسة وعشرين مليون سنة فقد تعمقت البحار بمنطقة الجزيرة وفي أواخر بدأ البحر في صراعه مع الدامس وتراجع نحو الشرق، وليس من الجزر الحالية من ينسب ظهورها إليه، إلا أن مخلفاته رسوبات من الطفل والطفل الرملي متعاقبة ترى مع الحجر الرملي، وقد انعدمت في فترته المتبخرات ومكوناتها[19] .

وفي الزمن الأول أو ما يعرف بـ(الباليوزوي) قد يرد أنه في عصرة (الديفوني) الذي عمر خمسين مليون سنة، أخذ البحر بالتراجع وارتفعت أرض شبه الجزيرة العربية، في فترته وليس من الجزر الخلجية من ينسب إليه تكوينها، وقد توجد آثاره في السحنات الطفيلية الخشنة والرملية وطبقات الحجر الجيري والدولوميت[20] .

أما في العصر (الكربوني) أحد عصور الزمن الأول والذي استمرت فترته ما يقارب الخمسة والستين مليون عام فقد تراجع البحر وارتفعت فيه أرض شبه الجزيرة العربية[21] ، مع أن اليابس منها تعرض في معظم أجزائه لعوامل التعرية الظاهرة في تلك الفترة[22] ، وقد توجد آثار الزمن الكبروني في بعض السحنات الشاطئية قرب شواطئه وخاصة في منطقة هجر. كما أعقب العصر الكبروني العصر (البرمي) وقد ذاقت فترته لخمسة وخمسين مليون سنة، وفيه أخذ البحر بالاستمرار في انحساره حتى أواخر فترته ثم عاد ليطغى على أثر هبوط يابس الجزيرة إلا أنه أخذ بالتراجع مع أواخره، وقد ينسب إليه ما يوجد من مكونات الحجر الجيري التي تقع قرب شواطئه مع الدولوميت وبعض المتبخرات[23] .

وفي العصر (الترياسي) رابع عصور الزمن الأول والذي عمر خمسة وعشرين مليون عام، طغى البحر على غرب وجنوب شبه الجزيرة العربية إلا أنه في أواخر الفترة أخذ في الطغيان والتراجع، ومن خلاله تكوذنت صخور بحرية من الطفل والجبس والرمل بالإضافة إلى رقاقات من (الانهورمت) والحجر الجيري والطفل وبعض من الحجر الرملي.

هذا وقد انتهى الزمن الأول بالعصر (الجوارنسي) الذي استمرت فترته ما يقارب الأربعة وخمسين مليون عام[24] ، وفيه تردد البحر بين الطغيان والتراجع ولكنه عاد ليطغى في أواخره على شمال وشرق شبه الجزيرة العربية ومن مخلفاته الحافات الجيرية الطفيلية دقيقة الحبيبات مع صخور جيرية تفتيتية وسمك مثل (الأنهدويت) يعلوه صخور جيرية من أربعة أنماط هي أساس التكوينات النفطية بالجزيرة العربية.

هذا وقد تلى الزمن الأول - الزمن الثاني أو ما يعرف عند الجيولوجيين بالزمن (الميزوزوي) ومن أول عصوره (الطباشيري) وقد استمر لواحد وسبعين مليون سنة، وقد طغى البحر في بدايته ثم بدأ في الخسارة نحو الشرق والشمال الشرقي، إلا أنه عاد وطغى في أواخر فترته العمرية، وله من المخلفات تكوينات جيرية رملية وسنحات طباشرية وسنحات بحرية تفتيتية[25] .

وقد أعقبه من عصور الزمن الثاني عصر (اليوسين) واستمر لمدة ستة عشر مليون سنة، وفيه تعرضت الجزيرة لطغيان البحر بحيث امتد بمياهه على كل ما هو يابس من أراضيها في مناطقها الشمالية والشرقية. وبسبب هذا الطغيان تكوّنت بتلك المناطق صخور جيرية بحرية ومارل عميق والهدويت، كما نتج عنه تكوينات (الرس) الشهيرة وهي من الطباشير والحجر الصواني النقي مع الحجر الجيري الدولوميني والعديد من تشكيلات حجر الكوارتز الهوليوسين، ومنها ما يوجد في تكوين منطقة (أم الردومة) في السعودية، بالإضافة إلى تكوينات من المارل البرتغالي.

هذا وقد أعقب عصر الأيوسين عصر آخر من عصور الزمن الثاني عرف باسم (الأليجوسين) واستمر لفترة أحد عشر مليون سنة، وفيه انحسر البحران أراضي الجزيرة العربية فيما عدا موقع الخليج العربي الحالي بالإضافة إلى بعض الخلجان البحرية الأخرى. ومن خلاله تعرضت شبه الجزيرة لحركات باطنية صاحبتها عوامل تعرية نشطة ومن ثم أعقبه عصر (الميايوسين) وهو أخر عصور الزمن الثاني وقد عمرت فترته لما يقارب التسعة عشر مليون سنة، وفيه حدث منخفض بحري حول التواء جزء الخليج العربي على شكل حزام واتخذت جزر الخليج وشواطئه المظهر الجيولوجي والنباتي الحالي، وقد نتج عنه مكونات جيرية ودولوميت جيري وطباشيري مخلوط بصخور جيرية طينية ناعمة كالطفل ثم الحجر الجيري الأبيض وبعض تكوينات الطفل والمار والحجر الرخو حسب ما طرى على البحر في ذلك الوقت[26] .

وفي الزمن الثلاثي أو ما يعرف باسم (الثريتوري) بدأ في عصر (البلايوسين) الذي دام خمسة ملايين سنة، وفيه استمر البحر محيطاً بالتواء جزر الخليج العربي وأشباه جزر شرق الجزيرة العربية، وتكويناته لا تختلف عن تكوينات المايوسين فيما عدا عدم احتوائها على أي طبقة مائية جوفية.

هذا وقد انتهى الزمن الثلاثي بشبه الجزيرة العربية بعصر (البلايسلوسين) الذي دام مليونين سنة، وفي فترته بدأت أراضي وبحار شبه الجزيرة العربية تتخذ شكلها الحال[27] ، وأخذت الرياح وعوامل التعرية الأخرى في تفتيت الصخور المكونة للمرتفعات الالتوائية وغيرها وتنقل فتاتها إلى السهول والمنخفضات، كما أخذت السيول تجري وتدفع والوديان تشق والحصبا تنتشر والشواطئ تبني وتهدم[28] .

وفي الزمن الأخير من عمر الأرض والمعروف بـ(الرباعي) أو ما يسمى (الكوارتونري) والذي يؤرخ لبدايته بعصره المعروف باسم (الهوايوسين) الذي بدأ منذ ما يقارب الخمسة ملايين الأخيرة من عمر الأرض بحيث إنه في المليون الأخير من عمره استقرت أرض الجزيرة، وأخذت شكلها بمعالم تضاريسها المتعارف عليها حالياً[29] ، مع أنه ومن خلال بداياته وحتى المليون سنة الأخيرة من زمننا تكوّنت بفعل أحداثه ببعض مواقع شبه الجزيرة العربية التي عايشتها مخلفات تحتوي على ترسبات بحرية وقارية على الشواطئ، بحيث تكون في مادتها رمال شاطئية وأصداف بحرية (صيان) بالإضافة إلى تكوينات من الصخر الجيري والكلس الطيني الذي يأخذ في شكله ترسبات متماسكة في المناطق البحرية الشاطئية[30] .

هذا ومما سبق ذكره قد نعرف أن للبناء والتكوين الجيولوجي في أي منطقة أثر كبير على حياة الإنسان فيها فمنه قد يعرف مواقع المياه الجوفية وكذلك الثروة المعدنية وعلى الأخص الثروة النفطية التي أصبح لها كبير في حياة مواطني أغلب دول الجزيرة العربية التي وجدت بأراضيها مصائده[31] ، وبالإضافة إلى ذلك فمعه أيضاً تعتبر المظاهر التضاريسية الجانب الآخر، وذلك لكونها ذات أهمية كبيرة في تحديد المناطق التي تستغل في خدمة الإنسان، وقبل أن نبحث في تضاريس شبه الجزيرة العربية ونتعرف من خلاله على مظاهر سطحها وما تم عليه بالاصطلاح عند الجغرافيين حول تقسمها - لابد أن نعي أنه عندما نمعن النظر في خارطة القارة (الآسيوية) ونتجول بين ما تشمله بنطاقها ويدخل ضمن أراضيها وحدودها، نجد أن في محيط القارة شبه جزيرتين كبيرتين متجاورتين، قد تكون كل واحدة منهما قارة قائمة بذاتها، بحيث إن أحد هذين الموقعين يمثل (شبه القارة الهندية) والآخر منهما يمثل (شبه الجزيرة العربية) وشبه الجزيرة العربية سميت باسم (جزيرة) عند البعض[32]  من جغرافيي العرب، رغم مساحتها الشاسعة والتي تحيط بأكثر من ثلاثة ملايين كيلومتر مربع[33] ، ويقول مؤرخ[34] : ليس بين أشباه الجزر شبه جزيرة تنيف على شبه جزيرة العرب بالمساحة فهي أكبر شبه جزيرة في العالم، ولعل بسبب ما يدخل في محيطها من مساحة يابسة يغطيها في أغلبها الصحاري والجبال الجرداء أصبحت أكثر ارتفاعاً في درجة حرارتها، إذ لم يستطع الجو البحري المحيط بجهاتها الثلاث أن يخفف من حدتها، إذ يحدها من الشرق الخليج العربي ومن الجنوب المحيط الهندي والبحر العربي ومن الغرب البحر الأحمر.

وسواء أكانت بلاد العرب جزيرة أم شبه جزيرة بكلاهما سيان؛ إذ نلاحظ فيما ينقل عن قدامى اليونان وعن العرب وفي آثارهم ومن سبقهم إلى البحث في جغرافية بلادهم، أنهم يدخلون في حدود الجزيرة العربية التي شملها سكن العرب على الإطلاق، برية سينا وفلسطين وسوريا، بحيث نجد حدودها عندهم تبدأ كما ينقل عن مؤرخ[35]  من قنسرين في الشمال على شاطئ الفرات في مسيره جنوباً شرقياً حتى يصب في البحر عند البصرة والأيلة، ومنها على شاطئ خليج العرب مطيفاً على سفوان والخط وهجر وأسياف البحرين والقطيف وعمان ثم ينعطف غرباً جنوبياً بشواطئ بحر العرب على الشجر وحضرموت إلى عدن وينعطف شمالاً غربياً على شواطئ البحر الأحمر إلى خليج أيلة وساحل راية إلى القلزم السويس ومنها إلى بحر الروم ويسير فيه على شواطئ فلسطين وسوريا فيمر بسواحل عسقلان والأردن وبيروت إلى قنسرين حيث بدأ. فهي عندهم تشتمل على شبه جزيرة سينا وفلسطين وسوريا، وذلك أقرب إلى التحديد الطبيعي؛ لأن الأصل في الحدود أن تكون أنهراً أو أبحراً أو جبالاً عالية.

[1]  د. دولت صادق وَ د. على البنا وَ د. نبيل اميايي: أسس الجغرافية العامة، ص74.

[2]  د. محمد طه أبو العلا: جغرافية شبه جزيرة العرب، ج1، ص29.

[3]  د. أحمد رمضان شقلية: التطور الجيولوجي لأراضي وسط وشرق شبه الجزيرة العربية، مجلة دراسات الخليج والجزيرة العربية، العدد 5، ص105.

[4]  د. دولت صادق وآخرون: أسس الجغرافية العامة، ص59.

[5]  د. محمد متولي: حوض الخليج العربي ج1، ص87.

[6]  د. محمود طه أبو العلا: جغرافية شبه الجزيرة العربية، ج2، ص20.

[7]  د. محمود أبو العلا: جغرافية شبه الجزيرة العربية، ج2، ص33.

[8]  د. محمد سعودي: الوطن العربي دراسة لملامحه الجغرافية، ص42.

[9]  د. محمد متولي: وجهة الأرض، ص99.

[10]  محمد سعيد المسلم: ساحل الذهب الأسود، ص19.

[11]  د. محمود طه أبو العلا: جغرافية شبه الجزيرة العربية، ج1، ص33

[12]  د. محمود طه أبو العلا: المصدر السابق، ج1، ص33.

[13]  د.محمد متولي: حوض الخليج العربي، ج1، ص91.

[14]  د. محمود طه أبو العلا: جغرافية شبه الجزيرة العربية، ج2، ص26.

[15]  د. محمد سعود: الوطن العربي - دراسة لملامحه الجغرافية، ص39.

[16]  د. محمد متولي: حوض الخليج العربي، ج2، ص95.

[17]  د. محمود طه أبو العلا: جغرافية شبه جزيرة العرب، ج1، ص33.

[18]  د. محمد متولي: حوض الخليج العربي، ج1، ص88.

[19]  د. أحمد شليقة: التطور الجيولوجي لوسط وشرق الجزيرة العربية، مجلة دراسات الخليج والجزيرة العربية، عدد5، ص122.

[20]  د. أحمد شليقة: المصدر السابق، عدد 5، ص122.

[21]  د. دولت صادق وآخرون: أسس الجغرافية العامة، ص65.

[22]  د. أحمد شليقة: التطور الجيولوجي لوسط الجزيرة العربية، مجلة دراسات الخليج والجزيرة العربية، عدد 5، ص121.

[23]  د. محمد متولي: وجهة الأرض، ص154.

[24]  د. أحمد شليقة: التطور الجيولوجي لوسط وشرق الجزيرة العربية، مجلة دراسات الخليج والجزيرة العربية، عدد 5، ص112.

[25]  د. أحمد شليقة: المصدر السابق، ص144.

[26]  د. أحمد شليقة: المصدر السابق، ص122.

[27]  د. أحمد شليقة: المصدر السابق، ص123.

[28]  د. محمد متولي: حوض الخليج العربي، ج1، ص116.

[29]  د. أحمد شليقة: المصدر السابق، ص123.

[30]  د. أحمد شليقة: المصدر السابق، ص123.

[31]  د. صبري فارس الهيتي: الخليج العربي - دراسة الجغرافية السياسية، ص90.

[32]  أ. أمين مدني: التاريخ العربي وجغرافيته، ص49.

[33]  د. محمد سعودي: الوطن العربي - دراسية لملامحه الجغرافية، ص200.

[34]  د. جواد علي: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، ج1، ص140.

[35]  أ. جرجي زيدان: العرب قبل الإسلام، ج1، ص38.
عضو هيئة التحرير
363660