تاريخ وأثر: البلايا والولايا
محمود بن يوسف سليمان الهاجري * - 11 / 3 / 2011م - 1:14 م - العدد (28)

التاريخ

كان العرب في الجاهلية يربطون الناقة معكوسة الرأس إلى مؤخرها مما يلي الظهر أو البطن، ثم يأخذون ولية فيشدون بها وسط الناقة ويقلدونها العنق ثم يتركونها حتى تموت عند القبر، وكانوا يتركونها في حفيرة لا تطعم ولا تسقى حتى تموت، وربما أحرقت بعد موتها، وربما سلخت وملئ جلدها ثماماً[1] .

وهذه الناقة كانوا يسمونها بلية، والخيط الذي تشد به اسمه ولية. ومن هنا قولهم: "كالبلايا في أعناقها الولايا"[2] ، ويقولون: "إنه يحشر راكباً عليها، ومن لم يفعل هذا حشر راجلاً"[3] .

هذه إحدى الأعمال المتعلقة بعقيدة البعث ما بعد الموت التي كان يدين بها بعض العرب قبل الإسلام، فقد ورد في التراث العربي بعض الشعر في هذا الصدد كالذي أنشده عمرو بن زيد المتمني الذي أوصى ابنه من بعد فقال:

أبني زودني إذا فارقتني

في القبر راحلة برحل قاتر

للبعث أركبها إذا قيل: اظعنوا

متساومين معاً لحشر الحاشر

من لا يوافيه على عشرائه

فالخلق بين مدفع أو عاثر[4] 

وقول جريبة بن أشيم:

يا سعد إما أهلكن فإنني

أوصيك أن أخا الوصاة الأقرب

لا أعرفن أباك يحشر خلفكم

تعباً يخر على اليدين وينكب

واحمل أباك على بعير صالح

وتقي الخطيئة أنه هو أصوب

ولقل لي مما جمعت مطية

في الحشر أركبها إذا قيل: اركبوا[5] 

وقال عويمر النبهاني:

أبني لا تنسَ البلية إنها

لأبيك يوم نشوره مركوب[6] 

وأوصى رجل ابنه عند الموت بهذا:

لا تركبن أباك يحشره مرة

عدواً يخر على اليدين وينكب[7] 

من هنا كانت عقيدة البعث والحساب من الأمور المسلم بها عند قلة من عرب الجزيرة العربية قبل الإسلام.

بخلاف ذلك نرى أن عقيدة البعث من الأمور التي سخر منها كثير من العرب وصدوها بشدة عند ظهور الإسلام ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ[8] ، ﴿إِنَّ هَؤُلاَء لَيَقُولُونَ إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ[9] ، ويتجلى هذا الإنكار للحشر والبعث في أبيات نسبت إلى شداد بن الأسود بن عبدشمس بن مالك، يرثي بها قتلى قريش يوم بدر:

أيوعدني ابن كبشة أن سنحيا

وكيف حياة أصداء وهام؟

أيعجز أني رد الموت عني

وينشرني إذا بليت عظامي[10] 

ومن القلائل الذين آمنوا بالبعث والحساب بعض الشعراء، ورد ذلك في أشعارهم كأمثال الأعشى وزهير بن أبي سلمى الذي قال:

يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر

ليوم الحساب أن يعجل فينقم[11] 

وحاتم طي الذي كان من المتألهين، ومن المعتقدين بالحساب وقد أورد أهل الأخبار له شعراً في ذلك[12] .

الأثــــــــــــــــر

في عام 1403هـ وخلال أعمال التنقيبات الأثرية بحقل مدافن الظهران شرق المملكة العربية السعودية، عمل مجس قرب المدفن (ب - 5) عند الطرف الغربي منه، وتبين وجود عظام جمل محروقة ومبعثرة وسط حفرة خارج المدفن (غالباً ما يوجد مدخل للمدفن بالناحية الغربية) وعثر على كسرات من أواني خزفية عديدة فوق الحفرة ويشبه الكثير منها النوع الروماني[13] .

كما أن هناك عمليات مشابهة لوحظت في بير حما (نجران) موقع رقم 217/ 44 حيث تم إجراء حفرية في ثلاث منخفضات كبيرة متاخمة لأحد الأحواض الحجرية الطويلة تبين أن هناك صفاً واحداً من الحجارة يطوق الحفرة، بينما بقية الحفرة غائرة في التربة اللينة، وقد عثر في جميع هذه الحفر على عظام جمال في حالة شبه سليمة على عمق يتراوح ما بين 35 إلى 125سم تحت سطح التربة، وقد لاحظ الباحثين عدم وجود أي كسر لعظام الجمجمة[14] .

كما وجد بأحد المجمعات الثلاثين الموجودة على جبل الحمة جنوبي دولة عمان منشأة عرضها 5 أمتار وطولها 8 - 12م ومشيدة من الألواح الحجرية العمودية ويصاحب هذه المظاهر عدد من الحفر أو الفجوات المتراصة في خط متواز، وبتنقيب هذه الحفر عثرنا على مخلفات حضارية منها عظام قد تكون لجمل أرخت (بطريقة الكربون 14)[15]  إلى عام 91 ميلادية، وصوحبت هذه المنشآت بنقوش كتابية ثمودية، ويبدو أن مجموعة المنشآت ككل قد ترجع للقرون الميلادية الأولى وأنها ترتبط بقبائل البادية التي عاشت فيما قبل الإسلام[16] .

نلاحظ مما سبق أن هذه الحفر وهذه العظام ووضعها قرب المدافن بشكل متعمد، بينهما ارتباط كبير بناءً على ما ذكره المؤرخون، من هنا فقد تبين للباحثين الآثاريين في هذه المدافن آنذاك العمق التاريخي لهذا الأثر.

ونرى أن نتائج التحليل والدراسات الآثارية قد جاءت مطابقة لما ورد في كتب التراث منها:

- وجود عظام الجمال في حفر قرب المدافن في جميع المواقع.

- وجود بعض عظام الجمال محترقة.

- كذلك الفترة الزمنية هناك تطابق فيما بينهما.

كما نلاحظ في الشعر أن الوصاية موجهة للابن للقيام بوضع العقيرة أو البلية، وكم لنا أن نتصور الشعور الذي يراود الآثاري عندما يكتشف قرائن وأدلة مادية لحوادث تاريخية أو معتقدات عفا عليها الزمن كالبعث والحشر وتصوير يوم الحشر والحساب لدرجة الغرابة من أين استقى كل هذه المعرفة؟ والتي هي لا شك تراكمات ثقافية على مدى أكثر من أربعة آلاف سنة سابقة، وهي تعزز الرأي الآثاري بعقيدة البعث عند القدماء من خلال ما عثر عليه بالمدافن من مرفقات تدل على عقيدة البعث والحياة ما بعد الموت في كل الحضارات الشرقية من حضارات بلاد الرافدين إلى حضارات وادي النيل وغيرها.

لابد أن وضع البلية قرب المدافن عقيدة منتشرة في الجزء الجنوبي من الجزيرة العربية (حسب ما أظهرته التنقيبات الأثرية إلى وقتنا هذا) فهذه في عمان وتلك بالظهران شرقي السعودية وأخرى بنجران، وهي متقاربة زمنياً وتدور في فلك القرون الميلادية الأولى.

ويجدر بالملاحظة أن نزوح قبائل عبدالقيس من جنوب غرب الجزيرة العربية إلى إقليم البحرين كانت في تلك الفترة تقريباً[17] ، ولذلك يحتمل أنها (أي البلية) تأثير جنوبي جلبته عبدالقيس للمنطقة من موطنها الأصلي ضمن الثقافات السائدة جنوب الجزيرة العربية كما هو خط المسند الجنوبي السائد بشرقي الجزيرة[18] ، والذي ربما يكون نتاج ثقافي لهذا الانتقال.

[1]  علي، جواد، المفصل في تاريخ العرب.

[2]  د. شامي، يحيى، الشرق الجاهلي وآلهة العرب المعبودة قبل الإسلام، ص56.

[3]  علي، جواد، المفصل في تاريخ العرب. ج6، 1970م.

[4]  د. شامي، يحيى، الشرك الجاهلي وآلهة العرب المعبودة قبل الإسلام، ص56.

[5]  علي، جواد، المفصل في تاريخ العرب، ج6، 1970م.

[6]  المصدر السابق.

[7]  المصدر السابق.

[8]  المصدر السابق.

[9]  سورة التغابن، الآية 7.

[10]  سورة الدخان، الآية 34.

[11]  علي، جواد، المفصل في تاريخ العرب، ج6، 1970.

[12]  المصدر السابق.

[13]  أطلال، العدد الثامن، ص42، 1404هـ/ 1984م.

[14]  أطلال، العدد الخامس، ص30، 1401هـ.

[15]  أطلال، العدد الخامس، ص30، 1401هـ.

[16]  إحدى الطرق العلمية التي تعتمد على تزمين بقايا المواد العضوية بقياس النشاط الإشعاعي للكربون 14. (راجع: أطلال، العدد 16، 1411هـ/ 1990م، طريقة ونتاج تزمين الآثار باستخدام الكربون 14).

[17]  يذكر أن التنوخيين أسسوا دولتهم في العراق بين الأنبار والحيرة سنة 138م قبل بعض القبائل العربية النازحة من البحرين بعد هزيمتهم من عبد القيس (الملا، عبدالرحمن، تاريخ هجر، ص442).

[18]  نسبة لإقليم الأحساء حيث اكتشف، وهو قلم المعينيين والسبئيين وغيرهم من شعوب جنوب الجزيرة العربية ابتداءً من القرن الثاني عشر قبل الميلاد.
كاتب - متحف الدمام الإقليمي - السعودية
370314