القضاء والأوقاف في الأحساء والقطيف وقطر
أثناء الحكم العثماني الثاني (1288 - 1331هـ/ 1781 - 1913م)
جعفر محمد العيد * - 11 / 3 / 2011م - 1:43 م - العدد (28)

القضاء والأوقاف في الأحساء والقطيف وقطر
أثناء الحكم العثماني الثاني (1288 - 1331هـ/ 1781 - 1913م)
الدكتور عبدالله بن ناصر السبيعي
 

 بجهد غير عادي استطاع الدكتور عبدالله بن ناصر السبيعي إنجاز هذه الدراسة التي وقعت في 240 صفحة من القطع الوسط مكونة من خمسة فصول.

وأمضى الكاتب بحسب قوله خمس سنوات لإعداد هذه الدراسة الوثائقية عن القضاء والأوقاف في الأحساء والقطيف وقطر.. إلا أنه يعترف في مقدمة الدراسة إلى حاجته إلى إضافة معلومات غابت أو لم يتمكن من الوصول إليها.

ويستعرض الكاتب في الفصل الأول القضاء في الفترة العثمانية وقد أولت عليه مجموعة من العلماء والقيمين وذلك وفقاً لمذهب الإمام أبي حنيفة (المذهب الرسمي للدولة العثمانية آنذاك)، ومع أنها أعادت النظر في القانون، في القرن التاسع عشر قلدت الأساليب الغربية في القضاء، إلا أن الملاحظ أن السلطات العثمانية وبعد أن نصبت قضاة رسميين من قبلها عازلة بذلك قضاة الدولة السعودية التي جاءت بديلاً لها في العام 1288هـ، واجهت عزلة كبيرة وعزوفاً عن التقاضي للمحاكم العثمانية خصوصاً في الأحساء والقطيف، لأنهم فضلوا الاعتماد على علمائهم المحليين الذين قاموا بمهمة القضاء بينهم، وكان مرجع سكان القطيف في ذلك الوقت الشيخ علي بن حسن الخنيزي.

في الفصل الثاني يستعرض الكتاب القضاة العثمانيين في لواء الأحساء واستعرض بعض الوثائق الصادرة عنهم.

وفي الفصل الثالث من هذه الدراسة المعنون بأهمية الوثائق الشرعية اختار ودرس الباحث في حدود 250 وثيقة شرعية من الوثائق الصادرة من المحاكم العثمانية، وحوالي 1000 وثيقة أصدرها مشايخ القطيف والأحساء المحليين امتدت هذه الفترة من 1288 - 1331هـ.

درس في هذه الوثائق (المعلومات الشرعية، التاريخية، الاقتصادية، الاجتماعية، الزراعية ونظم الري وحصصها).

ومن المعلومات الشرعية التي يستنتجها الكاتب من خلال الوثائق: كثرة القضاة المحليين في القطيف والأحساء، إجراء هؤلاء العلماء ثلاث صفقات في وثيقة واحدة، ودقة وحرص المشايخ على تحديد ثمن البيع.

وتحمل الوثائق أيضاً لنا ظاهرة نذر أشخاص بعض أملاكهم الزراعية لأشخاص آخرين لا تربطهم بهم صلات مباشرة دون إيضاح الأسباب والمقابل المتوقع.

أما المعلومات التاريخية فتوضح الوثائق أسماء الكثير من العوائل التي نزحت من المناطق الأخرى للاستقرار في المنطقة بسبب ظروف الحرب والجفاف والقحط خاصة بعد خراب البصرة من قبل جيش محمد علي باشا، وكيف استفادت هذه الأسر من الوضع الاقتصادي ووفرة الإمكانيات مع قلة عدد السكان.

وتحفل الوثائق بنسبة الإفراد إلى مواطن قدومهم، فتشير إحدى الوثائق صادرة عام 1140 إلى شهادة مرزق الدوغان المهاشير، ووثيقة أخرى إلى اسم امرأة في مدينة المبرز إلى جماعة السياسب بطن من عقيل بن عامر، وجاء في وثيقة أخرى إيضاح المنطقة التي قدم منها آل جبير وهي منطقة سدير حيث سمت أحدهم بالسديري نسبة إلى المكان، وجاء في وثيقة أمضاها الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن الثعم عام 1236 نسبة نصر الله الجعفري الطيار إلى جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، وتخص وقف مسجد الجبري على الجعافرة.

محاولة العثمانيين تنظيم الوقف

في الفصل الرابع يعرف المؤلف الوقف بقوله: إنه حبس عين ومنع تملكه والتصدق بما يغل على أوجه الإحسان والبر.. وقد كثرت الأوقاف في لواء الأحساء  أكثر من غيره كونها بيئة زراعية.. وقد ذهل أحمد مدحت باشا إثر استيلاء العثمانيين على الأحساء 1288هـ/ 1871م من كثرة الأوقاف في الأحساء، وقد عمل العثمانيون على تنظيم هذه الأوقاف والاستفادة منها، ولذا تميزت تميزاً بارزاً، وصرف العثمانيون من هذه الأوقاف على تنمية المنطقة، ولذلك كرس أحمد مدحت باشا بنداً كاملاً في تقريره الذي أعده أثناء تواجده في الأحساء عام 1288هـ للحديث عن هذه الوقوفات جاء فيه:

نظراً لوجود بعض الوقفيات للمساجد والجوامع والمدارس في منطقة الهفوف والمبرز والقطيف، وعدم الاستفادة من تلك الأوقاف بل هي في حالة من الخراب ومعطلة، ونظراً لوجود تلك المزارع وهي مزارع النخيل تابعة للأوقاف، ولا يستفيد منها سوى بعض الأشخاص وهم يدعون أنهم أصحابها في الوقت الذي يشهد الناس أنها أوقاف ولعدم وجود سجلات ووثائق شرعية لذلك، فينبغي جمع ما يأتي منها من محاصيل وصرفها في وجهها الذي يكون واحداً من ثلاث حالات هي:

1- تحديد ما يكفي لإنارة الجوامع والمساجد وذلك من قبل الإمام والمؤذن واقتطاع ذلك من محصول التمور ووضعه في بيت المال ثم صرفه شهرياً للإمام والمؤذن.

2- نظراً لعدم وجود مدارس ابتدائية وأهمية وجودها في كل حي وضرورة تعيين مدرسين لتلك المدارس. فينبغي تخصيص ما يعطي للمدرسين وتحديد ما يبنى أو يصلح من أمور المدارس من قبل لجنة مشكلة لهذه الغاية.

3- نظراً لوجود أرامل وأيتام وعاطلين غير قادرين على العمل، وكذلك مرضى أصحاب علل وفقراء ومساكين فينبغي إيجاد مساكن لهؤلاء في المدن والقرى. وإذا كانت الإيرادات جيدة فينبغي إنشاء مدرسة للصنائع (التدريب المهني) ويصرف على كل ذلك من حاصلات الأوقاف.

وعلى الرغم من تراكم الكثير من الصعوبات لتحقق آمال مدحت باشا، إلا أنها كانت أفكاراً جديرة بالدراسة.

وفي الفصل الخامس من الدراسة جمع الكاتب ما مقداره أكثر من 30 جهة مستفيدة من الوقوفات 24 مسجداً و 10 مدارس وعدد خمسة جهات صنفت على أنها مدرسة ومسجد.

أوقاف مدرسة الحبيشية (مثالاً)

وكمثال على ذلك نقدم هذا الوقف كمثال من الأوقاف التي أوردها الكاتب (قام إبراهيم بن أحمد بن كلبان في عام 1323 يوقف جميع وجملة ما اشترى باسمه من عامة العقار المعروف بمعامير آل غردقة الواقع بطرف الشهيبي وكذلك الثلاث قطع المتصل بعضها ببعض وهي السهم القبلي من المعامير وسهم ابن داود الشمالية والقطعة المتصلة المعروفة باسم ابن شويل والمحجار خارجاً من القطعة الأولى شليخة الغردقة.

وقام بوقف ما تقدم على مدرسة الحبيشية التي أوقفها على الشيخ راشد بن عبداللطيف آل مبارك ثم على الصالح من ذريته وذلك مقابل قيام الشيخ راشد المبارك بمهمة التدريس في تلك المدرسة وقد نص الموقف بعودة الوقف والمدرسة في حالة انقطاع ذرية الشيخ راشد المبارك إلى الصالح من ذرية الشيخ عبداللطيف والد الشيخ راشد آل مبارك.

ولوحظ أيضاً أن هناك تصنيفاً معيناً وحصراً على مدارس دينية معينة وجاءت أعداد هذه المرجعيات الدينية أو المذهبية كالتالي 14 وقفاً غير موضح، وأربع لصالح المذهب الشافعي، وواحد لصالح المذهب الحنفي، وآخر للمذهب المالكي.

أخيراً يمكن القول: إن ثمة جهد ونصب كبيرين بدلاً في إخراج هذه الدراسة لا يمكن للمنصف إنكارهما، إلا أنه يلاحظ اقتصار هذه الوقوفات على منطقة الأحساء فقط دون المنطقتين الأخريين القطيف وقطر، كما أنه أحصى الوقوفات لمذاهب معينة وأغفل إحصاء الوقوفات الشيعية في الأحساء والقطيف. وبكل الأحوال فإن الكاتب لم ير الكمال في هذه الدراسة، نتمنى أن تكتمل هذه الجهود لتغطية مسائل القضاء والأوقاف في الخليج أجمع.

عضو هيئة التحرير
363415