السـور
حميد السيف * - 15 / 10 / 2007م - 5:23 ص - العدد (3)

البيت قديم.. والليوان واسع الارجاء.. الاقواس الطينيه التي زين بها البيت.. فبدت كقطع متناسقه.. الواح الخشب النافره.. من السقف وهي متراصه الى بعضها البعض.. رائحة رائحة الشواء تنتشر في أرجائه.

الجد يتوسط الليوان، مفترشاً حصيراً تساوى مع الارض.. الاطفال حوله متحلقون.. يتطلعون إلى وجه جدهم، الذي حفرته السنون فبدت تلك التجاعيد كحبوب متناسقه فيما بينها.

الوجه الاسمر، واللحية البيضاء، والكوفيه وضعت فوق الرأس بطريقة عفوية.. ولفت بشكل فوضوي فبدت كلوحة مرسومة باتقان.

أشعل الجد سيجارته وهو يتطلع الى الصغار.. أغمض عينيه ثم التــفت اليهم وقــال: سأروي لكم هذه المره حكاية السـور..

نصت الاطفال جميعاً، وتطلعوا نحوه وهو يسرد..

كان يا مكان في قديم الزمن.. مدينة تسمى أهوال.. وكانت المدينة غنية بخيراتها وثرواتها وجمالها.. ونظراً لذلك فقد كانت محط أطماع الكثيرين.. وكان إلى جانب تلك المدينه جماعات تسكن بلدة أخرى لم ينعم الله عليها بما أنعم على المدينه.. فكانوا ينظرون نظرة حسد وطمع، وكان كلّما عضّهم الفقر بنابه قاموا بغزو المدينة الغنية وما حولها من قرى المجاورة فيأخدون ما يصادفونه.. وهكذا تعرضت هذه المدينة إلى اعتداءات من قبل جيرانها تارة.. ومن الاشرار الذين يسكنون بعيداً.. وفي كل مرة كان أهل المدينة يتعرضون لغزو كانوا يخسرون جزءً من أموالهم ويفقدون عدداً من أبنائهم.

نظر الاطفال إلى بعضهم.. ومسح الجد بيده على رأس أحدهم بعد أن قرأ أثار الخوف والرعب في عيونهم..

نطق أحدهم: وأين يذهبون بالصغار..؟ !

ـ هذا لا يهم الان. وأكمل..

ولقد عظمت المصيبة على الاهالي.. فقد عاشت المدينه تتجرع الخوف وفقدان الامن والاستقرار.. ذات مرة، اجتمع رجال تلك المدينه ليتدارسوا الامر فيما بينهم.. لكنهم لم يجدوا حلاً للمعضل.. فقرب مدينتهم من الغزاة، وأتساعها.. وكثرة خيراتها.. جعلها مطمعاً للكثيرين.

كان الرجال يجلسون كل ليلة في حوار يمتد طويلاً، ولكنهم لم يصلوا إلى حل.. وقد ظل موضوع إعادة الأمن الى المدينه.. إلى سابق عهدها من الجمال والاستقرار الشغل الشاغل لرجالها.

وفي احدى الجلسات صرخ أحدهم: وجدتها.. وجدتها.. وجدتها..

تطلع الرجال حوله وهو يصرخ: وجدتها.. وجدتها..

ـ ماذا؟

وجدت الحل لكم..

أنصت الجميع إليه.. علهم يجدون عنده حلاً يخلصهم من الكابوس الجاثم فوق صدورهم.

نظر إليه أحدهم: هاه.. قل..

صرخ صاحب الحل: السور.. السور..

ـ ماذا تقصد؟

السور الكبير..

ثم بدأ يشرح:

نبنى سوراً كبيراً حول مدينتنا.. ونضع بين كل مسافة وأخرى منظاراً مع عدد من الحراس ليكونوا أشبه برقباء دوريين، فيقوموا باخبارنا عن أي حركة غريبة.. وحينها لا نؤخذ على حين غــرة من قبل الغزاة.. وبذلك نمنعهم من مهاجمتنا وأقلاق راحتنا..

استحسن الجميع فكرة السور.. وبدأ العمل في بنائه وبشكل سريع.. حتى اذا اكتمل السور بأبراجه المرتفعة.

وسكت الجد قليلاً.. سأله أحد الصغار: اذاً لن يتمكن أحد من مهاجمتهم؟

وقال آخر: سيتمكن الصغار من اللعب دونما خوف..

بينما نطق ثالث: .. وسيكبر الصغار.. ويصبحون كباراً.. بينما ظل الجد ساكتا..

مدد الجد رجله ومسح بيده على تلك الساق اليابسه.. وتطلع نحو السقف.. ثم حول عينيه الى الاطفال وقال: نعم لقد عمّ الرخاء المدينه.. وتمكن الصغار من اللعب.. فقد انتشرت الملاعب وأصبح الصغار كبار.. والكبار أباءً.. والاباء أجدادا.. لكن..

ذات يوم وجد الآباء أن بعض الاولاد بدأوا يتصرفون بشكل غير عادي، ويقومون بحركات غير طبيعيه.. وغير مألوفه.. كان أحدهم يترك شعره مسترسلاً.. وآخر لبس ثياباً تشبه لباس المدن البعيدة.. بينما مارس عدد منهم وعلى قارعة الطريق حركات ورقصات تشبه رقصات سكان الغابات..

وحار الاباء فيما بينهم.. واجتمعوا مرة أخرى علهم يجدون سبباً لهذا التغيير الذي طرأ على أولادهم.. وعاودوا البحث في أمر السور.. ودققوا على منافده وحراسه فلم يجدوا شيئاً غير طبيعي.. وصعب الامر عليهم فقرروا  أن يعرضوا الامر على حكيم المدينه.. وحينما ذهبوا اليه.. تكلم أحدهم قائلاً: قد قصدناك يا حكيمنا.. وأنت عمدتنا ورأسنا.. وقام وقبل رأسه.. ثم جلس وعاود الحديث.. فقد لاحظنا على أبنائنا ظواهر غريبه.. فهذا يرقص في الشارع.. وذاك يترك رأسه بطريقة غريبة.. وثالث تراه صامتاً لا يكلم الا نفسه، رغم أننا ياحكيمنا ـ استرد نفسه ـ لم ندخر جهداً في تعليمهم، وفي توفير اجواء الامان.. والاطمئنان والاستقرار اليهم.. والسور شاهد على ذلك كما ترى..

اعتدل الحكيم، وتمتم بصوت غير مسموع، ثم بدأ صوته يرتفع قليلاً.. قليلاً: انكم لم تقصروا في بناء السور فجزاكم الله خير الجزاء.. واحسنتم صنيعاً بذلك.. فأنتم حفظتم مالكم وبيوتكم.. ومنعتم الغزاة من الدخول إليكم، وسلب ما لديكم.. وغدا صعب عليه الدخول بخيوله وحرابه الى مدينتكم كما تتصورون.. ولكن؟

وسكت ريثما يلفظ أنفاسه.. ويستعيد نشاطه..

ولكن الغزاة تمكنوا.. من الدخول الى بيوتكم ومخادعكم دون أن يحتاج الى خيول.. وبذلك سلبوكم أعز ماعندكم وهو اولادكم.

تطلع اليه الاباء بمزيد من الدهشه.. وصرخ أحدهم ولكن كيف.. كيف.. ؟

أجال الحكيم بنظره الى الجميع.. وقال:

إنكم وفرتم لهم المال والراحه.. وهم لا ينقصهم شيء من ذلك.. ولكنكم لم تحافظوا على عقولهم.. فدخل اليكم الغزاه بثقافتهم وعلمهم الجديد. لقد هاجمونا منذ زمن طويل، وأخذوا ما يريدون.. وهم لن يحتاجوا الى كثير من الوقت حتى يسلبوا البقيـه.

تطلع إليه الاباء.. وسألوا جميعاً.. وما الحل؟.

ـ أن تعيدوا النظر في سوركم..

قاص
358523