اللهجات المحلية في الخليج (اللهجة في القطيف مثالاً) (7)
السيد شبر علوي القصاب * - 11 / 3 / 2011م - 2:00 م - العدد (28)

أساليب الألفاظ المتجانسة

من الظواهر السائدة في اللهجة: ظاهرة أساليب الألفاظ المتجانسة، وهي استخدام الكلمة نفسها أو الجذر نفسه في وظائف تركيبية مختلفة داخل الجملة[1] ، وفائدة مثل هذه الأساليب التأكيد أو تقوية الأسلوب، في مثل: (قال من قائل)، و (صنعوا ما صنعوا)، و(قام من قام)[2] .

وتجانس الألفاظ في التركيب الواحد إحدى سمات التعبير المحبوبة في اللغات السامية، حيث تستخدم الكلمة نفسها أو الجذر نفسه في وظائف تركيبية مختلفة داخل الجملة[3] ، وتوجد هذه الظاهرة في العربية في تركيب يستخدم فيه المصدر استخداما ظرفياً، هو ما يسميه النحاة العرب: المفعول المطلق، وقد توسعت في استخدام هذا الأسلوب العربية الكلاسيكية، خاصة لغة الشعر[4] .

وقد امتد هذا الاتجاه إلى ألفاظ العدد التي كانت تستخدم فيها بكثرة في مثل: (رابع أربعة)، و(خامس خمسة)...إلخ، أو ألفاظ التوزيع العددي التي تتكرر فيها ألفاظ العدد المقسوم عليها، أو الداخل في توزيع المجموعات[5] .

وإذا كان استخدام مثل هذه الأساليب التي تكثر في اللغة المحكية قد أصبح ممجوجاً في لغة الكتابة ـ كما يقول الدكتور فالح العجمي ـ وغدت مثل عبارات: (دعاء داعٍ)، أو (قول قائل)، إسهاباً لا يوافق ذلك التوجه، فسعت أدبيات اللغة المكتوبة إلى التخلص منه[6] ، فإن كلام الناس اليومي العادي في هذه الواحة لا توجد فيه مثل هذه الأساليب في الوقت الحاضر، وإنما هي موجودة فيما هو موروث عمن سلف، وإن وجد شيء منها في كلام أحدهم؛ فإنما هو على سبيل التمثل والاستشهاد، أو المحاكاة، وأشكال وصور هذه الأساليب متعددة، وفيما يلي هذه الصور والأشكال:

فمما يجري في كلامهم اليومي العادي بصورة الجملة الفعلية أو الاسمية قولهم: (إن ﮔُمْت ما ﮔامت لك عافية)، و(أنا باروح وانت اللي تبغى تسوِّيه سوَّه).

 وبصورة المضاف والمضاف إليه مثل قولهم: (خلف خلاف)، (بنچ البنيـﭼـة)، (حزة الحزة)، (ﮔيض الـﮕـياض)، (شْتا الشاتي)، (غبشة الغباش)، (فوگ الفوگ)، باﮔـي البـﮕـية.

 وبصورة الصفة والموصوف مثل: (صباحك الصباحي)، (مكان مَكين)، (كامل مْكمَّل)، (زاهب مْزهَّب)، (بارز مْبرَّز)، (خبيث مخبث).

وربما تداخل في بعض أمثلتها المضاف والمضاف إليه مع الصفة والموصوف كما في: ﮔـيض الـﮕـياض، وشْتا الشاتي، فإنهما تعنيان: شتاء الشخص الشاتي، و: قيظ الشخص القيَّاظ، وتعنيان: الشتاء الشاتي، والقيظ القائظ، وهما إلى الصفة والموصوف أقرب، ولكن حذف أل التعريف من الجزء الأول منهما للتخفيف هو الذي أدى إلى هذا التداخل.

ومما جاء بصورة التركيب المزجي مثل: (يا زينه زيناه)، و(يا ويله ويلاه) في لهجة ذوي الانتماء القبلي، و ويقابلها (يا زين زينه)، و(يا ويله ويله) عند أهل الحضر، وكذا (فاي فايوه)، و(ماي مايوه)، (داك داكوه)، (كاش كاشوه).

ومن شواهدها في الأقوال السائرة: (من عاجي وعجية، ما خلى على الحاوي حوية)، (خْلوگ اِمَّا خلق)، (أخد على أخده)، من (عازة لِمْعيز)، (ملك الموت بيموت)، (قايم مقام)، (ما يْضوگ الضوگ)، أي ليس عنده ما يتذوق به فضلاً عن غيره، (يا فاك فك)، (مْبدَّى على كل بادية)، (من خيرهم ما خيروني)، (الخير يخير)، (الطرار يطره والفار يجره)، (حزة الحزة نمش لخضاب). ومما جاء في أهازيج الأطفال على لسان العصفور: (اليوم مطر المطير، واليوم مَـﮕْدر أطير). ومما جاء منها في شعر الموال قول الشاعر عيسى بن محسن من تاروت: (سلست وسليت وسل مني الصبر ورداك). ومنها ما يجري مجرى الدعاء على الشخص مثل: (روح راحت روحك العزيزة)، (وجع يوجعك)، (وحزن يحزنك)، (وعمى يعميك)، و(طباگ يطبگ عليك)، و(خرخر خريرك)، (ويش تبغى بغى بوزك)، و(علووه، لا علاك علي)، و(علووه) هنا: اسم الشخص المنادى محقراً، (ﭼـبَّابات تـﭽـبُّك)، (صاﮔـعة تصـﮕـعك صَـﮕاع).

معاملة المثنى المذكر والمؤنث معاملة الجمع مطلقاً

سبق أن أشرت في الحلقة الرابعة من هذا البحث إلى أنه لا توجد في اللهجة تثنية حقيقية، حيث أن من خواص هذه اللهجة أنها استغنت عن المثنى، وأن ما زاد على واحد فهو جمع، وإن وجدت ألفاظ منتهية بالياء والنون فيها فهي لا تعني التثنية وإنما هي لبيان العدد وحسب، فغالباً ما تتم مخاطبة الاثنين أو الإشارة إليهما أو التنويه عنهما بصورة الجمع، فحينما يقولون:) هدولا لولاد) أي: هؤلاء الأولاد، أو: (الأولاد جو)، فإنهم يعنون بذلك ما زاد على واحد إذا لم يريدوا بيان العدد أو تأكيده في ذهن السامع، مثلما تجدهم أحياناً يقولون: (الأولاد افنينهم)، أو (أولاد افنين)، و(البنات فنتينهم)، أو (بنات فنتين)؛ وفي اللغة السبئية يسبق المثنى لفظ اثنين، مثل: Tani Namiran، أي: نمران[7] .

والبحث في هذه الظاهرة اللغوية يؤدي إلى أن نقول: إن المثنى مادة لغوية اختصت بها العربية، ولزمتها في الفصحى منذ أقدم العصور حتى الآن، وقد تعدى الأمر هذه الفصحى إلى اللهجات المحلية الدارجة، ولكننا لو فحصنا أقدم النصوص العربية التي يُطمأنُّ إلى صحتها، ومن نصوص القرآن الكريم، لرأينا أن المثنى لم يكن ثابت القواعد، محدود الصورة في هذه النصوص، فهناك تردد وترجح في صيغة المثنى نفسه، وفي صيغة الفعل الذي أسند إليه؛ فلم يتحمل هذا الفعل المسند إليه على هيئة التثنية[8] .

وقد بدأ الخلل في المطابقة العددية يظهر في المرحلة الكلاسيكية ليس فقط بين الفعل والاسم، بل وأيضاً بين الضمير والاسم الذي يلصق به الضمير خصوصاً عندما يكون الاسم من أسماء الملكية الخاصة أو أعضاء الإنسان[9] .

والقاعدة العامة في اللغات هي أن الأسماء في دلالتها العددية إما أن تدل على الإفراد، أو الجمع، وكذلك ما ينوب عنها، فالقاعدة الخاصة بلغتنا الفصيحة هي أن هذه الأسماء وما ينوب عنها ذات أحوال ثلاثة: الإفراد والتثنية والجمع[10] .

واللغة الفصيحة لا تخرج عن قاعدتها الخاصة بها إلى القاعدة العامة بين سائر اللغات إلا نادراً. والشرط في هذه الندرة، أو هذا التوسع، هو أمن اللبس عند السامع اعتماداً على فهمه، وذلك حين يوحي إليه المقام بالمقصود، وكثيراً ما يعتمد الفصحاء على فهم السامع في مثل هذه الحالة، إذ لا خوف من اللبس أو الخفاء، فيقول العربي الفصيح أحياناً: محمد وعلي حضروا، بدلاً من أن يقول: حضرا، وقد يحدث هذا في الفصحى أحياناً، وهو تعبير صحيح، وقلما يُلتفت إليه مع أنه من سنن العربية، ولهذا يدهش من يفاجأ به إذا لم يتنبه إليه سريعاً، وقد يظنه خطأ أو لحناً، ومن ذلك ما ذكر من أن الشعبي كان يتحدث في مجلس عبد الملك بن مروان، فقال: (رجلان جاءوني)، فقال عبد الملك: (لحنت يا شعبي)، قال: (يا أمير المؤمنين، لم ألحن مع قول الله تعالى: ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم﴾)، قال عبد الملك:(لله درك يا فقيه العراقين قد شفيت وكفيت)[11] .

وهذا الشاهد القرآني الذي لم يذكره الشعبي إلا لبيان أنه لم يلحن حين قال: (رجلان جاءوني)، بل كان يجري فيه قياساً على مثال الشاهد القرآني الذي احتج به[12] .

ومن ذلك قوله تعالى في خطاب زوجتين من زوجات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ﴿إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما﴾[13] ، أي مالت، ولم يقل: قلباكما، ولكل منهما قلب واحد، إذ ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ولا لامرأة، وقوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾[14] ، ولم يقل يديهما، مع أن هذا هو المقصود، لأن السارق لا تقطع منه إلا يد واحدة في سرقة واحدة. [15] 

وإن كان الفراء يفسر عدم التطابق في الآية الأخيرة أن لكل من السارق والسارقة يدين اثنتين فيكون مجموعهما مثنى، وأما ابن السكيت فقد ذهب إلى تفسير ذلك بالتغليب مثل: رجل عظيم المناكب وإنما له منكبان، ورجل ضخم الثنادي وإنما له ثندوتان[16] .

وعلاوة على ذلك فهناك من الشواهد قوله تعالى: ﴿ورفع أبويه على العرش وخروا له سجداً﴾، وفي هذا جاء المثنى (أبويه)، ثم أعقب الشق الأخير من الآية بالفعل (وخروا)، وهو مسند للجمع ولم تأت الآية (وخرَّا)[17] .

وقوله تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما﴾[18] ، والأصل: اقتتلتا لأنهما طائفتان اثنتان، وقد عومل المثنى المؤنث فيها معاملة جمع المذكر.

وقوله تعالى: ﴿ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين﴾[19] ، والأصل: طائعتين لأنهما مثنى مؤنث، وقد اجتمع في هذه الآية ثلاثة شواهد:

(1) مخاطبة ما لا يعقل مخاطبة العاقل.

(2) وصف الاثنين بصفة الجمع.

(3) وصف المؤنث بصفة المذكر.

ومنه قول أمِ معبد تصف الرسولَ (صلى الله عليه وآله وسلم) لزوجها بين رفيقيه: غصن بين غصنين فهو أنضر الثلاثة، له رفقاء إذا قال أنصتوا لقوله، وإن أمر تبادروا إلى أمره، والشاهد فيه قولها: غصن بين غصنين فهو أنضر الثلاثة، ولم تقل: (له رفيقان يحفان به)، إذا قال أنصتا لقوله، وإن أمر تبادرا إلى أمره[20] . ومن ذلك أبيات من قصيدة شاعر من أوائل عصر بني أمية وهو مالك بن الريب التميمي التي يرثي بها نفسه:

ولمـا تراءت عنـد مـرو منـيتي

وخل بها جسـمي وحانت وفاتيا

أقـول لأصـحابي: ارفعوني لأنني

يقـر بعيني أن سـهيل بداليـا

فيا صاحبي رحلي دنا الموت فانزلا

برابيــة إني مـقـيم ليـاليـا

يقولون: لا تبعد وهم يدفنـونني

وأين مكان البعـد إلا مـكانيـا

فالشاعر هنا يخاطب رفيقيه كعادة العرب في الرفقة، أو صاحبي رحله - كما قال - ولكنه في خطابه لهما، أو إخباره عنهما، ينظر إليهما أحياناً أنهما اثنان حقيقة، وأحياناً على أنهما جمع مجازاً لأنهما أكثر من واحد[21] .

وأوضح من ذلك وأعجب أبيات لشاعر أشهر في العصر الأموي هو الفرزدق يروي فيها قصة غزوة ليلية مع حسناوين أدخلتاه بيتهما الشامخ، وخلتا به، ثم أوجستا خيفة من رقيب آخر الليل فأنزلتاه اتقاء الفضيحة من مرتفعهما الشاهق بحبال حتى بلغ الأرض فقال:

(همـا دلتـاني من ثمـانين قـامـة

كما انقض بازٍ أقتـم الريش كاسره

فلما استوت رجلاي في الأرض قالتا

أحـي يرجـى أم قتيـل نحـاذره

فقلت ارفعوا الأسباب لا يفطنوا لنا

ووليـت في أعـجاز ليـل أبادره)

فهنا امرأتان اثنتان ومع ذلك يقول الفرزدق في خطابه لهما: ارفعوا الأسباب كأنهما جمع مذكر، ولو قال: (ارفعا الأسباب) - وهذا هو الأشهر والأسير - لما اختل الوزن[22] .

ونستطيع أن نخلص من ذلك إلى أن العربية القديمة حتى زمن القرآن، وما بعد ذلك بقليل، لم تكن تراعي المثنى من حيث ما يسمى في نظام تأليف الجمل، وعدم المراعاة ربما جاءت من أن المثنى داخل في حيز الجمع، وبذلك عومل في أمثلة من القرآن الكريم كما ظهر من عرضنا للآيات، غير أن العربية الفصيحة قد حافظت على المثنى في الفترة التي تبعت الفترة الإسلامية، وحين تقدم النثر العربي، ونشأ ما اصطلح عليه النقاد والمحدثون، بالنثر الفني، ومن أجل ذلك قل أن نجد هذا التردد في الأساليب الكلامية في هذه الفترة بين التثنية والجمع[23] .

وقد تكون حاجة اللغة لصنف المثنى ليست ماسة في عصرها الكلاسيكي، وما قبل الكلاسيكي مما دعا إلى التخلي عن التفريق بين الجمع والمثنى لدى المتكلم[24] .

معاملة مالا يعقل معاملة العاقل

وهذا لا يحدث في اللغة إلا إذا أعطي صفة العاقل أو عومل معاملته، نحو قوله تعالى على لسان نبيه يوسف عليه السلام: ﴿إني رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين﴾[25] ، وقوله تعالى: ﴿ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين﴾[26] ، ونحو قولهم: (القطط الذكيات)، أما في الحالات العادية فيعامل جمع غير العاقل كالمؤنث المفرد فيقال: (القطط السوداء)، أما اللهجة فلا تعرف هذا التفريق فغالباً ما تتم مخاطبة أو معاملة جمع مالا يعقل معاملة جمع العاقل المذكر على وجه الخصوص في لهجة الغالبية منهم، مثل قولهم: (الكاسات الزينين)، و(خِد الكاسات كلهم)، بينما ينفرد ذوو الانتماء القبلي عن بقية أهل الواحة بمعاملة مالا يعقل معاملة المؤنث الجمع فيقولون: (الكاسات الزينات)، وقد يقولون: (الزينين) كبقية الواحة، وقد سمعت أحدهم يقول وهو يشير إلى مجموعة من المشاريع بالبلدية: (ويفگ عَليهِن؟)، يريد بذلك: أن هذه المشاريع هل ووفق عليها؟، ويقولون أيضاً: (خذهن كلهِن)، ولكنك لا تعدم أن تلمس أحياناً في اللهجة جملاً ونصوص عومل فيها: (جمع غير العاقل معاملة المفرد المؤنث كما هو حاصل في الفصحى، لكن معاملته من هؤلاء وهؤلاء معاملة الجمع أظهر منه في المفرد، ولعل ذلك راجع إلى أنهم يتصورون أنه لو عومل معاملة المفرد لربما التبس على السامع، وكأنهم أرادوا تأكيد هذا المعنى في ذهنه.

مطل الحركات

مطل الحركات أو مطها: مدها وإشباعها بقصد تحويلها من حركة قصيرة إلى حركة طويلة من جنسها في الغالب، كتحويل الفتحة إلى ألف، والضمة إلى واو، والكسرة إلى ياء.

وقد أفرد ابن جني في كتاب الخصائص فصلاً لموضوع مطل الحركات[27] ،وسماها في مكان آخر منه: مضارعة الحروف للحركات والحركات للحروف، وعلق عليها قائلاً: إن الحركة حرف صغير ألا ترى أن متقدمي القوم من كان يسمي الضمة الواو الصغيرة، والكسرة الياء الصغيرة، والفتحة الألف الصغيرة، ويؤكد ذلك عندك أنك متى أشبعت ومطلت الحركة أنشأت بعدها حرفاً من جنسها، وذلك قولك في إشباع حركات: ضُرِبَ ونحوه: ضوريبا، ولهذا احتاج الشاعر إلى إقامة الوزن مطل الحركة وأنشأ عنها حرفاً من جنسها، وذلك قوله (يعني الفرزدق): (نفي الدراهيم تنقاد الصياريف).[28] 

وإذا فعلت العرب ذلك أنشأت عن الحركة الحرف من جنسها، فتنشئ بعد الفتحة الألف، وبعد الكسرة الياء وبعد الضمة الواو، فالألف المنشأة عن إشباع الفتحة ما أنشده أبو علي لابن هرمة يرثي ابنه من قوله:

فأنت من الغوائل حين ترمى
 
ومن ذم الرجال بمنتزاح
 

أراد: بمنتزح: مفتعل من النازح.[29] 

ومن مطل الحركة عند ابن جني قول الهذلي:

بينا تعنفه الكماة وروغه يوماً

أتيح له جريء سلقع

أي: بين أوقات تعنفه، ثم أشبع الفتحة فأنشأ عنها ألفاً[30] ، وحكى الفراء عنهم: أكلت لحما شاة، فمطل الفتحة فأنشأ عنها ألفاً.[31] 

ومن إشباع الكسرة ومطلها ما جاء عنهم: من الصياريف، والمطافيل، قال أبو النجم:

(منها المطافيل وغير المطفل)، والمطفل امرأة ذات طفل.[32] 

ومن مطل الضمة قوله (يريد أبا النجم):

وإني حيث ما يسري الهوى بصري

من حيث ما سلكوا أدنو فانظور[33] 

وقول الآخر:

ممكورة جم العظام عطبول

كأن في أنيابها القرنفول

وقال: فهذه الطريق فما جاء منها قسه عليها.[34] 

بيد أن هذه الأمثلة لم تكن محل القبول عند الدكتور رمضان عبد التواب، لأنها عنده من سقطات الشعراء، ولا تصلح لأن تكون حجة، وإن جعل منها النحويون شواهد لهذه الظاهرة.[35] 

وقد استفادت العربية من هذا المد كثيراً في تنويع وتكثير المعاني، فقد مدت ضمة العين في المضارع كما في ينبع فصار ينبوع، ومثل ذلك: يحمور، ويخضور، ويعفور، وقد انتقلت هذه الصيغ في العربية إلى الاسمية وهو كثير في اللغة. [36] 

وما صيغة: فعالل، وفعاليل، وأفاعل، ومفاعل، ومفاعيل إلا صيغ جمع متشابهة استعمل فيها المد الحاصل من إشباع الكسرة حتى صارت لكل صيغة مثلها بطريقة المد، ومثل هذا: المفاتح، والمفاتيح، والدراهم، والدراهيم، ومثل ذلك: المطافل، والمطافيل، جمع المطفل، وهي امرأة ذات طفل[37]  كما تقدم.

ونستطيع أن نرد (فاعول) إلى مطل الحركات، فالعمود لا بد أنَّه كان (عامود) ثم خفف، وليس لنا أن نحمل العامود على الكلام العامي، فمثله: الشاقول، والناعور وكثير من أسماء الأدوات.[38] 

ومن أمثلة هذه الظاهرة في اللهجة: بْراه كما في قولهم السائر: (المرض من جبل والعافية من خرق بْراه)، أدون، بَلْبُول (بِلْبُول في لهجة سيهات)، بلابيل، محوار (الخشبة الأسطوانية التي يرق بها العجين)، اودام (إيدام)، مجاديح، مفاتيح، خواتيم، عضافير، عضفور، وأصولها على التوالي: إبره، أذن، بلبل، بلابل، محور، إدام (ما يؤتدم به من لحم ونحوه)، مجادح، مفاتح، خواتم، أظافر، أظفر، والأمثلة الخمسة الأخيرة موجودة كذلك في الفصحى بصورها الممطولة، وشاهد الأخيرة منها (على سبيل المثال) قول حميد الأرقط:

ما بين لقمته الأولى إذا انحدرت

وبين أخرى قيد أظفور[39] 

ومنه مطل كسرة حرف الجر إلى المجرور به ياء المتكلم، حتى عاد: إيلي، ومطل فتحة ما قبل الأخير في الأسماء المصاغة على وزن أفعَل، وفعَل: كما في: أحماد، وحسَان يريدون: أحمد، وحسن)، وكلاهما في لهجة الآجام، والنعنع لما (نعنعوه) في كلامهم كافة، أي: مطوه صار نعناع.

ومن المحتمل أن تكون: أباط بمعنى: إبط من هذا الباب، وأنها ناتجة عن مطل الحركة الناشئة عن تحريك الوسط، هذا إذا لم تكن هي صورة الجمع تحولت فيها مدة أولها إلى همزة بقصرها وتطورت بتحولها من الجمع إلى المفرد، وكذا: صبوع أي: أصبع، ورجول أي: رجل.

ولعل الياء التي بين تاء الفاعلة المكسورة في الفعل الماضي وبين الهاء في قولهم: (إذا وضعتيه فسميه محمدا) [40]  التي عزاها (أبو العلاء) المعري إلى (عدي بن الرباب)، وعزاها (شهاب الدين) الخفاجي إلى (ربيعة) ناتجة عن مطل الحركة بإشباع تاء (ضربتيه) ونحوه.[41] 

ولا يبعد أن تكون الياء في مثل: شِبْعيتْ (شْبَعَيتْ) في لهجة أهل سيهات، والجش، وأم الحمام، وبعض نواحي الأحساء، والبحرين، ناشئة عن مطل الكسرة الناشئة من تحريك آخر الفعل من السكون إلى الكسرة، كانت في الأصل: شَبِعْتُ (شِبعت)، فصارت: شْبَعِتْ، ثم صارت: شِبْعيتْ (شْبَعَيتْ).

كما يمكن أن تكون الياء في: مَاتيتْ، وتَابيتْ، ورَاحيتْ ـ في لهجة من سبق أيضاً ـ ناتجة من الفتحة الممالة نحو الكسرة، لأن الأفعال قبل إسنادها تنتهي بهذه الحركة، فلما أسندت إلى الضمائر تحولت هذه الحركة بالمطل تبعاً لهذه الظاهرة إلى ياء، وتحولت صورة الأفعال من: مِتُّ، وتِبْتُ، ورِحْتُ إلى: مَاتيتْ، وتَابيتْ، ورَاحيتْ.

كما يمكن أن تكون الياء في مثل: كليت، وخديت من هذا الباب، كانت صورة الفعلين: أخدْت، وأكلْت، ثم صارت: أخدِت، وأكلِت (بتحريك آخرهما)كما هما في لهجة العراقيين، ثم صارت: اخديت، وأكليت، وحذفت الهمزة من أولهما تخفيفاً فصارت: خديت، وكليت، هذا إذا لم تكن هذه الياء فيهما أصلها الألف التي في أولهما وصارت في آخرهما بالقلب المكاني (كما سبق بيانه في حلقة سابقة).

كما لا يبعد أن تكون الألف في مثل: (عضَّاني، وسبَّاك، وسبَّاش، وسبَّاه، وحطَّاها، وحطَّاهم) السائدة في لهجة: (الآجام، القديح، البحاري، وسيهات، وغيرها) من هذا الباب وأنها ناشئة من حركة آخر الأفعال وهي الفتحة، فلما مطلت هذه الحركة عادت ألفاً، والأصل: عضَّني، وسبَّكَ، وسبَّكِ، وسبَّه، وحطَّها، وحطَّهم.

ويمكننا أن نقيس على ذلك قولهم: كلَّماه، وكلَّماهم، وكِتْباه، وشِطْباه في لهجة سيهات، والآجام، والأصل: كلَّمه، وكلَّمهم، وكتبَه، وشطبَه، على النحو الوارد في لهجة بكر بن وائل فهم يقولون: (ردَّتُ أو ردَّاتُ) من رد مقابل الصيغة الكلاسيكية.[42] 

ومن الجدير بالذكر أن أمثلة هذه الظاهرة بصورها الممطولة هي المتداولة إلا بضعة أمثلة منها تتداول بصورتيها الأصلية الممطولة كـ: (نعنع) المتقدمة فيقال: نعنع، ونعناع.

الإدغــام

هو أن تأتي بحرفين أولهما ساكن أصالة أو لعارض، والثاني متحرك، من مخرج واحد، من غير فصل بين الحرفين، فتنطلق بهما دفعة، بحيث يكون الساكن كالمستهلك، وتحدث لهما حالة مستجدة، وهي هيئة الحرف المشدد، في زمان أطول من زمان الحرف، وأقصر من زمان الحرفين،[43] وهو ما اصطلح على تسميته في كتب القراءات بالإدغام؛ وأطلق عليها الدكتور إبراهيم أنيس في كتاب الأصوات اللغوية: المماثلة،[44]  أما الدكتور أحمد مختار عمر فقد أطلق عليه: المماثلة الكاملة؛ لأن الصوتين المدغمين يتطابقان تطابقاً كاملاً.[45] 

وقد قسم المحدثون هذه الظاهرة إلى نوعين: رجعي وفيها يتأثر الصوت الأول بالثاني، وتقدمي، وفيها يتأثر الصوت الثاني بالأول[46] ، والنوع الأول هو الغالب على لهجة الواحة، إلا في مواضع قليلة كما يتضح لك مما يأتي.

والإدغام عند القراء نوعان: إدغام صغير، وهو الشائع المروي عن جمهورهم، وفيه يتحقق مجاورة الصوتين المتجانسين أو المتقاربين إذ لا فاصل بينهما، وإدغام كبير وفيه يفصل بين الصوتين المتجانسين أو المتقاربين صوت لين قصير، وينسب هذا النوع الأخير من الإدغام إلى أبي عمرو أحد القراء السبعة.[47] 

ويظهر أن أبا عمرو بن العلاء كان لا يلتزم في قراءته النطق بالحركات الإعرابية أو الحركات الواقعة في آخر الكلمات، مما يترتب عليه التقاء الحرف الأخير، من الكلمة السابقة بالحرف الأول من الكلمة اللاحقة، فإذا تشابها الحرفان أو تقاربا في الصفة أدى هذا إلى تأثر أحدهما بالآخر، ومما قد يستأنس به للدلالة على طريقة أبي عمرو ما روي عنه من قراءات كثيرة سقط منها الحركات الأخيرة للكلمات مثل: ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾.[48] 

فإن صح هذا التفسير لقراءة أبي عمر لم يكن هناك فرق بين إدغامه، وما يسمى بالإدغام الصغير.[49] 

وبما أن الوقوف على أواخر الكلمات بالسكون سمة غالبة على اللهجة بصورة تتفق مع ما ينسب ويؤثر عن أبي عمرو، مما يجعل ما يسمى بالإدغام الكبير فيها يتداخل مع ما يسمى بالإدغام الصغير، ويجعل الأول منهما يتحد مع الثاني ليندرجا تحت مسمى واحد وهو الإدغام الصغير، لذا سأكتفي بكلمة إدغام في الجملة دون وصفه كبيراً أو صغيراً، نظراً لسقوط الحد الفاصل بينهما وانتفاء الحاجة لهذا التفصيل.

وغرضنا هنا تتبع الحروف التي يعرض لها الإدغام في اللهجة وحسب، ولكن في ضوء ما يعرض لها في اللغة والقراءات، وفي ما يلي هذه الحروف وما يعرض لها من إدغام:

الألف: الألف في الأصل ليست بحرف إدغام وإنما يحصل لها إخفاء قد يسمى إدغاماً تجوزاً، ويحصل هذا الإخفاء أو الإدغام لكل ألف سواء كانت أصلية أم ألف إسناد سواء كانت لازمة أم عارضة للسان للتوصل بها إلى النطق بالساكن، ويحصل ذلك عادة فيما جاء على وزن أفعل: كما في حاجحمد في: حاج أحمد، أو إفعيل نحو: سابِّبليس في: سابْ إبليس، أو فْعيل نحو: حاجحْسين في: حاج حْسين (حُسين).

الباء: روت لنا كتب القراءات أن هذا الصوت يجوز إدغامه في الميم والفاء.[50] 

أما إدغام الباء في الميم فلا تعرفه اللهجة، وأما إدغامه في الفاء (في اللغة) فقليل الشيوع، لأنه يستلزم قلب الباء وهي مجهورة إلى نظيرها الشائع المهموس في اللغات الأوربية الذي يرمز له بالرمز p،[51]  ومن أمثلة إدغامه في اللهجة هنا: سفِّيه من: سبْ فيه أي: سبَّه.

التـاء: يدغم هذا الصوت في اللهجة حسب الاستقراء في: الزاي كما في قولهم: جزينه في جت زينه أي: جاءت حسنة، وتدغم في الطاء، إذا كانت هذه التاء تاء الفاعل المفرد المذكر أو المؤنث المسند إليه الفعل بعد إبدالها طاء، ويلحق بهما ضمير الفاعل الجمعي: (تُو) الذي حل في اللهجة محل: (تُم) في الفصحى، وهذا مشروط بكون لام الفعل التي قبلها طاء مع إدغامها فيها طلباً للخفة فيقال: (خرطّ، هبطِّ، وخبطُّو)، أي: خرطت، وهبطتِ، وخبطتو، وهي لهجة عامة، ومأثورة عن لهجات بعض القبائل القديمة، فقد نسب إلى بني تميم قولهم: خبطُّ، والأصل: خبط أضيف إلى تاء الفاعل فصار خبطت، بإسكان لام الفعل ثم تأثرت التاء بالطاء فقلبت إلى صوت مماثل لها فأصبحت: خبططُّ فاجتمع صوتان ساكنان من جنس واحد سكن أولهما فأدغم في الثاني فأصبح خبطُّ، ومنه قول علقمة بن عَبَدة التميمي:

(وفي كل حي قد خبطُّ بنعمة

فحق لشأس من نداك ذنوب)[52] 

ويقع هذا الإدغام عند بني تميم إذا وقعت هذه التاء بعد أصوات الإطباق الصاد والضاد والظاء في فعلتُ، وكانت الأصوات لاماً للفعل وذلك في مثل: فحصطُّ بدلاً من: فحصت، وجضطُّ بدلاً جِضتُ، والأصل: فحص، وجاض.[53] 

وهو فيما يبدو لتقليل الجهد، وتسهيل النطق على اللسان، وتجد مثل ذلك في القراءات القرآنية كما في قراءة: (بسطَّ) بإدغام التاء في الطاء من قوله تعالى: ﴿لئن بسطت إلي يدك﴾[54] .

كما إذا وقعت تاء الافتعال بعد حروف من حروف الإطباق، فانه يجب إبدال التاء (طاء)، فتدغم وجوباً في نحو: (اطلب) لاجتماع المثلين، لأن فاء الكلمة طاء، وتاء الافتعال أيضاً صارت طاء، وجوازاً في نحو (اضطلم) فتدغم (الظاء) في الطاء) على القياس، وتدغم الطاء المبدلة من تاء الافتعال في الظاء على خلاف القياس، والبيان أيضاً حسن.[55] 

وكذلك إذا وقعت بعد الدال والذال والزاي فانه يجب أن تقلب (دالاً) وتدغم وجوباً في الدال نحو: (ادتان)، وجوازاً في: ادكر بقلب دال الافتعال إلى الذال ثم الإدغام.[56] 

وتدغم التاء بصفة خاصة في لهجة الآجام في الكاف ضمير المخاطب والمخاطبين المذكر وشين المخاطب المؤنث كما في: سياركّ، وسياركِّم، وسيارشّ، أي: سيارتُك، وسيارتُكم، وسيارتُكِ، وفي المخاطبين قليل.

الجيم: وقد تخفى الألف فيها كما في قولك: حاجّحْمد في: حاج أحمد من قبيل الإخفاء الذي يعرض للهاء في الحاء كما يأتي بيانه، أما إذا كان ما قبل هذه الألف جيماً فقد تظهر هذه الألف، وقد تخفى كما في: حاج أجود، التي لك أن تنطقها بصورة: حاجَّجود، أو: حاج أجود، تحاشياً لنطق ثلاث جيمات بصورة متوالية (الجيم المشددة الناتجة عن إخفاء الألف في الجيم، التي قبلها، والجيم التالية لها) لما فيه من الصعوبة.

الدال: تدغم في: التاء، والجيم، والسين، والشين، والصاد، والضاد، والطاء، والظاء، ومنه إدغام الدال الوقعة لاماً للفعل في تاء الفاعل كما في قولهم: ﮔـعتَّ، والأصل: ﮔـعدت أي: قعدت، ومن شواهده في القراءات القرآنية: طرتُّهم، وقضَّلوا في قوله تعالى: ﴿إن طردتهُّم﴾،[57] وقوله تعالى: ﴿ورأوا أنهم قد ضلوا﴾.[58] 

وفيما يبدو أن هذا الصوت أكثر الأصوات تعرضاً للإدغام بعد اللام في اللهجة وللتدليل على ذلك نأخذ كلمة (سيد) كما تنطق بالوقوف على آخرها بالسكون في اللهجة، ونأتي بعدها بأسماء الأشخاص تبدأ بهذه الحروف مثل: تاريخ، جواد، زكي، سلمان، شرف، صالح، ضياء، طالب، ظاهر، وننطق الكلمتين من دون فاصل ونبدأ بالتجربة سنجد أن هذه الحروف تأكل هذه الدال ليظهر الحرف الذي بعدها مشدداً لدخول هذه الدال تحت عباءة ذلك الحرف لتصبح الكلمات على التوالي: سيتَّاريخ، سيجَّواد، سيزَّكي، سيسَّلمان، سيشَّرف (قد تظهر أحياناً في هذه على ثقل فيها)، سيصَّالح، سيضَّياء، سيطَّالب، سيظَّاهر.

الراء: لا تدغم في اللهجة إلا في اللام، على النحو الوارد الأمثلة القرآنية، فهي لا تدغم إلا في اللام، مثل قول الله تعالى: ﴿ويغفر لكم﴾،[59]  وهي في اللهجة كذلك.

السين: وتدغم في الصاد بعد إبدالها صاداً، لقرب السين من الصاد في المخرج، نحو قولك: حصَّالح في: حسْ صالح.

الضاد: تدغم في تاء التأنيث وهذا يستدعي تحويل الضاد إلى طاء فتصير كما في: بيطين في لهجة الآجام، أي بيضتين.

العين: تدغم اللهجة واللغة مع الهاء، وقد مثل لها سيبويه بقوله: كقولك: (اقطع هلالاً) وقال: البيان أحسن، فإن أدغمت لقرب المخرجين حولت الهاء حاءً والعين حاءً، ثم أدغمت الحاء في الحاء لأن التقاء الحاءين أخف في الكلام من التقاء العينين. ومما قالت العرب تصديقاً لهذا الإدغام قول بني تميم: محُّم، يريدون: (معْهم)، ومحاؤلاء يريدون: مع هؤلاء، وذلك لاستثقالهم أصله وإن كان خفيفاً على ألسنة من عداهم؛ [60] وعلى لهجة الإدغام قرأ يحيى بن وثاب: (أحَّد) من قوله تعالى: ﴿ألم أعهد إليكم يا بني آدم﴾.[61] 

والقاف والكاف: تدغمان في بعضهما البعض، أي: أن القاف تدغم في الكاف وعكسه؛ وقد اشترط القراء في إدغام القاف في الكاف، أو العكس، أن يكون قبل الصوت المدغم متحركاً،[62]  كما في قوله تعالى: ﴿ألم نخلقكم﴾.[63] 

اللام: هذا الصوت لكثرة شيوعه في اللغة العربية طرأ عليه ما لم يطرأ على غيره من الأصوات الساكنة، إذ نلحظ سرعة تأثره بما جاوره من الأصوات، وميله إلى الفناء في معظم أصوات اللغة. فلام التعريف كما يقول المبرد في المقتضب: تدغم في ثلاثة عشر صوتاً، ولا يجوز في اللام معهن إلا الإدغام، فإذا كانت اللام غير لام المعرفة جاز إدغامها في جميع الأصوات الثلاثة عشر، وكان في بعض أحسن من البعض الآخر.[64] 

وعن إدغامه في الراء يقول سيبويه: فإذا كانت غير لام المعرفة نحو لام (هل) و(بل)، فإن الإدغام في بعضها أحسن، وذلك قولك: (هرأيت؟)؛ لأنها أقرب الحروف إلى اللام، وأشبهها بها، فضارعنا الحرفين اللذين يكونان من مخرج واحد، وأن لم تدغم فقلت: (هل رأيت) فهي لغة الحجاز، وهي عربية جائزة.[65] 

ويبدو أن أكثر القبائل العربية مالت إلى الإدغام هنا وهو أخف من الفك، لهذا يقول سيبويه عن الفك: إنه عربي جائز، وعن الإدغام إنه أحسن؛[66] وبالإدغام قرأ أكثر القراء: ﴿كلا بران﴾، وبفك الإدغام قرأها حفص.[67] 

وليس المقصود من إيراد هل وبل أنهما المعنيان بالإدغام وحسب، وأن الإدغام مقصور عليهما، وإنما هو بقصد انتزاعهما للتخصيص بالذكر والشرح، ومما يؤيد ذلك أن الإدغام في اللغة يلحق كل لام وليتها راء، ومن ذلك ما جاء في قراءة: (قُرَّبي) بقوله تعالى: ﴿قُلْ رَبي أعلم بعدتهم﴾،[68]  وفي اللهجة نحو قولهم: خَرَّاسك فوگ، أي: خلِّ رأسك فوق.

النون: وتدغم في اللهجة في الراء نحو قولك: مِرَّبك في: مِنْ ربك، وفي اللام كما في قولهم: الله يلوم مِلاَّمك، أي: مِنْ لامك، وفي الميم كما في قولهم: يا الله امَّال الله، أي: من مال الله.[69] 

الهاء: وتدغم في اللهجة واللغة واللهجة في الحاء أحياناً، ومن لغة بعض العرب إدغام الهاء في الحاء - أي إخفاؤها عندها، وهذا الإخفاء يسميه سيبوبه إدغاماً، وذلك كقول الراجز يصف ناقة:

كأنها بعد كلال الزاجر

ومسحي مر عقاب كاسر[70] 

يريد: (ومسحِه). [71] 

كما تدغم في التاء التي قبلها في لهجة أم الحمام في ضمير الغائبة والغائبين طلباً للخفة، فيقال: بيتَّا، وبيتُّم، أي: بيتها، وبيتهم.

ويمتنع إدغام هذه الحروف فيما يأتي بعدها من الحروف المذكورة إذا كانت الحروف اللاحقة مما يبدأ بالساكن لأن اللسان لا ينطلق بالساكن إلا إذا أسبق بألف إسناد للتوصل إلى النطق كما تقدم في حلقة سابقة، لأنها تقف حائلاً بين الحرف المدغم، والمدغم فيه، ولأن الأدغام بالإخفاء ينجر إليها لا إلى ذلك الحرف لأنها توالي حرف الإدغام.

أما إدغام الحرف في نفسه فالحروف من الباء إلى الياء يلحقها هذا الإدغام، وسواء أكان في كلمة واحدة وبه يحصل التضعيف، أو في كلمتين متجاورتين على النحو المعهود كما تقدم، ومن أشكاله في حرف الجيم نحو قولك: حاجّابر في حاج جابر، ومن أشكاله في حرف السين نحو قولك: عباسَّالم في: عباس سالم.

نوادر الإدغام في كتاب سيبويه

وهذا الباب صفحة ممتعة من تاريخ الأسباب اللسانية عندهم واعتبارهم في التأليف مخارج الحروف ومرور الصوت وما هو أندى وأفشى وأخفى في السمع ابتغاء الخفة على ما ألفه كل قبيل من لغته الموروثة ـ قول بعضهم: ذهبسلمي، وقسَّمعت، يريد: ذهبت سلمى، وقد سمعت[72] ، ومثل هذا الإدغام حاصل في اللهجة بقصد التخفيف.

من نوادره في اللهجة

إدغام الباء في الواو: كما في: ابَّيز، والأصل بْويز مصغر بُوز بمعنى: فم.

وإدغام الفاء الأصلية والفاء المبدلة من الثاء في الواو كما في: افَّيب، (افَّير، صفَّان اسما أسرتين في القديح)، صفَّى (في لهجة أهل صفوى)، افَّاد[73] ، والأصل: فْويب أي: ثُويب مصغر ثَوب، وصَفْوى، وفْوير، أي: ثُوير مصغر ثَور، وصفْوَان، وفُواد أي: فُؤاد بمعنى: قلب، ولبعض السيدات من المنامة بالبحرين في الأخيرة:

صاير افَّادي بضيـﮕة

حيف ما عندي صديـﮕة[74] 

ومنه إدغام نون (بنت) في تائها لتتحول صورتها من ثلاثية الحروف إلى ثنائية أي بصورة: بِت، ولا يظهر التشديد الدال على هذا الإدغام إلا عند إضافتها: نحو قولهم: بتِّنا بت الدلال، وقولهم السائر: (عرستِش يا بتِّي والبخت على الله).

وكانت هي الصورة السائدة في اللهجة، وهي توافق صورتها في اللغة العبرية،[75]  كما تجدها في لهجة عدد من البلاد العربية مثل: العراق[76] ، والبحرين، ومصر، ولم يكن ينطقها بصورتها غير المدغمة إلا ذوي الأصول القبلية.

ومنه إدغام نون (عند) في دالها عند إضافتها لضميري المتكلم والغائب المفرد، وهي لهجة الآجام نحو قولهم: عِدِّي، وعِدِّه، وعِدُّك، ولهجة البقية هنا الإظهار، أما صورته مع بقية الضمائر فهي بالتخفيف بحذف النون، أي بدون إدغام، فيقال: (عدْنا، وعدْكم، وعدْها وعدْهم)، وقد تظهر النون قليلاً في الأخيرتين على استحياء، وهي أيضاً لهجة عدد من البلاد المجاورة مثل: البحرين، والعراق، ومقاطعة عربستان (خوزستان) الإيرانية المجاورة للعراق، ومنه ما جاء في قول الأستاذ عباس الناصري من أهل القصبة خوزستان:

شهر شهرين وحْنا ما نْظوگ

غْموس ليـل نهار عِـدنا شْـوية لْبينة[77] 

وقول الشاعر الشعبي العراقي هادي جباره الحلي:

(ثجيلة والهزاهز ما تهزها نفـس

عِـدْها أبية وهـاي مِنْ عزها)[78] 

وقد تمتد هذه الصورة مع الاسم الظاهر في لهجة غير الواحة، ومنه قول الأستاذ عبد الحسين الحاج راشد من أهل البحرين:

(ليلة العاشر يا خْواني بْشهر شعبان

فيها انعزمنا عِد بدر مِنْ آل عدنان)[79] 

ومنه إدغام لام ولد في دالها عند إضافة الاسم الظاهر إليها كما في: ود بيت، أي: ولد بيت (قد تظهر اللام على ثقل فيها).

وإدغام لام بعض الكلمات في نون المتكلمين كما في: خلنا، وحولنا، بِنَّا فيقال: خنَّا، وحوَّنا، بِلْنا (وقد تظهر على ثقل فيها)، وهذا الإدغام لا يظهر إلا إذا كانت الكلمة فعلاً، أما إذا كان المقصود منها معنى الاسم فلا يحصل إدغام فيها.

ومنه إدغام الدال في الجيم المبدلة من القاف كما في: صجّ، وصاجّ في لهجة والزور، ودارين وبعض نواحي الخليج، والأصل: صدج، وصادج، أي: صدق، وصادق.

وإدغام الميم المنقلبة عن النون في الياء كما في: تُمُّرة، أي: قبرة نوع من صغار الطيور، وكل شي له انتفاخ يسير على هذه الهيئة، ويقودنا إلى أصلها نطق بعض النواحي لها كالقديح بصورة تمبره، كانت في الأصل: تنبره، ثم صارت: تمبره، ثم صارت: تُمُّرة.

ومن المحتمل جداً أن تكون صورة الفعل (أبِّي)، وأبَّى (بترقيق الباء) من هذا الباب، كانت في الأصل: أبغي، وأبغى، فأدغمت الغين في الباء التي قبلها فصارت: أبِّي في لهجة (سيهات، وعنك (العليوات)، و: أبَّى في لهجة الآجام.

والإدغام في اللهجة عامة يكون بين كلمتين متجاورتين، باستثناء الكلمات المتقدمة هنا، وإن وجدت غيرها فهي لا تتعدى كلمة أو كلمتين علاوة على تلك.

[1]  أبعاد العربية ص: 57.

[2]  نفسه.

[3]  نفسه.

[4]  نفسه.

[5]  نفسه 177.

[6]  نفسه.

[7]  فقه اللغة المقارن ص80.

[8]  نفسه.

[9]  أبعاد العربية ص 127.

[10]  مقال (صفحة في اللغة، العرب عاملوا المثنى معاملة الجمع) محمد خليفة التونسي مجلة العربي ع 209 ص 118 ربيع الآخر 1396 هـ. مقال (كلمات في الدارجة لها في اللغة الفصحى أصالتها وندعو إلى استعمالها كتابة ومحاضرة، نقول: الرجلان حضرا، ونقول: الرجلان حضروا)،

[11]  نفسه ص 59.

[12]  مقال (صفحة في اللغة، العرب عاملوا المثنى معاملة الجمع) محمد خليفة التونسي مجلة العربي ع 209 ص 118 ربيع الآخر 1396 هـ. مقال (كلمات في الدارجة لها في اللغة الفصحى أصالتها وندعو إلى استعمالها كتابة ومحاضرة، نقول: الرجلان حضرا، ونقول: الرجلان حضروا)،

[13]  التحريم الآية 4.

[14]  المائدة الآية 38.

[15]  مقال (كلمات في الدارجة لها في اللغة الفصحى أصالتها (السابق) ص59.

[16]  أبعاد العربية ص 126.

[17]  فقه اللغة المقارن ص 81.

[18]  الحجرات الآية 9.

[19]  فصلت الآية 11.

[20]  مقال (كلمات في الدارجة لها في اللغة الفصحى أصالتها (السابق) ص 59.

[21]  مقال (صفحة في اللغة، العرب عاملوا المثنى معاملة الجمع) (السابق) ص 119.

[22]  نفسه.

[23]  فقه اللغة المقارن ص 83.

[24]  نفسه.

[25]  يوسف الآية 4.

[26]  فصلت الآية 11.

[27]  فقه اللغة المقارن ص: 44.

[28]  الخصائص لابن جني ج 2 ص 315.

[29]  نفسه ج 2 ص 121.

[30]  نفسه ج2 ص316، وج 1 ص 121.

[31]  نفسه ج3 ص 123.

[32]  نفسه.

[33]  نفسه ج2 ص 316، وج 3 ص 124.

[34]  نفسه، واسم القائل غير مذكور في المصدر.

[35]  فصول في فقه العربية ص 180، وما بعدها.

[36]  فقه اللغة المقارن ص 44.

[37] نفسه ص 105.

[38]  نفسه ص 45.

[39]  المستطرف ج 1 ص 186.

[40]  الهداية إلى ضوابط الكتابة ص 52 إبراهيم عبدالمطلب.

[41]  اللهجات في الكتاب لسيبويه ص 128.

[42]  أبعاد العربية ص 164 و196.

[43]  بداية الهداية في علم التجويد وأحكامه ومسائله ص 73 للفقيه الشيح عبد المحسن اللويمي الأحسائي حققه وعلق عليه الدكتور عبد الهادي الفضلي مط مؤسسة أهل البيت (عليهم السلام) بيروت لبنان ط 2 س 1406هـ، وفي اللهجات العربية ص 70.

[44]  في اللهجات العربية ص 70.

[45]  اللهجات في الكتاب لسيبويه ص 187.

[46]  في اللهجات العربية ص 70.

[47]  الأصوات اللغوية ص 188.

[48]  في اللهجات العربية ص 71، والآية 67 من سورة البقرة.

[49]  في اللهجات العربية ص 71.

[50]  الأصوات اللغوية ص 19، د/ إبراهيم أنيس مكتبة الانجلو المصرية القاهرة ط 1 س 1995م.

[51]  نفسه.

[52]  لغة تميم (مرجع سابق) ص 148.

[53]  نفســه ص 149.

[54]  المائدة الآية 5.

[55]  بداية الهداية (السابق) ص 74.

[56]  نفسه.

[57]  هود الآية31.

[58]  الأعراف الآية 148.

[59]  الأصوات اللغوية ص 198.

[60]  فصول في فقه العربية ص 102، واللهجات في الكتاب لسيبويه ص 206.

[61]  اللهجات في الكتاب لسيبويه ص 207.

[62]  نفسه.

[63]  المرسلات الآية 20.

[64]  الأصوات اللغوية ص 202، واللامات دراسة نحوية شاملة في ضوء الدراسات القرآنية ص 18 د. عبد الهادي الفضلي دار القلم بيروت ط 1 س 1980م.

[65]  اللهجات في الكتاب لسيبويه ص 208.

[66]  نفسه ص 209.

[67]  نفسه.

[68]  الكهف الآية 22.

[69]  أصلها: من مال الله، فلما أدغمت نون من في ميم مال صارت: ممَّال الله، اجمعت ثلاث ميمات، فحولت أو أخفيت أحدى الميمات في ألف الإسناد العارضة في اللسان للتوصل بها للنطق بالساكن هرباً من صعوبة نطق ثلاث ميمات بصورة متوالية.

[70]  المفصل في شواهد النحو الشعرية ج 3 ص 1168.

[71]  فصول في فقه العربية ص 102.

)[72]) فصول في فقه العربية ص 102.

[73]  الألف في هذه وغيرها مماشابهها ألف إسناد عارضة في اللسان للتوصل بها للنطق بالساكن.

[74]  تنفيه الخاطر ح 2 ص 136.

[75]  فقه اللغة المقارن ص 77.

[76]  حصرها الدكتور إبراهيم السامرائي بلهجة قرويي جنوبي العراق، راجع المصدر السابق (فقه اللغة المقارن) ص 77.

[77]  نفسه ح 1 ص 103.

[78]  ديوانه (الربيعيات) ص 52 مط الغري الحديثة ط 1 س 1970م.

[79]  تنفيه الخاطر ح 1 ص 126.
باحث
363648