اطرد القلق من عملك
أمير بوخمسين * - 11 / 3 / 2011م - 2:03 م - العدد (28)

أن أي رجل أعمال أو موظف يقرأ هذا العنوان سيعتبر هذا هراء وسخرية، بناء على ما مر عليه من خلال قراءاته لهذا النوع من النصائح و كتب الساندويتش الخفيفة، والتي تبحث في أسرع الحلول و الإجابات المستعصية على الفرد. إذ تقدم هذه الكتيبات و الكراسات الحلول الجاهزة والخطوات العملية لكيفية صنع مستقبل الفرد، وكيفية التغلب على هذه المشاكل من خلال طرح حلول قد تكون في بعض الأحيان مثالية.. ولكن في عرضنا البسيط هذا والبعيد عن المصطلحات النفسية المعقدة سأحاول عرض المشكلة وبشكل يجذب القارئ مما يستجيب لهذه الحلول. بالرغم من أنه سيواجهني بقوله: مضى على عملي عشرون عاما، وأرى أناسا يرشدونني إلى طرد القلق الذي يساورني من هذا العمل، وأنني لست بحاجة إلى هذه النصائح، وأنا أدرس الناس بعملي وبكيفية حل مشاكلي فيه.

إن الإنسان مهما تلقى من اختبارات عملية ونظرية يبقى دائما في حاجة إلى من يوجهه، صغيرا كان أم كبيرا، لأن الإرشادات والملاحظات المستمرة من شأنها أن تزيل أي قلق كان أو تساعد على إزالته. وعلى الإنسان الذي يدعي معرفته الكاملة بعمله، أن لا يستغني عن نتائج تجارب الآخرين لعلها تساعده على حل صح ولو بسيط لمشاكله التي تربكه ليل نهار. لذلك فتجارب البشر إنما هي للبشر، وليست لواحد دون آخر حتى ولو كان عالما بكل أمور الحياة.. إنه بحاجة لهذه التجارب لأنها ترشده وتدله على مواطن الخطأ والصواب في بعض أعماله.

يقول الدكتور الكسيس كاريل: (إن الذين يموتون باكرا من رجال الأعمال هم الذين لا يعرفون كيف يقاتلون القلق ويكافحونه).. إن كانت خطورة القلق تصل معك إلى حد الموت المحتم.. ألا ترى أيها الموظف والعامل ورجل الأعمال أهمية قراءتك والاستفادة من هذه الإرشادات ولو بطرد عشرة في المائة من قلقك.. إن الموظف ورجل الأعمال الناجح هو الذي يستفيد من تجارب الآخرين وخبراتهم في معالجة الأمور.

 ولعل مثالا واضحا، لكي نقرأه ونقيمه جميعا، لدليل على مدى أهمية تعلم الدرس من الآخرين، ممن سبقونا أو استفادوا من تجارب حياتهم.

 حيث قضى رجل أعمال عمره ووقته الثمين في اجتماعات مع موظفيه دون أن يصل إلى نتيجة استطاع أن يحل مشكلاته المتعلقة بعمله.. هذا الرجل اسمه (ليون شيمكلن) وهو من أوهايو وهو أحد أصحاب دار (سيمون وسكستر ) للنشر في نيويورك.. حيث يذكر بأنه عمل خمس عشر سنة في عمل دائبا فيه. يقول: كنت كلما نويت عقد اجتماعات مع مساعدي لدراسة إحدى المشاكل الخاصة بالعمل.. كنا نجلس في غرفة الاجتماعات ونسأل بعضنا: ماذا نفعل؟، هل نفعل هكذا ؟، أم ترى هذا أفضل؟ أم عدم القيام بأية فعلة أحسن؟.. فينتابنا القلق وتضطرب أعصابنا، ونتضايق في طول جلوسنا حتى على المقاعد التي نجلس عليها. وسرعان ما نروح في الغرفة ونجيء لعلنا نصل إلى حل لمشكلتنا.. و قد نثور ويحتدم النقاش ثم ندور حول الموضوع وكأننا ندور حول حلقة مفرغة، حتى إذا داهمنا المساء أجد نفسي منهوك القوى تعبا.. وقد تيقنت إن استمرار هذا الحال في حل المشاكل ضياع للوقت مع عدم وجود نتيجة مرضية في العمل.. لكن عندما مرت السنة الخامسة عشرة لم يراودني أن هناك ثمة طريقة تنقذني من الورطة التي أنا فيها الآن، ولو أن أحدا أخبرني أن ثمة طريقة تخلصني من ضياع وقتي هذا، وتريحني من القلق الذي يفقدني أعصابي لظننت هذا الإنسان من المتفائلين إلى حد الوهم..

ويذكر السيد (ليون): صادف مرة أن وجدت إحدى الوسائل التي تعينني على حل المشكلات العملية التي تعترضني، فتزيل عني القلق، وبالإضافة إلى ذلك توفر الراحة العصبية التي تضطرب لها أعصابي فتفقدني صوابي. ولاقيت بهذه الوسيلة أحسن النتائج المثمرة في عملي.. وهي بسيطة للغاية وهاك تفاصيلها:

1- تركت طريقة النقاش التي أخذت الكثير من وقتي، والذي كنت أضيعه في الاجتماعات مع مساعدي.. تلك الطريقة التي يأتي فيها المساعدون ويسألونني: حصل معنا اليوم كذا.. وارتبكنا بالذي حصل، وحللنا المشكلة الآتية.. ثم يوجهون أسئلتهم جميعا متفقة على كلمة: ماذا نفعل؟

2- قاعدة حديثة.. حتمت على كل موظف عندي، عندما يقدم لي مشكلة اعترضت عمله، أن يقدم مشكلته كتابة عبر مذكرة وضعت فيها أربعة أسئلة للإجابة عليها:

أ - تحديد المشكلة.. فقد عودتنا التجارب السابقة إنفاق ساعة أو أكثر في مناقشة حامية الوطيس في المشكلة دون معرفة هذه المشكلة التي نناقشها، كما تعودنا أن نحيط هذه المشكلة بالغموض وعدم الوضوح، دون أن يفكر أحدنا في تسجيل وتحديد المشكلة.

ب- سبب منشأ المشكلة.. كذلك كانت تضيع ساعات طويلة دون أن نعرف السبب الذي أتت منه المشكلة التي كنا نناقشها.

ج- حلول المشكلة.. كنا فيما مضى نقترح في الاجتماعات حلولا فنجادل فيها الزميل الذي جاء بها، فسرعان ما نغير عنها دون معرفة الأسباب المبررة لغض النظر عنها. وفي نهاية الاجتماع لم يخطر ببال أحد منا تسجيل هذه الحلول وتدوينها في محاضر الجلسات.

د- اختيار الحل أو البديل الأفضل.. بعد مناقشتنا للحلول التي نقترحها، فلعدم تسجيلنا لها وتدوينها كنا نفقدها في لحظة اتخاذ القرار، لأن القرار الذي نريد اتخاذه إنما هو حل من الحلول.

وكان من جراء هذه العملية أن تقلصت تساؤلات مساعدي عن مشكلات تعترضهم وعن عرض المشكلات نفسها.. لماذا ؟ لأنهم لكي يعطوا أجوبة لهذه الأسئلة الأربعة يجب أن يلموا بالحقائق التي تحيط بالمشكلة، فإذا استطاعوا أن يحصلوا عليها، غالبا ما يصلوا إلى حل ثلاثة أرباع المشكلة من تلقاء أنفسهم. أما حل الباقي فهم ليسوا بحاجة إلى مساعدتي لكي يعرضوه علي، بل أصبحوا يحلوه بأنفسهم، وحتى ولو اضطروا إلى أخذ رأيي في موضوع ما فهذا الرأي لا تحتاج مناقشته لوقت طويل وضائع، كالوقت الذي كانت تشغله من قبل. لأن هذه المناقشة في المشكلة الجديدة أصبحت تسير في طريق سلس مخطط له. وبفضل هذه الخطة، أصبحنا نستغرق وقتا طويلا في عملنا لتلافي هذه المشاكل ونستهلك وقتا قصيرا في القلق ومناقشة هذه المشاكل.

ويقول أحد الأصدقاء، وهو موظف يعمل في شركة تأمين متخصصة في بيع عقود التأمين على الحياة، بأنه استطاع لا أن يخفف من حدة القلق فحسب، بل زاد في مضاعفة مبيعاته. وذلك باتباعه طريقة مشابهة لتلك التي ذكرناها سلفا. يقول هذا الصديق: عندما شرعت في العمل لدى هذه الشركة، كان لدي شغف شديد بعملي، وكانت تنتابني حماسة لا نظير لها من قبل، وأنا ككل موظف يسعى جاهدا لزيادة مبيعاته لكي تزداد أرباحه، وحيث كانت تعترض طريقي مشاكل وعقبات وبدلا من أسرع إلى حلها، فقد كانت تتجمع في طريقي وتأخذني بعيدا عن إيجاد النتائج الحسنة. فدب اليأس إلى نفسي، وجعلني أكره العمل وأفكر في التخلي عنه، وفعلا كنت سأقدم على ترك العمل، لو لم يخطر ببالي ذات صبيحة يوم فكرة دلتني على مسببات القلق الذي ساورني. سألت نفسي: ما المشكلة التي تعترضني؟

أجبت على تساؤلي هذا، بأن الأرباح التي أحصل عليها لا توازي الجهد الجسدي والوقت اللذين أبذلهما، كنت أتجه إلى حيث العميل الذي أريد التأمين على حياته فأبدأ حديثي معه كأحسن ما يكون البدء، ونتابع حديثنا مستبشرين بالنتائج الخيرة، حتى إذا جاء وقت كتابة العقد خاطبني العميل الذي أمامي بقوله: لا بأس؟ دعني أفكر في الموضوع.. هل تسمح بزيارتي في وقت آخر؟.. إن هذين المجهودين الفكري والوقتي الذين يجلبان لي القلق هما سبب منشأ مشكلتي وقلقي، وهما الذين يدفعاني إلى اليأس إلى حد التفكير في ترك العمل. بعدها سألت نفسي مرة أخرى: ما هي الحلول التي علي إيجادها لأصل إلى القضاء على هذه المشكلة ؟

ولكي أعطي إجابة على هذا السؤال، كان لزاما علي أن أحيط علما بالحقائق التي تلف بالمشكلة، وانطلاقا من هذه النقطة قررت الإطلاع على جميع الصفقات التي قمت بها طيلة فترة وجودي في الشركة، وسرعان ما تكشفت لي مفاجأة ذهلت لها، فرأيت بأن 70% من الصفقات التي عقدتها مع العملاء تمت جميعها من المقابلة الأولى، و27% تمت في الثانية، و7% اضطررت إلى اجتماع أعقده بالإضافة إلى الاجتماعين الأوليين. ما هو الحل الأفضل من هذه الحلول؟

إن اكتشاف الأمر أصبح هينا جدا عندي، فقررت الامتناع عن الاسترسال في عقد لا يتم إلا بالمقابلة الثالثة والرابعة، وفعلا نفذت هذا وأنفقت الوقت الذي وفرته، نتيجة لذلك، في محاولة عقد صفقات جديدة، ولم يمض وقت قليل حتى وجدت نتيجة لعملي هذا في مضاعفة أرباح الشركة وبالتالي في ازدياد دخلي.

إن ما قام به كل من السيد ليون وصديقي، لدليل على صحة العمل الذي استطاعوا من خلاله اكتشاف المرض الحقيقي وهو القلق، وبالتالي وضع الحلول الناجعة للتخلص من أي عراقيل وعقبات تقف عائقاً أمام التطوير والإبداع في العمل.

وأنت أيها القاريْ العزيز.. باستطاعتك أن تجيب على هذه الأسئلة، وبذلك تصل إلى حل لمشكلاتك الخاصة والمتصلة بعملك، وبالتالي توفر عليك العناء والقلق، وإذا أحسنت وأجبت على هذه الأسئلة التي تساعدك على حل لمشكلتك، فإنك سوف توفق في عملك وتزيل بالتالي قلقك.

كاتب
370517