قصة قصيرة
مثقف مزيف
جمال حسين صالح * - 15 / 10 / 2007م - 5:24 ص - العدد (3)

أصبح الأب والأم والعمّة، مثلثاً عاش سامي طفولته الجميلة داخله.

كان مدللاً منذ صغره، فقد تعلّق الأب بإبنه سامي، وفّر له كل شيء، وجعل ثروته الطائلة جسراً إلى طريق سعادته.

وفّر الأب لابنه مكتبة شيقة تحوي أنواعاً شتى من القصص وكتب الأطفال. كان يريده متعلماً، مثقفاً، مبدعاً. وكان سامي الهواء العليل الذي يتنفسه والده، ليدخل أحشاءه ويحرّك معانيه الداخلية لتصنع له جواً مريحاً، كان يقضي معه عدة ساعات في كل يوم، يلاعبه، يداعبه، ويعلمه.

لم يكن سامي نجماً في حياة والده فقط، بل أصبح النافذة التي تطل منها أمه على الحياة، وتتعلق بهذا الأمل الكبير، كي يكبر وتراه رجلاً يرفع رأسها، وتفخر به في كل مكان، كانت تهبه حناناً فياضاً، كما يتدفق الماء من نبع عذب، وكانت تنافس والده في حبه، كما يتنافس العشيقان في حب أحدهما للآخر.

وجاءت العمّة بحب كبير لسامي، حين أقامت في بيت أخيها، بعد أن فقدت زوجها وأبناءها في حادث مروري مروع، ظلت بسببه أرملة وحيدة، جاءت وقدمت كل ما في قلبها من حب كبير إلى سامي حتى أصبح سلوتها فيما تبقى من عمرها، فقد أطفأ سامي نيران أحزانها، وخفّف وحشة وحدتها. وكان سامي من جانبه قريباً من عمته، يحبها حباً جماً، فقد كانت له بمثابة أم ثانية، وظلت هي أحد أطراف الثالوث الذي كون إمبراطورية عائلية تقدم، الحب، الحنان، وكل شيء إلى الطفل المدلل، الذي أضاء النور في ظلام عمته الحالك، وأنقذها من بحر الأحزان الهائج.

في تلك الظروف العائلية السعيدة والمريحة، ترعرع سامي، وأصبح شاباً يبحث عن مكانة بين أقرانه، يساعده في ذلك ما تركه والده له من ثروة، والحب العائلي الكبير، والوضع الإجتماعي المتين. كان سامي شغوفاً بالمطالعة، وترعرعت هواية الطفولة، حتى أصبح صديقاً للكتاب والصحف.

في ربيع عمره، فقد أباه فجأة، فأصيب بصدمة قوية، زلزلت كيانه، وهزت نفسه، لكن أمه إستطاعت بنجاح باهر، أن تجعله يتجاوز الأزمة دون أن تترك أثراً سلبياً كبيراً في حياته، فضاعفت له الحب والإهتمام، ووفّرت له كل شيء، ومارست دورها القيادي في توجيه سامي، لتكون له أباً وأماً في آن واحد.

وبعد عدة شهور، توفيت العمة، وخرجت من دائرة حياة سامي وهو يصارع الأحزان، وخلفه أمه تمنعه من السقوط في هاويتها، بمضاعفة الإهتمام والتضحية والرعاية، حتى أصبحت ذكرى الأب والعمة بالنسبة لسامي، ماض جميل، ولكنه ماضٍ علّمه الأخذ دون العطاء، وإنعكس ذلك في سلوكه، فقد تعود أن يأخذ كل شيء، ولا يقدم أي شيء في المقابل. تعود أن تُلّبى كل طلباته، أو أوامره. تعود أن يقول رأيه دون معارضة من أحد.

ودارت الأيام، وظل سامي كما هو، مفرط الدلال، معتداً بنفسه، بثقافته، بآرائه، لا يحترم الرأي الآخر في أي نقاش، ينظر إلى نفسه بأنه المثقف الأكبر، وصاحب الرأي الفيصل. تناسى دوران السنين وما صنعت من طبقات مثقفة ثقافة واسعة متفتحة تحترم الرأي الآخر، ثقافة لا ترى نفسها فوق غيرها، ثقافة عندها قوة المنطق، لا منطق القوة.

ضاع سامي في هذا العالم الذي لم يستطع أن يثبت وجوده فيه، بدأ يفقد نفسه، شخصيته، مكانته الإجتماعية برصيدها السابق، وتلاشت شخصيته بين أمواج التغيير الإجتماعي، والإنفتاح الثقافي، حتى أصبح رقماً مفقوداً في مجتمعه، غائباً في مؤسساته.

حاول أن يثبت وجوده، ثقافته، مكانته، من جديد، وكأنه يعيش على أرض خالية ليس فيها أحد، وما زال ينظر إلى ذاته من الداخل بشعور الزهو والعظمة، والغرور، والكبرياء. لم يتحمل ان يرى إغتيال دلاله، وتجريح مكانته، وتلاشي أهميته، وفقدان وزنه في الحياة. وفي لحظة غضب، لحظة غاب فيها التفكير، وغاب فيها المنطق والعقل.. إستخدم سامي منطق العاجز، وراح يهاجم من سرق الأضواء منه، وجعله يعيش في زواية حادة، زاوية لا يسمع صداها إلا من رضي بها. واستخدم (الضعيف) سلاح التشهير والتجريح، سلاح العاجز والفاشل، وأخذ يردد الكلمات الجوفاء، والعبارات الفارغة، والألقاب المخزية، التي أسبغها على منافسيه.

لم يستطع عبدالله، صديق سامي المقرب، أن يصمت عن صاحبه وهو يسير في طريق الخطأ أكثر مما فعل، فقرر أن يضع حداً للكبرياء الأجوف، وأن يوقف صديقه من الهبوط أكثر في وحل الهزيمة والفشل والتعامي عن الحقائق.

في إحدى الجلسات الإجتماعية، التي كان يتخللها بعض معارف وأقارب سامي، دخل عبدالله، وسامي يقود النقاش كعادته، وكان نقاشاً فارغاً، وجدلاً عقيماً، وتمادى الصديق في شتم الآخرين، الحاضرين والغائبين، فصاح به عبد الله: إتق الله ياسامي، واعرف من أنت ؟. نظر سامي بإندهاش إلى صديقه عبد الله، الذي واصل توبيخه أمام الحاضرين، بغية تحجيم الغرور المفرط، والعنتريات الزائفة، وسأل:

ـ بأي حق ياسامي، تسمح لنفسك المريضة، وعواطفك القاسية، وضميرك الغافل، أن تصفع باليمين والشمال من تريد؟ بأي حق تغتال الكلمة الطيبة وتحولّها إلى داء يفتك بمجتمعك الطيب؟. إنك تنثر بذور الشقاق في أرضنا، وماذا تتوقع أن تحصد منه، أليس الفرقة، الضياع، العداء، وياللخزي والعار، تنثر البذور وتسقيها بماء غرورك، كي تنمو وتكبر. استيقظ من أحلامك المريضة، قبل أن تُركن في مزبلة الحياة، قبل أن تنضم إلى (كان وأخواتها).

وتابع الصديق بلا توقف، وهو يوجه كلامه لسامي: لقد أثبت لنا أن ثقافتك التي تدعي بها، ثقافة مزيفة، هل هناك ثقافة تدعو إلى الكلمة الرديئة.

تعود سامي أن لا يتنازل، وأن يقاوم، ولكن الحق أقوى من أن يقاوم. حاول إشعار الجلساء بأنه لم يتأثر مما قاله صديقه عبد الله، وازداد عناداً وكبرياءً، وظل يصرخ مهاجماً صديقه الذي انسحب تاركاً نظرات الإحتقار لسامي تملأ المكان.. خرج وهو يشعر بارتياح عظيم، فقد نجح في تحطيم صخرة الغرور الكاذب والبشع.

بعد لحظات من مغادرة عبدالله، تحركت تلك الضمائر الساكنة في أصحاب سامي، فكلام عبدالله مازال يرن في آذانهم، لقد صنع إنتفاضة إنسانية في قلوب الجلساء، جعلتهم يراجعون حساباتهم الخاطئة، وسلبية صمتهم، فقاموا جميعاً ليغادروا المكان وهم يقولون: أنت مثقف مزيّف، نعوذ بالله من علم لا ينفع.

كاتب
358517