قصة قصيرة
البحث عن قطعة الحلوى
جلال العلي * - 15 / 10 / 2007م - 5:28 ص - العدد (3)

الشوارع مليئة بضجيج الناس وهتافاتهم.. السماء محجوبة من تصاعد السنة اللهب، الزوجة (شوقية) ترقب هذا المنظر وبجانبها ابنتها (غريبة)، اقتربت (غريبة) من والدتها (شوقيه) ثم قالت:

ـ أنظري الجماهير تحتفل بعيد الحلوى!

عندما سمعت الأم هذه الجملة غادرت الشرفه غاضبه وهي تقول لابنتها:

ـ أنه العيد السبعون.

فردت عليها ابنتها:

ـ العيد السبعون ونحن لا نزال ننتظر وصول الحلوى الى بيتنا.

ثم انهمرت الأم في الأنفعال على زوجها المتسلط الذي ما يزال يعدهم بالحلوى منذ عشرين سنة، فأوقف هذا الأنفعال الهادر طرق الباب.. توجهت الزوجة (شوقية) لتفتح الباب.

ـ كيف حالك يازوجتي العزيزة؟

فردت شوقية بحزن:

ـ الجيران يحتفلون بذكرى عيد الحلوى!!

الزوج:

ـ شاهدت ذلك.

الزوجة:

ـ ومتى سنحتفل نحن بمثل ذلك العيد؟

الزوج:

ـ في القريب العاجل.

فلما سمعت أبنته (غريبة) قوله في القريب العاجل أقبلت الى أبيها مسرعة:

ـ أحقاً ياأبي؟!

ـ نعم يابنتي.

ـ ضحكت الزوجة (شوقية) بسخرية ثم قالت:

ـ "إن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون".

لم يطق الزوج هذه اللذعات الساخرة فخرج من البيت.

الطرقات لا تزال تتزين بالأعلام واللافتات.. الجماهير تفرقت لتنقل جو الأبتهاج بالحلوى الى منازلها.. أبو غريبة متوجه الى المقهى الشعبي الذي يضم نخبه من جيرانه الأصدقاء.. بعد عشر دقائق من السير على الأقدام وصل الى المقهى، فشاهد حركة الأبتهاج ترتسم في وجوه الحاضرين.. الفرّاش يفتر كالنحلة مسرعاً في تلبية الطلبات.. الزبائن ينتهون من ارجيليه ثم يهرعون الى الأخرى لقد اخجله منظر الناس البهيج فوقف واجماً حتى ناداه أحد اصدقائه:

ـ مالك ياأبا غريبة واجما.

ـ لا شيء.. السلام عليكم.

ـ وعليكم السلام.

فجلس أبو غريبة وأمر الجرسون بإحضار قهوته التركية.. أبو غريبة يحتسي القهوه وعيناه تباشر ملامح صحبه الذين يكتمون حديثاً في أنفسهم ويريدون الفرصة السانحة لعرض ذلك الحديث.. فرغ أبو غريبة من شرب القهوه فبادره أحد جلسائه قائلاً:

ـ هاه، ما رأيك ياابا غريبة في ما رأيت؟

أبو غريبة:

ـ لابأس.

قالها وهو غير مبال في السؤال، فسأله آخر.

ـ لابأس فقط؟

أبو غريبة؟

أبو غريبة..

نعم لأن خضوعكم لأسركم وتلبيتكم رغباتهم في أجتلاب الحلوى يُعدّ ضعفاً في شخصياتكم القياديه، أنتم لا تعرفون كيف تسيطرون على أسركم.

أما أنا فقد رفضت كل الضغوطات من أجل الحلوى ولكنكم.. أحد الجالسين قاطعه:

ـ هكذا إذن. أصبحت القضية جبن وضعف في القيادة.

أبو غريبة:

ـ بل انهزاميه أمام اسركم.

وهكذا صنع ابو غريبه حاجز بينه وبين أصحابه، وبينه وبين أسرته.. يأوي الى البيت ليلاً فلا يجد من يشاطره الليل. ثم يأتي الى المقهى نهاراً فلا يجد من يدير له بالا، حتى قهوته التركية التي اعتاد ان يحتسيها كل صباح تعسّرت عليه فشعر بصراع رهيب، إما أن يستمر على صلابة موقفه فيخسر الأهل والأصدقاء، وإما أن ينزل عند رغبات أهله فيخسر صلابة موقفه.

إذن اصبحت قطعة الحلوى هي المناورة التي يخسر بسببها أو يكسب بسببها. بقي فترة غير قصيرة في هذا الصراع ولقد بلغ هذا الصراع قمته حينما رأى ذات مساء زوجة أحد أصدقائه السابقين تهمس في اذن زوجته وتخرج. لقد تكرر هذا السيناريو فخشي أن هناك انقلاباً اسريا سيدبره ضده. الزوجة كذلك تحاول اشعاره بأن هناك شيئاً ما سيحدث فتارة تقول لابنتها وهو يسمع:

ـ ألا تعلمين ياغريبة بأن كثرة الضغط يولدّ الأنفجار؟

تدارك أبو غريبة خطورة الموقف فجمع زوجته وابنته وقال:

ـ لقد كنت غليظاً معكما فيما مضى ولكن في الأيام القليلة القادمة سأكون ديمقراطياً، وسوف احدث تغيراً على جونا العائلي.

فردت عليه الزوجة:

ـ نعم. سأقوم باجتلاب الحلوى الى منزلنا. سنكون مثل جيراننا. عندما سمعت البنت هذا الخبر قبلت والدها بحرارة وقالت:

وأنا سأقوم بكتابة أنواع الحلوى الجيدة ياأبي.

فاستدرك الأب كلام إبنته.

ـ لا .. أنا الذي سأحدد النوع.

فردت البنت بانكسار:

ـ وكيف يكون عهد ديمقراطي في منزلنا ونوع الحلوى يُفرض علينا فرضاً. إذن القى وعده على العائلة. تسرب الخبر بأن ابا غريبة سيبدأ عهداً ديمقراطياً جديداً في منزله. امتدح الجيران والأصحاب هذا التغير.

أبو غريبة ينتظر فرصة سانحة لتقديم الحلوى للمجلس العائلي. وبعد مضي ستة اشهر قال لأسرته:

ـ الليلة سنحتفل بقدوم الحلوى الى بيتنا.

انتظرت الزوجة شوقية وابنتها غريبة المساء بفارغ الصبر. الساعة تشير الى التاسعة والنصف ليلاً ولم يأت زوجها.. الساعة الآن تقترب من الساعة التاسعة وخمس وثلاثين دقيقة. فعندما اقترب عقرب الساعة من التاسعة وسبع وثلاثين دقيقة دُقّ الباب، الأب يدخل حاملاً على يديه قطعة من القماش يختفي تحت هذه القطعة شيء ما. بادرهم الأب بقوله:

ـ هيا هيا هاتوا السكين لنقتطع جزءاً من الحلوى. رفع قطعة القماش فانبهرتْ الزوجة وابنتها حينما رأت أن القماش يخفي تحته قطعة من الخشب.

الزوجة باستغراب:

ـ ما هذا؟!!!

الزوج:

هذه الحلوى.

الزوجة:

ـ بل قطعة من الخشب!

وهكذا أصّر الزوج على العائلة بأن يطلقوا على هذه الخشبه قطعةً من الحلوى، وشاع في أوساط الجيران أنه لبى رغبة اسرته واحضر لهم الحلوى.

شاعر
371095