دعوة لإنشاء مؤسسات وقفية مدنية
تقي محمد البحارنة * - 15 / 3 / 2011م - 7:01 م - العدد (29)

يعتبر نظام الوقف الإسلامي من أقدم المؤسسات الخيرية الخاصة في تاريخ العالم، ولاشك أنه توجد لدى وزارات الأوقاف ودوائرها في العالمين العربي والإسلامي وثائق وسجلات تاريخية مفيدة فيما يختص بالأوقاف الخيرية سواء من حيث مصادرها أو من حيث أغراضها المتعددة.

وبداً بالعصر الأموي والعباسي، حتى العصور المتأخرة، كانت تُشاد بأموال الأوقاف المستشفيات العامة (البيمارستانات) ودور العجزة والأيتام والكثير من المدارس والمؤسسات الدينية.

ومن يراجع سجلات الأوقاف في البحرين ووثائقها سوف يكتشف ما يدل على سعة التفكير عند بعض الواقفين، أو نقيض ذلك عند البعض الآخر، فمن قبيل سعة التفكير ذلك النوع من الأوقاف التي تتجاوز مع متطلبا هذا العصر وعلى الأخص فيما يتعلق بالمحافظة على البيئة وتمويل الخدمات الاجتماعية والعلمية، ومن قبيل ذلك تلك الأوقاف التي رُصدت للتعليم، وأخرى لتشجيع العلم الذي له أهلية التصنيف من علماء البحرين، والخطيب الذي له أهلية التوجيه والإرشاد، بل أنه وجدت بعض الوقفيات مخصصة لصيانة الطرق وإزالة الحصى من دروب المسلمين.. وأخرى لحفر العيون وآبار الماء وإرواء السابلة.. وما شابه ذلك.

وكل ما تقدم ذكره يتعلق بالجانب الإيجابي من الوقف، إلا أن هناك جوانب سلبية كثيرة منها ما يتعلق بتخصيص الوقف في حدود ضيقة تبعاً لنص الوقفية، ومنها ما يتعلق بـ"الولاية" على الوقف، ومنها ما يتعلق بالإدارة وحرية التصرف في الأوقاف.

ويمكن أجمال تلك السلبيات في عدد من النقاط والملاحظات فيما يلي:

1- أن جميع الوقفيات العينية أو معظمها تقريباً لابد وأن تحمل هذا النص أو ما شابهه: "وقفاً مؤبداً وحبساً مخلداً إلى أن يرث اللَّه الأرض ومن عليها. ثم الآية الكريمة: ﴿فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ إِنَّ يُبَدِّلُونَهُ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ[1] ".

ومن واقع التجربة التطبيقية نرى أن هذا النص يقف عائقاً أما تحقيق الفائدة المرجوة لدى الواقف من العين الموقوفة، كما تدل على ذلك الأمثلة التالية بالنسبة للوقفيات الأكثر انتشاراً.

وبموجبه يرصد الواقف منزلاً أو بستاناً أو أرضاً أو عقاراً من أي نوع؛ ليكون العقار أو الدخل موقوفاً على أفراد ذريته، وفي هذه الحالة قد تستفيد الذرية لاسيما المحوجين منهم بتوفير السكن في بداية الوقف إلى أن يكثر العدد بمرور السنين وتتضاءل حصص الورثة ومن يرثهم فيه، ويكون ذلك مدعاة لنشوء الخلاف ثم النزاع والتخاصم.

أما العين الموقوفة فتتعرض للإهمال فتتصدع أو تنهار بمرور الزمن ويتفتت نصيب الورثة فيها حتى تنتفي الفائدة المرجوة.

والمثال الثاني: وقف المساجد والمآتم ودور العبادة وقد يكون ثاني أكبر أغراض الوقف التقليدي، وكثيراً ما يحدث -نتيجة للتطور العمراني ونشوء مدن جديدة- أن تبتعد تلك المساجد عن موقع الكثافة السكانية فتصبح مهملة على جوانب الطرق، أو عقبة أمام شق الطرق الجديدة، وتبقى الأموال المخصصة لها محبوسة عليها.

وفي المقابل توجد أوقاف لمساجد ومآتم توصف بأنها: "غنية" بسب التطور العمراني وارتفاع حصيلتها من الإيجار بسبب الموقع، ثم تتراكم المبالغ الزائدة عن مصرف الموقوف له، ولا تستطيع إدارة الوقف والتصرف في الأموال الزائدة لصرفها في المشاريع الخيرية لكونها محبوسة على ذات الوقف.

وفي أحسن الحالات التي بذلت فيها إدارة الأوقاف جهوداً كبيرة لاستصدار فتاوى شرعية لم يسمح بالتصرف في تلك الأموال إلا في وجه واحد هو تقديمها كقروض لاستصلاح أوقاف أخرى ثم استعادتها من دخل المستصلح منها، ومع ذلك فقد اعتبرت هذه الخطوة بادرة إيجابية مفيدة من قبل إدارة الأوقاف السابقة، لكنها ظلت عاجزة عن تلبية المطلب الاجتماعي الملح بإنفاق المال الزائد على مشاريع خيرية عامة أو التبرع بها لنفس الغرض، وذل بسبب النص الصريح في تلك الوقفيات، واللوم هنا لا يقع على الإدارة وإنما على نص الوقفية.. اللهم إلا إذا أذنت الفتوى الشرعية خلاف ذلك وهو أمر غير محتمل في أغلب الأحوال.

لكل تلك الأسباب، نلاحظ أن إدارة الأوقاف الشرعية لا تستطيع -رغم ضخامة الموارد المالية المتوفرة تحت إدارتها- أن تمدَّ يد المساعدة لمشروع خيري، فضلاً عن أن تباشر بنفسها تأسيس أو تمويل مشاريع خيرية ليس لها أملاك موقوفة عليها، وحتى لو وجدت أوقاف لمشاريع خيرية عامة بلا تخصيص، فإن حصيلتها تكون في الأغلب قليلة نظراً؛ لانصراف معظم الواقفين عن هذا النوع.. إما بسبب ضيق التفكير أو عدم انتشار الوعي، أو ربما عدم الراحة النفسية لديهم لتفويض أمر صرف الأموال الوقفية إلى مجالس إدارة الأوقاف.

ولمعالجة هذا الوضع، فإن أمام إدارات الأوقاف لدينا مسؤولية توعية الجمهور ومحبي أعمال الخير بكافة الطرق المتاحة (خطابياً وإعلامياً، واستصدار الفتاوى الشرعية) وذلك بهدف تشجيع الوقف الخيري للنفع العام دون تخصيص؛ لكي تساهم إدارات الأوقاف في المشاريع الخيرية في مجال التعليم والتدريب والصحة والإسكان إلى غير ذلك.

هو أمر أصبح أكثر إلحاحاً اليوم بسبب تراكم المشاكل الاجتماعية وتفشي البطالة، وفي العهد الميمون للإصلاح الشامل، أصبح من اللازم إجراء تطوير ملموس في أنشطة إدارات الأوقاف وتنويع مصادرها وطرق مساهمتها في تحقيق التقدم الاجتماعي.

المؤسسات الخيرية ودورها

تعتبر الصناديق الخيرية المنتشرة اليوم في أنحاء البحرين الرافد الأساسي للأعمال الخيرية، وهي تضطلع بدور أساسي مهم في توجيه التبرعات والصدقات للصرف على الأعمال الخيرية.

والمشكلة التي تواجهها تلك الصناديق والجمعيات -إذا صرفنا النظر عن مشاكل الإدارة، والوسائل، والأهداف- هي قلة الموارد المالية لديها، فهي تعتمد على رسوم اشتراكات الأعضاء والتبرعات التي تصلها، كما أنها لا تملك مصادر مالية متجددة ذاتياً، فهي تصرف بقدر ما يصلها من إيراد.

ومن المعروف أنه في بلدان العالم الحديث، توجد مؤسسات خيرية تعتمد على مصادر ذاتية متجددة، وهي أيضاً تُسمى بمؤسسات خيرية لتمييزها عن الصناديق الخيرية.

وتنشأ تلك المؤسسات الخيرية حين تقوم جهة ذات قدرة مالية كبيرة، أو مجموعة من الجهات والأفراد من مُحبي الخير، بتخصيص مبالغ كبيرة من الأموال أو الأملاك القيمة لإنشاء مؤسسة للأعمال الخيرية وتسجيلها لدى كاتب العدل وتكوين إدارة تكون مسئولة عن تحقيق أغراض المؤسسة، والمحافظة على استمراريتها واستمرار مشاريعها وأعمالها، فهي ليست وقفاً شرعياً يدار من قبل الأوقاف وإنما هي وقف خيري ذو صفة مدنية، يتم تسجيله كمشروع مؤسسي، ومن أمثلة ذلك في العالم مؤسسة فورد الخيرية، ومؤسسة روكفلر، وفي البرتغال مؤسسة كولبنكيان المشهورة، وفي بريطانيا مؤسسة (ولكام) التي تملك وتدير مشاريع ومنتجات تجارية وصحية كبيرة مخصصة أرباحها للمشاريع الخيرية.

ومن هنا نشأت منذ بضع سنوات لدى عدد من رجال الأعمال ومحبي الخير فكرة إنشاء مؤسسة للمشاريع الخيرية، وهي فكرة لم ترَ النور حتى الآن، ولكن ذلك لا يمنع من استمرار المحاولة لإنشاء رافد جديد للأعمال الخيرية، حيث تتبنى هذه المؤسسة إنشاء مشاريع اقتصادية ذات جدوى في المجالات الصناعية والاستثمارية والخدمات وغيرها.. وتخصيص أرباحها للصرف على أعمال الخير وامتصاص العمالة الوطنية وتدريب القوى العاملة، والمساهمة في شئون الصحة والتعليم وغيرها.

ومثل هذه المؤسسات يكون شعارها "ساعد نفسك" فهي تدرس الأسباب والعقبات التي تحول بين شخص ما والحصول على عمل مجزي، أو الترقي في ذلك العمل، وهي تقوم بتذليل تلك الصعوبات، سواء عن طريق التعليم أو التدريب أو العلاج أو تزويد الحرفيين بالأدوات والمواد؛ للإبداع في حرفهم أو أعمالهم.

إن سياسة المؤسسة تقوم على أساس مساعدة الفرد على كسب عيشه بنفسه ليتحول من عاطل إلى شخص منتج، ولا شك أن هذه القاعدة هي أساس نهوض المجتمعات وازدهارها.

وفي الختام أرجو أن أكون قد استطعت إعطاء هذه الفكرة العامة الموجزة حول ضرورة تطوير أسس ومفاهيم العمل الخيري بدء بدوائر الأوقاف مروراً بالصناديق والجمعيات الخيرية.. وانتهاء بجدوى إنشاء مؤسسة للمشاريع الخيرية تقوم على مفاهيم حديثة متطورة مع العصر وحاجات المجتمع المتجددة.

[1] سورة البقرة، آية 181.
أديب
375201