اللهجات المحلية في الخليج اللهجة في القطيف مثالاً (8)
السيد شبر علوي القصاب * - 15 / 3 / 2011م - 7:11 م - العدد (29)

فـك الإدغـام:

هو وسيلة لإيجاد معان جديدة[1] ، ويحدث عادة في كلمة واحدة، والحرفان المفكوكان من جنس واحد؛ على عكس الإدغام فإنه قد يحدث في كلمتين متجاورتين، وفي حرفين مختلفين، ويتم في اللهجة بأكثر من طريقة، يحضرني منها ثنتان:

(1) الطريقة الأولى: بإبدال أحد حرفي التضعيف حرفاً آخر، وتسمى هذه الظاهرة عند علماء الأصوات: (بقانون المخالفة)، وهو القانون الذي يعمد إلى صوتين متماثلين تماماً في كلمة من الكلمات فيغير أحدهما إلى صوت آخر يغلب أن يكون من أصوات العلة الطويلة، أو من الأصوات المتوسطة، أو المائعة المعروفة، وهي: اللام، والميم، والراء، والنون[2] ، وقد نبه اللغويون العرب على مثل هذه الظاهرة، فعقد سيبويه لها باباً، سماه: (باب ما شذ، فأبدل مكان اللام الياء لكراهية التضعيف، وليس بمطرد)[3] . كما علل اللغويون سبب الإبدال بقولهم: (هروباً من اجتماع الأمثال، أو هروباً من التضعيف، أو كراهية اجتماع حرفين من جنس واحد)[4] ، وفك الإدغام والتعويض بالنون شهير في العربية، فضمير المخاطب المنفصل: (أنت) وأخوته هو: (أَتَّ) في سائر اللغات السامية، وقد ورد فك الإدغام في ألفاظ كثيرة مثل: (قُبّرة): فينطقونها (قُنبرة)، وكقولهم: (حنجرة)، و(سنبلة)، و(دملة)، وقولهم: (جندل) من: (جدَّل)، و(قنطر) من: (قطَّر)[5] ، وكانت عبد القيس تقول للرُز: (الرُنز)، كرهوا التشديد فأبدلوا من الزاي الأولى نوناً[6] .

ومما جاء في اللهجة من هذا الباب: (فگَّش) التي تصير: (فنگش)، ومنه: (حِندس)، و(جِندب)، و(چَندس)، و(چَنبح)، و(خَنزر)، و(طَنبر)، و(طَنبز)، و(كَنفش)، و(حَندب) إلخ، وهو ظاهرة محدودة بكلمات محفوظة حفظاً سماعياً متوارثاً. وربما كانت: (عِنْچِـوانة)، و(تعنگل)، و(عَنْفص)[7] ، من هذا الباب، كانت في الأصل: (عِچِّوانة)[8] ، و(تَعـگََّل)، و(عَفَّص)، فك الإدغام بإدخال النون، وأدخلت اللاحقة (الواو)، و(النون) للتصغير (في الأولى) فصارت بالشكل المتقدم.

ومن المحتمل جداً أن تكون صورة الفعل (أمبي) بمعنى: (أبغي) بالياء في لهجة (سيهات، وعنك (العليوات)، و(أمبى) بالألف المقصورة في لهجة الحاضرة وما شاكلها في لهجتها من النواحي، مع تفخيم الميم والباء قليلاً في الثنتين، و(أمبى) بترقيق الميم والباء والألف المقصورة في لهجة القديح، والآجام، والعوامية، والخويلدية، والتوبي، وصفوى من هذا الباب؛ كانت في الأصل: (أبِّي)، و(أبَّى)، ثم فك الإدغام بإدخال النون مكان أحد التضعيفين فصارت: (أنبي)، و(أنبى)، ولما كانت النون ساكنة بعدها باء تحولت بالإقلاب إلى ميم فصارا: (أمبي)، و(أمبى)، وقد ذهب الدكتور إبراهيم السامرائي إلى أن الياء في قول العرب: (تظنيت) بدل أحد التضعيفين[9] ، وأن الأصل: (تظننت) لأنه من الظن، وتابعه في ذلك الدكتور مناف الموسوي[10] ، وممن سبقهم من المتقدمين إلى هذا الرأي ابن السكيت[11] .

ومع احترامي لمن سبق ذكرهم أقول: إن هذه الياء لو كانت بدلاً عن أحد حرفي التضعيف لفتح أحد هذين الحرفين، وسكن الثاني بعد فك الإدغام، كما هو حاصل مع النون الداخلة بدلاً عن أحد حرفي التضعيف كما في كلمتي: (حِدِّس)، و(جِدِّب) اللتين صارتا بعد إحلال النون محل أحدهما: (حندس)، و(جندب)، فيصير الحال مع الفعل (ردَّ) عند الإسناد إلى تاء الفاعل تبعاً لهذه القاعدة: (رَدَيْتُ)، ولكننا نجد أن التضعيف بقي على حاله حتى مع وجود هذه (الياء) التي قيل إنها بدل حرفي التضعيف، أو بمعنى آخر تلك التي قيل إنه جيء بها لفك الإدغام أو التضعيف كما سبق بيانه في الحلقة الثانية من هذا البحث، وأما ما جاء بفك الإدغام بالراء فمنه قولهم: (متحرمص)، و(متحرجم)، أو (متحريم)، والأصل: (متحمص)، و(متحجم).

وقد أسفر الاستقراء أنه لا توجد كلمة تتداول بصورتها الأصلية، وصورتها الناشئة عن فك الإدغام بالنون في محيط واحد بنفس المعنى، ونعني بالمحيط الواحد: لهجة ناحية من نواحي الواحة نفسها، فإما أن تكون المتولدة عنه تختلف عن الأصلية في المعنى، وإما أن تكون الأصلية ليس لها معنى أصلاً في نفس هذا المحيط، إلا أن يكون المحيطون متغايرين، كـ: (تُمُّرة) التي تنطق في بعض النواحي كالقديح (مثلاً) بصورة: (تُمْبرة). نعم قد يكون لبعضها معان في اللغة لكن هذا ليس مكان الحديث عنه، لأن المعول على ما كان له معنى في هذا الباب في اللهجة؛ فـ: (فَدَّخ و(حِدَّس)، و(جِدَّب)، و(صَگَّّر)، و(حَبَّصيص)، و(چبَّح)، و(چَدَّس)، و(تخچَّر)، و(عكر) المدغمة لا معنى لها، (ماعدا الأخيرة فمعناها حادث، ولم يكن معروفاً من قبل، بينما صورها الناشئة عن الفك لها معنى، فـ: (فَنْدخ): سمِن وامتلأ شحماً، و(حِنْدِس): الليلة الظلماء الحالكة السواد، و(جِنْدِب): اسم حشرة، و(صَنْگر): اشتدت حرارته ووصل إلى درجة الالتهاب، و(حَنْبصيص) من النباتات البرية، و(چنْبَح، وچنْدَس) وكلاهما تعنيان: ارتخى على هيئة الراكع، و(تخنچر): انعزل، ولزم مكانه حابساً نفسه على وضع أو جهة معينة، بينما (طبَّل) تعني: دق على الطبل، و(طبَّر): جمع وكدس بدون حصر وترتيب، (صبَّر): من الصبر، وتأتي بمعنى: سلف، و(فگش) (فقس): خرج من البيضة، أما (طنبل): انتفخ، و(طنبر): تحامق بعد تعقل، وتغضب، مثلها طنگر، و(صنبر): احترق، و(فنـگش): مات. باستثناء بعض المفردات التي قد يكون لها بعض التشابه في المعنى بين الصورتين: الصورة المدغمة، والصورة المفكوكة، مثل: (خفس) بمنزلة: (فشِّخ) بمعنى: عَوَّجه، وبَعَّجَه بالضغط عليه، أما: (خنفس) فتعني: قطب وجهه حنقاً وغيظاً، و: (صفَّر) فتأتي بمعنى: لمع، ونظف القدور، في حين أن: (صنفر) المفكوكة عنها فهي محدثة في اللهجة بنفس المعنى، ولم يكن لها معنى من قبل.

(2) أما الطريقة الثانية: فبالفصل بين المدغمين دون إدخال حرف آخر، وتختلف هذه الطريقة عن الأولى، وذلك أن الصورة الجديدة المنبثقة عنها لا زالت تحمل شيئاً من المعنى من الصورة المدغمة التي هي أصل لها، ولا علاقة لفك الإدغام بالهروب من التقاء الساكنين، أي إن الإدغام لم يفك هروباً من تلك الحالة، وإنما لتوليد صورة جديدة قريبة منها فيها شيء من معناها، لكنها تتفوق عليها بزيادة المعنى، كالتكثير، أو التكرار، أو الاستمرار، أو التصنع الكاذب كما في: (طب)، (لز)، (دز)، (فر)، (تعزز)، (تحـچَّ)، (خدَّ)، التي صارت بعد فك الإدغام: (طابب)، (لازز)، (دازز)، (فارر)، (تعيزز)، تحوچچ، (خودد)، ويلحق بهذا الباب ما فك ادغامه لنقله من حالة إلى أخرى مثل: (ضرّ)، و(درّ)، و(بلّ)، و(خلّ)، التي صارت بعد فك الإدغام: (ضرر)، (درر)، (بلل)، (خلل). كما أن الحروف الزائدة في المجموعة الأولى ليس لها علاقة بفك الإدغام، وإنما لاستمرار المعنى، والمشاركة في الصورة الحادثة، إذ بدونه تفقد القيمة المعنوية، وبالتالي تسقط من التداول لعدم جدواها، وللتدليل على ذلك حينما نورد عدداً من الأمثلة مجردة من الألف مثل: (لزز)، (عزز)، (حبب)، ونرى ما يكون من أمرها، هل نجد لها قيمة معنوية في اللهجة؟ لاشك أنك ستقول: كلا. لا أرى لها إفادة في المعنى. ولا تعرف بعضها بعض اللهجات العربية كاللهجة المصرية إلا بصورتها المفكوكة التي تفيد اسم الفاعل، كما في: (دازز)، و(شادد).

أما عندنا فتفيد فعلاً ماضياً إذا جاءت على وزن (فَاعَل)، أو (فعل أمر) إذا جاءت على وزن: (فَاعِل)، وكلاهما يفيدان المشاركة كما تقدم، أو التشبه الكاذب إذا سبق الحرفين المفكوكين ياء، أو واو، وبعض الصورة المفكوكة ليس لها في اللهجة معنى، مثل: (حاسس)، و: (حالل، و:(فالل)؛ أما المجموعة الثانية فتفيد الاسمية، وقد تفيد المصدرية.

الحذف للتسهيل والتخفيف

التسهيل: هو نوع من أنواع التخفيف المقررة في علم الصرف[12] ، وهم يفعلون ذلك ما وجدوا داعياً إليه، وقد تقدمت نتف منه في أماكن متفرقة، عند الحديث عن (تسهيل الهمزة، والنحت، وغيرهما، ونضيف هنا بعض ما لم يذكر فيما تقدم مما هو حادث عند العرب القدماء؛ فمن العرب من يبدل الهمزة المفتوحة إذا كانت منفصلة ـ أي بين كلمتين ـ إلى لفظ ما قبلها ويدغمها فيه، ويسمونه (التخفيف البدلي)، فيقولون في: (أو أنت): (أو نت)، وفي (أبو أيوب): (أبو يوب)، وهكذا.فإذا كانت الهمزة المنفصلة مكسورة أو مضمومة فأهل التخفيف لا يدغمونها فيما قبلها بل يقولون في نحو: (أحلبني إبلك): (أحلبني بلك)، وفي نحو: (هذا أبو أمك): (أبو مك)، فيلقون حركة الهمزة على ما قبلها[13] ، فذلك كما ترى قريب من لغاتنا العامية، وأقرب منه أنهم يحذفون الهمزة بعد المتحرك المبنى ويلقون حركتها عليه، فيقولون في نحو: (قال إسحاق): (قال سْحاق)، و(قال أسامة): و(قالُ سْامة)[14] . وفي ذلك يقول سيبويه: (واعلم أن كل همزة متحركة، كان قبلها حرف ساكن، فأردت أن تخفف حذفتها، وألقيت حركتها على الساكن الذي قبلها، وذلك قولك: (مَنَ بُوك)، (مَنَ مُّك)، (كمِ بِلك)، إذا أردت أن تخفف الهمزة من (الأب، والأم، والإبل)[15] ، ومن شواهده في اللهجة عندما يتوعد شخص آخر ويتحداه يقول له: (مِنُ مُّك تگدر عليي). ومثل ذلك (والكلام لسيبويه أيضاً): قولك: (ألحمر)، إذا أردت أن تخفف ألف الأحمر، ومثله قولك في: (المرأة): (المرة)، و(الكمأة): (الكمة)[16] .

وكذلك يحذفون الهمزة إذا كانت أول كلمة وكان آخر الكلمة التي قبلها ألفاً، وفي هذه اللغة: إن كان ما بعد الهمزة حرفاً ساكناً حذفوا معها الألف التي قبلها لئلا يجتمع ساكنان، فإن لم يكن ذلك أبقوا الألف وحذفوا الهمزة وحدها، فيقولون في نحو: (ما أحسن زيداً): (محسن زيداً)، وفي (ما أشد عمراً): (ما شد عمراً)، يبقون في هذا المثال الألف التي قبل الهمزة لأن ما بعدها متحرك وهو (لشين)[17] ، ومن شواهده في الأقوال السائرة في الواحة: (ما خس من لحمار إلا المنفلت، (المنحاش)، و(محلاه ما ياكل محلاه ما يشبع)، أي: (ما أخس)، و(ما أحلاه)، ويلحق به همزة القطع بعد واو العطف المبدوء بها الاسم كما في: (وولاده)، أي: (وأولاده).

وقد حدث مثل هذا التخفيف للفعل (استحيا) فصار: (استحى)، وقد ذكر أبو الحسن الأخفش أن (استحي)، بياء واحدة، لغة (تميم)، وبياءين لغة (أهل الحجاز)، وهو الأصل، ويبدو أن تطور الصيغة عند (بني تميم) بسبب خشية توالي الأمثال في صور إسناد هذا الفعل إلى ضمائر الرفع المتحركة في مثل: (استحييت)، فحذفت إحدى الياءين فصارت: (استحيت)، وخرج من هذا الماضي المجرد من الإسناد (استحى)[18] . وفي ذلك يقول سيبويه: وكذلك (استحييت) أسكنوا الياء الأولى منها كما سكنت (بعت)، وسكنت الثانية؛ لأنها لام الفعل فحذفت الأولى لئلا يلتقي ساكنان، وإنما فعلوا ذلك حيث كثر في كلامهم[19] ، وعلى لهجة تميم وبكر بن وائل، قرأ ابن كثير، وابن محيصن، ويعقوب:(يستحي) من قوله تعالى: ?إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضة?[20] . والصورة السائدة في اللهجة هي الصورة ذات الياء الواحدة، ومن شواهدها في الأقوال السائرة: (چلممة اللي تستحي منها بدها)، و(اللي ما يستحي يستحوا عنه). ويلحق بهذا الباب حذف الياء من حرف الجر (في) حين جر بعض الأسماء المعرفة بأل بها، نحو قولهم السائر: (رجول فِالشام، ورجول فعمان)، أي: (في عمان)، وحذفها في بعض غير المعرف بأل، كما في قولهم السائر: (الزبدة فراس الشيطان)، أي: (في راس).

وخذ معك حذف الياء من حرف الجر (في)، و(همزة الاسم) كما في الحزَّاية (الأحجية المشهورة) عن الحناء: (أخضر في السوگ أحمر فمُّك)، أي: في أمك، وقولهم في تحية الوداع: (فمان الله)، أي: (في أمان الله)، وقس عليه حذف نون (من) الجارة في بعض المواضع كما في قولهم السائر: (غاب زيد حضر عمْرو امبداله)، وقولهم: (هذا امبدال)، و(امال الله)، أي: (من بدال)، و(من مال الله)، وكذا حذف نون (عِند) عند إضافتها لضمير المتكلمين، والمخاطبين، والغائبة، والغائبين نحو: (عِدْنا)، و(عِدْكم)، و(عِدْها)، و(عِدْهم) (قد تظهر النون قليلاً في الأخيرتين على استحياء)، ولم أوفق في الوقوف حالياً على أصل لهذا الحذف فيه عند العرب، وانما وقفت على مشابه له في (مُِنذ) التي تحولت إلى: (مُِذ)، ومثل ذلك حذف همزة الأسماء المسبوقة بياء النداء إذا عدت همزة وصل، وكذا الألف من ياء النداء كما في: (يحمد)، أي: (يا أحمد)، ويلحق به حرف النداء مما كان المنادى مما يبدأ بالساكن، كما في: (يحسين)، أي: (يا حسين)، ولا تحذفان إذا عدت همزتها همزة قطع نحو: (يا أعمى)، (يا أخضر).

الميل إلى تحريك الثلاثي ساكن الوسط

وهي ظاهرة فصحى قبل أن تكون ظاهرةَ لهجة؛ وليس له مبرر إلا وراثة الأمثلة بالسماع، صحيح أن الميل للاقتصاد في المجهود العضلي، وطلب الخفة، وسهولة النطق أمر مندوب ومحبوب في كثير من المواطن، وبالذات في هذا الموطن، لكننا لا نجده مطَّردًا، فقد جاءت في اللهجة ألفاظ كثيرة ساكنة الوسط، على ما في المقاطع المتوالية الساكنة من ثقل، ولاسيما عند التقاء الساكنين، ومنهم من احتمل توالي ثلاثة مقاطع كما في: (نفسك)، وهي لهجة أهل سيهات، وإن كانوا يحركونها أحياناً، ولعل لوراثة هذه المفردات بهذه الصورة، أي: بالصورة الساكنة أيضاً، وتوطين النفس على هذا الثقل دخلٌ في ذلك.

وأكثر الأمثلة التي يخضع وسطها للتحريك ما جاء منها على وزن: فِعل وفُعل، وفَعل، ولاسيما إذا كان هذا الحرف حلقيًّا (كبحر)، و(نهر)، أو مما بدئ بحرف مفخم مستعلٍ، ويندر أن يحرك ما كان وسطه باءً أو ميماً، كما في (خبز)، و(تمر)، و(جمر)، إلا في ألفاظ قليلة: كـ(جبن)، و(تبن) في لهجة الغالبية، وتنفرد بعض النواحي بتحريكه فيقولون: (سَبِع)، (رُبُع)، (خُبِز)، وهي لهجة (أم الحمام)، وتشاركها (سنابس) في الأخيرتين، و(خِبِز) (بكسر الخاء، وترقيق الباء) (وهي لهجة الجش)، والغالب على ذوي الانتماء القبلي التحريك زيادة عما في لهجة الغالبية.

وقد فعلت العربية ذلك هرباً من احتمال التقاء الساكنين، إذ يلتقي في بنية الكلمة الواحدة الثلاثية الساكنة العين ساكنان: العين واللام، لأن أواخر الكلمة سواكن، إذا لم تدخل هذه الكلمات في جمل، أو وقف عليها، كما تقول: (فخذ) بإسكان الخاء في (فخذ) المكسورة الخاء، وفي (خزانة البغدادي) أن الفعل الذي عينه حرف حلق، وكان على فعل بكسر العين فلك فيه أربع لغات كالحال في (فخذ)، وفي الاقتضاب جواز تخفيف عين فعل مضموم العين، ومكسورها[21] . كما اشتملت بعض المعجمات وكتب اللغة على كلمات كثيرة بإسكان صوت الحلق، مثل: (نهْر)، وتحريكه (نَهَر)[22] ، وهي لهجة بني عقيل، على ما ذكره (ابن جني) (ت 392هـ) في كتابه (المحتسب)، إذ روى أن مذهب الكوفيين في مثل: الزهر، والنهر، والشعر، والبحر، والصخر، أن يحرك الثاني لكونه حرفاً حلقياً، ومال إلى هذا الرأي، معارضاً أصحابه البصريين، وقال ما نصه: (وما أرى القول من بعد إلا معهم، أي: (مع الكوفيين)، والحق فيه إلا في أيديهم، وذلك أنني سمعت عامة عُقيل تقول ذلك ولا تقف فيه، سائغاً غير مستكره، حتى لسمعت الشجري أبا عبد الله (وهو عُقيلي)، يقول: (أنا محَموم)، بفتح الحاء، وسمعت جماعة منهم، وقد قيل لهم: (قد أقيمت لكم أنزالكم) (جمع نزل)، وهو ما هيىء للنزيل) من الخبز، قالوا: (فاللحَم)، يريدون: (اللحْم)، وفي موضع آخر قال معلقاً على قولهم: (الصخْر)، و(الصخَر)، و(النقْل)، و(النقِل) (كما يقول أهل الخليج): وأنا أرى رأي البغداديين، أن حرف الحلق يؤثر هنا من الفتح، أثراً معتداً متعمداً، فلقد رأيت كثيراً من عُقيل لا أحصيهم، يحرك ذلك ما لا يتحرك أبداً لولا حرف الحلق)[23] ، وعلى هذه اللغة وردت كلمة: (نَهَر) في قوله تعالى: ?إنَّ الْمُتَّقِيْنَ فِيْ جَنَّاتٍ وَنَهَرْ?[24] ، وفي قوله تعالى: ?وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا?[25] ، وقوله تعالى: ?إنَّ اللهَ مُبْتَلِيْكُمْ بِنَهَرٍ?[26]  محركة الهاء بالفتح.

ولا يقتصر هذا التحريك في اللهجة على ما كان وسطه حرفاً حلقياً، بل قد يحركون معظم الحروف الساكنة وسط الكلمة الثلاثية مثل: (رسِم)، (بدُر)، (مصُر)، (خَشِم)، (نَجِم)، أو (نْجِم)، كما في كنايتهم المشهورة: (وري نْجِم)، وتختلف صورة الكلمات المحركة من ناحية لأخرى، فمنهم من يحرك وسطها بالفتح كما في: (بَحَر) التي ينطقها (أهل سنابس، والزور، ودارين، وغيرهم) بفتح الحاء، على حين ينطقها (أهل الحاضرة، وتاروت، وغيرهم) بالضم (بَحُر)، وربما كان الفتح فيها هو الأصل، ولكن لتأثير حرف الراء المستعلي على لسانهم مالوا إلى تحريكها بالضم.

ومن نوادره في اللهجة: تحريك الخاء من لقب السادة (آل الشخُص) الكرام سكنة القارة من الأحساء، لأنهم نقلوا صورته من منبعه هكذا، غير أنهم ينطقون شينه بكسرة مائلة نحو الضمة: (الشُِخُصْ)، لاعتقادهم أنها كذلك، بينما هي في الأصل بالفتح، أما (الشخص) بمعنى: أي شخص فهي مفتوحة الشين ساكنة الوسط. وعن التحريك بشكل عام يقول (ابن جني) في (المحتسب): ما سمع فيه (فُعْل) بضم الفاء وإسكان العين، إلا وسمع فيه (فُعُل) بضم الفاء والعين[27] ، وقد عزيت هذه الصيغة في مواضع كثيرة إلى (أهل الحجاز)، وعزيت أيضاً إلى (أهل تهامة)، وهم مجاورون لأهل الحجاز[28] ، وعلى الصيغة الحجازية قرأ (نافع)، و(ابن كثير)، و(ابن عامر)، و(حمزة)، و(عاصم): (خشب) من قوله تعالى: ?وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خُشُب مسندة?[29] .

ومن الجدير بالذكر أن ساكن الوسط إذا أضيف إلى ضمير يتحرك معه آخر المثال فإن وسطه يبقى على سكونه، كالمضاف إلى ضمير المفرد المتكلم، والمخاطب المذكر، والمخاطب المؤنث، والغائب، فيقال: (صبْري)، و(صبْرك)، و(صبْرش) (صبْرتس)، و(صبْره)، وقد يحرك مع الضمير الثاني، عند من يؤثر عنهم اسكان الوسط في المضاف إلى هذا الضمير مثل: (سيهات). وكذلك يسكن مع المعرف بأل، ولا يسكن إذا كان المضاف إليه نكرة، إلا إذا كان مما بديء بهمزة وصل، أو مما بدء بالساكن، لأن سكونه أشبه بهمزة الوصل.

وملاك الأمر أن هذه المقاطع تزحزح آخر الكلمة الأولى عن مستقره فتعين الناطق أن ينطلق بالكلمتين دفعة واحدة؛ مما يغنيه عن تحريك الوسط. كما أن المبدوء بالساكن كـ: (گْدر) في لهجة البعض يجعل النطق بمقاطعه الثلاثة المتوالية ساكنة أمراً مستحيلاً، لذا يتحتم تحريك أحدها، فإذا كان الأول والثاني ملازمين للسكون، فلم يبق إلا أن يحرك الأوسط، أما الذي قلبت فيه الحركة فحول ما على الأول على الثاني، وعكسه، كما في: (صْخَلة) في لهجة ذوي الانتماء القبلي فقد أتيح فيه تحريك الوسط بشكل تلقائي، ولذا فإنه لا يعد من هذا الباب، وإنما أدخلته هذه الظاهرة في زمرة الأمثلة التي من هذا الباب.

التشديد في موضع التخفيف

وهو ليس ظاهرة عامة، وإنما في مواضع متوارثة فرضتها طبيعة تعود لسان العامي على الضغط على المقاطع الوسطى من الكلمات، وخير دليل على ذلك أنك قلما تجده في المواضع المتطرفة من الكلمة، ومن أمثلة هذه الظاهرة: (الدخَّان) كما في قولهم السائر: (عين العورة ليها الدخِّان)، ومن الطريف وقوعه في بيت الشاعر العراقي المعروف السيد جعفر الحلي الآتي:

لا تتلون النازعات علي بل

أكثر علي بسورة الدخَّان[30] 

يريد (الدُخَان)، مختاراً الصورة المتداولة عند العامة.

وقد وقع مثل هذا لبعض أمثلة صيغة الجمع: (فُعُل)، و(فِعْل) فتحوَّلت إلى وزن: (فِعَّل)، و(فُعَّل): مثل: (عِتّگ)، (جِدَّد) (يِدَّد)، (حِفَّي)، (گِـدَّم)، (نِظَّف)[31] ، ونون حرفي الجر (عن)، و(من) المجرور بهما (كاف) المخاطب، و(شين، أو چاء) المخاطبة، أو (هاء) الغائب، فتحول إلى: (عنُِّك)، و(منُِّك)، و(عنِّش) (عنِّچ)، و(منِّش) (منِّچ)، (عنِّه)، و(منِّه)، والشاهد له في الأقوال السائرة: (بالك عنِّه لا تعرگل له). كما وقع لنون المتكلمين المسند إليها بعض أمثلة الفعل المضارع المسند إلى واو الجماعة كما في (يشيلونَّا)، والفعل (ينفعونا)، وماضيه: (نفعونَّا)، ولكنهم قد يحذفون النون ويتخلون عن التشديد عندما يرغبون في الخفة والمجهود العضلي، وكذا الفعل الماضي المعتل بالألف المقصورة المسند إلى هذا الضمير، كما في الفعل: (ودَّى) (أدَّى) الذي يصير: (ودَّونَّا)، ولكن الغالب هو الحذف للتخفيف: (ودونا).

ورب قائل يقول: كيف تعد التشديد الحاصل في هذا الموضع طارئاً، وهو ربما يكون ناتجاً عن إدغام نون الجماعة في نون المتكلم؟ أقول: قد يصح ذلك لو كان عند من يثبتون النون مطلقاً، فإذا كان عند من يحذفون النون مطلقاً فمن أين أتى التشديد، والنون الثانية محذوفة؟ اللهم إلا إذا كانوا يعيدونها في مثل هذا الموضع ليحدث الاتفاق مع من يثبتون النون، وكذا بعض أمثلة الفعل المضارع المعتل الآخر بالياء، المسند إلى نون المتكلمين، مثل: (تجينَّا (تيينَّا)، ومنه ما جاء في قول الشاعر الملا يعقوب الهاجري من سنابس تاروت:

(عنْلاَّ تجينَّا الناصفة وْلُغْتَر كسيفة).

وهكذا دال الفعل (بدأ، ومشتقاته) مثل: (بدَّا)، (مبدِّي)، (مْبدَّا)، (بدَّاية)، وشاهده في قولهم السائر: (مبدَّا على كل بادية). ومما حصل له هذا من المفردات: (الصابيء)، و(خرافة)، و(النعام)، و(شاهين)، و(غناء)، فتحولت على التوالي إلى: (الصابِّي)، و(خُرَّافة)، و(النعَّام)، و(شاهَّين)، و(غِنَّا)، وشاهد الأخيرة القول السائرة عند نساء الواحة يخاطبن به العروس: (يوم غِنِّا، ويوم حنا، ويوم تنخشين عنا)، وأرجو ألا يتوهم أحد أن التشديد فيها للمحافظة على استقامة الفواصل، فهم لا يعرفون كلمة (غناء) هذه إلا بصورتها المشددة، وإذا أرادوا المفرد منها قالوا: (غنَّاية).

كما حدث لبعض الكلمات التي صارت لام أل التعريف فيها من بنية الكلمة بعد حذف الهمزة المبدوء بها الكلمة، مثل: (اللجانة)، (الليوان)، (اللاجامي)، التي هي في الأصل: (الإجانة)، (الإيوان)، (الآجامي)، وقد امتد هذا في اللهجة لعدد من الحروف المقطعة، في القرآن: مثل: (حم)، و(طس)، و(طسم)، و(يس)، و(طه)، ولتأصل التشديد عند العوام في مثل هذه المواضع فلا تستغرب إذا سمعت أحدهم يقرأ (حامِّيم)، و(ياسِّين)، و(طاهَّا)، بتشديد (الميم)، و(السين)، و(الهاء)، كما وقع للمضاف إلى (هاء الغائب) مما اجتمعت ياؤه الأصلية مع ياء النسب، وكأنما التشديد لمحاً لياء النسب المدغمة في الياء الأصلية، وإن كان الغالب التخفيف بحذف أحد الياءين، ومن شواهده قول للأستاذ عبد الله حسين القاري من البحرين:

والكل بوصفي حاير

وبحسني وِبْطاريِّه[32] 

التخصيص والتعميم

إن مر الزمان على المفردات التي يتداولها الناس قد لعب دوره فيها، وأدى بها لأن تتطور وتتغير مدلولاتها القديمة إلى مدلولات جديدة، فتحجم البعض منها وتوسع البعض الآخر، فمن الصور ما تراه في حيز اللهجة، ومنه ما هو عام حتى أصبح هو السائد ونسي الناس أصل الصورة المغايرة، وهذا التطور لم يكن يوماً مقتصراً على اللهجة، فقد حدث مثله في كل اللغات، ومنها اللغة العربية، فبعد أن كانت (الصلاة) في لغة أهل الجاهلية تعني: مجرد الدعاء، و(الصوم): مطلق الإمساك، و(الزكاة): النماء والزيادة والطهارة، فلما جاء الإسلام اكتسبت تلك الألفاظ لوناً آخر، وانحصرت مدلولاتها على النحو المعروف حالياً، وقد يكون المعنى الأصلي للكلمة عاماً ثم يتخصص هذا المعنى في لهجة من اللهجات كما يتخصص في اتجاه مضاد في لهجة أخرى, ويمكن تطبيق العامل على الكلمات التالية:

كلمة (الذفر) تذكرها كتب الأضداد بمعنى: الريح الطيبة، والريح المنتنة، ويقول قطرب: (الذفر): المسك.. ويقال لنتن الإبط: الذفر، فكأنه ضد، ويبدو أن المعنى الأصلي للكلمة هو الريح، وهو أعم من الريح الطيب والخبيث، وقد فطن إلى ذلك (ابن الأنباري) فقال: (الذفر) حدة الريح الطيب، والنتن[33] ، وكلمة (الطرب) معناها في كتب الأضداد: الفرح، والحزن، والأصل في هذا المعنى: خفة تصيب الرجل لشدة السرور، أو لشدة الجزع، وقد قال ابن الأنباري: (الطرب) ليس هو في الفرح، ولا الحزن، وإنما هي خفة تلحق الإنسان في وقت فرحه وحزنه[34] .

و(المأتم) عدها أبو حاتم، وقطرب من الأضداد، لأنها عندهما على النساء المجتمعات في فرح وسرور، والأصل في ذلك عموم المعنى، فالمأتم للنساء يجتمعن في الخير والشر، كما تدل على النساء المجتمعات في غم وحزن ومناحة[35] ، وهي الصورة الحالية التي استقرت عليها هذه اللفظة في عامة لهجات البلاد العربية، بما فيها لهجة هذه الواحة، وتندرج تحتها تسميتهم للمكان المخصص لإقامة العزاء على آل البيت النبوي مأتماً، مع أنهم يستخدمونه إلى جانب هذا في مناسبات سارة عديدة ومنوعة.

وقس على ذلك لفظة (العيش) التي كانت تعني بلغة اليمن (الطعام) عامة[36]  أياً كان نوعه دون تخصيص، ثم انحصرت هذه اللفظة في نوع واحد منه، يختلف هذا النوع باختلاف المكان، ولما كان (الأرز) هو العنصر الرئيسي في طعام الخليج، فقد انحصرت هذه اللفظة فيه، فيما انحصرت في عدد من البلاد العربية كالشام، ومصر، والسودان، والحجاز، وحتى اليمن، المصدر القديم لهذه اللفظة ـ في (الخبز) لأن منه عامة طعامهم، كما كان أهل الحجاز إذا أطلقوا اللفظ بالطعام عنوا به (البر) خاصة[37] . أما في مجال الجانب الثاني في اللغة الذي غرضه التوسيع المجازي الذي هو ضرب من ضروب التنمية اللغوية، ومنهاج على نقل الدلالة، على معان جديدة لوجه شبه معين، أو لفكرة دعاها المعنى الأصلي للفظة ما لمشاركته في هذه اللفظة، وأمثلة ذلك:

(البرق) من البريق، وهو اللمعان، وقد أطلق على الظاهرة الفيزيائية الكونية المعروفة، ونظراً لسرعة وميض البرق، فقد استعيرت هذه الكلمة لتدل على (التلغراف)[38] .

(البندقية) هي سلاح الرماية، سميت بذلك لأن رصاصها كان في البداية كروياً يشبه حبات البندق، وهو الثمر المعروف الجاف[39] .

(القاموس)، وهي محرفة عن كلمة (أوقيانوس) اليونانية التي معناها البحر المحيط، ثم أصبحت تستعمل بمعنى الكتاب الذي يضم مفردات اللغة مرتبة على حروف المعجم، ولعل أول من أطلق على المعجم قاموساً هو الفيروزأبادي[40] .

كلمة (العين) تدل في الأصل على عضو الإبصار في الإنسان والحيوان، بدليل مقارنة اللغات السامية المختلفة، وهي من الأسماء القديمة فيها، أما العربية ففيها زيادة على هذا المعنى: الإصابة بالعين، وضرب الرجل على عينه، والمعانية، وهذه كلها اشتقاقات فعلية من لفظ (العين)، بمعناها القديم، ومن معانيها كذلك: (المال الحاضر)؛ لأنه يعاين، كذلك، بعكس المال الغائب، الذي لا تراه العين، ومن معانيها كذلك: (خيار الشيء)، و(السيد)، و(سنام الإبل)، وهذه الثلاثة يجمعها بالعين قيمتها بالنسبة إلى سائر الجسد، على التشبيه بها في المكانة والمنزلة، ومن المعاني أيضاً: (الدينار)، و(عين الركبة)، وهي نقرة في مقدمتها، و(عين الشمس)، و(عين الماء)، وهذه كلها على التشبيه بالعين في الاستدارة، أو سيلان الدمع منها[41] ، هذا عن اللغة فماذا عن اللهجة؟.

ولنبدأ بالأول فمن مظاهره فيها تخصيصهم قولة: (رحمه الله) للميت مع أن الرحمة مطلوبة للحي والميت على حد سواء، مما يذكر أنني ذات مرة لقيت أحد المعارف في المستشفى فسألته عن سبب مجيئه إلى هنا، فقال: (جئت لزيارة والد صاحبي)، فقلت له مداعباً: (الله يرحمه)، فنظر إلي بحدة وقال: لا. ولكنه انتبه سريعاً وقال: (الله يرحمه)، الرحمة للحي والميت)، ومنه تخصيصهم لها لعامة الناس، أما أصحاب الذوات المعظمة كالأنبياء والأئمة فإنها عندهم لا تصلح لهم، مما يذكر أن أحدهم سمع أخر يعقب عندما ذكر نوح عليه السلام بقوله: (رَحَمْهْ الله)، فاستنكر ذلك منه ساخرًا: (ويش هو رحمه الله؟!).

واستعمالهم: (اخرج، وادلف، واذهب، وتْوكََّل) للطرد، و(هلك) للشرير والظالم الذي يتمنى ذهابه، مع أن معناها عام، ومنه قول الله تعالى عن نبيه يوسف عليه السلام: ?ولقد جآءكم يوسف من قبل بالبينات، فمازلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولاً?[42] ، وقول أم سنان بنت جشمة المذحجية في رثاء الإمام علي :

أما هلـكت أبا الحسـين فلم تزل

بالحـق تعـرف هادياً مهـديا

فاذهب عليك صلاة ربك ما دعت

فوق الغصـون حمامـة قمريا[43] 

ومن مظاهر التخصيص في اللهجة حصر مدلول بعض المفردات الدخيلة في جانب معين كتخصيص كلمة (بْريَِد) (Bread) الإنگليزية: بشرائح الخبز اللينة الرقيقة، و(كْماج) من (ekmec) التركية: لنوع من الخبز السميك الضخم، مع أنهما في الأصل تعنيان كلمة: (خبز) وحسب دون تخصيص، وكلمة (نعت): بالوصف في مجال المدح والإطراء، كما في قولهم السائر: (ينعت الجمجام روحه)، أي: يمدحها ويصفها بالطيب من القول، و: (العروس) بالمرأة، قالوا: دخل أحدهم مهنئاً لقوم بمناسبة زواج ولدهم فلم يجده فقال لهم: (أين العروس؟)، فنظروا إليه باستغراب ظانِّين أنه قد غلط، فقالوا له: (قصدك المعرس)، فقال: (العروس لغة يستوي فيه الاثنان).

و(الگوم): بالأعداء نحو قوليهما السائرين: (فر من الگوم وطاح في السرية)، و (يا ليت لي بن عم ولو في الگوم)، مع أنها تعني في أصل في اللغة: (مطلق الجماعة)، و(العصابة): الجماعة المتفقون على الشر، في حين أن (العصابة) في الأصل: الجماعة في خير أو شر.

و(البنة) في لهجة هذه الواحة بالرائحة غير مستحبة، في حين أنها في لهجة بعض نواحي الخليج هي الرائحة الطيبة، ولهذا فإنك واجده في أسماء النساء عندهم، بينما هي في اللغة: مطلق الرائحة، أو الحدة فيها، ومما جاء في الشعر القديم:

وعيد تخدج الآرام فيه

وتكره بنَّة الغنم الذئاب[44] 

أما الثاني فمن مظاهره في اللهجة جعل: (السلاة) (السلاية)، أي: (السلاءة) لمطلق الشوك، بينما هي في أصل اللغة تعني: (شوكة النخيل)، و(العكرة) لأصل الشيء مطلقاً، كعكرة النخلة، بينما هي في أصل اللغة تعني: (اللسان وقاعدته)، والفشغدة (الفشدغة) أي: (الشفدغ) للضفدع مطلقاً كبيراً أو صغيراً، بينما هي في أصل اللغة تعني: (صغير الضفدع)، و(الغيلمة) السلحفاة ذكراً أم أنثى، بينما هي في أصل اللغة تعني: (ذكر السلحفاة)، وقد تعمم، و(الصخلة) أي: (السخلة) للمعزة كبيرة كانت أم صغيرة، بينما هي في أصل اللغة تعني: (صغيرة المعز) و(الگت)، أو (الكت)، أو الجت): البرسيم رطباً أم يابساً، هي في أصل اللغة تعني: (البرسيم) إذا كان يابساً، وقد تعمم، و(البوز) (الفم)، و(الخشم) (الأنف)، والصدر مطلقاً سواء في إنسان أو حيوان، وقد يمتد المدلول (في الثالثة مجازاً) إلى الجماد، فيقال: (خشم الباب)، و(الحريص) للبخيل مطلقاً، و(المفافي) هو الذي يتردد في الكلام مطلقاً، بينما (الفأفاء): هو الذي يترد في حرف الفاء خاصة، وليس بخاف على المطلعين هذا التفصيل في معاجم اللغة.

ومع كثرة ما أوردته من أمثلة على مجال التخصيص التي اقتنصتها من دون إعمال فكر في مقابل ما أوردته من أمثلة على جانب التغليب أو التعميم، إلا أنه ليس من السهل أن أقيم بها دليلاً على غلبة الجانب الأول على الجانب الثاني، لأنه يحتاج إلى تريث وتتبع دقيق، وإنما الذي أستطيع أن أقوله، أو أجزم به أن ما انحاز من هذا الجانب إلى الجانب الآخر، وبالعكس كثير لا يحصى، وكل منهما لا يقل عن المقابل له كثرة وشأناً.

قدرة اللهجة على توليد الألفاظ

لا جرم أن للمجاز في اللغة هذا الأثر الذي بسط منها حتى فاضت أطرافها على المعاني، وتهيأ فيها من أنواع الوضع وطرق التعبير ما يعد في اللغات ميراثاً خالداً تستغل منه المعاني في كل جيل، وضمن اللغة الثروة وإن أفلس أهلها[45] ، فالمجاز صنعة حقيقية في اللغة لا تتهيأ إلا بعد أن يكون العرب قد استكملوا أسباب النهضة الاجتماعية من المخالطة واقتباس بعضهم عن بعض، واعتبارهم أنفسهم في أمر اللغة مجموعاً معنوياً؛ فينصرفون إلى تشقيق الكلام، وتتبع أظلال المعاني في أجزائه، حتى تتسع لغتهم على نسبة هذا الاجتماع المعنوي[46] . والوضع بالمجاز يعتبر اشتقاقاً معنوياً، فما لم يتهيأ للعرب أخذه من طريق الاشتقاق أخذوه بالنقل من طريق المجاز، وبذلك وسَّعوا لغتهم من جهات:

- الإكثار من الألفاظ، وتعدد الوضع الواحد تفنناً في التعبير، كما تسمى الخوذة بـ(البيضة)، وبـ(التريكة)، وهي (بيضة النعام) بعد أن يخرج منها الفرخ، وكتسمية (المطر) بالسماء، والنبات بـ(الغيث)، ونحو ذلك.

- التذرع إلى الوضع فيما لم يوضع له لفظ من المحسوسات، كتسمية البياض في العين بـ(الكوكب)، وغضروف الأذن بـ(المحارة)، والهيئة الناشزة في مقدم الأذن بـ (الوتد)، وكقولهم: (ذؤابة الرحل)، للجلدة المعلقة على آخره، و(عنق الإبريق)، و(ساق الشجرة)، و(إبط الوادي)، ونحو ذلك.

- التذرع إلى الوضع لتمثيل صور المعاني، كقولهم: (نبض البرق)، إذا لمع خفيفاً، من نبضان العرق، و(سبح الفرس)، إذا مد يديه في الجري كما يفعل السابح في الماء، و(رنقت السفينة)، إذا دارت في موضع واحد لا تمضي من: ترنيق الطائر، وهو أن يخفق بجناحه ويرفرف ولا يطير[47] .

وكانت العرب تسمي الجلباب الذي على أصل عنق الجرادة: (بخنق)، وتجمعه على (بخانق)، و(التفاحتين): روؤس الفخذين في الوركين، و(العنبة): بثرة تخرج بالإنسان[48] ، و(أصابع زينب): ضرب من الحلوى يعمل في بغداد يشبه أصابع النساء المنقوشة[49] .

ولهجة هذه الواحة ليست بدعاً من أخواتها اللهجات العربية، أو بمنأى عن أمها الفصحى، فلذلك كان سبيلها سبيلهن في قدرتها على توليد الألفاظ المبني على التصور، والمقارنة، واستحداث الألفاظ والأسماء للمسميات التي لم تكن معروفة من قبل عن طريق القياس والتشابه بين شكل قديم وبين شيء حديث مشابه له، فنجد مثلاً في ألفاظ باعة الحلويات والألعاب للأطفال مثل: (خد العروس)، أو (مخدة العروس) (في الآجام) لنوع من الجيلاتين سموها بذلك للينها ونعومتها، ولما جاء علك اللبان المصنع سموه: (عْلوچ ملوك)، وسموا اللبان الطبيعي الخام: (علوچ) فقرا)، لما للأول من مظهر جميل، وأنيق يفتقر إليه الثاني، وقد ضمنه الملا علي الرمضان قوله في هجاء أقرع:

تباً لطاستك الحمرا التي عظمت

كأنها برمـة أو قـدر مـن صـفر

بهـا علوك ملوكٍ حـين تنظرها

تضيء كالنجم للسارين في السفر[50] 

وسموا نوعاً آخر منه: (علوچ تفاگ)، لأنه (يتفگ)، أي: يحدث صوتاً عند نفخه كصوت (التفگ) البندقية، واللوز اللين: (بيدان - بادان - نايلون) لأنه سهل الكسر كالنايلون، ولمشابهة مصاصات الحلاوة ذات الأعواد بـ(الملاس) الذي يغرف به الطعام المطبوخ سموها: (حلاوة ملاليس)، وهي جمع ملاس، ولمشابهة لب اللوز المكسو بالحلاوة بـ(بيض الحمام) سموه (بيض الحمام)، كما سموا رقائق الذرة المعلبة بـ(التاوة)، ومن النواحي من يسميه: (رگاگ)، تشبيهاً له بخبز الرقاق الذي يخبز على المقلاة المسماة بـ(التاوة)، وفي العوامية يسمونه (رشراش)، والرشراش عندهم صفة للرقائق، و(زگ سبال) للفول السوداني لأن يشبه نجو (السبال)، أي: القرد، و(ضرس الغزال) للفستق الحلبي، ومن طريف التسميات تسمية إحدى نواحي الواحة لخبز الزعتر ـ متى اشتهوا -: (خبزْ مْدحَّن) أي: (الممرغ)، وكأنه خبز مرغ في التراب.

وقد أطلقوا على صنفي العنب السائدين في الواحة: (عنب غَرَّاوي) للصنف الأبيض المستطيل، و(عنب خْنيزي) للأسود المدور منه لمحاً لتقارب الشكل بينهما وبين رطب (الغرة، والخنيزي)، وجعلوا مسمى (الجدب) وهو لب جمارة النخلة الأبيض لشرائح الأناناس المعلبة المحلاة، فقالوا: (مربى جدب) (يدب)، إلى جانب تسميتهم له بـ(العرنص)، أو (العرناص).

وسموا شاي الأكياس (چاي جوامع)، أو (چاي تحافيض)، والجوامع والتحافيض جمع جامعة، وتحفيضة، أي: تحفيظة، وهي الحرز أو التميمة التي تعلق على صدر الطفل، وسمي بذلك لمماثلته لهما، كما يحلو للبعض أن يسميه: (چاي دواخل)، والدواخل جمع دوخلة، وهو الوعاء من خوص يستخدم قديماً لحفظ نوى التمر، ويزرع فيه الطفل زريعته، المسماة بالدوخلة أو الضحية، ووصفوا الأرز الذي لم تنضج حباته جيداً (مْصَلِّم)، لأن الجزء الخارجي إذا نضج، ولم ينضج الداخلي، يبقى خشناً أشبه بـ(الصِّلم)، وهو لب الجوزة، أو اللوزة، والجزء الخارجي أشبه بقشرهما، لهذا قالوا عنه: (مْصَلِّم)، وقالوا عن الشيء الذي يشبه الليف: (مليف).

ومن النباتات الطبيعية والبرية في الواحة: (خشم البلبول) أي: أنف البلبل، و(سيوية) لنوع من النباتات الطفيلية لمشابهته (للسيوية) (البلاليط) في الشكل واللون، وهو الذي يسميه أهل القديح: (أبو خويط)، و(الخويط) تصغير (خيط)، وسموا: الورد الذي لا رائحة فيه أو (الدفلى): (ورد چداب). وأطلقوا اسم (أبو شمْيلة) على يرقة (الغزال) (اليسروع)، أو (اليعسوب)، لمماثلة الزوائد التي على جسمها بشراشيب الشملة، لأن الشميلة تصغير شملة، وكأنها شملة (كساء) لهذه اليرقة، وأهل سيهات يسمونه: (أبو بشير)، وسموا (دود الكرب): (ربيان) لمماثلته لربيان البحر، وأطلقوا اسم: (عمامة ابليس) على دويبة بحرية صغيرة معروفة داخل قوقعة يجدها الأولاد في أرض البحر ويجمعونها للعب بها[51] ، ويغنون عندها: (عمامة بليس طَوِّلي طَوِّلي)، وهي التي في (سيهات) يسمونها (أبو سريو) وينشدون عندها قولهم: (طَوِّل طوِّل يا بو سريو)، و(سريو) تصغير (سرو) وهي الدودة، وفي (الكويت) يسمونها: (عمامة الشيخ)، وهم يقولون: (عمامة الشيخ تطيولي تگيصري)، أي: (كوني طويلة، وكوني قصيرة)[52] ، ووسموا المنطقة الواقعة خارج بيوت لعبة (الخُطَّة)، أو (المخَطَّة)، أو (الحِجْلة): (بْرير)، ذلك أنهم نظروا إلى أنه خارج البيوت التي ترمز للمناطق السكنية، فسموه براً، ولما كان ضيئل المساحة صغروه على: (بْرير) للدلالة على ذلك.

وكانوا يسمون زجاجة مصباح الفلورسنت الكهربائي (الليت): (طرح) تشبيهاً له بـ(الطرح) القثاء الذي يؤكل، وقد يعممون الكلمة على المصباح كله، ويسمون (عرشة السيارة): (سلة) تشبيهاً لها بالسلة التي تحمل الأغراض، ولما جاء صحن الاستقبال (الدش) سموا الشريحة منه (فلح) تشبيهاً له بفلح الجح أو البطيخ، وسموا غطاء لولب الفانوس الذي يحمل الفتيلة: (الفَولك)، وغطاء الساعة الجدارية كذلك: (برگع)، وقد وردت هذه اللفظة في الحزاية (الأحجية) المعروفة: (زارها فضة وبرگعها دهب)، وكل ذلك تشبيهاً له ببرقع المرأة الذي يحوط قسماً كبيراً من وجهها، وقالوا عن الترس المعد لحفر البئر الارتوازي مع ذيله أيضاً: (ملاس)، وعندما كنا نسمع: (البئر الفلانية انكسر فيها (ملاس) نفهم من ذلك: أنه قد انقطع، وسد قعر البئر، وسموا الطوق المتحرك الذي يجلس فوق رأس الدافور (موقد القاز) بـ(اللمام)، لأنه يلم أي: يجمع النار، والوعاء الذي أسفل الرأس الذي يجمع القاز النازل من عين رأسها (اللگن)، لأنه يشبه (اللگن) الإجانة التي تستخدم للغسيل، و(المصخنة) لأنه يصخن (يسخن) فيها الماء، وسموا مشربة الفخار التي يبرد فيها الماء ذات العروة الواحدة أيضاً: (مصخنة)، حتى ولم تكن تستخدم لتسخين الماء، وما ذلك إلا لمشابهتها لها، وسموا صحن الطعام البيضاوي المستطيل: (بلم)، أو (عنـچة) تشبيهاً له بشكل (البلم)، أو (العنـچة)، وهما من أنواع السفن الشراعية في الخليج، وسموا الصندوق الخشبي المعد لحفظ ملابس العروس قديماً (مْنجَّم) لتزيينه بالمسامير الصغار الصفراء تشبيهاً لها بالنجوم على صفحته، واستعاروا مسمى (السحارة) الصندوق الخشبي لجهاز (الگراموفون) (الحاكي)، بينما سماه أهل الكويت: (البشتختة)، وهي في الأصل صندوق لحفظ الأشياء الثمينة كاللؤلؤ والوثائق، وقد التبس على البعض من أبناء الواحة فسماه (البشتختة) متأثراً باسمه الذي سمعه من مسلسل (درب الزلق) الكويتي، فظن أن اسمه في الواحة كما سمعه من المسلسل، وقد وردت في قول الشاعر البحراني الملا عطية الجمري: (يصلون العِشا بصْحون سحارة).

وكانوا يسمون موجة الراديو المتوسطة MW))، أو (AM) بـ(موجة النهار)، تمييزاً لها عن الموجة القصيرة (sw) التي كانوا يسمونها بـ(موجة الليل) لأن كثيراً من محطات الإذاع لا تظهر عليها واضحة إلا في الليل، والراس الناعم (خوصي)، لأنه يشبه الخوص الرخو الناعم في ملمسه وطراوته، أو (صْخَالي)، أي: كشعر (السِّخال) (المعز)، وشعر الرأس الخشن، (عَگبي)، لأنه يشبه (العَگَب) الخوص الخشن النابت في عَقِب السعفة، أو (راس جاعد)، لأنه يشبه شعر (الجاعد) جلد النعجة، وقديماً قال الشاعر العربي الحيقطان:

لئن كنت جعد الراس واللون فاحم

فإني بسيط الكف والعرض أزهر[53] 

وكانوا يسمون صابونة (اللايفبوي) (Lifebuoy) الحمراء: (صابونة حرار) لاعتقادهم أنها تبرئ من الحرار (الطفح الجلدي) الناتج عن الحرارة، وصابون الجسم عامة: (صابون عافية)، والعافية عندهم هي: الجسم، أو البدن، أو: (صابون وردي) لأنه كان يأتي في الغالب باللون الوردي تمييزاً له عن صابون الأواني والملابس، الذي كانوا يسمونه: (صابون نعيم)، أي: ناعم، وسموا الشرير الفاسق: (عكاز ابليس)، لتصورهم أنه شيخ عجوز يستند على عصا، وهو يعتمد على هذا الشرير الفاسق في ملماته، كما يتكئ على عصاه.

ومن أسماء الأقمشة النسائية القديمة الطريفة المعتمدة على التصور، والمشابهة: (يا زارعين العنب)، (عُودْ المدَّة)، (عِلْب الطلعة)، (شربتي) أي: كلون (الشربت) عصير الليمون البلدي، وفي (الآجام): (طارْ وْحل)، أو (حلْ وْطار) في غيرها، و(چِـكِن فقيروه)، و(عين المدة) لثوب يصنع من الصوف وله عدة ألوان[54] ، وفي مثل هذا المقام يقول الصنوبري في لابسة أخضر:

بدت في قميص لـها أخضر

فأبدت جـواباً لطيف العبارة

شـققنا مـرائر قـوم بـه

فنحن نسـميه شـق المرارة[55] 

ولما كان عنترةُ بن شداد بطلاً تصوروه أيداً جسيماً فلا بد له من سروال واسع عريض يستر نصفه الحدري لذا قالوا عن الهاف العريض الواسع: (هاف عنتر)، وهي حادثة في اللهجة وليست قديمة.

وفي سني المحل عندما قلت الأسقاط والأرزاق، وانقطعت المواد التموينية اتخذوا من أكياس الطحين البيضاء قماشاً يلفقونها بعد إفراغها من الطحين، ليفصلوا منها ثياباً يلبسونها فصاروا يسمون هذه الأكياس: (كِلْ وِالْبسْ)، ومع أني لم أدرك في صغري أحداً يلبسها إلا أني كنت أسمعهم يسمونها بهذا الاسم، وقد بقي هذا الاسم لما قبل سنيات خلت رغم استغناء الناس عنها، والآن قلما تسمع لهذا الاسم ذكراً اللهم إلا من أفواه أبناء الجيل السابق لهذا الجيل بشكل عارض، ولأن الطحين صار يأتي معبأ في أكياس من البلاستيك مما ساعد على سقوط هذا الاسم من التداول في الوقت الحاضر. ومن أسماء الحلي القديمة: (حب الهيل) أساور من الذهب أو الفضة تبرز على جوانبها نتوءات على شكل حبات الهيل، و(سف الحصير) لأن تصميمها ونسيجها يشبه سفة الحصير.

هذا عن هذه الواحة، أما عن غيرها من البلدان المجاورة فمن مسميات الألبسة النسائية في الأحساء وغيرها من بلدان الخليج على سبيل المثال: (دراعة أم عصا) لوجود تطريز على شكل عصا على أكمامها، و(دراعة سفرة سْعود) لوجود التطريز في نسيجها على شكل سفرة مستديرة، و(ثوب رش مطر) (رش المطر في القطيف) لوجود نقط مبعثرة في القماش، و(ثوب المسرح) لوجود تطريز على شكل خيوط رفيعة جداً)[56] .

ومن أسماء الحلي النسائية: (التحافيظ) وهي نوع من الحلي تصاغ على شكل مثلثات مترابطة، و(الهلال) حلية ذهبية على شكل الهلال، و(المرتعشة) (المُرتَعَشْ في القطيف): حلية ذهبية كبيرة تلبس حول العنق تتكون من سلاسل ذهبية صغيرة، ودقيقة الصنع، ربما سميت بذلك لأنها تهتز وترتعش وتتماوج أثناء تحرك المرأة محدثة صوتاً رقيقاً ولمعاناً وبريقاً[57] .

ومن أسماء الأزياء في البحرين والقطيف: (خف الناگـة)، وفي البحرين خاصة: (دَگّ النَّبْرةْ)، (خُف الگوارين)، (أبو لفْحوح)، (دَبَّابة)، (بَخْية)، (مْفرَّخْ)، (دَرْبُويَة)؛ وكانت النساء تطلق على بعض هذه الأقمشة ذات الزخارف المعينة أسماء غاية في الطرافة تمييزاً لها عن بعضها البعض مثل: (دَحّ الماية)، (عَِينْ عداري)، (المحرگة)، (حمَّام الباخْشَة)، (دَبُو حَيَّة)، أي: (خط سيرها على الأرض)، (عْيونْ حبيبي)، (لْسانْ حماتي)، (دموعْ شادية)، (ضُحكةْ فريد الأطرش)، وغيرها[58] ، وما أدري إن كانوا يعنون بذلك: (ضحكته) هو، أم (ضحكته) التي يتغنى بها: (يا بو ضحكه جْنان).

ومن أسماء الحلويات في الكويت: (صَبّ الگفشة)، و(بيض القطا) (ربما لمشابهته لبيض طائر القطا)، و(خْفيفة المنگل)، (چبدة الفرس)[59] ، (وهو ما يعرف الآن بالراحة، أو الحلقوم)، و(درابيل) واحده: (دربيل)، وهو (الدربين)، وهي كلمة تركية تعني: المنظار.

ومن أسماء السمك في الخليج بصفة عامة: (دجاجة البحر)، و(جراد البحر)، و(چلب الدَّو)، و(حلوايوه)، و(بَلاَّع الأناجر)، و(عنزة)، و(حمارة النوخدا)، و(تيس عامر)، وفي الكويت يسمون البجعة: (نعجة الشط)[60] ، إلى غير ذلك مما جاء في هذا الباب، وقد تركنا الاسترسال فيها خشية أن يطول بنا المقام، إلى مكان آخر إن شاء الله.

[1]  فقه اللغة المقارن (مرجع سابق) ص 197.

[2]  مباحث لغوية (مرجع سابق) ص 44.

[3]  نفسه ص 45.

[4]  نفسه.

[5]  فقه اللغة المقارن (مرجع سابق) ص 74.

[6]  في اللهجات العربية (مرجع سابق) ص 375.

[7]  بمعنى الشيء المتجمع والناشز في جسم لين كالفراش ونحوه، و (تعنـگل (بالشيء): حمله مضطراً، أو كارهاً بغير رغبة منه، و(عَنْفصت الدابة): رمحت برجليها.

[8]  أي: (عُكَّة) بمعنى مجموعة، أو شيء ذي انتفاخ،كقولهم: فلان عنده (عِـچَة فلوس)، أي: نقود كثيرة.

[9]  فقه اللغة المقارن (مرجع سابق) ص 43.

[10]  مباحث لغوية ص 44.

[11]  الإبدال لابن السكيت ص 133.

[12]  تاريخ آداب العرب (مرجع سابق) ص 114.

[13]  نفسه ص 115.

[14]  نفسه.

[15]  اللهجات في الكتاب لسيبويه (مرجع سابق) ص 323.

[16]  نفسه.

[17]  تاريخ آداب العرب (مرجع سابق) ج 1 ص 115.

[18]  لغة تميم (مرجع سابق) ص 405.

[19]  اللهجات في الكتاب لسيبويه (مرجع سابق) ص 567.

[20]  نفسه، والآية هي 26 من سورة البقرة.

[21]  فقه اللغة المقارن (مرجع سابق) ص 42.

[22]  الأصالة العربية في لهجات الخليج (مرجع سابق) ص 51.

[23]  نفسه.

[24]  النجم الآية 54.

[25]  الكهف الآية 32.

[26]  البقرة الآية 249.

[27]  فقه اللغة المقارن (مرجع سابق) ص 42.

[28]  اللهجات في الكتاب لسيبويه (مرجع سابق) ص 498.

[29]  نفسه، والآية هي رقم 4 من سورة المنافقون.

[30]  ديوانه الموسوم (سحر بابل وسجع البلابل أو تراجم الأعيان والأفاضل ص 427 مط العرفان صيدا لبنان ط بدون س 1331هـ.

[31]  هاتان الصورتان من مستحدثات بعض أبناء هذا الجيل، في حين أنها: (نْظاف)، و(گْـدام) عند الجيل السابق.

[32]  تنفيه الخاطر (مرجع سابق) ح 1ص 26.

[33]  فصول في فقه العربية (مرجع سابق) ص 345.

[34]  نفسه.

[35]  فسه ص 343.

[36]  في اللهجات العربية (مرجع سابق) ص 158.

[37]  نفسه ص 309.

[38]  مباحث لغوية (مرجع سابق) ص 118.

[39]  نفسه.

[40]  نفسه.

[41]  فصول في فقه العربية (مرجع سابق) ص 327.

[42]  غافر الآية 34.

[43]  جواهر الأدب في أدبيات وانشاء لغة العرب. السيد أحمد الهاشمي. مط السعادة. مصر. س 1379هـ. ج1 ص 432.

[44]  الأصالة العربية في لهجات الخليج (مرجع سابق) ص 40.

[45]  تاريخ آداب العرب (مرجع سابق) ج 1 ص180.

[46]  نفسه.

[47]  نفسه.

[48]  في اللهجات العربية (مرجع سابق) ص 295، وص 199.

[49]  المستطرف (مرجع سابق) ج 1 ص19.

[50]  ديوانه (وحي الشعور) ج 2 ص 113 مط الحيدرية النجف بدون رقم ط س 1383هـ.

[51]  الألعاب الشعبية الكويتية (مرجع سابق) ص 91.

[52]  نفسه.

[53]  المعجم المفصل في شواهد النحو الشعرية (مرجع سابق) ج1 ص 271.

[54]  الآجام بين الأمس واليوم (مرجع سابق) ص 84.

[55]  المستطرف (مرجع سابق) ج2 ص 274.

[56]  اكتشاف النفط وأثره على الحياة الاجتماعية في المنطقة الشرقية ص 58 د./ عبد الله بن ناصر السبيعي مط الشريف بالرياض ط 2 س 1409هـ.

[57]  نفسه ص 108.

[58]  من تراث البحرين الشعبي كريم العريض ص 121 بدون رقم طبعة ولا اسم مطبعة ولا تاريخ طباعة.

[59]  الألعاب الشعبية الكويتية (مرجع سابق) ص 64، 282.

[60]  نفسه ص 56، وما بعدها.
باحث
363648