يا فدى ناظريك
حسين الخليفة * - 15 / 3 / 2011م - 7:23 م - العدد (29)

عن مكتبة العبيكان في الرياض/ السعودية، صدر الديوان الرابع عشر للدكتور غازي القصيبي، تحت عنوان (يا فدى ناظريك) في (113) صفحة، من القطع الوسط، وفي طبعته الأولى (2001م).

واحتوى فهرس الديوان عناوين القصائد التالية: (يا فدى ناظريك، ترنيمة لسلمان، الوردة، هؤلاء رجالك سيدتي، وأواه يا فاروق، الدعوة، أأبا الفرات، فياجرا، أنا وهم، شيء من السحر، الكرانتة، أبر الفل، لامرأة لا تقرأ الشعر، في عامي الستين، بكائيات لعيسى، يا أخت مكة، رقم الهاتف، هدبة الأقدار، فديتك، أغنية للفارس والوطن، آه بيروت، مجرد صوت، يا بني).

وجاءت قصائد الديوان على وعي شعر التفعيلة، وشعر الشطرين، أما عنوان (فدى ناظريك) فهو عنوان القصيدة الأولى فيها، وقد أهداها الشاعر (إلى روح الطفل الشهيد محمد الدرة)، وطريقة اختيار اسم قصيدة في الديوان ليكون عنوانه، استخدمها الكثير من شعراء هذا العصر، ومن الطبيعي أن نفترض أن الاختيار ينم عن مغزى يرمي إليه الشاعر، فقد يكشف الانتقاء عن تفضيله للقصيدة المختارة من الناحية الفنية عن بقية قصائد الديوان، كما في ديوان (أنشودة المطر) وهو عنوان قصيدة فضلها السياب لتكون الجديرة بحمل عنوان مجموعته الشعرية، وقد كشف لنا الزمن عن صواب اختيار السياب لقصدية أنشودة المطر التي كانت وما زالت محل درس وتحليل وبحث لدى المتخصصين حتى اعتبرها النقاد فاتحة الشعر الحديث من حيث النضج والتقنيات المتجاوزة لحداثة الشكل (شعر التفعيلة).

بيد أن قصيدة (يا فدى ناظريك) التي استل الشاعر عنوانها من لازمة تكررت ثماني مرات في القصيدة، وهي نفس عنوانها وعنوان الديوان، جاءت تعكس تذمر الشاعر وضجره من الوضع الذي آلت إليه الأمة:

يا فدى ناظريك كل زعيم

حظه في الوغى أدان وندد

ألف مليون مسلم لو نفخنا

كلنا لم يدم بناء مشيد

فإذا كانت السماء قد فدت إسماعيل بكبش سمين، ليعود إلى الحياة بعد أن كان بينه وبين الموت جرة سكين، فإن الطفل الشهيد (محمد الدرة) لم يجد من يفديه، فمات شهيد الطفولة، والمجتمع البشري كله يتفرج، فعز على الشاعر ذلك، فراحت عاطفته المتدفقة تفدي الطفل الشهيد بـ(الزعيم المندد، والجبان المتوعد، والبيان المتوقد، والصحفي المعربد، والاجتماعات الخاضعة والمؤتمرات الذليلة، وألف مليون مسلم..).

إلى أن تصل العاطفة ذروتها فيفديه الشاعر بنفسه:

(يا فدى ناظريك ناظم هذا القول شعر المناسبات المقدد)

ليعلن بعدها تهود العرب والمسلمين: (قد فهمنا تهود البعض منا/ أو لم يبق معشر ما تهود)[1] .

بعد ذلك لنا أن نسأل لماذا فضل الشاعر قصيدته في محمد الدرة لتكون عنوان الديوان؟

قد يكون الجواب الجاهز والسهل يبتادر إلى الذهن ليقرر أن خطورة الموضوع ومأساته، هي الباعث الحقيقي للاختيار، ولا شك أن هذا الجواب يعكس بعض الحقيقة للقارئ العادي، ولكن القراءة التحليلية للديوان ستكشف أن الشاعر قام باستثمار الموضوع المأساوي (شهادة الطفل) بصورة مروعة، وهو استثمار معنوي مطلوب، ليضع هذا الموضوع في نسق أسطوري من الناحية الفنية، ليتحول إلى موضوعة (تيمة) تمثل المدخل الأدبي للولوج إلى فضاء الديوان لقراءة قصائده التي تتداخل فيه الموضوعة آنفة الذكر تداخلاً نسيجياً لا يصعب لمحه أو اكتشافه على القارئ المتأني، شرط أن تكون قراءته موضوعية شمولية تستبعد القراءة التجزيئية التي تقرأ كل نص على حدة.

فانتقاء القصائد وضمها في ديوان، يؤسس مشروعية القراءة الموضوعية[2] ، وعليه، فإذا انتقل القارئ من القصيدة الأولى إلى قصيدة (أأبافرات) وهي - بحسب تعبير الشاعر - (في ذكرى شاعر العرب العظيم محمد مهدي الجواهري)، سيجد الشكاية التي بثها الشاعر إلى شاعره المفضل (الجواهري) شكاية متأففة من قصائد تهويمية استغرق فيها ناظموها بعبادة ذواتهم ليفروا من الزحف ويصمتوا في ظرف ينبغي فيه الكلام، محتجين بالحداثة والرؤيوية، وهاربين من نقاد على شاكلتهم، ألسنتهم سليطة يستهجنون (شعر المناسبات المقدد) ويتهمون شعراءها بالمنبرية والخطابية والمباشرة:

أشكو إليك - أبا القصيد - قصائدا

طرحت ملامحها النبيلة جانبا

لم تأتنا عربية لتسوغها

أذن الخيام ولا تسر أجانبا

مسخ هجين ليس يعرف أصله

لا في الحصان ولا الحمار مناقبا

وطلاسم مفتونة برموزها

تهمي عليك سناجباً وطحالبا

ليصل الشاعر إلى ذروة السخط مما آل إليه شعر هذه الأيام، وذروة السخط تقتضي فقدان الأعصاب لتكون الشتيمة الصريحة أصدق ما يعبر عن الحالة النفسية:

ما أبدا الأشعار إن هي نكرت

فتنكرت ظلماً صراحاً ثاقبا

فليدر النقاد ظهورهم لدراسة شاعرية ديوان (يا فدى ناظريك)[3]  إذا كانت ضريبة القراءة أن يعج الديوان بـ(طلاسم مفتونة برموزها)، فهل يسمي الشاعر ديوان بـ(صخرة سيزيف) أو (طائر الفينيق) أو (إخفاق ايكاريوس) أو (هلم يا سارق النار) حتى يكون حداثياً صرفاً، فيدخل في طبقة الشعراء التموزيين أو في طبقة الشعراء البروميثيين...؟!.

وهل تكمن الحداثة في توظيف الأساطير والرموز اليونانية والإغريقية والبابلية أم أنها تكمن في عملية التوظيف ذاتها، باعتبارها إحدى تقنيات القصيدة الحديثة؟.

لا أعتقد أن اثنين من النقاد يتفقان على حصر تقنية التوظيف بالأسطورة، وبالتالي فنحن لا نفهم سر تكالب كثير من الشعراء الشباب على توظيف تلك الأساطير، وإغراء غير قليل من النقاد وإصرارهم بتناول هذا اللون من الشعر بالدرس والتحليل؟!.

إن السياب وغيره من رواد الشعر الحديث قد تأثروا بالشعر الإنجليزي والأجنبي، فعمدوا إلى توظيف الأساطير الموظفة في الأدب الأجنبي، ظناً منهم أن الشهرة والعالمية تتحقق من خلال ذلك، وتساهلاً في توظيف أساطير ورموز جاهزة وشهيرة، باعتبار أن تناول رموز سبق أن وظفت أسهل من خلق أو ابتكار أو توظيف رموز جديدة، بالإضافة إلى أن أكثر شعراء تلك الفترة ركبوا التيار اليساري الجارف، فيخاف واحدهم، لكونه مسلماً بالهوية، أن يوظف الرموز والشخصيات الإسلامية؛ لكي لا يتهم بالرجعية وبشبهة الالتزام الإسلامي، ودليل ذلك أن اليساري يعتقد أن الدين كله (من أساطير الأولين) فلا فرق عنده - والحال هذه - بين القصص القرآني وشخصياته، وبين (الآلهة) الأسطورية البابلية والفينيقية والإغريقية التي أدمن توظيفها، فلماذا يهجر القرآن الكريم كمرجعية أولى، لكونه الكتاب الأول في التراث العربي - ويعتبر الكثير من شعراء الأساطير أنفسهم عروبيين وقوميين - فلا يوظف قصصه ولا شخصياته؛ لأنه لو وظفها سيتهم بجملة للرواسب الدينية، أما إذا وظف (آلهة الأساطير) فلا يتهم بأنه مشرك يؤمن بتعدد الآلهة.

وإذا استثنينا توظيف بعض الرموز الدينية، فإنها وظفت في الشعر العربي الحديث بصيغتها التوراتية والإنجيلية استنساخاً لتوظيفها في الشعر الغربي أيضاً، كقصيدة السياب التي تحمل عنوان (المسيح بعد الصلب) والسياب مسلم لا يعتقد بصلب المسيح، ولو لم توظف في الشعر الغربي لما اجترأ على توظيفها، و لعله وظفها لأنه مسلم فلا يشك أحد في كونه مجرد رمز (أسطوري) موظف، لتبقى صورته أمام التيار اليساري صافية فلا يتهم بأنه ما زال يحمل الرواسب الدينية الإيمانية، ولكن السياب بعد أن نبذ الشيوعية ونشر مقالاته في الصحف تحت عنوان (كنت شيوعياً) الذي صار كتاباً فيما بعد، وبعد أن نضج شعرياً[4] ، أعلن عن توقفه عن توظيف تلك الأساطير خصوصاً الأجنبية، وبرر توظيفه السابق لها تبريراً سياسياً لا فنياً، وهو خوفه من السلطة الحاكمة في العراق، فهو إذا وظف تلك الأساطير فإن الحكومة لا تفهم مغزاها فلا تعرف ماذا يقصد من (تموز، وعشتار، وسيزيف) فالمسألة لم تكن فنية صرفة بقدر ما كانت (تقنية) سياسية[5] .

إن قصيدة القصيبي في الجواهري استدعت الحديث المتقدم حول مسألة توظيف الأسطورة، وهو استدعاء ضروري يضيء رؤية شاعر (يا فدى ناظريك) إلى ماهية الشعر ومفهوم الشعرية من خلال نقده لما آل الشعر إليه، ومن خلال مفهومه الجلى للشعر الذي يعتبره خريطة الإنسان المشاعرية التي تلخص ما يكابده من ترح وإخفاق، وما يحياه من فرح وانتصار وعلاقات إنسانية هي صورة الإنسان على هذا الكوكب من المهد إلى اللحد:

أأبا الفرات قرأتُ شعرك يافعاً

غض السنين أرى السنين كواعبا

وقرأت شعرك والكهولة لمة

بيضا تعتصر الشباب الغاربا

فطربت حين قرأت شعرك والهاً

يدعو ببيروت الغزال الهاربا

وبكيت حين قرأت شعرك نازفاً

بجوار جعفر وهو ينزف شاحبا

وغضبت حين قرأت شعرك ثائراً

يبغي دماً ودماً ويزأر ساغباً

وكما يقول دعبل:

يموت رديء الشعر من قبل أهله

وجيده يبقى وإن مات صاحبه

يلخص الشاعر القصيبي بعد السرد المتقدم لتجليات الشعر رؤيته لماهية خلود الشعر الكامنة في القيمة الأخلاقية والنفسية والشعورية، وكون الشاعر يمثل ضمير الأمة الحي، وترجمانها الصادق والمدافع عن قضاياها بكل حزم وأمانة، فيخلص إلى أن الشعر المتحلي بالصفات والقيم المتقدمة هو الذي يبقى ويستحق الخلود:

عجباً أشِيب ولم يشب لك مقطع

ما زال شعرك بي لعوباً لاعباً

(باق وأعمار الطغاة) قصيرة

شعر ضمنت له الخلود الصاخبا

إن قصيدة (أأبا فرات) تستحق أن نسميها بـ (قصيدة النقد)، ولعل وضعها في الديوان مؤرخة بـ(1418هـ - 1997م) وقصيدة (يا فدى ناظريك) أرخت بـ(1421هـ، 2000م) وهي التي تحمل عنوان الديوان، مما يدل على إصرار الشاعر على أسطرة الرمز الحي (الطفل محمد الدرة)، ولأن الرمز (إنسان) فإن الطاقة الشعرية تتضاعف لتشمل الرمز (محمد) والمرموز (صورة الأمة بحاكميها وبمحكوميها، وبكل ألوانها) ليلفت نقدياً أن قيمة الرمز الإنساني تتبلور في نجاحه المضاعف في عملية التأثر والتأثير، ولذلك فهو ادعى بأن تكون له الأولوية في عملية التوظيف وفي أخذ نصيبه في فضاء وخريطة الشعر العربي الحديث.

ولا تبتعد بقية قصائد الديوان عن الموضوعة الأصل، فقد كان الإنسان محبوب الشاعر الأول دون منازع، محور قصائده التي طوفت في مناغاة طفل، وفراق عزيز، وحب مدينة - والمكان بالمكين كما يقال - وأمل بعودة الإنسان إلى إنسانيته المتوخاة.

وكلمة لا بد أن تقال: إذا كانت الكلمة الشهيرة تقول: إن الكتاب الناجح هو الذي يستطيع أن يجمع أكبر عدد ممكن من القراء، فإني أزعم أن (يا فدى ناظريك) كان كذلك؛ لموضوعاته التي تلامس هموم الناس، ولابتعاده عن (طلاسم مفتونة برموزها) وكما يرى الناقد عبد الله الغذامي أن الجواهري ونجيب محفوظ دخلا إلى حصن النقد الحصين دخول الفاتحين من خلال بوابة الجمهور الذي أحبهما، وتأثر بما يبدعان كل التأثر، وهي مقولة صائبة ظل الغذامي يرددها أخيراً في الأماسي والندوات، فظاهرة الجمهرة - كما في علم الاجتماع - تجعل الانطوائيين، ومن يعيشون في أبراجهم العاجية يهرعون إلى موقع التجمهر الذي يثير فضولهم، فيقرأون سبب التجمهر ويدرسونه بوعي (جماهيري) يكتشف الخيوط الذهبية التي تربط الإبداع بين جمهور الشموس الساطعة وبين نخبة الظلال الخافتة.

ولعل الشعراء الشباب يدركون أسرار اللعبة، ليحددوا الموقف الذي يقفون فيه والزمن وحده كفيل بالحكم وعليه يكون الرهان.

[1]  المقصود بالتهود هنا قساوة القلوب، لا اعتناق اليهودية، لقوله تعالى مخاطباً اليهود: (ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة..) البقرة: 74، ويقول الإمام علي (عليه السلام) في الغارة التي شنت على رعاياه في الأنبار: (.. ولقد بلغني أن الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة والأخرى المعاهدة فينتزع حجلها وقلبها وقلائدها ورعاثها ما تمتنع منه إلا بالاسترجاع والاسترحام، ثم انصرفوا وافدين ما نال رجلاً منهم كلم ولا أريق دم، فلو أن امرأً مسلماً مات من بعد هذا أسفاً ما كان به ملوماً بل كان به عندي جديراً) 122 - 123 نهج البلاغة - شرح الإمام الأستاذ محمد عبده، دار التعارف للمطبوعات، بيروت 1982 وقد صدق الشاعر باستخدام لفظ (التهود)، والقنوات الفضائية تنقل الصور الحية المباشرة لقتل محمد الدرة والقتل البشع المتواصل في فلسطين والرأي العام العالمي يرى، لا يسمع فقط - كما في تعبير الإمام علي - ولكنه لا يموت أسفاً، وقد قست القلوب وتهودت.

[2]  حول تقنية نظم الديوان، يراجع: رشيد يحياوي، الشعر العربي الحديث دراسة في المنجز النهي، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب 1998.

[3]  تناول أدبه النقاد بالدرس والتحليل، وأقصد هنا، أنه صاحب قناعة ورؤية نقدية لا يتنازل عنها، ولو كلفه ذلك أعراض النقاد عن دراسة أدبه؛ لمخالفته لهم في الرؤية ومفهوم الشعر. والدكتور القصيبي (غازي بن عبد الرحمن)، أديب مبدع غزير الإنتاج، شاعر وكاتب وروائي، يشغل الآن منصب سفير المملكة العربية السعودية في لندن.

[4]  يقول سعدي يوسف: (الأسطورة لم تستخدم في الشعر العربي الجديد بصورة عضوية، وظلت تشبه جسماً غريباً مزروعاً في جسم القصيدة الجديدة، وإذا اعتبرنا السياب أكثر الشعراء المحدثين استخداماً للأسطورة، فإنه من النادر أن نجد لديه أسطورة ذاتية في نسيج القصيدة) ص177، قامات النخيل، دراسة في شعر سعدي يوسف، الدكتور شاكر النابلسي ط1/1992م - 1413هـ دار المناهل، بيروت، لبنان.

[5]  يراجع الحوار الذي أجراه مع السياب زميله الأديب الأستاذ كاظم خليفة، نشر القسم الأكبر منه في جريدة (صوت الجماهير) البغدادية في العدد (22) الصادر في 26/ 10/ 1963م، وأعيد نشره كاملاً في جريدة (المرفأ) البصرية في العدد (19) في 25/ كانون الأول/1976.
شاعر، السعودية.
370520