الرواية والرواة والكتابة الديوانية
د. سلطان سعد القحطاني * - 15 / 3 / 2011م - 7:56 م - العدد (29)

إن دلالة الفعل الثلاثي (روى) تتفق - تماماً - مع دلالة النقل الشفوي، وهو نقل الحدث ليُروى به عطش الرغبة في معرفة الحدث الماضي، وهو حدث مجرد من الرؤية الفلسفية المستقبلية، أو التوظيف المعرفي، ومطالبة المتلقي بالمزيد من أحداث الماضي من زاويتين:

الأولى: تذوق طعم التاريخ، المتمثل في بقايا أطلال الآثار، كحكاية التاريخ المجيد أو المتخاذل، وهذا يعود إلى قوة حذاقة الراوي وذكائه، ليستغل فيه ذوق المتلقي وجذبه للتفاعل مع الحدث المروي عن أحوال السابقين، ويكيّف الحكاية بما يناسب المقام فيدخل فيها الأصول القبلية والديانات والعقائد، وكل ما من شأنه إرضاء المتلقي المباشر، ولأنها رواية شفوية - غير مكتوبة - فإنها قابلة للتصريف على كل الوجود.

الثانية: الرواية الدينية المأخوذة من كتب الديانات القديمة، وهي ذات شقين:

الأول: معرفة حضارية سياسية، بنى عليها العرب حضارتهم، مستفيدين من النُّظم السياسية والمدنية التي كان الملوك والحكام يسيّرون بها أحوال دولهم.

الثاني: معرفة أحوال أصحاب تلك الديانات التي نزلت فيهم آيات من القرآن الكريم وهم اليهود والنصارى.

أما الأول فكان المستفيد منه الخلفاء والأمراء والساسة، وصنّاع القرار بشكل عام، وهذا ما جعل الخليفة معاوية بن أبي سفيان يهتم بهذا اللون اهتماماً شديداً، ويقرّب الرّواة منه، ويوجّه كل اهتمامه إلى السماع منهم ومناقشتهم وتدوين قصصهم، وهي قصص إخبارية ذات هدف موجّه لخدمة الدولة العربية الجديدة، ليقوم الديوان العربي الإسلامي عليها بعد التعديل بما يناسب توجّهات الدولة الأُموية، وظهر على ضوء أسلوب تلك القصص كتّاب الدواوين من الموالي، الذين وجّهوا كل اهتمامهم للكتابة الديوانية تعويضاً عن المناصب القيادية في الدولة، لأنهم من الموالي الذين ليس لهم نصيب في القيادات بجانب أبناء العرب، وتفوّق من هؤلاء على سبيل المثال سالم مولى هشام بن عبد الملك، ثم تلميذه عبد الحميد الكاتب آخر كتّاب الدواوين في الدولة الأُموية، ولم يكن الموالي من كتّاب الدواوين برواة لكن كتبت الروايات الشفوية بأساليبهم المنمّقة، القائمة على الترادف، والتلاعب باللفظ.

ولنا حديث في العدد القادم عن نظرية الرواية إن شاء الله..

عضو هيئة التدريس في جامعة الملك سعود - السعودية.
363661