رهائن (ابن عباس)
جاسم الصحيح * - 15 / 3 / 2011م - 8:01 م - العدد (29)

تخمّرتَ أكثر مما تطيق الرؤوس

وقلتَ اشربوني على اسم الحقيقة

فاختلفتْ في هواك الكؤوس

ألا فأنت يا بن (عباس)..

إن السماوات تكثر والأرض واحدة.

فأفتني:

هل ترى الشعر بوصلة في الحياة تشير إلى الله

أم أنه مثلنا شجر واقف في مهب الفؤوس.

(محمد العباس) هذا الناقد المعتّق في خابية الإبداع ما زال مصدر ائتلاف واختلاف في ساحتنا الثقافية وذلك لعدة أسباب منها الموضوعي ومنها غير الموضوعي - فالأسلوب الغامض الذي يعتمده في الكتابة النقدية، والجرأة التي تتدفق من أعصاب قلمه، والحضور الثقافي المرشح للحسد والذي أدركه خلال فترة زمنية وجيزة، والتنظيرات التي يطرحها في جميع أشكال الفن والتي تأخذ بعداً متطرفاً في بعض الأحيان، والرغبة في اختراق السائد الأدبي، والاستعداد لتحطيم الأجوبة الجاهزة لأسئلة الوجود الأزلية..

كل هذه الأسباب جعلت منه مفصلاً من مفاصل حركة النقد في ساحتنا الثقافيّة.

إنني حينما أدلف إلى مقالة الأستاذ (محمد العباس) بالملحق الثقافي في جريدة (الرياض) صباح كل خميس، أحس بأنني أدلف إلى فصل دراسي في كلية أدبية عريقة، وأنني أقف أمام أستاذ ممتلئ بالمعرفة حتى رحيق العظام وهذا ما حدا بي إلى تسميته بابن عباس، فتستيقظ كل مساحاتي وتهرول كل جوارحي بين سطور المقالة، وهذا الشعور الذي يتسلل برشاقة إلى أغوار نفسي، يتسلل في الوقت ذاته إلى نفوس جماهير غفيرة تتابع هذه المقالة بشغف لا يتوب.

وكل متابع لسيرة الأستاذ ابن عباس يستطيع أن يكتشف بسهولة انه أحد المبشرين الكبار بقصيدة النثر حيث صدر له كتاب بهذا العنوان (قصيدتنا النثرية) يتضمن دراسات نقدية في تجارب بعض شعراء النثر في السعودية، وحيث انه ما زال يصر في مقالاته على أن قصيدة النثر هي فرس الرهان في سباق الأشكال الشعرية في القرن القادم.

وهنا أتساءل: هل يستحق رهان كهذا الذي يخمر الشعر في قوارير الزمن الآتي على أمل أن تشربه الأجيال القادمة.. هل يستحق هذا الرهان إراقة ينابيع جمة من الحبر المبدع الذي يتدفق من أنامل (ابن عباس)؟! أنا أعرف أن هذا الأستاذ أذكى من أن يزج بكل ما أوتي من رأسمال إبداعي في مراهنة خاسرة خصوصاً وأنه أحد خبراء السباقات الثقافية العالمية والأكثر معرفة بسلالة الخيول الشعرية، لذلك أشعر بالرهبة تجتاحني وأنا أسمع لهاث قصيدة النثر يعلو على حناجر الجرائد وألسنة الدواوين، وقد يسأل سائل عن سبب هذه الرهبة، وهل أنا ضد هذا الشكل الشعري الجديد؟؟.

إن الخصومة مع الشكل يجب أن لا تفضي إلى مجافاة المضمون في أي نص أدبي، خصوصاً وأن الأسلوب الجميل في النص قادرٌ على أن يحرق الشكل ويعيد صياغته في الذات المتلقية، ولا أدل على ذلك من امرأة (نص) غير ذات جمال ظاهري، لكن أسلوبها في الحديث خلال تقديم ذاتها إلى المتلقي قد يكون ذا جمال فائق ينعكس على الظاهر ويعيد ترتيب ملامحه حتى تبدو في صورة خلابة حيث إن كل جمال دون أسلوب يجعل من حامله أو حاملته لوحة يبروزها شكلها.

بناءً على هذه الحقيقة، لا أقف موقف الضد من القصيدة النثرية ولكن رهبتي تنبع من القطيعة المعرفية بين هذا الشكل الشعري القادم كالسيل العرم وبين الإنسان العربي، لذلك ملاحظ أن الشعراء النثريين يعيشون عزلة التغييب والتهميش في الشارع مما دفع ببعضم لاختلاف منظومة رمزية له بعيداً عن الآخرين وكأنه يريد أن ينحت أبجدية جديدة خاصة به، يحادث بها نفسه في جزيرة منفصلة عن الناس. وهنا يصبح الشعر على حياد من الحياة بعد أن تمتلك القصيدة النثرية ناصية السباق وتبدأ الجماهير بمغادرة الحلبة بوجوه تنضح بالحزن، وتبقى المدرجات خرساء والمقاعد مقلوبة على حماستها المطفأة والمضمار يتمرغ في السأم إذ لا صرخة تخترق سقف الانتظار ولا تصفيق يثقب جدار الصمت، ويصبح (ابن عباس) حينئذ، سيد الرهان ولكنه في نظر الجماهير أحد المتآمرين على الشعر بعد أن ضرب سداً من القطيعة بين الشعر وبينهم.

لذلك كله، أرجو من الصديق المضيء أن يهدهد من عنفوان خيوله كي تتريّث قليلاً قبل أن تأخذها روح المغامرة عبر شوط التجريب إلى هاوية الطرد بدلاً من قمة التفرُّد، وبإمكانك يا أخي أن توجه تلك الخيول في رحلات استكشاف أخرى تضيء الطريق أمام الإنسان وتأخذه إلى ينابيع الحرية.

يا بن عباس:

أهز بنجواك رأسي فينتثر الأمس غيماً تخثَّر في جعبة الذاكرة وأفتح أوردتي للرياح الفتية قادمة من فضاءك كي تكنس الغيمة الخاثرة فيمتد بيني وبينك تابوت جدّي وتصهل ألواحه الثائرة.

شاعر
371316