تأملات في قصيدة عروس الخليج
جعفر محمد العيد * - 16 / 3 / 2011م - 3:39 ص - العدد (30)

قصيدة "عروس الخليج" هي إحدى القصائد الجميلة التي احتواها ديوان (مدينة الدراري) للأديب الشاعر: محمد سعيد الخنيزي[1] .

يصور الشاعر في هذه القصيدة واقع القطيف، وهي إحدى أشهر مدن المنطقة؛ وذلك يوم كانت عامرة بالبساتين، ومنظر البحر الذي يقع شرق عاصمتها (القلعة)، وتغفو الرمال الذهبية على ذراعيها في الغرب، كما يصور عيونها وآثارها.

وهنا أورد ملاحظة على عنوان القصيدة "عروس الخليج" والشاعر إنما يُطلق هذا الاسم تجاوزاً؛ لأن هناك من العواصم والمدن ما فاقت اسم القطيف شهرة وجمالاً، ولكن الشاعر يأبى إلا أن يعيش بهذه القصيدة العز الذي كانت تعيش فيه هذه المدينة.

وهنا نُسلط الضوء عما جاء في القصيدة عن البحر وأبطاله، ولأن الكلام عن البحر ومصطلحاته القديمة أصبحت شبه منسية عند الجيل الحاضر، فأحببت أن أسلط الضوء على هذه القصيدة ومشاعر الأديب الخنيزي عنه، وتفكيك بعض الكلمات التي باتت في العصر الحالي شبه مبهمة.

يقول الشاعر:

إن البحر كان يمتد في شرق مدينة القطيف، وأمامها مزارع النخيل التي لاحت للبحارة وكأنها عملاق امتد من الأرض إلى عنان السماء، بينما نامت الصحراء على امتداد المدينة الغربي، وذلك بقوله:

"شرقها البحر والنخيل عذارى

مثل جنّ أعناقها في السماء

وغفا الرمل فوق زنديها في الغرب

تلالاً على فم الصحراء"

ولكن مجرد ذكر البحر يُفجر أحزان الشاعر على ماضٍ تليد، وينساب بشعره نحو وصف البحر، والبحارة، والنوخذة، والسفن، وتفاصيل شديدة الدقة من حياة البحر، فبدا وكأن البحر سبب ثوران أحزانه عندما قال:

"مات قلبي على صخورك يا بحر

وغابت معالم الذكريات

وانمحى الشاطئ الجميل ولفت

صور للحياة والسهرات"

ويتقمص الشاعر صورة أي عاشق، وأي محزون، كان يُفرغ شحنة آلامه عند الشاطئ، عندما يقول:

"وهنا صخرة أبث عليها

ألم القلب والشجى والشكاة"

ثم يتيه الشاعر في عالم أفكاره وتخيلاته عن عالم البحر، وكم كانت جميلة تلك الحياة، وكأن هذه الحياة تسري في أفكار الشاعر لحن عذب، فهو هنا يذكر النهام وأغانيه، وكأنه ينبعث من وسط أنات الموجوع المتحسر على تلك الحياة، ولكنه بعد ذلك يشبه رفع المجداف للأمواج أيضاً بالأغنية:

"وأغاني النهام في الليلة القمراء

لحن يسيل في الأنات

يُرسل اللحن في شظاياه قلب

فيسيل الفؤاد بالحسرات

وأغاني المجداف في الموج أحلام

ودنيا من عالم الأمنيات"

ثم يواصل الشاعر وصف حسرته على تلك الأيام، وأن بناء القصور الجميلة والرائعة التي أُقيمت على أراضٍ بحرية دفنت لا يغني أبداً عن البحر وشواطئه الرائعة، بل أن دفن هذا الساحل -كما يعتقد الشاعر- قد محى مناظر كثيرة من الجمال:

"منظر للجمال منا تلاشى

أين منه مناظر الغرفات"

ثم يتذكر أيام الغوص.. عندما تترامى إلى ذاكرته تلك الأيام:

"وأطلت مواكب الغوص - يا بحر!

ولاحت من كوّة الأزمان

سفن كالعقاب مدت جناحاً

ماخرات في البحر كالعقبان

إنه الغوص كالربيع ازدهاراً

وانفتاحاً على سنا المرجان"

بعدها يتأوه الخنيزي لتلك الأيام، ويبدأ وكأنه يريد أن يذكرنا بقصة حياة الآباء العسيرة، ولكن هذه القصة كما رآها وتذكرها، ربما نسى شيئاً، أو أهملته الذاكرة، ولكن الذي يذكره الشاعر ليس بسيطاً وخصوصاً عندما يصفه الشاعر بكل ما له من ذيول، وبكل ما له من انطباعات، وصور جمالية يبدعها الشاعر؛ لكي تُضفي على الشعر رداءً منمنماً بقدسية الماضي، ويبدأها بالتأوه:

"إيه يا بحر! قد شهدت حياة

من ليالي الفنون والألوان

المواويل كالحياة إلى الغوص

دروس في صفحة الأكوان

إنه موسم كعيد جميل

يتمشى كالماء في الأغصان"

ثم يقول:

"وله الحكم كالدساتير في البر

وفي البحر هيبة السلطان"

ثم تتالى الصور البديعة عن حياة البحر، فيقول:

"ورعاياه (جزوة) والقعيدان

بأمر عليهما يحرسان"

والمقصود هنا أن هذا الموسم الذي يشبه العيد وهو (موسم الغوص) رعاياه يتكونون عادة من -كم يذكر الشاعر- ربان مع طاقم السفينة.. إضافة إلى (القعيدان) وهما: الحارسان اللذان يتناوبان في حفظ وحراسة السفينة.

ورعاياه (جزوة) و (القعيدان)

بأمر عليهما يحرسان

يأكلون الأسماك من كل نوع

ويغنون نهمة من حنان

وهم تحت (نوخذاء) مطاع

فهو: رب السفين، والصولجان

وهناك السفين يُلقي مراسيه

بأمر من سلطة الربان

ويغوصون في الصباح بعمق البحر

بحثاً عن لؤلؤ، وجمان

واللآلئ مجد الخليج ورمز الغوص

تاج على صدور الغواني

وهنا يُسلط الشاعر الضوء على سلطة الربان، والذي يُسمى في أيام الغوص (النوخذا) وعادة ما يكون من أكبر البحارة وأرجحهم عقلاً، وإذا لم يكن كذلك فإنه لا شك من سليل تلك العوائل الغنية، والتي لها باع طويل في مغامرات البحر، هذا الربان له أنظمة وقوانين قاسية في السفينة، تُطبق على البحارة، وحكمه كحكم السلطان لا يُرد أبداً، كما أنه يمكن أن يتعدى ذلك إلى إحكام سيطرته في البحارين حتى في البر.

وهذا هو حال مجتمع البحر والبحارين.. وعادة ما يكون هذا النوخذة هو مالك السفينة أو وكيله على الأقل، ويُعتقد أن هذه الكلمة جاءت من اللغة الفارسية بتصرف، ومهما يكن من أمر فإن الهدف الأساسي لمالك السفينة وللبحارين هو البحث عن اللؤلؤ الذي هو فرج على الجميع؛ إذ بمقداره يمكن أن يحسب البحارة أنفسهم خاسرين أم رابحين، هذه اللآلئ هي التي شهرت وألمعت اسم الخليج كما تلمع هذه اللآلئ على صدور الجميلات. ثم يواصل الشاعر مسيرته فيقول:

"وعلى (المزود) الصغير سطور

كتبتها يد الشقاء المريد

فيه بعض من الغذاء وتمر

وبقايا كسيرة من شعير

والشقاء الذي يخط على الجبهة

لاحت حروفه في الحصير"

وهنا يرسم الخنيزي صورة رائعة لحالة البحر في قديم الزمان، فيذكر المزود: وهو حقيبة مصنوعة من سعف النخيل لحفظ التمر وكسيرات الخبز من التلف والآفات، هذا الأكل الزهيد لا يقابل أبداً الجهد الذي يبذله البحارة في تأمين لقمة العيش، ومن هنا خلق الشاعر هذه الصورة بأن هذا المزود الصغير والذي يلجأ إليه البحار عند جوعه كأنما كتب الشقاء سطوره عليه؛ لأنه الشاهد الكبير، ويفصل بعد ذلك غذاء البحار الذي لا يتعدى بعض التمر، وكسرات من الشعير هذا من ناحية الغذاء.

أما من ناحية المناخ فلم يكن مناماً وثيراً، وإنما كان عبارة عن حصير مصنوع من سعف النخيل ترتسم تجاعيده الخشنة على وجه وجسم البحار، وإذا زاد عن ذلك فلحاف من القطن الخفيف، والذي لا يصد لفحات الزمهرير البحري، كما أنه لا يمتص تعب وشقاء البحار، لذلك يعبر الشاعر عن هذه الصورة بقوله:

"طوي البؤس في المنام، وفيه

لفحات الشقاء والزمهرير"

ينتقل الشاعر بعد ذلك لرسم بعض صور المعاش المؤلمة، وهي عبارة عن معاش مقدم، وتسمى قديماً (القلاطه) وهي عبارة عن بعض الدُريهِمات تُدفع للبحار مقدماً؛ ليزود بها بيته بالغذاء فترة غيابه، وبهذا يملك، ولا يستطيع الامتناع عن دخول الغوص حتى يُسدد ما استلمه مقدماً:

"زودوه من النقود ببعض

جعلوها (قلاطة) للنفير"

وهناك أمر آخر في المعاش وهو ما يسمى (السقام) وهو البلغة والتي تُعطى للبحار في الشتاء، لغذاء عائلته، وإذا ركب الغوص في الصيف، ولم يرزق شيئاً يتراكم عليه الديّن:

"قيدوه من (السقام) بقيد

رهن ديّن على ممر العصور"

بعد ذلك يتحدث الشاعر وفي صورة أخيره عن دور الغواص، ودور السيب في عملية البحث عن المحار الذي يحتضن اللآلئ، فالغواص: هو الذي يغطس في البحر للبحث عن المحار، والسيب يمسك بحبل في أعلى القارب، هذا الحبل مشدود إلى بطن الغواص، وإذا ما شعر الغواص وهو في قاع البحر بأن نفسه قد ضاق عليه، أو أن خطراً قد داهمه، فما عليه إلا تحريك هذا الحبل؛ ليجره السيب من الماء إلى أعلى السفينة، متلقياً ما عنده من محار، فيقول الشاعر في هذه الصورة:

"يبحث الغيص عن لآلئ في العمق

فتصطاد كفه المحارا

في يديه حبل يشل به السيب

فيلقى في موجه إعصارا

فشعاع السماء ألقى له الضوء

فكانت في عمقه أنوارا

فإذا الغيص كدَّ جسماً عن البحث

وضاقت أنفاسه أخطارا

حرك الحبل كالنذير إلى السيب

فيلقى إشارة وشعارا

فإذا السيب يسحب الغيص

كالبرق سريعاً يشقق الاستارا

وإذا الغيص فوق موج إلى جنب

سنـين يهتـل الاســـرار

[1]  مدينة الدراري، محمد سعيد الخنيزي، 1414هـ، مطابع الرضا، الدمام.
عضو هيئة التحرير
363417