مَوعدٌ مع مَادلِين
زكي ابراهيم السالم * - 15 / 10 / 2007م - 6:26 ص - العدد (3)

 

بيروتُ ياجنّةَ الدُنيا بما تَهَبُ

وياخَميلاً(2) به العُشاقُ قَدْ رقصوا

وياربيعاً من الأمواهِ مؤتلقا

وياملاعبَ غَيداءٍ(4) يُغازلُها

ويارياضَاً بجنّاتِ الخُلودِ زَهَتْ

ياجنة اللهِ في عَليا مراتبهِ

إنّي وصحبيَ قد جئناكِ تَملؤنَا

حُطِّي جَناحكِ كي نَرقى الى أُفُقٍ

مَادليْنُ: والغيدُ تَحويكِ مُجنِّحةً(5)

إنّا حَيارى، وبعضُ الحُورِ تقدُمُنا

لم ندر أنّ بها الدُّنيا وما حَمَلَتْ

وبعضُهَنَّ ـ كما نَبغي ـ تُعانقُنا

وبعضُهُنَّ مع الأحلامِ مِا فتئَتْ

فيستفيقُ على إغفَاءِ مُقلِتها

ما أروعَ الحُسنَ إذْ يبَدو بوجنَتِها

تخالُها الشمسَ لِكنْ لا غُروبَ لها

قد لفّها (السترْتشُ) حتى بانَ باطنُها

وعاد يبعثُ فيها (الجِنزُ) رونقَهُ(12)

ولوّحَ (الروجُّ) مَسحوراً ومفتتِنَاً

وشعرُها قد تَرامى فوقَ منكبِها

وصدرُها زُيّنَتْ فيهِ قلائِدهُ

مادلينُ: كيف نُواري عنكِ دهشتَنَا

عُذراً، فمَنْ عاشَ في البيداءِ يعجبُهُ

مادلينُ: هل تذكرين اللّيلَ حين سجى

لما جلَسنا ومُدَّتْ فيهِ أرجُلنا

والماءُ يُنزلها حيناً ويَرفعُها

ونحنُ في (الرّوشَةِ) الغَرا تُمازِحُنا(19)

وعابقاتٌ من (الحمراءِ) تَنفحُنا

فصُرتُ أطلب منكِ رقضةً فطغى

فطوقَتْ عنُقُي كفّاكِ في قَلقٍ

ولفَّ خصَركِ كفّي دونما ريَبٍ

يافاتِناً تتمنّى أن تُعانقَني

حتى اذا ما ضِياءَ الفجرِ أيقظَنا

رأيتُ زرُقةَ عينيكِ التي اشتعلَتْ

فقلتُ: ياحُلوةَ الخدّينِ هل لَمَحَتْ

فقلتِ: كم اتمنّى أن تُشاهدَني

لكنّه الفجرُ أخشى أن يُفرّقَنا

وقتُ التَرحُّلِ قد بانَت علائِمُهُ

فقلتُ: إنّي وإن فارقتُكم جَسداً

لأنتمُ في فؤاديِ لا تُفارِقُهُ

في أرضٍ لُبنانَ قد أودعتُ فاتنَتي
 وياعُذوبَةَ كأسٍ حَفَّها الحَبَبُ(1).

فهزّهم من بقايا لحنِهِ الطَّرَبُ

شُدّتْ اليه العيونُ النجُّل والهُدُبُ (3)

عطرُ الصِّبا إذْ تُناغيهِ فيلتَهِبُ

المَاءُ زيّنَها والخمرُ والعنبُ

لا تحلمُي، فلقَد دانَتْ لكِ الرُّتَبُ

رُوى الشّبابِ، فلا شَكوىً ولا عَتَبُ

منَ الجمَالِ، أنارَتْ دربَهُ الشُّهُبُ

إنّا عُطاشَى، فهلْ تُملأ لنا القِرَبُ

لمْ نَدرِ أَنَّ بها وقّادةً(6) تَهَبُ

بعضُ الغواني لأسيافِ الهوى سَلَبُ(7)

أحداقُها ويُناجِي طرفَنَا الهَدَبُ

تَعدو، تُحلِّقُ، تَسمو، تَرتقي، تَثِبُ

وِجدَانُنُا، فلكَمْ نشَقى ونَضطَرِبُ(8)

وما أُحيلا السَّنا في خدِها يَقِبُ(9)

وتحسَبُ البدرَ في الأعماقِ يَغتَرِبُ(10)

وتاهَ في (الميكروجُوب) خصرُها العذبُ(11)

حتى غدَت تتلوّى تحتَهُ الرُّكَبُ

قد راقَهُ من ثنايا ثغرِها الشّنَبُ(13)

لم يَعرفِ الرِّفقَ يوماً جيشُه اللِّجبُ(14)

كأنّما هو في إشراقِهِ الذّهَبُ

وقد نَشأنا وفي أبصارِنا الحُجُبُ(15)

مَرأى الغديرِ وقد حفت بهِ العُرُبُ(16)

والبحرُ فيِ هَدأةٍ والموجُ يقتربُ(17)

فأصبَحتْ تتراءى مثلمَا اللّهَبُ

أخرى، فيأسرُها في حضنهِ اللعّبُ(18)

رمالهُا، وعبيرٌ راحَ ينسَكِبُ

حتى سَكرنا، وراق الرقصُ والطربُ(20)

فيكِ الغُرور، ولكن نُوقِشَ الطَّلبُ

حتى قرأت بها أسرارَ مَنْ ذهَبوا

وكيفَ تجتمعُ الأشواقُ والريَبُ(21)

لكنْ تُفضِّل أن يلهوْ بها العجُبُ(22)

ومُزقَت حالكاتُ السِّتِر والحُجُبُ(23)

فيها الدُّموعُ ولمْ يُـعرفْ لها سَبَبُ

عيناكِ شخصَ امرىءٍ، يبدو ويحتَجِبُ

كلُّ الخلائق في حُضنيكَ أنقِلبُ

ومَن يُعيدُ ليَ الأحبابَ إن ذهبُوا

وكلُّ مُغتربٍ حتماً سينَقلِبُ(24)

وشَدّني لبقايا أمسيَ الأرَبُ(25)

أطيافٌكم، واليكمْ صِرتُ أنتَسبُ(26)

وعُدْتُ أرفُلُ بالذكرى واختَضِبُ
 

بيروت ـ ذي الحجة 1415 هـ، مايو 1995م.


--------------------------------------------------------------------------------

:الهوامش
 

(1) ـ الحبَبَبُ: الفقاقيعُ التي تظهر على الكأس.

(2) ـ الخميل: الشجرُ الكثير الملتَف.

(3) ـ الأمواه: جمع مياه، مؤتلقا: مشرقاً، النُّجُل: الواسعة

(4) ـ غيداء: الفتاة الناعمة الجميلة

(5) ـ مجنحة: محلقة طائرة.

(6) ـ وقادة: سريعة توُّقدِ القلب.

(7) ـ معنى البيت: ان بعضَ الفتيات الجميلات تلتَهمها العيونٌ حينَ تبدو.

(8) ـ إغفاء مُقلتها: نومُ عينها، وجداننا: قلبنا.

(9) ـ وجنتها: الوجنَةُ ما ارتفعَ من الخدين، يقب: يدَخُل.

(10) ـ تخالها: تظنها، يغترب: يتوه

(11) ـ السترتش و (الميكروجوب) نوع من أنواع الملابس النسائية العصرية.

(12) ـ (الجينز) أيضاً نوع من أنواع الملابس النسائية العصرية.

(13) ـ الروج: احمرُ الشفاه، ثغرها: فمها، الشَنَب: شدة بياضِ الأسنان.

(14) ـ اللجب: الجيش القوي ذو الأصوات المرُعبة.

(15) ـ نواري: نُخفي، دهشتنا: استغرابنا، الحجُب: السِّتر ومفرده حجاب.

(16) ـ البيداء: الصحراء، العُرُب: الفتيات الحسناوات.

(17) ـ سجى: سَكَن وهدأ.

(18) ـ يأسرها في حضنه اللعب: أي يحلو لها اللعب فيه.

(19) ـ الروشة: كورنيش بيروت على البحر.

(20) ـ عابقات: رياح تمتلىء بالطيب، الحمراء: احدى مناطق بيروت القريبة من البحر، راق االرقص: حلا.

(21) ـ دونما ريب: بلا خوف ولا قلق.

(22) ـ العُجُبْ: الأعجاب بالنفس.

(23) ـ حالكات الستر: أي ظلام الستر.

(24) ـ الترحل: الرحيل، سينقلب: أي سيعود.

(25) ـ الأرب: الحاجة والأمنية.

(26) ـ أنتسب: أنتمي اليكم.


 

شاعر
363415