وتجسدت الصورة
صالحة علي الرميح * - 16 / 3 / 2011م - 12:47 م - العدد (32)

في قبضتها طير أحكمت الإمساك به، لا أدري إن كانت تداعبه أم تلعب به، بدا لا حول له ولا قوة، سلّم المسكين أمره لما تصنع به أناملها، لا يصدر صوتاً أو حراكاً، سوى نبضه وأنفاسه المتلاحقة.

استعطفني المنظرن أشفقت على الطير المسكين وما تجنيه عليه تلك الصغيرة، تعبث به كالدمية، غير مدركة أن ما بين أصابعها نفس تشعر وتتألم.

أطبقت أجفاني من روع المشهد، وفتحتها على تحليق الطير مسرعاً إلى عنان السماء وكأن بغيته النجوم.

توقف هنيأة وكأنه يرمق الفتاة، خُيل لي أنه ينظر إليها وقد تراءت له أصغر مما كان يبدو في يديها، فهي في عينيه لا تعادل غرزة إبرة في رمل، لسان حاله يعنفها: أيتها المخلوقة الضئيلة، لا حول لكِ ولا قوة، نقرة بسيطة من منقاري النحيل أدمت بنانك وأبكت عينيك، لِمَ سلبتني حريتي وأماني، قضضت مضجعي، نزعتني من رغد عيشي، وصببت عليّ الجوع والحرمان، وأنت تشاركينني في الضعف وقلة الحيلة، ألستِ لحماً ودماً، خلقني من خلقك، أحس وأشعر؟

وبعد أن أفرغ ما في قريحته من تظلّم غاب عن عيني، التفت إلى الصغيرة بين أحضان والدتها التي أخذت تولول وتصب لعنتها على العصفور، سبحان الله، انقلبت الصورة، المضطهَد ظالم، والظَّالم مضطهَد.

الصورة التي تحكي واقعنا الممقوت، التي فيها من يشمخ بأنفه، ويزأر بملء فمه، يكشر عن أنيابه، يغرس مخالبه في صدر الضعيف، ويطأ بنعله الفقير، يغتصب حتى اليتيم.. يسفك الدماء بلا مسوغ أو علة، يبطش يدمر، كما يحلو له، دون أن يرف له رمش، أو تقف له شعرة، لا يدرك أن الله يمهل ولا يهمل.

فتتعاقب الأيام على طغيانه، وتتوالى الأعوام على جبروته، إلى أن يقع في القفص ذاته، الذي سجن فيه العصفور آنفاً.

فيبدو ضعفه وسكينته، وتظهر حقارته، التي ما فارقته، ولكنه يخفيها عن الناس مراراً، ويتجاهلها استكباراً، مدرعاً إياها بقناع واهٍ لا أساس له، اسمه العظمة والقوة.

كاتبة - السعودية.
375197