إيحاءات سمراء من بقايا الرماد
جعفر محمد العيد * - 16 / 3 / 2011م - 1:17 م - العدد (32)

عندما يواجهك عنوان بهذا التركيب "بقايا الرماد" فبماذا يوحي لك هذا العنوان؟

فالرماد هو عادة بقية الهباء وبقية الاحتراق، كتدليل على تحول المواد الملموسة والمحسوسة إلى رماد "حالة الانعدام".

ومن هنا تبرز عبقرية واضع العنوان والذي عبر فيه عن الضعف الكوني أمام النار. وهي معانٍ كبيرة احتواها هذا العنوان الصغير، وتنبع معه قمة التصور المبدع لهذا العنوان ودقة في معناه المنطوق لواقع قد حدث.

والعنوان يتحلى باختصار قصة الشاعر القطيفي عبدالوهاب حسن المهدي الذي كان يوماً من الأيام يملك روحاً متوثبة بالآمال مملوءة بالهموم والمشاعر الحزينة، وكان شعره معراجاً إلى روحه.. وقصائده هي معنى حياته، ولهيب الحب فيها، هي تباريح معاناته وآلامه.

لكن سرعان ما أَفَلَتْ الأنجم، وغابت الطيور عن أعشاشها، وتساقط الورق الأخضر من أشجاره عندما انتزع القدر أغلى ما يملك من قصائد، في حريق لم يوفِّر حتى حياة الشاعر وزوجته وأولاده.

وكان الواقع عصيباً، ومؤلماً لدى أصحابه ومنهم الشاعر الكبير عدنان العوامي.. وأشد ما آلمهم أن النار أحرقت جميع الدواوين مع كل ما كان يحمله من حب!!

ما تبقى لكم.. وهل يموت الحب؟

إن هذه النار التي أحرقت القلب المادي لم تخمد الأحساس والمشاعر كونها ليست مادية، لا تستطيع النار السطو عليه فظلت متوقدة بانتظام.

نعم.. إن هذا ما زعم به أصحاب الفقيد بعد عدة سنوات من رحيله في ديوان صدر أخيراً بعنوان "بقايا الرماد"[1] .

بقايا الرماد هو ما أمكن العثور عليه من قصائد الشاعر.. ولكنها جاءت متجانسة مكونة وحدة موضوعية كما يقدم لها الشاعر الشماسي بقوله: "والشاعر لم يرد هذه الوحدة الموضوعية وهو صاحب ثلاثة دوواين: ربيع الشباب، من وحي القطيف، قبس الإشراق، متنوعة الأغراض، إنما الحدث الرهيب الذي أحاط بالشاعر وأحال منزلة بمن فيه وما فيه إلى كومة من رماد هو الذي لملم أطراف (بقايا الرماد) وجعل منها وحدة موضوعية متجانسة. احترق فيها المسك في جمر اللهب ففاح شعر الهوى والشباب"[2] .

يذكرني ذلك بما كتبه القاص الشهير غسان كنفاني في مجموعته القصصية (ما تبقى لكم).

ما تبقى لكم.. سؤال كان يبحث عن جواب.

كان مغزى السؤال هو هل للإنسان قيمة بعد الكرامة والأرض التي سلبت من قبل الإسرائليين.. فكان جواب الشعب الفلسطيني لها بـ(نعم).. المقاومة، وذلك ما كان يهدف إليه كنفاني.

أما المهدي فماذا كان يهدف من قصائده التي لملمت من الرماد.. إذا اعتبرناها رسالة؟

يقول الشاعر:

أنا في غمرة الأسى شارد الإحساس

هيمان بالمتاعب مرهق

جنحت وجهتي إلى الأمل المنشود

لكن ألفيت دربي مغلق

أتملى روائع الحسن في الكون

وأهفو إلى الكمال المطلق

وبعيني تبدوالحياة طيوفاً

وتلاوين من رؤى لا تصدق

والشاعر هنا يعبر عن هلامية هذه الحياة وتفاهتها، لكنه مع ذلك، وفي خضم هذه الحياة يتذوق كل شيء جميل فيها طريقاً أو سلماً إلى نهاية الأشياء، جمال الجماليات، أكمل الوجود الكمال المطلق "وأهفو إلى الكمال المطلق" وهو الله.

ثم بعد ذلك يعبر عن هذه الحياة بأنها "أحلام شاعر" ويكشف الشاعر هنا نظرة فلسفية في الوجود وهو أن البشر في هذه الحياة حالمين.. لا فرق بينهم وبين الشاعر مرهف الحس.. وليس هناك تناقض بين "أحلام شاعر" وبين "تلاوين من رؤى لا تصدق"، فيقول:

هي أحلام شاعر مرهف الحس

له العالم الجميل المنمق

عبر أوهامه يطوف على الأمواج

يلهو في رحلةٍ فوق زورق

وعلى مدى مائة وثلاثين صفحة حوى الكتاب (26) قصيدة عناوينها كالتالي:

"رسالة، إلى طائر، شوق وأمل، موعد، شاطئ الذكريات، صوت، حيرة الانتظار، على الرصيف، حب، ابنة العشرين، قطيفية، مليحة، أجيبي، ونجواي الضائعة... إلخ".

إن شعر عبدالوهاب، يقلب المناظر أمامك، يأخذك إلى صورة رئيسية تكاد تخطف بصرك من دون وهج.

أمر آخر في شعر المهدي هو أن الحداثة عنده إلى جانب التراث، والشعر النثري بمعدل الشعر العمودي فجميع ذلك لدى عبدالوهاب شعر عربي، والأهم لديه هو المشاعر التي يريد أن يفرغها ولا يتساءل بعد ذلك بأي صورة، وفي أي قالب أفرغت. وفي الأخير أورد مقطعاً نثرياً من (بقايا الرماد) على الرغم أن التناول كان سريعاً، فيقول في قصيدته (عند منعطف):

لقيتك فانهل طيب

وغنى هزار

ومالت غصون

ولاح بمرآك طيف الحبيب

رنا فأشار

وشاعت ظنون

ومالت لطيب العناق القلوب

وكدنا نحار

وفاضت شؤون

كأن كلينا وحيد

غريب يود الفرار

وحارت عيون

وما ضمنا مجلس أو ندي

ولكن على ملتقى.. ضاع فيه المكان

كأنا على موعد

دعانا إليه اللقاء

على الشوق حين التقت نظرتان

[1]  في قصة الحريق أنه احترق وجميع أفراد أسرته، إضافة إلى دواوينه الشعرية الثلاثة.

[2]  محمد رضي الشماسي، مقدمة (بقايا الرماد)، ص10 - 11.
عضو هيئة التحرير
363410