مهنة خياطة البشوت([1])
محمد جواد الخرس * - 16 / 3 / 2011م - 2:52 م - العدد (33)

مقدمة:

مهنة خياطة البشوت[2]  تعد في طليعة المهن التي اشتهرت بها واحة الأحساء، وفي هذه الورقة يسعى الباحث إلى تسليط الضوء على هذه المهنة، باعتبارها أحد أبرز الحرف الأحسائية الأصيلة، وخلال عرضها ستتم الإجابة على نوعين من التساؤلات:

النوع الأول من التساؤلات: تساؤلات عن واقع مهنة خياطة البشوت وما مدى قدمها؟ و ما هي الأحياء القديمة التي كانت تنتج فيها؟ وما هي أبرز المجالس التي احتضنت الحرفيين وهيَّأت سبل الإنتاج لهم؟ و إلى أي البلدان هاجر الخياطون الأحسائيون للعمل في هذه الحرفة؟ وما هي عوامل الجذب التي أدت إلى هجرتهم إليها؟ و من مِنَ الأحسائين كان له دور بارز في حركة الهجرة والإنتقال من أجل العمل في مجال خياطة البشوت واحتضان من هاجر وانتقل للغرض نفسه؟ و ماهي أنواع البشوت التي كانوا ينتجونها؟ وماهي مراحل انتاجها؟ وما طبيعة العلاقة بين خياطة البشوت والحياكة؟ و ما هي العوامل التي أدت إلى انهيار مهنة الحياكة؟ ونشأت مصنع النسيج في الأحساء؟

النوع الثاني من التساؤلات: تساؤلات متعلقة بجودة المنتجات الأحسائية بشكل عام والبشوت بشكل خاص لكونها موضع البحث، و ما مدى حضور الوعي الثقافي بأهمية الجودة والإتقان؟ وما هي مظاهر ذلك الوعي؟ وما هي حدود انتشار منتجاتهم خارج حدود الواحة؟ الأمر الذي يعكس بدرجة من الموضوعية مدى رضا العملاء عن جودة منتجاتهم، و مدى مصداقية وجود جودة نوعية في الإنتاج الأحسائي من عدمه.

عوامل نجاح المهن الحرفية في واحة الأحساء:

الأحساء منذ القدم منجم للمهن الحرفية كما هو الحال أنها منجم للعلماء والأدباء، وذلك يعود إلى العوامل التالية:

1- حضيت الواحة الأحسائية بقوى جذب اقتصادي لما امتازت به من وفرة في المياه وهذا ادى إلى تجذر كيان زراعي متميز، ويضاف على وفرة المياه موقعها الجغرافي بين العديد من المناطق، مما جعلها مهوى لأفئدة الكثير من الراغبين في الإستقرار والتوطن، بدلا من حياة الترحال، أو العيش في مناطق تعوزها البحث الدائم عن مصادر العيش الرغيد، وواقع الجذب الإقتصادي المذكور أدى إلى تعزيز نجاح المهن الحرفية من جهتين: وفرة الأيدي العاملة، و وجود طلب على المنتجات بشكل يؤهل لفرصة توطين المهن الحرفية فيها وتحقيق اكتفاء ذاتي لساكنيها، وبالتالي إمكانية تطوير الطاقة الإنتاجية إلى حد التصدير للمناطق الأخرى المجاورة.

2- غنى الواحة بالموارد الطبيعية، خاصة منها المتعلقة بالمنتجات الزراعية، ومخلفات الحيازات الزراعية، كما أن احتضانها لميناء العقير وفر لها فرصة الإستيراد في حالة عجز الواحة عن امدادها بمستلزمات الإنتاج: من مواد أولية، و أدوات، وعدد إنتاجية.

3- الوعي بأهمية الجودة في منتجاتهم تعتبر ثقافة أصيلة في الهوية الأحسائية، وهذا الوعي عمق الشعور لدى العمالة فيها بضرورة الإلتزام بإتقان العمل، وإخلاصهم للمهنة التي يتخصصون فيها، وهذا ما انعكس على جودة إنتاجهم بشكل إيجابي، حتى لقد غدت السمة الأحسائية على العديد من المنتجات الحرفية الأحسائية علامة جودة فارقة، قادرة على أن تحقق مستوى معلوماً من رضا العميل، وذلك في زمن لم تُعَنون فيه أفكار الجودة بشكل رسمي، ولم تكفله منظمات وهيئات دولية، ولكنه الذوق الإنساني العام، والميل الغريزي الذي يدفع بصاحبه نحو كل ما هو متقن ومميز.

إن عالم الحرفيات يشهد بأن البشت الأحسائي كان العباءة المفضلة لدى النخبة الاجتماعية في البلاد العربية من وجهاء، ورجال أعمال، ورجال دين، ووزراء، وأمراء، وملوك، ليس على مستوى دول الخليج فقط، بل في بلاد الشام أيضا، و في أرض الكنانة، و العديد من الدول الأفريقية. وهذا الحضور الأحسائي في عالم الحرفيات لم يكن لـ«البشت الأحسائي» فقط، بل لـ«الدلة الأحسائية» نفس الشهرة والحضور، وكذا «المصوغات الذهبية والفضية الأحسائية»، ومنتجاتها من الصناعات الجلدية كالأحذية، والمحازم، وأغمدة الأسلحة النارية الخفيفة المصنوعة من الجلد، وأغمدة السيوف، والخناجر المصنوعة من الخشب المغطى بالذهب والفضة المنقوشتين.

هذا هو حال المنتجات الأحسائية التي تمتاز بإرتفاع أسعارها وكونها تطلب من النخب الإجتماعية على مستوى الوطن العربي، ولأنها تقوى على النقل، وتتمتع بعمر استهلاكي طويل، ويستلزم انتاجها دقة ومهارة بالغة إذا قيست بالمنتجات الحرفية الأخرى، مما يعطيها فرصة للتصدير إلى خارج الأحساء لكثرة الطلب عليها خارجيا. أما بقية المنتجات الحرفية الأخرى، فإن القائمة تطول لو أتينا بذكرها، وقد اشتهرت هي الأخرى بجودتها الأحسائية مثل قلال الماء (المصاخن)، والأقفاص الخشبية المصنوعة من جريد النخل، وأوعية الحفظ الليفية المصنوعة من ليف النخيل مثل (المرحلة) و(القفة)، و(الملالة)، و(الزبيل). و(الخرج). والكلام ينطبق على منتجات الصفارين في مجال الأوعية المعدنية، ومنتجات الحدادين، والنجارين، إلا أن الطلب على هذه المنتجات لم يبلغ حد التصدير بشكل يماثل المنتجات الأخرى وذلك يعود لإرتفاع كلفة النقل وإمكانية إنتاجها محلياً لدى طالبيها.

إن المنظومة القيمية التي يحملها الحرفي الأحسائي، والتي استمدها من واقع هويته الثقافية، جعلت مسألة الجودة والإتقان أمرا منسجما مع واقع الإنتاج الأحسائي بشكل عام، فهذا هو ديدنه لا يغادر مراكز الطليعة سواء في المنتجات الزراعية، أو الحيوانية، فعلى صعيد المنتجات الزراعية، ظلت سعفات النخيل شامخة على مر القرون وتمرها ظل شامخا على الموائد أيضا، يتهاده الأحبة من بلد إلى بلد كصنف مميز لأهل الجود والكرم، والعارفين بأصول الضيافة العربية، فالتمر الأحسائي يرقى لأن يكون هدية طيبة في جميع البلدان، و لا مكان لتمر غير أحسائي في الأحساء؛ لأن آكلي التمر ومتذوقيه يرون ذاك غير ملائم في حق سعفات هجر، حتى لقد سار في البلاد العربية مثالا ذائعا لمن ينقل سلعة إلى غير سوقها، «كناقل التمر إلى هجر».

إن مهنة خياطة البشوت إذا عدت في طليعة المهن الحرفية الأحسائية، فهذا أمر منسجم مع جودة البشوت الأحسائية الذائعة الصيت، كيف لا والقائمون عليها لا يتعاملون معها على أنها مصدر عيش فقط، بل يتعاطونها كفن، يسكبون من خلال أناملهم المجهدة عبر السنين لوحات فنية راقية، لا تقل أصالة عن تلك التي تسكب من خلال فرشاة فنان تشكيلي. وخلال رحلتنا مع هذه المهنة العريقة سوف نلقي الضوء على تاريخ هذه المهنة في الفترات التاريخية التالية:

1. قبل اكتشاف النفط.

2. بعد اكتشاف النفط.

3. خلال الطفرة الإقتصادية.

4. بعد الطفرة الإقتصادية.

ولعل في هذا الطرح المتساوق مع أحداث النفط في فتراتها الأربع بعضا من الموضوعية للسببين التاليين:

1- فاعلية الأثر الإقتصادي على واقع الحياة العامة، الأمر الذي يستلزم عناية المهتمين بتاريخ حياة الشعوب وثقافتها، ضرورة مراعاة أثر هذا العامل عند تسطيرهم لملاحظاتهم عند شهادتهم على ما عاصروه، وواحة الأحساء واحدة من أبرز تلك المناطق التي تعرضت لموجات كبيرة من التغيير، حملته مصائد النفط المكتشفة تحت رمالها الصفراء.

2- أهمية مواصلة فكرة رصد الأثر النفطي على واقع الشعوب وثقافتها، فقد حركت واحة الأحساء همم الباحثين الأكاديميين لرصد أثر النفط على واقع الحياة فيها منهم الدكتور فيدال في كتابه واحة الأحساء المنشور عام 1951م، والدكتور ابراهيم العلاوي في بحثه THE INFLUENCE OF OIL SETTLEMENTIN AL-HASA OASIS, SAUDI ARABIA المنشور عام 1976م، والدكتور عبدالله السبيعي في كتابه اكتشاف النفط وأثره على الحياة الإقتصادية في المنطقة الشرقية المنشور عام 1989م، ويأتي هذا البحث في مضمار من سبق، مع عناية أكثر بتفصيل الفترة التي تلت اكتشاف النفط من أحداث الطفرة الإقتصادية و انحسارها، حيث غاب ذكر الفترتين الثالثة والرابعة في الأبحاث السابقة، إما لعدم ادراكها لتلك الفترة كما هو حال لدى (فيدال)، و(العلاوي) أو لعدم توضح الصورة أثناء فترة البحث كما لدى (السبيعي)، ومن المعلوم أن ملاحظة عدم ذكرهم لهاتين الفترتين ليس بخصوص موضوع حرفة خياطة المشالح، حيث لم يسطروا لها صفحات خاصة في بحوثهم، وإنما المراد هو أصل استخدام التقسيم في بحوثهم بشكل عام، وهذا ما انفرد به كتاب “حاضرة الهفوف في دائرة الضوء” لمؤلفه كاتب هذه السطور[3] ، الذي قام باستلال هذه الصفحات من فصل خاص عقده للحياة الاقتصادية في الكتاب المذكور.

الخلفية التاريخية لخياطة البشوت في الأحساء:

يجمع كل من تحدث عن تاريخ البشوت في الأحساء من (معازيب[4] )، و(مخايطة[5] ) أن هذه المهنة من أعرق المهن في الأحساء، وبأن تاريخها يعود إلى مئات السنين حيث توارثوها عن آبائهم وأجدادهم، وهذا الإطباق والتسالم على عراقتها بين ممتهنيها أمر منسجم مع الخلفية التاريخية لمهنة المنسوجات في الأحساء منذ القدم.

لقد تحدث التاريخ عن الثوب الهجري وشهرته في عالم المنسوجات، حتى أصبح اسم المدينة علما على الثوب ذاته، فقد ذكرت المصادر في مواضع كثيرة أسماء المنسوجات الصادرة من مختلف مدن هجر أبان العصر الإسلامي الأول، وأن هذه البلاد آنذاك من أهم المصادر التي تعتمد عليها الجزيرة في الكثير من وارداتها، فقد ذكر ابن سعد أن هوذة بن علي الحنفي كسا سليط بن عمر العامري أثوابا من نسيج هجر، وجاء عن ابن سلام الجمحي أن أولاد عامر بن عوف أهدوا الحطيئة حللا من بز هجر، كما جاء عن عبد الله بن معاذ أن سويد بن قيس ومخرمة العبدي جلبا بزا إلى مكة فاشترى الرسول صلى الله عليه وسلم منها سراويل[6] . أما في عهد القرامطة فقد كانت الأحساء مشهورة بمهنة الفوط، وقد وصفت بأنها ثياب قصيرة غليظة مخططة[7] . هذا في العصر الإسلامي الأول أما في التاريخ الحديث، فقد أورد الدكتور/ محمد بن عبد الله آل زلفة أن الإمام سعود الكبير حين بسط نفوذه على الحجاز كسا الكعبة المشرفة بكسوة حساوية قيلانية وذلك استنادا على ماورد في (درر نحور الحور العين) للمؤرخ اليمني حجاف[8] .

الكوادر البشرية الأحسائية لمهنة البشوت:

استحوذت مهنة إنتاج البشوت على اهتمام العديد من أسر حاضرة الهفوف في كل من الرفعة الشمالية والوسطى والجنوبية. فمن عاصر هذه المحلات الثلاث وجد أنها تعج بالعديد من الأنشطة الإنتاجية، والتسويقية الخاصة بمهنة البشوت، ابتداءً من مهنة نسيج البشت، ومرورا بخياطته، وأخيرا بتسويقه في الداخل، و تصديره إلى خارج الأحساء.

وفي خضم هذه العملية الإنتاجية والتسويقية، نشأت عوائل واندرست أخرى، وهي لا تعلم مهنة لحاضرها، أو لأبنائها القادمين غير البشت، لذا تجد هناك من العوائل من تخصصت في عمل معين من هذه المهنة، بل بلغ الحال إلى حد التخصص على مستوى الحي، وعلى سبيل المثال لا الحصر تجد أغلب أسر حي الرفعة الشمالية والجنوبية تخصصوا في جلب خيوط نسيج وحياكته وصبغه كعائلة الهلال، والياسين، والغريري، والمرزوق، والبومرة، والبن حمضة، والراشد، وممن عرف بعمل الحياكة قديما كأصحاب مشاغل بارزة قبل عهد النفط مايلي:

1- الحاج حسن بن طاهر بوحسن وذلك قبل الدولة السعودية الثالثة.

2- الحاج أحمد الرفيعي في النعاثل (توفي عام 1330هـ).

3- الحاج حسين البن الشيخ (توفي عام 1340هـ).

أما بعد عهد النفط فهناك العديد من الشخصيات البارزة في هذا المجال منهم على سبيل المثال مايلي:

1- الحاج عبد اللطيف المحمد علي بن حمضة وأخوانه.

2- السيد كاظم الحداد , والد العمدة السيد جواد الحداد.

3- الحاج حجي البحراني.

4- الحاج محمد البن صالح.

5- الحاج حسين النجار (توفي عام 1411هـ) وأبنه علي المعاصر حاليا يعتبر من الماهرين في حياكة بشت (المعلمة) كالتي يلبسها عم الشيخ عيسى آل خليفة أمير البحرين سابقا.

6- الحاج أحمد العبدي.

بينما تجد أغلب أسر حيى الرفعة الوسطى، في كل من فريج الرفاعة، وفريج الفوارس، وفريج الفداغم تخصصوا في خياطة البشوت، وتسويقها بحيث تجد جميع أفراد الأسرة: رجالا، ونساء، كبيرا وصغيرا قد كرس حياته للبشت: خياطة، وتسويقا، وهذا التوجه العائلي لمهنة بعينها له دلالات هامة عند التأمل والنظر في مكونات النسيج الثقافي لمجتمع ما، بإعتبار أن المهنة وتخصص أفراد الأسرة بكاملها تؤكد على معنى التفاني والذوبان في تلك المهنة، وربطهم لمستقبلهم بمستقبل تلك المهنة؛ لذا يهبون أنفسهم لها ويخلصون لها أيما إخلاص، ومما لاشك فيه أن المهن من أبرز مكونات ثقافة أي مجتمع بحيث أنها لا تقل أهمية عن بقية المكونات الأخرى للثقافة والمتمثلة في الأدوات التي يستخدمونها، والأمتعة التي ينتفعون بها، والمساكن التي يخلدون فيها، والشرائع والنظم التي ينتظمون بموجبها مع معبودهم و الآخرين. ومن اللافت لأهمية مهنة خياطة البشوت عند هذه العوائل، أنهم استخدموا مجالس ضيافتهم للعمل، لذا سميت أماكن الخياطة بالمجالس، فهي حقا مجالس يعمل فيها بالخياطة، ويستضاف فيها في وقت واحد، وهذا له دلالة ثقافية جديرة بالتأمل والنظر. والمجالس في الأحياء الثلاثة المذكورة تعيش حياة صاخبة بالعمل المهني في مجال خياطة البشوت ولكثرة تلك المجالس، وكثرة العاملين فيها، وتفاوت الأداء الفني، والأداء الذي تقدمه لمهنة خياطة البشوت في الأحساء فإنه يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أنواع من المجالس[9] :

مجالس للإنتاج المتميز والتسويق: فهي تقوم بدورين أساسين هما استقبال طلبات العملاء، وتوظيف أمهر الأيدي العاملة، وليس بالضرورة أن يوجد المخيط لديهم بالمجلس، إذ يمكنه أن ينجز عمله في أي مكان.

مجالس للتدريب والإنتاج: وهي تقوم بدورين أساسيين هما تدريب المخيط، وتزويد المشاغل المتخصصة في الإنتاج المتميز والتسويق، بالأيدي الماهرة وكذلك تنفيذ بعض الأعمال المسندة لهم منها.

مجالس الإنتاج فقط: وهي إما أن تكون عائلية بحتة، حيث يتجمع أبناء عمومة واحدة وأصحابهم للعمل في مجلس واحد، مثل ديوان الشواف، أو مجلس يشترك فيه المخايطة على دفع مصاريفه وتسمى عندهم بـ(الحطة).

ومن الجدير بالذكر أن مدينة المبرز مارست الخياطة أيضا لكن أغلبهم في خياطة العباءات النسائية، وقليل منهم مارس خياطة البشوت الرجالية ومن أولئك، عائلة الجنوبي. في الفترة الماضية وإلى عهد قريب بعد عهد النفط كانت البشوت شغلها الشاغل.

أشهر مجالس خياطة البشوت الأحسائية:

أخلص مخايطة البشوت… من أبناء حاضرة الهفوف لمهنتهم المحببة إليهم لعلمهم بأنه لا يشاركهم أحد في معرفة فنونها وأسرارها، فقد توارثوها جيلا عن جيل، ومن إخلاصهم ذاك تجد أن الواحد منهم إذا أتى بأبنه إلى معزب المخايطة (صاحب مجلس التدريب والإنتاج) والأبن لم يبلغ الحلم بعد، قد لا يتعدى التاسعة أو العاشرة من عمره، تجده يقول للمعزب بملء الفم (هاك الولد، لك اللحم ولنا العظامه)، وهو مؤشر للمعزب أن يأخذ كافة الإجراءات اللازمة لنجاح هذا الصبي في مهنة الآباء والأجداد، ليسير في قافلة المخايطة التي حافظت على حرفة فنية تميزت بها الأحساء طيلة قرون طويلة، حيث اكتست من صنع أيديهم طليعة المجتمع من ملوك وأمراء ووزراء وأعيان ومشايخ، ورؤساء قبائل، وبقية أفراد المجتمع، وفعلا تجد معزب المخايطة يمارس وجوده مع الصبي ممارسة الوالد تماما وبمطلق الحرية وخاصة في تدريبه وتأديبه، فقد يصل الحال معه أثناء التدريب إلى الضرب باليد، إذا لم ينفذ تعليمات التدريب، وكما يعبر عنه بأن (خرب الشغل). أما إذا حدث وأن اعتدى بعض الصبيان على الآخر،تجد المعزب يتدرج في التأديب بالتوجيه، والنصح، وفي بعض الحالات قد لا يوجد المعزب أمامه خيارا غير افتراشه بالعصا و(الجحيشه)[10] . وعادة ما يتم التدرج مع هذا الصبي بإرساله في مقاضي المجلس، وإشغاله بأمور بسيطة مثل طي الخيوط أو ترتيب البشت (التسفط) أو تنظيفه، ثم يعطى قطعة قماش ليتعلم نفذة الخيط، وضبط المسافات على قماش يدعى (البيش) ومنها اتخذ المثل الدارج على ألسنتهم (طقاقة البيش[11] ) إذ يطلق على الشيء غير الموزون، بعدها يجعلونه يطل على أحد المخايطة للتعلم، ويجعلونه يتدرب في خيوط مصنوعة من النحاس،وذلك بجوار أحد المخايطة، وهنا يسمى (مجاور)[12] .

وقبل أن يعمل الصبي في المجلس يتفق المعزب مع والده على أن يشغله مدة معينة قد تبلغ أربع أو خمس سنوات، منها مدة للتدريب والبقية للمشغل، يأخذ اكرامية في نهاية الأسبوع، وفي نهاية المدة المتفق عليها، يعطيه كسوة من ثوب وغترة وبشت ومكافأة[13] .

أحيانا يكون المتدرب حريصا على الدخول في معترك العمل الجاد بعيدا عن المعزب وهو في فترة التدريب، فيقال عن حالته أنه بدأ (يباوق) حيث يأخذ أعمال خياطة خارج عمل المجلس على حسابه، فتجده يتأخر عن المجلس ساعتين في الصباح يعمل في بيته، وبعد الظهر ساعة، أما في الليل فهو ملك نفسه، فهنا يذهب ويشتري له مصباحاً يعمل بالكيروسين (أتريك) أو (فنار) ويعمل في الليل. ولا يصل هذه المرحلة إلا إذا بلغ الحال من صاحب المجلس التدريبي بإرسال عينات من عمل هذا المتدرب إلى أحد المشاغل المتميزة، فإذا وافقوه على تنفيذ بعض الأعمال لهم يسندها إلى المتدرب، والأجرة تذهب أغلبها لصاحب المجلس، بينما المتدرب لا يحصل على غير النزر القليل من المال المتفق عليه، فلا يجد المتدرب وسيلة للكسب غير السهر و(المباوق)[14] . وعادة من آداب الصبي يظل بعد تخرجه على إتصال بالمعزب، احتراما وتقديرا ووفاء له على تعليمه.

من المجالس التي عرفت بكثرة المتدربين فيها قبل عهد النفط، وكانت أشبه شيئ بمعهد مهني للتدريب على الخياطة لكل من:

1- الحاج حسن الحميدي، وقد عمر صاحبه 135سنة حيث توفي عام 1404هـ، وممن اشتغل في هذا المجلس، مرجع التقليد الشيخ موسى بن عبد الله بوخمسين، إبان صباه قبل رحيله إلى النجف الأشرف للدراسة وذلك عام 1308هـ[15] .

1- آل الشيخ علي الرمضان من الأربعينيات هجرية وكان صاحب المجلس آنذاك الحاج محمد الرمضان، ثم جاء من بعده أبناؤه، وهكذا استمر الوضع حتى الثمانينيات، وممن تعلم في هذا المجلس بعد عهد النفط والد الباحث الحاج جواد بن عبد الله الخرس، ويعتبر هذا المجلس من أكبر المجالس وأشهرها تخريجا للمتدربين.

2- الحاج أحمد البغلي وقد توفي عام 1340هـ.

3- الحاج صالح العبد النبي وقد توفي عام 1330هـ

4- الحاج علي بن ابراهيم الشواف وله مجلس يدعى بـ(ديوان الشواف) وقد توفي عام 1340هـ.

تحدث بعض المسنين عن مجالس الخياطة في فترة مابعد اكتشاف النفط، وكان الكثير منها يعتبر من حيث وجوده امتداداً لمجالس آباء وأجداد مضوا، لكن ليس هناك من يقطع بهذه المعلومة، غير أنه من المقدر أنها هناك ثمة علاقة وثيقة بين الجيلين، وذلك بلحاظ اهتمام التوارث والتواصل فيما بين أفراد العائلة الواحدة، على استمرارية المجالس والحفاظ عليها لكونها تمثل مصدراً مالياً وفيراً إذا ماقورن بمصادر الدخل الأخرى، فضلا عن أنها كانت تعتبر مهنة متميزة مرموقة لا يحبذون انتقالها إلى عوائل أخرى، ومن المواقف المشهودة الدالة على هذا الحس منافاة أحد أبرز عوائل حي الفوارس (في فترة السبعينيات هجرية من القرن الرابع عشر هجرية) لأبناء عمومته لما علم بأنهم قاموا بتدريب بعض أبناء العوائل التي لم يعرف لها ماضي في مهنة خياطة البشوت. أما أبرز المجالس آنذاك لكل من (حسب الترتيب الأبجدي):

1- الحاج إبراهيم بوناصر. في فترة السبعينيات والثمانينيات هجرية من القرن الماضي.

2- الحاج جواد النجار.

3- الحاج حسن الحرز، وكان يخيط للملك عبد العزيز حيث تأتي طلبية البشوت إليه ويوزعها على المخايطة وكان يقوم بنشاطه في ذلك، كدور الحاج سليمان بن غنيم بذلك.

4- الحاج حسين بن الشيخ ابراهيم الخرس.

5- الحاج حسين علي القضيب والد الشيخ عبد العزيز القضيب.

6- الحاج صادق الشهاب والد الشيخ محمد الشهاب.

7- الحاج صالح بو ناصر

8- الحاج صالح الحرز وقد توفي عام 1391هـ

9- الحاج طاهر أحمد الجعفر وقد توفي عام 1397هـ

10- الحاج عبد الرضا بن عبد المحسن القضيب.

11- الحاج عبد الله بن علي بو خميس.

12- الحاج عبد الله بن محمد علي المرزوق وقد توفي عام 1376هـ وهو يعتبر من أحسن من يخيط البشوت الشتوية.

13- الحاج عبد المحسن القضيب.

14- الحاج عبد المحسن بن محمد الخرس.

15- الحاج عبدالله بن طاهر العمار.

16- الحاج عبدالله علي القطان وقد توفي عام 1385.

17- الحاج علي الحرز، وهو أيضا تأتيه طلبيات مشالح من الدولة.

18- الحاج علي بن ابراهيم بوناصر.

19- الحاج علي بن محمد الخرس.

20- الحاج عمار طاهر العمار وقد توفي عام 1390هـ

21- الحاج محمد بن حسين بن عبد المحسن الخرس.

22- السيد محمد الصالح وقد توفي عام 1381هـ (والد العمدة السيد حسين)

23- مجلس البو زيد.

24- مجلس المحاسنة، وسمي بذلك لشراكة كل من عبد المحسن بن أحمد الخرس، و عبد المحسن القطان في هذا المجلس، وكان ممن تواجد في هذا المجلس وعمل على التدريب في هذا المجلس الحاج موسى الموسى وقد عرف الأخير بثقافته الواسعة في مجال التاريخ والأدب.

ويوجد حاليا العديد من مجالس الخياطة وقد اصطلحوا عليها باسم (مشاغل) بدلا من مجالس وهي متخصصه في الإنتاج والتسويق وتقدم منتجات راقية من حيث جودة الخياطة، والعرض والتغليف، و يتم تسويق منتجاتهم على مستوى المملكة العربية السعودية ودول الخليج، ولهم من العملاء المميزين في الدواوين الملكية، والأميرية، و الوزارات، ومجالس الوجهاء، ورجال الأعمال نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر مايلي:

1- أبناء الحاج حسن المهدي أصحاب مجموعة البشوت الملكية. وقد أعطوا البشت الأحسائي مكانته التي تليق به من حيث طريقة التغليف والعرض، وإختيار مواقع لعرض منتجاتهم وبيعها في أرقى مراكز التسويق في كل من الأحساء، والخبر، والرياض، وجدة.

2- الأستاذ فهد بن علي الخرس، حيث واصل مسيرة مجلس جده الحاج علي بن محمد الخرس.

3- الحاج عمار بن طاهر العمار.

4- الحاج جواد بن حسين النجار.

5- الحاج أحمد بن ناصر بوخضر.

6- الحاج علي بن محمد القطان.

أنواع البشوت:

لعراقة مهنة خياطة البشوت في الأحساء، وانتشار عملائها جغرافيا في الوطن العربي، ولحيازة البشت مكانة مروقة كزي رسمي في كثير من تلك الدول لا سيما الخليجية منها، أدى ذلك إلى تنوع أشكاله وأسمائه حسب المناخ والأعمار والمستوى الاجتماعي فضلا عن ألوانه، ويمكن أن نصنفه من حيث النقشات إلى مايلي:

1- المنديلي: وهو أشهر أنواع الخياطة وأقدمها وأكثرها رواجا،واكتسبت تسميتها بذلك نسبة إلى الأمير محمد بن منديل أحد أمراء نجد قبل الدولة السعودية الثانية.

2- السوري: وهي خياطة حديثة إذا تم قياسها بالنسبة إلى المنديلي، وأصلها خياطة أحسائية غير أنها هجرت فترة من الزمن ثم عاد عليها الطلب على أثر عمل العمالة الأحسائية في سوريا و تتعدد تسميات خياطته بزيادة عرض خياطة الزري على البشت، فهناك (المروبع) و(المتوسع) و(الطابوق).

3- المعلمة: وهي قماش محاك بالوبر وأثناء حياكته يدخل الزري في الظهر والأكتاف، وهي قليلة الإنتشار في الوقت الراهن، وممن كان يلبسها في وقتنا المعاصر عم الشيخ عيسى آل خليفة أمير البحرين السابق.

4- السويعية: وهي عباءة خاصة بالنساء ولها مكسر على البشوت الجبرة (السميكة) وتدعى أيضا بـ(الجناع).

5- البخية: وهي مماثلة لخياطة المنديلي والسوري، ولا فرق بينهما إلا أن هذا النوع يستخدم فيها الحرير بدلا من (الزري).

6- بودي: وهي خياطة أقل عرضا من المنديلي والسوري حيث يكتفى بثلاث مراحل هي (التركيب) و(المكسر) و(بروج).

7- مكسر كاسبي: وهي خياطة يكتفى فيها بمرحلة واحدة هي (المكسر).

8- مكسر بريسم: وهي خياطة تشبه (المكسر الكاسبي) ولا فرق بينهما إلا في نوع الخيوط حيث يستخدم خيوط (البريسم).

9- المزوية: وهو بشت يلبسه النساء.

10- المدخل: وهو بشت يلبسه النساء، غير أنه يمتاز بسماكته الزائدة.

أنواع أقمشة البشوت:

يدعى قماش البشوت لدى خياطي الأحساء بـ(الدرج) وجمعه (دروج)، وكان في فترة ما قبل النفط يصنع قماش البشوت في الأحساء حيث يجلب صوفا طبيعيا من البدو، ويغزل على أيدى النساء الأحسائيات، إذ قلما تجد بيتا في الرفعة الوسطى لا تغزل نساؤه هذا الصوف، وبعد غزلهن الصوف يباع على الحاكة في الرفعة الشمالية، حيث تخصص في هذه المهنة الكثير من عوائل هذا الحي كـ(الغريرى[16] ، والعليو، والياسين، والبومرة)، ويباع أيضا في الرفعة الجنوبية لتخصص أغلب أفراد الحي بالحياكة،ومن أبرزهم عائلة الحمد، والبوعيسى، والمعيوف، والحدب، والمزيدي.

وفي فترة ما بعد النفط كان البعض منها يصنع في الأحساء وبعض منها يستورد من الخارج وذلك وفقا لتوقيت لبسه نظرا لأن البشت يستخدم صيفا وشتاء، فهناك منه أقمشة صيفية وأخرى شتوية وهي كما يلي:

1- النجفي: نسبة إلى مدينة النجف الأشرف العراقية وهو أرقى الأنواع على الإطلاق من حيث جمال منظره وخفته ودقة غزله إذ كلما كان دقيقا كان أجود، ويعد من أفضل البشوت الصيفية.

2- البوشهر: نسبة إلى مدينة خرمشهر بإيران وهناك أيضا من الأنواع الراقية، «وكان هذا النوع يغزل بالأيدي هناك ويصنع بالأحساء وهو من الدرجة الأولى لا يلبسها إلا الأعيان علما بأن هذا النوع لا يأتي صافيا في اللون»[17]  وهذا النوع من البشوت الشتوية.

3- الدورقي: نسبة إلى مدينة الدورق الإيرانية المعروفة حاليا بـ(الفلاحية) وهي من بلاد مقاطعة خوزستان، التي يغلب على طابع أهلها مهنة الغزل اليدوي، ومشاغل الحياكة في الأحساء يستوردون خيوط الغزل منها ومن العراق بعدة ألوان منها الأبيض والسكري والأصفر والبني والأسود، و يعد منتج مشاغل حياكة الأحساء من هذا النوع من أفضل المنتجات لنعومة صوفه إذا ماقورن بالأصواف المحلية، وهذا النوع من البشوت الصيفية فهو ما بين 300-400غرام[18] .

4- المعلمة: بشت مميز وسمي بذلك لأن ظهرها الأعلى (الكتفين) به نسيج مطرز من الوبر والقصب وخيوط الحرير، محاكة بطريقة تحجز الوبرعن القصب، وإعداد هذا النوع بهذه الطريقة يتم أثناء الحياكة، وقد اشتهرت مشاغل الحياكة في الأحساء بمهنة هذا النوع المتميز أما وبره فيؤتى به من إيران، وهو من البشوت الشتوية[19] .

5- المدخل: وهي من العباءات المصنعة من الأصواف المحلية وألوانه منحصرة في الأسود والبني والبدري (السكري) وذلك حسب الوان الأغنام المحلية، حيث يراعى في اختيار أصوافه أن تكون ناعمة وجيدة، ومن لون واحد فقط، وعادة مايراعى أن يخاط عليه بالقصب إذا كان لونه أسود وهي من العباءات الشتوية[20] .

6- البرقة: هي نفس عباءة المدخل ولكن تختلف عنها بأنهم يمزجون بين الألوان الثلاثة الأسود والبني والبدري، وذلك بمقاس 25 سم لكل لون وهكذا حتى تنتهي العباءة وهي لباس أهل البادية في فصل الشتاء[21] .

7- المزوية: وهي من العباءات الخشنة الملمس الشتوية، وهي لباس البادية والطبقة الفقيرة، وصوفه محلي يجلب من البادية، وعادة ما يستخدم فيه الأصواف التي لا تصلح لنوعية (المدخل) أو (البرقة) السابق ذكرهما[22] .

هذا ما كان من أنواع البشوت الأحسائية القديمة قبل النفط، أما بعد النفط وتطور صناعة النسيج في العالم بدأت منافسة حادة على نوعية البشوت المذكورة حيث ظهر إلى حيز الوجود نوعيات جديدة كما يلي:

1- (اللندني) و(الونيشن ): الأول يجلب من بريطانيا، والآخر من اليابان وهما من الأقمشة الصيفية و بألوان عدة كثيرة، وقد سدت مسد الأقمشة الصيفية المستخدمة قديما كـ(النجفي)، و(الدورقي)غير أنها ليست بنفس الجمال والرقة إذ لازالت البشوت المصنوعة يدويا تطلب من قبل النخبة. ومن الجدير بالذكر أن من اللندني نوعية سميكة تدعى (بو قاطين)، وأخرى بصناعة يابانية حديثة أخف من اللندني تدعى (بو قاط)، أما الونيشن الياباني فقد أنتج منذ ما يقارب من 30سنة وهو قليل الاستخدام في الفترة الحالية.

2- المرينة: وتصنع في عدة أماكن منها في مصنع شركة النسيج الوطنية بالأحساء ومنها في سوريا، أو من مصنع بوحليقة في أبو ظبي. وهذه سدت مسد الأنواع القديمة مثل (المدخل) و (المزوية) و( المعلمة) و(البرقة).

حياكة البشوت الشتوية في الأحساء وتطور صناعة النسيج:

يدعى المجلس الذي تتم الحياكة فيه بـ (الديوانية) إذا كان كبيرا، وإذا كان المحل صغيرا يدعى (بورقة)، نصفها مفتوح والآخرمسقوف. ويدعى جهاز الحياكة بـ (السدوة) وهو يتكون من عدة أجزاء هي: (الدفاف، والجريب، والمداوس، والنيرة، والبزة، والعوارض)، وبعد أن يكتمل النسيج يصبغ بألون تصنع محليا من مواد عدة هي (الحناء، والجفت، والزاغ، وقشر الرمان، وهليلج لتثبيت الصبغ).

وبعد نسج الخيوط يصبغ في مصابغ الحيين المذكورين، بمادة كريهة الرائحة تعرف بـ(الندوة)، بعدها يغسل النسيج في إحدى عيون الماء الطبيعي كعين أم خريسان بالهفوف لقربهم منها، وكان ممن عرف بهذه المهنة الحاج محمد علي المرزوق.

هذا ولم يستمر وضع الإكتفاء الذاتي من الصوف المحلي في تلك الفترة، وذلك لتطور خيوط الغزل الإيرانية، فكانوا يستوردون منها ما يخيط منه البشوت الشتوية الطيبة، وأبرز تلك المدن، نائين وشاديقان والدورق المسماة بـ(الفلاحية) حاليا وكذا مدينة المحمرة وقد عمل في الاستيراد من هذه المدن رجال أعمال من اختصاص عوائلهم العمل في مهنة الحياكة كعائلة البوعلي، والهلال والمرزوق وكان من أبرزهم الحاج عبد الله بن محمد علي المرزوق أحد أكبر منتجي البشوت، وكان قديما، يجلب الغزل من مدينتي (نائين) و(شاديقان) المذكورتين، بل أصبحت الأولى تعني له الشيء الكثير فقد تزوج منها وأنجب فيها ذرية لا تزال هناك، وما ذاك إلا لكثرة تواجده فيها، إذ في بداية كل صيف يذهب إليها لجمع الغزل ويرسله دفعات إلى حاكة الأحساء ويقومون بحياكته وتجهيزه للخياطة قبل مطلع الشتاء ثم يرسل للخياطين ليكون جاهزا للبيع في بداية موسم الشتاء، وقد توفي عام 1402هـ ممضيا طيلة حياته بين الحياكة والخياطة. كما ساهم في استيراد الغزل إلى الحاكة في الأحساء بعض رجال الأعمال الذين تغلب على طابع عوائلهم العمل في اختصاصات غير الحياكة كالحاج محمد بن الشيخ ابراهيم الخرس.

ولم يقف مشوار الحياكة في الأحساء على الطرق التقليدية حتى بعد تطور جودة منتجاتهم بإستخدام خيوط الغزل الإيرانية بل دخلوا في مجال مهنة النسيج بشكل كبير وذلك على أثر علاقة نشأت بين كل من الحاج عبد الله بوحليقة أحد مخايطة الأحساء المقيمين في مدينة الكاظم العراقية مع نبيه حمد الله أحد رجال الأعمال السوريين تطورت بينهما إلى شكل شراكة في مصنع نسيج، فقد استطاع الأول أن يقنع الطرف الآخر بتكوين شراكة بينهما مع الحاج علي بوحليقة والد الدكتور إحسان بوحليقة[23] . ومن ذلك التاريخ بدأت خياطة البشوت تأخذ طريقها في سوريا بتأسيس المصنع فيها ثم تم نقله إلى بيروت، ولقد قام الحاج علي بوحليقة المذكور بدور كبير في فتح باب للعمالة الأحسائية هناك حيث قام باختيار نخبة منهم، ورفع أجورهم بشكل يتناسب مع طبيعة الحياة المعيشية هناك، وعليه هاجر العديد من أمهر الخياطين إليه، ولما استمر الحال ونشطت العملية الإنتاجية كخياطة في لبنان، نقلوا المصنع هناك وذلك عام 1365هـ، و قد وقع الإختيار على لبنان لجاذبيتها السياحية آنذاك، وكونها منتجع الأمراء والوزراء ورجال الأعمال الخليجيين ومصيفهم المفضل.

إن حدث تأسيس المصنع بهذه الطريقة الحديثة لم يشمل طريقة النسيج بدلا عن الطرق اليدوية، بل شملت حتى الخامات، فقد استبدلوا الوبر المأخوذ من الجمال إلى صوف حيوان اللاما المستورد من استراليا، والمصبوغ آليا بعدة ألوان جميلة، وتم نسجه بطريقة أفضل من الطريقة اليدوية، وبهذا وجهوا ضربة قاصمة للحياكة اليدوية في الأحساء، و على أثرها تم تأسيس شركة النسيج الوطنية ذات مسئولية محدودة بالأحساء عام 383هـ بين كل من الحاج يوسف بن موسى بوعلي، والحاج عبد الحميد بن يوسف بوعلي (توفي عام 1406هـ) والحاج عبد الله بن إبراهيم بوحليقة (توفي عام 1400هـ) وحاليا يمتلكها ورثة الحاج يوسف بن موسى بوعلي، وورثة الحاج عبد الحميد بن يوسف بوعلي، والحاج طاهر محمد المسلم، وورثة محمد وعبد اللطيف أبناء سليمان الناصر الحمد، وبهذا عادت حياكة النسيج إلى الأحساء مرة أخرى، ولكن ليس في فريج الرفعة الشمالي أو الجنوبي، ولكن في حي الفاضلية، وحاليا تم نقله إلى المدينة الصناعية في مدينة العيون بالأحساء.

«ويقوم هذا المصنع بإنتاج البشوت الوبرية والصوفية من الأحجام المختلفة والصالحة للاستعمال في مواسم الشتاء والربيع والخريف في المملكة، أما ألوانه فهي ستة ألوان: الأبيض والسكري الفاتح، والسكر الغامق، والأصفر، والبني، والأسود. وهي تسدى بالخيوط الصوف وتلحم بالخيوط الوبرية»[24] .

«أما من حيث مقاسات الأقمشة المنتجة، فكل قطعة يتراوح طولها من ستة أمتار إلى سبعة أمتار ونصف المتر، والعرض من 70 سم إلى 85 سم.بين 75 غرام إلى 1.200 كغم»[25] .

موردو الخامات الأولية لمهنة البشوت:

تخصص بعض الأفراد الذين لهم تاريخ عريق في مهنة الخياطة بتوفير مستلزمات الخياطين، فالحاج علي بن منصور الرمضان، والحاج سليمان بن غنيم تخصصا في توريد الزري وسيتم تعريف هذه المسميات لاحقا، كما قام الحاج علي بوحليقة (الوارد ذكره)، بتوفير خيوط القطن، والبطانات وغيرها من المستلزمات، كما قام بإنشاء معمل لنسج القياطين، في محل خاص به في شارع الفوارس وهو أول من أدخل التقنية في صناعتها، حيث كانت تعمل يدويا من قبل عدة عوائل كـ(بوخوة)، (الدهموش)، (الجيزان). وهناك مورد آخر هو الحاج محمد بن موسى الفداغم، قد سد فراغا في سوق مستلزمات الخياطة في الأحساء، إذ كانوا قبل ذلك يأخذون مستلزماتهم من البحرين من الحاج حسين بوحمود، إلا أنه مع بداية الطفرة الاقتصادية عام 1395هـ بدأ المذكور باستيراد المستلزمات، ومن أبرز إستيراداته قماش البشوت (اللندني) و( الونيشن) حيث تقدر طلبياته من قماش البشوت الخفيفة ما مقداره مليون ريال وذلك في مدخل الصيف، أما الشتوية فتقدر بـ10000 بشت شتوي لكونه المورد الرئيسي لها في الأحساء، وحاليا يقوم ابنه الاستاذ علي بن محمد الموسى الفداغم بدور المتخصص في تمويل مشاغل الخياطة بالأقمشة ومستلزماتها، كما أنه وكيل مصنع النسيج، و وكيل مصنع نبيه حمد الله.

البلدان التي هاجر إليها خياطو البشوت الأحسائيون:

لم يقتصر سكان حاضرة الهفوف على الأحساء كمدينة عمل لهم في مجال خياطة البشوت، بل تجد أغلبهم كالسندباد، رحالة نحو الرزق الوفير، فتجدهم تغربوا في بعض دول الخليج كالبحرين و الإمارات وعمان، و لنجة في إيران حيث كانت ميناءً مزدهراً قبل انتقال حركة التجارة إلى دبي[26] . كما أن العامل الأحسائي وصل إلى العراق وحط رحاله في البصرة وسوق الشيوخ، وهناك أقاموا مع عوائلهم ومكثوا إلى يومنا هذا.

إن ظاهرة الهجرة في فترة ما بعد النفط كان أمراً مألوفا بين سكان حاضرة الهفوف، إما إلى البحرين وهي أقرب المهاجر العمالية آنذاك، أو إلى العراق بـ(الكاظمية)، أو إلى سوريا بـ(دمشق)، أو إلى لبنان بـ(بيروت)، تحت عناوين كثيرة منها لجمع تكاليف الزواج وتأسيس بيت الزوجية أو لكد لقمة العيش لأولاده وذلك بإرسال (الخرجية) لهم، ومنهم من يذهب للعمل والسياحة والاستمتاع وكان يطلق على الفئة الأخيرة بـ(الزكرتية)، غير أنهم لم يصلوا إلى حد التوطن في هذه الدول في هذه الفترة. ولعل أبرز عوامل انتقال العامل الأحسائي إلى بلد الغربة من أجل العمل هو انتقال المسوقين، نظرا لمعرفة أولئك بأفضل ظروف الإنتاج، فعلى سبيل المثال كان سبب هجرتهم إلى سوريا ولبنان، تميز لبنان آنذاك بقوى جذب سياحي لأمراء الخليج ورجال الأعمال الخليجيين.وقد تمخضت حركة الهجرات العمالية الأحسائية إلى الدول المشار إليها عن انتشار فن خياطة البشت الأحسائي، وتوطينه في تلك الدول، واكتساب بعض أبناء تلك الدول هذا الفن الأصيل،خاصة منهم أكراد الشام، و إنتاجه بأقل جودة لكن بأسعار منافسة جدا.

وأما المخايطة الذين هاجروا إلى الدول المجاورة، ومارسوا مهنة الخياطة فيها فعددهم كبير جدا لن نتمكن من حصره؛ لصعوبة الإستقراء التام من جهة، و لإنعدام المصادر المكتوبة، ولكن سنكتفي بذكر من هاجر إلى هناك وقام بفتح مجالس للخياطة، أو أسس عملا تجاريا متصلا بخياطة المشالح هناك، أو قام بتهيئة فرصة العمل لأبناء جلدتهم من الأحسائيين في تلك البلدان وهم كما يلي:

سلطنة عمان:

هاجر إليها الحاج سليمان بن علي الناصر الحمد في مدينة مسقط وقد توفي هناك في المرض الذي انتشر في مسقط قبل الحرب العالمية الثانية.

دولة الإمارات العربية المتحدة:

هاجر إليها الحاج حمد وأخوه موسى الأمير في دبي وقد توفي الأول في1380هـ والآخر في 1410هـ.

ومن الأحسائيين المتواجدين حاليا في أبو ظبي، ويمارسون العمل في مجال البشوت، على نطاق تجاري وصناعي كبيرين كل من الحاج علي بوحليقة والحاج محمد باقر بوحليقة وهما شريكان في مصنع لنسيج البشوت يسوق الكثير من انتاجه في السعودية.

دولة قطر:

هاجر إليها كل من:

1- الحاج جواد محمد الخواجة.

2- الحاج علي محمد الأمير.

3- السيد هاشم بن السيد عبد الله اليوسف.

وقد تخصص المذكورون أعلاه في البشوت أما في مجال خياطة العباءات النسائية فكل من الحاج عبدالله وأخيه عبد الحسين الزرقي.

دولة البحرين:

وقد هاجر إليها العديد من المخايطة وبأعداد كبيرة منهم:

1- الحاج حسين محمد بوحمود في مدينة المنامة توفي عام 1405هـ.

2- السيد عبد الله اليوسف في مدينة المنامة وقد توفي عام 1409هـ و يخلفه حاليا ابنه السيد محمد.

3- الحاج علي بوكنان في مدينة المنامة وقد توفي عام1405هـ.

4- الحاج علي ابراهيم بوحليقة في مدينة المنامة وقد توفي عام 1400هـ.

5- الحاج علي السعيد في مدينة المحرق وقد توفي عام 1390هـ.

دولة الكويت:

وقد هاجر إليها جمع كبير منهم:

1- الحاج أحمد الأمير.

2- الحاج محمد المهنا.

3- الحاج محسن القطان.

4- الحاج جاسم الحميدي.

5- الحاج سعود المخايطة.

6- الحاج طاهر صالح القطان.

7- الحاج علي السياف.

ومن العوائل التي هاجر بعض أفرادها من الأحساء إلى دولة الكويت، واستقروا فيها من أجل العمل في مجال الخياطة أو الحياكة ما يلي:

1- بعض من أفراد عائلة البغلي، وقد تخصصوا في مجال الخياطة ومن أبرزهم الحاج حسن أحمد البغلي.. وحاليا لهذه العائلة نشاط تجاري كبير في مدينة الكويت في مجال البشوت.

2- بعض من أفراد عائلة الخرس، وقد تخصص بعض أفرادها في خياطة المشالح، والبعض منهم هجرها وتوجه إلى السلك الحكومي، ومن أبرزهم عميد الأسرة في دولة الكويت نائب مدير الجمارك الكويتية الحاج أحمد بن حسن الخرس المتوفي عام (1376هـ الموافق 1955م)

3- عائلة الشواف في مجال الخياطة.

4- عائلة المزيدي في مجال الحياكة.

5- عائلة العيد في مجال الحياكة.

في الجمهورية العراقية:

هاجر إليها كل من:

1- الحاج محسن السبتي في مدينة الكاظم.

2- الحاج ابراهيم بوخمسين في مدينة الكاظم.

3- الحاج عبد الرسول السليمان في مدينة الكاظم 1380هـ

4- الحاج محمد بوخمسين في مدينة البصرة

5- الحاج علي أحمد بوخمسين في مدينة البصرة وقد توفي 1340هـ

6- الحاج مكي بومجداد في البصرة وقد توفي 1340هـ

كما أن بعض الأفراد استقر بهم المقام هناك؛ لطول المدة ولارتباطاتهم العائلية، ومن حيث الكثرة يصعب حصرهم ولكن نذكر أسماء عوائلهم، ومن هؤلاء:

1- عائلة العيد، في سوق الشيوخ منهم خياطون وحاكة.

2- عائلة البوخضر في مدينة النجف الأشرف منهم خياطون و حاكة.

3- عائلة الغريري منهم خياطون وحاكة.

4- عائلة الحرز منهم خياطون فقط.

في الجمهوية السورية:

هاجر إليها كل من:

1- الحاج ابراهيم الغدير.

2- الحاج حمد القاضي.

3- الحاج جمعة الرمضان، توفي عام 1401هـ.

4- الحاج عبدالله العبد النبي، توفي عام 1400هـ.

5- الحاج راضي الياسين.

6- المحامي ماجد علي بوحليقة.

ومن السوريين الذين يديرون مشاغل لخياطة البشوت في سوريا كل من: رضوان زين الدين من حماة، وأخيه عبد الهادي، وسليم البعل شريك نبيه حمد الله (السابق الذكر).

وفي عهد الطفرة الاقتصادية عادت العمالة الأحسائية المهاجرة إلى أحسائها الحبيية عدا النزر القليل منهم، وجدد الكثير من الخياطين الذين هجروها عهداً جديداً بها؛ نظرا لارتفاع الأجور، وعدم حاجتهم لتجشمهم عناء السفر والترحال مرة أخرى، غير أنه لا جديد من الأبناء في هذه المهنة العريقة، حيث الغالبية العظمى من أبناء العوائل المتخصصة في خياطة المشالح استوعبتهم الحركة التجارية والحركة التعليمية المزدهرة في البلاد، وانخرطوا في الوظائف الحكومية بشتى أصنافها، عدا النزر القليل منهم، الذي إن تعلم مهنة آبائه وأجداده فممارسته لها تكون خارج دوامه الرسمي فقط.

وفي هذه الفترة لم تقف حالة تسريب المهنة إلى العمالة السورية فقط، بل انتقلت إلى العمالة الهندية المستقدمة إلى البلاد، بعد أن أغرى أصحاب المشاغل المكاسب الوفيرة التي حققوها بسبب زيادة الطلب على البشوت وارتفاع أثمانها، فقد عمدوا إلى جلب العمالة الهندية المتخصصة في خياطة الملابس، ودربوهم على خياطة البشوت وسلموهم تراثا أصيلا محتكرا على عمالة الأحساء فقط، وبذا اتسعت دائرة المتدربين بين الهنود من جهة، ومن السوريين من جهة أخرى، الأمر الذي أدى ارتفاع حدة المنافسة بين المشاغل التي توظف العمالة الهندية، والبشوت المجلوبة من سوريا، وعليه تراجعت أسعار البشوت من جديد، وعلى أثرها انخفضت الأجور مرة أخرى، مما أدى إلى ترك العديد من العمال الأحسائية لمهنة خياطة البشوت، ولم يبق منهم إلا من انحصر كسبه فيها، نظرا لكبر سنه أو لمحدودية امكانياته في اكتساب مهنة أخرى من جديد.

بعد أن تم الحديث عن البشت من حيث خلفيته التاريخية، و اهتمام العوائل التي اشتهرت به على المحافظة عليه كمهنة موروثة،وأسماء المجالس التي اشتهرت بها وتشكيلاتها الإنتاجية والتسويقية، والطرق الفنية المستخدمة في إنتاجه.سينتقل البحث إلى تتبع واقع مهنة البشوت من حيث أنواع الأقمشة التي تصنع منها البشوت واللمسات الفنية التي تجرى عليها.

تطور الخيوط المستخدمة في تزيين البشوت:

يذكر المؤرخون، وكبار السن أسماء، وأوصافاً تختلف تماما عن شكل البشت الذي نشاهده هذه الأيام، وهذا مؤشر على عراقة هذه المهنة، وتطورها حسب أذواق المستهلكين، ومتطلبات العصر، فقبل عهد النفط يذكر الضابط العثماني محمد طه الشيخلي (1322هـ) أن العبي على نوعين أحدهما يدعى بـ(الكيلاني) سداه من الحرير أو القز ولحمتها من الصوف وهو مقصب يدعى (أم كتف) وآخر غير مقصب، والنوع الاخر يدعى بـ(المدخل) وسداه ولحمتها الصوف ومتداخله ببعضه. أما الحاج علي بن محمد الخرس الملقب بـ(شيخ الخياطين) يقول:كانت تزين البشوت قديما بالخيوط القطنية الملونة وكانت تسمى بـ(البرقة، والمعلمة وكان لها ألوان مختلفة منها أبيض،وأبيض وأسود وأحمر[27] ).

أما الثابت بعد البحث والتقصي هو أن خياطة العباءة مرت بأدوار عدة وأطوار مختلفة ولكنها في كل مرحلة يصنف شكل العباءة إلى ثلاثة أصناف حسب الدخل، والسن والمكانة الاجتماعية أما تلك الأدوار التي يمكن وصفها كما يلي:

1- كانت الخياطة بخيوط الحرير الحمراء للميسورين، أما كبار السن و رجال الدين فلهم خيوط من لون العباءة.

2- كانت الخياطة فيه بالقصب النعيمي الأصفر والأبيض.

3- الخياطة فيه باستخدام القصب السورتي وهو المعمول به في هذه الفترة، وهي تعود إلى فترة ما بعد النفط حيث تم استيراد الخيوط القطنية المكسوة بالنحاس من الهند غير أنها بدأت تتلاشى منذ 25 سنة، لتحل الخيوط المكسوة بالفضة وهي من الهند أيضا ويعرف بالزري (السورتي) نسبة إلى مدينة (سورت) الهندية ويعرف أيضا بماركة تجارية تدعى (أبوقطار) وكان موردوه سابقا تجاراً هنوداً (بهرة) في البحرين، وكان الحاج منصور الرمضان وابنه علي يأتون به إلى الأحساء، غير انه انقطع قبل 40 سنة، بعدها تحول مورده المذكور إلى نوعية جديدة فاخرة تصنع في فرنسا وألمانيا كما قام باستيراده أيضا الحاج سليمان بن غنيم،والحاج محمد بن صالح ومن بعدهم أبناؤهم حتى تاريخنا الحالي.

مراحل انتاج البشت:

يمر البشت بمراحل عدة حتى ينتهي بشكله النهائي هي:

1- الترسيم: ويتم فيها تحديد معالم اليدين والظهر وذلك بخيوط قطنية.

2- تركيب البطانة: ويتم في هذه المرحلة خياطة قطعة من قماش أصفر تجهيزا لخياطة الزري عليه.

3- تركيب الفراش: وفي هذه المرحلة يتم تركيب مجموعة من الخيوط المجموعة إلى بعضها تجهيزا لمرحلة خياطة (تركيب الداير).

4- تركيب الداير: وفي هذه المرحلة تتم عملية خياط الداير بالزري المثبت بالخيوط الحمراء على الفراش.

5- عمل السمط: وفي هذه المرحلة من عملية خياطة السمط بعد الداير ويتراوح عددها من سمط واحد إلى خمسة سموط.

6- عمل الهيلة: وفي هذه المرحلة تتم عملية حشو المنطقة الوسطى في كرمك البشت وذلك بالزري وهوعلىشكل معين أو مثلث في وسطه مربع كما في البشت السوري.

7- عمل الطوق: وفي هذه المرحلة يتم عمل داير ثاني فوق الهيلة وتدعى بالطوق لأنه يطوق الهيلة.

8- عمل سمط ثاني: وذلك بعد الهيلة.

9- عمل بروج: وهو على نوعين أحدهما يدعى (شل) وآخر (بطح)،والذي يتعامل في الفترة الحالية هو (البطح) وقد قل الطلب على الشل في الفترة الحالية من عام 1411هـ.

10- المكسر: وهو على نوعين من حيث الموقع أحدهما يدعى (سراجة) وهو فوق التركيب، والآخر يدعى بالمتون وهو على الأكتاف والذراع والأسوار على اليد، كما يعمل على أسفل الأسوار على الأيدي يدعى (الكنجل).

11- اللمعة: وموقعها على (السراج) وهي عادية تكون موازية للخيوط البيضاء في الهيلة.

12- تركيب القيطان: هو خيط حياكة زري بداخله قطن ويركب على مكسر (السراجة) وعادة ما ينتهي طرف هذا الخيط بكرتين مليئتين بالقطن، ومكسوتين بالزري يتدلى منها ثلاثة خيوط في أطرافها ثلاث كرات صغيرة من القطن المكسو بالزري أيضا.

13- البرداخ: وهي عملية طرق شريط الزري المذهب، بإستخدام المطرقة الحديدية، على قاعدة خشبية، حيث يوضع البشت عليها.

14- الصقال: وفيها يتم إعادة عملية البرداخ بالطرق مرة أخرى، لتلافي الانخفاضات في شريط الزري المذهب.

15- الخبانة: وفيها يتم شبك قطعتي البشت، العلوية المطرزة بالزري، بالقطعة الأخرى التي تمثل بقية البشت، حيث يراعى فيها طول الذي سوف يرتديه.

ومن الجدير بالذكر أن عملية خياطة كل من (التركيب، والهيلة، والطوق، والبروج) تدعى بالكرمك.

هذا وقد ترك عهد الطفرة الاقتصادية آثارا جيدة على مهنة البشت بشكل عام من حيث تخفيض نسبة البطالة في أوساط العمالة الأحسائية المتخصصة في خياطة البشوت، كما أن أجورهم كانت مجزية، كما تعددت أشكال الكرمك، وارتفعت أسعار بيع البشوت وذلك لليسر المالي لمرتديه من الملوك والأمراء والوزراء ورجال الأعمال والنخبة الاجتماعية.

أما في فترة انحسار الطفرة الإقتصادية فقد انخفضت أجور العمالة، و حدثت بطالة في أوساطهم، والبعض منهم هجرها إلى أعمال تجارية، كما تراجعت أسعار البيع، وذلك لتراجع دخول الأفراد.

[1]  قدم الاستاذ علي بن محمد الموسى الفداغم العديد من أسماء الشخصيات والتواريخ الواردة في هذه المهنة، كذلك مراحلها الفنية وذلك بتاريخ 23/6/1421هـ.

[2]  البشوت: مفردها بشت، وهو زي وطني رجالي لدول الخليج العربي، وهو عبارة عن قماش مطرز بخيوط ذهبية وفضية في غاية الروعة والإتقان، يلبس على الثياب الخارجية، بحيث يسدل على الأكتاف وحتى طرف القدم العلوية مغطيا كامل البدن.

[3]  محمد بن جواد الخرس، الهفوف في دائرة الضوء، تحت النشر.

[4]  معازيب: مفردها معزب، تطلق على مالك المجلس الذي يضم الخياطين، حيث يتكفل بمجموعة الصبيان يقوم بتدريبهم أولا ثم ينتجون لحسابه عدة سنوات نظير أجر معلوم، و تشمل رعاية المعزب للصبيان بالأكل في وجبة الإفطار و الغداء، وكذا كسوة العيد، ومصروف أسبوعي.

[5]  مخايطة: مفردها مخيط، تطلق على الخياط الذي يحترف مهنة خياطة البشت.

[6]  الشيخ عبد الرحمن الملا، تاريخ هجر، ج2، ص397.

[7]  المصدر السابق، ج2،ص398.

[8]  المصدر السابق،، ج2، ص 399. عن محمد بن عبد الله آل زلفة، جريدة الجزيرة - السبت 5 رجب عام 1409هـ، عدد957.

[9]  مقابلة مع الأستاذ علي بن محمد بن طاهر الجعفر، بتاريخ 24/12/1419هـ.

[10]  مقابلة مع المؤرخ الشيخ جواد الرمضان.

[11]  الأستاذ حسن بن حسين الشيخ ابراهيم الخرس.

[12]  الأستاذ علي الجعفر، مصدر سابق.

[13]  الأستاذ علي بن جواد الخرس.

[14]  المؤرخ الشيخ جواد بن حسين الرمضان.

[15]  الشيخ موسى بن عبد الهادي بوخمسين، حياة الفقيه آية الله الشيخ موسى بوخمسين، مخطوط ص41.

[16]  ومن أبرزهم سماحة الشيخ عبد الوهاب الغريري، حيث كان يجمع بين تلقي العلوم الشرعية على يد سماحة الفقيه الشيخ موسى بن عبد الله بوخمسين رحمه الله تعالى والعمل في الحياكة.

[17]  لمحة موجزة عن تطور صناعة العباءة بالأحساء، شركة النسيج الوطنية بالأحساء (الأحساء: 1401هـ)، ص4.

[18]  المصدر سابق، ص4

[19]  المصدر السابق،ص4.

[20]  المصدر السابق،ص 4.

[21]  المصدر السابق، ص4.

[22]  المصدر السابق، ص 4.

[23]  أستاذ مساعد بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن، وعضو سابق لمجلس الشورى، ورئيس منظمة الخليج للاستشارات الصناعية سابقا، وحاليا رئيس مركز جواثا الاستشاري للمعلوماتية.

[24]  لمحة موجزة عن تطور صناعة العباءة بالأحساء، مصدر سابق، ص 1.

[25]  المصدر السابق، ص2.

[26]  كان الساحل الغربي من إيران يقطنه بعض العرب ومشيخات عربية يلبسون البشوت ويعتمون بالغتر المزينة بالخطوط الصفراء، شبيهة بالغتر الحجازية، وذلك ابتداء من إمارة خزعل ومرورا بمدينة بوشهر - يحكمها آنذاك حاكم عربي من (آل مكوك) - وحتى بندر عباس.

[27]  علي بن محمد الخرس، شيخ الخياطين في زمانه، على حد تعبير مؤرخ الأحساء الشيخ جواد بن حسين الرمضان. .
كاتب - السعودية.
365992