المرأة في الشعر الأحسائي الحديث
دراسة تطبيقية للصورة الشعرية
علي حسين علي النحوي * - 16 / 3 / 2011م - 2:55 م - العدد (33)

لقد تطور مفهوم الصورة الشعرية واستطاع تجاوز الصورة المعتمدة على عنصر المشابهة، وحاول شعراء العصر الحديث التحرر من أسر تلك الصور التقليدية القديمة، كما حاولوا التخلص من الأطر التقليدية للصورة، ليبدعوا صوراً جديدة تعتمد وسائل جديدة لا تتمرد على القديم بل تجعله جزءاً منها، ومع ذلك كله نجد من الشعراء من يحبس ذاته في تلك القوالب التقليدية، فلا يكاد يتجاوز الصورة القديمة، ولا يستطيع تجاوز الصور البسيطة، ونجد نمطاً آخر من الشعراء يحاول صنع صور جديدة تعتمد الإيحاء -رغم بساطتها- أو تأتي متتابعة، لتحاول صنع صورة شعرية مركبة، وأخيراً نلاحظ فريقاً من الشعراء استطاع أن يتخطى هذه المرحلة من التطور في بناء الصورة الشعرية، ليبدع صوراً مركبة، ولا تقتصر على هذا العنصر فحسب بل تحاول الابتكار والتجديد مستعينة في ذلك بثقافة شعرية واسعة، تؤمن بمنطق العصر، الذي يأبى الوقوف على أطلال الماضي في إبداع النموذج الشعري الحديث، وتحاول الاستعانة بالوسائل الفنية الحديثة كالرمز والأسطورة في بناء صورها الشعرية الحديثة.

وإذا ما قرأنا الشعر الأحسائي الحديث الذي تناول صورة المرأة، سنلاحظ أن الصورة الشعرية في هذا الشعر قد انحصرت في ثلاث صور:

1ـ الصورة التقليدية البسيطة.

2ـ الصورة الجزئية المتتابعة.

3ـ الصورة الشاملة (المركبة).

أولاً: الصورة التقليدية البسيطة

رغم تطور مفهوم الصورة الشعرية في العصر الحديث، وتجاوزه حدود المشابهة، إلا أن أغلب شعراء الأحساء لم يجاوز تلك الصورة الحسية الجزئية المعتمدة على الأدوات البيانية كالتشبيه والاستعارة، وقد كثرت هذه الصور التقليدية البسيطة في الشعر الأحسائي، وأتت متمشية مع النموذج الشعري القديم، فالمحبوبة في جمالها كالبدر والشمس، وفي مشيتها كالغزال، وشعرها كالليل، وريقها كالشهد، وغير ذلك من التشبيهات الجزئية البسيطة.

وإذا أردنا الاستشهاد بالنماذج الشعرية، فهي من الكثرة بحيث يضيق المقام بها، وهنا تجدر الإشارة إلى أن بعض شعراء الأحساء -كشعراء الجيل الأول الذين جمع شعرهم عبد الفتاح الحلو وغيره- من الشعراء الذين لم يتجاوزوا نطاق التقليدية في رسم الصورة الشعرية، ويمكن ملاحظة ذلك عند مجموعة من الشعراء الذين جاءوا بعدهم، إذ لم يحاولوا التجديد في إبداع صور تتخطى حدود التقليدية، وربما نستطيع الوقوف عند شواهد في شعر بعض الشعراء الذين نجحوا في رسم صور جديدة متحررة من أسر هذه التقليدية.

فشعراء الجيل الأول غارقون في التقليدية، وقد حافظوا على الصورة القديمة كما هي مألوفة في الشعر القديم دون أن يحاولوا إضافة شيء إليها، فتشبيهاتهم حسية تعتمد على المخزون الشعري المحفوظ، وقد نالت الصورة البصرية عند هؤلاء النصيب الأوفر من تشبيهاتهم ومن ذلك قول عبد الله آل عمير:

هي المليحة أهدت لي عجائبها

يكل فهمي عن إدراك معناها

تشابه البدر في حسن وفي صفة

قد أحيت القلب طراً من محياها

وكلما جلت طرفي في محاسنها

إذا هي الشمس قد فاقت بحسناها[1] 

فآل عمير في هذا النموذج لم يتجاوز حدود البصر في صورته الشعرية البسيطة فالمحبوبة تشبه البدر في جمالها، وتشبه الشمس في حسنها، وكفى.

وقد تتعدد الصور البصرية في بعض نماذج الشعر الأحسائي لدى شعراء الجيل الأول مع محاولة لتشكيل صورة تتعدد فيها عناصر الصورة البصرية؛ حيث رصد مجموعة من الصفات الحسية كاللون، واللمعان، والحركة، ومن ذلك قول صالح بن محمد آل مبارك[2] :

أوجهك ذا أم ذا هو البدر طالع؟

وثغرك ذا أم لا عج البرق لائح؟

وذا الدر أم هذا أقاح منضد

بفيك؟ وذا ليل أم الشعر طافح؟

وذاك هلال أم جبين لنا بدا

فأسفرت الظلماء والليل جانح؟

وتلك نبال أم عيون رواشق

إذا نظرتنا صاح بالقلب صائح[3] 

ومع تزاحم الصور الحسية البصرية في النموذج السابق، تلوح في البيت الرابع صورة عقلية، لا تكاد تتجاوز حدود التشبيهات القديمة، لكنها تبقى محاولة لصنع صورة عقلية لا تقف عند حدود العلاقة المباشرة بين المشبه والمشبه به، بل تحاول وصف أحد طرفي العلاقة أو كليهما، وربما تجد صوراً حسية بصرية، لا يقف فيها الشاعر عند حدود العلاقة المتعارف عليها في الشعر، بل يحاول صنع علاقة جديدة، أو مؤطرة على الأقل، ومن ذلك قول عبد العزيز بن حمد آل مبارك:

هواي التي كالبدر في العمر والصبا

لها كل ذي عز من الناس خاضع

مهفهة الأعطاف لمياء بضة

بوجنتها ورد الشبيبة يانع

كظبي الفلا لولا رخيم حديثها

وبان اللِّوى لولا الشَّوى والمدارع[4] 

فهنا نلاحظ أن محبوبته تشبه البدر لا في جمالها، بل في عمرها وصباها، فكأن هوى محبوبته قصير، كعمر البدر الذي سرعان ما يتجلى، وهي كالظبي إلا أنها تفوقه بحديثها العذب الرقيق.

وكما اعنتى شعراء الجيل الأول بالصورة الحسية المعتمدة على التشبيه، اهتموا بالصورة الحسية المعتمدة على الاستعارة، فحظيت الصورة الإستعارية باهتمامهم، وتجلت في بعض نماذجهم الشعرية، ومن ذلك قول عبد العزيز بن حمد:

ولقد أهاج صبابتي، وأعاد لي

شجوي، وأذكى لوعتي، وشجاني

قمر نفت عنه السحائب نفحةٌ

شاميَّة مبلولة الأردان

فبدا لنا يزهو بأوج كماله

في هالة دُرِّية اللمعان[5] 

فهنا الشاعر اعتمد على الاستعارة التصريحية كأداة فنية في رسم صورته الشعرية، التي كشفت عن جمال محبوبته، وقد اعتنى الشاعر بالمشبه به فأضاف إليه بعض الصفات التي أكدت جمال محبوبته وحسنها.

وتتجلى الصورة البديعية عند بعض شعراء الجيل الأول، لكن تطغى عليها الصنعة البديعية، خاصة إذا تكرر لون من ألوان البديع كالجناس؛ فالشاعر يصب كل اهتمامه على الشكل، متجاوزاً أهمية المعنى، ومن ذلك قول كاظم المطر:

ما زلت والعيش غض

وناضر فيك عودي

ومزهر فيك ربعي

بمزهري وبعودي

فيك قطفت ورودي

من خد خَود ورَوُد

أيام لهوي بآرام

رامة والعيد

تلك الظباء اللواتي

حركن أهل الجمود

مقومات قدود

منعمات خدود[6] 

فالصنعة اللفظية التي اعتمدها الشاعر في رسم الصورة ظاهرة الوضوح؛ حيث تزاحم الجناسات في الألفاظ المكررة «عود، مزهر، ورود، آرام» وهكذا تسقط الصورة البديعية في أسر الصنعة الشكلية في كثير من النماذج الشعرية التي قالها شعراء الجيل الأول.

وعندما نتجاوز شعراء الجيل الأول إلى الشعراء الشباب الذين طبعوا دواوينهم، ونشروا قصائدهم في الصحف والمجلات، لا تختفي الصورة البسيطة التقليدية، وإن حاول بعض الشعراء تجاوزها؛ لذلك يعاب على هؤلاء وقوعهم في بساطة الصورة، بخاصة أنهم أصبحوا على اتصال بالشعراء العرب الكبار الذين أبدعوا صوراً شعرية مبتكرة، ومن هنا يمكن القول إننا قد نلتمس عذراً لشعراء الجيل الأول الذين انشغلوا بغير الشعر، ولم يكن الشعر هاجسهم الوحيد، كما أنهم قد يكونون قليلي الاطلاع على النماذج الشعرية الجديدة، لكننا لا يمكن أن ننلتمس عذراً للشعراء الشباب الذين كان يجب عليهم تجاوز هذه المرحلة.

ولا يقف بعض الشعراء الشباب عند الصورة التقليدية البسيطة بل قد تغيب الصورة الشعرية عن بعض داووينهم الشعرية، فيعتمدون التقريرية متجاهلين التصويرية التي تعد أحد أسس الإبداع الشعري.

إن الصورة الشعرية التقليدية البسيطة تكاد تسيطر على مساحة واسعة من الشعر الأحسائي الحديث، مما يدلل على تعجل كثير من الشعراء في نشر وطباعة شعرهم، قبل الوصول إلى مرحلة النضج الفني، الذي يرقى لصنع صور شعرية تستطيع أن تساير التطور الفني في بناء الصور الفنية المتحررة من أسر الصورة الشعرية المتوارثة.

يقول زكي السالم في قصيدة «متسرعة»:

مرت تلفَّت كالرشا عجلى

فتبعتها: يا حلوتي مهلا

مهلاً فما هذا الذبول على

وجهٍ كضوء الشمس، بل أحلى[7] 

ففي هذين البيتين لا يتجاوز السالم حدود الصورة التقليدية البسيطة، لذلك فأسلوبه أقرب إلى التقرير، لأن الصورة التقليدية أصبحت جزءاً من المخزون الشعري الذي لا يثير شعورنا، ولا يحرك وجداننا، أما الأسلوب التصويري الحقيقي، فهو ذلك الأسلوب الذي يختزن طاقة تصويرية، تستطيع التغلغل في أحاسيس الشاعر، لتصنع في ذاته دهشة شعرية تتفاعل مع تلك الصورة الفنية التي لا تقف عند حدود القديم، بل تتمرد عليه، وتخرج إلى عالم أرحب من تلك الأطر التقليدية الضيقة.

ومع شيوع الرومانسية في شعر السالم إلا أنه يلاحظ غارقاً في تقليدية الصورة في كثير من نماذجه الشعرية، وقد تتابعت عنده هذه الصورة التقليدية بطريقة تشبه أسلوب شعراء الجيل الأول الذين تشبثوا بالصورة التقليدية دون محاولة الخروج عليها، يقول في قصيدة «إيمان»:

أيام كان الحبُّ مرتعنا

والقلب من أعماقه يشدو

والغيد قد أبدت محاسنها

كالبدر، ليس لحسنها حدُّ

فالوجه مثل الشمس طلعته

ما غيبت أنواره بعدُ

والشعر أرهقه تلاعبها

فيه، فأين العين والرصدُ

والجيد شامخةٌ برقتها

يزدان في تطويقها عقدُ

والصدر كالدُّري محتضنٌ

نبض الحياةِ وللهوى رِفدُ[8] 

فالسالم في قصيدته هذه لم يتحرر من الصور القديمة، فمحاسن الغيد كالبدر، ووجهها كالشمس، والصدر كالدّري، وكأنه بذلك يسبح في بحر الصورة التقليدية التي أصبحت رصيداً شعرياً مسيطراً على ذاكرة الشاعر، فهو لا يستطيع الفكاك من أسرها، وإذا استطاع ذلك، فهو لا يكاد يتخطى هوامش تلك التقليدية التي طغت على أكثر شعره.

وإذا تجاوز بعض شعراء الأحساء الصورة التقليدية القديمة، فلم يشبهوا وجه المحبوبة بالبدر، وشعرها بالليل، وغير ذلك من الصور المعهودة، لم يتخلصوا من بساطة الصورة، بل لم يتحرروا من تقليد جيل شعري منصرم، أو مدرسة شعرية قد طويت صفحاتها، وأصبحت الصورة الشعرية التي أرست دعائمها قديمة في نظر الجيل الشعري الجديد، لذلك ربما لا نعيب على بعض الشعراء تقليدهم مدرسة الإحياء -مثلاً-، بالقدر الذي نعيب عليهم بساطة صورهم الشعرية وسطحيتها؛ حيث إن كثيراً من هذه الصور كانت جزئية بسيطة، وقد شاع استخدامها، فأصبح الحكم عليها بأنها تقليدية لا يجانب الصواب، فعلى الشاعر أن لا يقف عند ما قيل قبله، ولا عند ما قيل عند غيره لكنه لم يتجاوز الماضي، بل عليه أن يتجاوب مع الوسائل الجديدة في رسم الصور الشعرية التي تتجاوز الماضي، وتتفتق عن إبداع صور شعرية جديدة، وهنا قد يزعم بعض الدارسين أن هذه الصور في فترتها كانت جديدة، لكن هذا القول مردود، لأننا لو اطلعنا على شعر بعض شعراء العرب المبدعين الذين عاشوا في هذه الفترة لوجدناهم يتخطون حدود هذه الصور الجزئية البسيطة بدرجة كبيرة جداً، غير إن بعض الشعراء قد اكتفوا بما لديهم دون محاولة الاستفادة من التجارب الشعرية الناجحة في الوطن العربي، أو إنهم وقعوا في أسر التقليد ولم ترق موهبتهم الشعرية إلى مجاراة الشعراء الذين قلدوهم، مما أوقعهم في شرك بساطة الصورة وسطحيتها.

إننا قد نلمس تأثراً رومانسياً عند بعض الشعراء، لكن هذا التأثر يبقى محدوداً ومشتتاً، فإذا ظهر في المعنى، تشتت في اللغة، وإذا تجلى في العاطفة، أخفق في الصورة الشعرية، وفي ذلك دليل على عدم اكتمال الموهبة الشعرية، وقصر عمر تجربة الشاعر.

لقد وقع بعض شعراء الأحساء في بساطة الصورة، فكانت أكثر صورهم الشعرية بسيطة جزئية، وربما تجاذبتها النزعة التقليدية ببساطتها، والرومانسية الضيقة بمحدوديتها، فلم يحاول الشاعر الأحسائي التوغل في الاتجاهات الشعرية الجديدة، لكنه لامسها ملامسة، وبذلك كان يمثل نقطة التقاء القديم بالجديد، وكأنه لم يصف لتيار شعري بعينه، وهذا ما وقع فيه أغلب شعراء الأحساء، ولم يسلم منه حتى المبدعون منهم، خاصة في بداية مشوارهم الشعري.

فالصورة الشعرية تمتزج فيها النظرة التقليدية القديمة، بالنظرة الرومانسية الجديدة؛ لذلك تتأرجح بين التقليد والإبداع، يقول بوبشيت في قصيدة «الجمال الأجوف»:

كأن عيني لم تبصر سوى امرأة

مفصل الحسن في الدنيا بها اختُصِرا

فالوجه لؤلؤة كل الجمال به

تحيطه هالة بالنور قد سُترا

والجسم تبدو به اللذات قد حشرت

كموقد بلظى النيران قد حشرا

جميلة أنت: مثل الشمس يحرقني

توهج الشمس لما أمعن النظرا

جميلة أنت مثل البحر تغرقني

أمواجه حينما أنوي به السفرا

جميلة أنت كالطاووس ليس به

سوى غرور بريش الذيل إن نشرا[9] 

تكاد تطغى الصورة التقليدية على هذا النموذج في تشبيه الوجه باللؤلؤة، والجسم بالموقد، وجمال المحبوبة بالشمس، غير إن تشبيه الشاعر لجمال محبوبته بالبحر يقتحم هذه الصورة الموغلة بالتقليدية، بإيقاع رومانسي جميل، سرعان ما يخنقه تشبيه المحبوبة بالطاووس، كما تشتته نبرة خطابية تطغى على بقية أبيات القصيدة.

وتتمازج النظرة التقليدية بلمسة شعرية رومانسية في قصيدة «شوك الغرام»، حيث يقول الملا:

وسوف أظلُّ الوفي الأمين

لحفظ هواها وما أكبره

وإن جاء يوم فكانت دخاناً

لنار الحسود وما زوره

فسوف تجد فيّ برغم الجراح

على ناره سحباً ممطره

إلى أن أحيل جحيم الوشاة

وروداً على دربها زاهره

وأنظم من وحي حبي الكبير

عقوداً على صدرها فاخره[10] 

في هذا النموذج يمكننا تحديد أبعاد الصورة التي يرسمها الملا في العناصر الآتية: «الدخان، النار، السحب، الورود» فالدخان صورة لأثر كلام الوشاة، والنار كلام الوشاة ذاته، والسحب موقف الشاعر من حبيبه، والورود نتيجة حسن تصرف الشاعر. وهنا يمكن ملاحظة تشتت الصورة بين النغمة التقليدية التي تمثل الأبعاد المرتبطة بالوشاة، وبين النغمة الرومانسية التي تمثل الأبعاد المرتبطة بالشاعر، غير إن صورة الوشاة بحد ذاتها تبقى موغلة في التقليدية.

وأخيراً تجدر الإشارة إلى أن بعض الشعراء قد أبدعوا في رسم بعض الصور الجزئية، فكانت هذه الصور ذات إيحاءات ودلالات نفسية، كما كانت هناك محاولة جاءت للخروج بهذه الصورة عن تلك الأطر التقليدية النمطية، ومن ذلك قول محمود الحليبي في قصيدة «أجل رأيتها.. ولكن!!»:

رأيتها غزالة تداعب الربيع بالخُطا

وتنفض الأريج هائماً على الدروب

رأيتها تجول في جبينها مشاعر الضّحى

وفوق خدِّها الوثير يرقد الغروب

سمعتها عصفورة تهمس في مسامع الربى

لتشعل الأشواق في مواقد القلوب[11] 

إن محمود في صوره الجزئية استطاع مجافاة الصورة التقليدية، ففي الوقت الذي استعار فيه بعض رموز الصورة القديمة، إلا إنه لم يكرر تفاصيل الصورة؛ بل جاءت صوره محملة بإيحاءات ودلالات نفسية، وكانت الروح الرومانسية التي استفاد منها الشاعر أحد عوامل تحرر الصورة من نمطية التقليد، فالروح الرومانسية في هذه الصور الجزئية تكاد تكون صافية، لذلك استطاعت كل صورة أن تؤدي أثراً وجدانياً، وتكشف عن دلالات نفسية متدفقة، ولم يكن ذلك سبب تتابع الصور؛ حيث إن كل صورة جزئية في هذا النموذج مشبعة بإيحاء دلالي ورمزي، مما يجعلها صورة ناجحة حتى لو قدِّر لها الانفصال عما لحقها من الصور.

إن محمود لم يتجاوز أدوات البيان القديمة في رسم صوره، لكنه عندما استخدم الاستعارة في صوره، كان هذا الاستخدام فنياً واعياً يتجاوز الماضي، ويلتقي مع الثقافة الشعرية للحاضر، وكأنه بذلك يقف في منطقة وسطى بين تلك الصور الجزئية التقليدية، والصورة المركبة الجديدة.

ويمكن الوقوف على نموذج شعري آخر تتجلى فيه قدرة بعض الصور الجزئية على الإيحاء، حيث السياق الرومانسي الذي ينتشل الصورة من قبضة النمطية التقليدية، يقول الصحيح في قصيدة «سؤال»:

يسافر بي هواك وفي عيوني

وصايا الحب تكتبها النخيلُ

وقلبي ما يزال شعاع حلم:

تلاقت في معانيه الحقولُ

يصارعه الذبولُ، وحين تزهو

مرايا القلب يندحر الذبولُ[12] 

فالصحيح في صورته الشعرية لم يتجاوز الاستعارة والتشبيه، وبقيت أدواته تقليدية، غير إنه ضمخ هذه الصور التقليدية برومانسيته الحالمة، فأصبحت ذات إيحاءات ودلالات رومانسية، فهو لم يأت بصورة جديدة وإنما غير طريقه عرض الصورة وتفنن في تقديمها، وهذا ما أومأ إليه جابر عصفور بقوله: «الصورة الفنية…، تنحصر أهميتها فيما تحدثه في معنى من المعاني من خصوصية وتأثير، ولكن أياً كانت هذه الخصوصية، أو ذاك التأثير، فإن الصورة لن تغير من طبيعة المعنى ذاته، إنها لا تغير إلا من طريقة -عرضه وكيفية تقديمه»[13] .

ومما ساعد هذه الصورة على الخروج من دائرة التقليدية المحضة حرص الصحيح على الاحتفال بصوره البسيطة احتفالاً لغوياً؛ حيث إنه يصنع بيئة وجدانية لغوية تحيط بالصورة، فالنخيل عندما تكتب الحب، لا تتجاوز الصورة الإستعارية البسيطة؛ لذلك فهي تزداد إيحاء عندما تكون هذه الكتابة مقرونة بهوى المحبوبة، وبعيني الشاعر، وتشبيه القلب بالشعاع قد يكون تشبيهاً تقليدياً، لكن إضافته إلى الحلم، وإحاطته بالحقول ذات الدلالات الوجدانية المختلفة انتزعته من تلك التقليدية الممقوتة، غير إن هذه الصور وأمثالها تبقى تمثل مرحلة التحرر من نمطية الصورة، دون أن تقتحم فضاء الصورة الواسع؛ لذلك نجد الشاعر محمد العلي يقول في مقدمة ديوان الصحيح «ظلي خليفتي عليكم»: «لم يخرج الشاعر من مجاز المفردة إلى مجاز الجملة، أو مجاز السياق، لذا جاءت الصورة مباشرة حسية».

وإذا ما آمنا بمثل هذا الحكم فإننا سنلاحظ أن الشعر الأحسائي المعاصر، في أغلبه، لم يتمكن من تجاوز هذه المرحلة، بل ربما يتأرجح أحياناً بين الصور الجزئية الحسية المباشرة الموحية، وبين الصور الجزئية الحسية التقليدية المحضة، يقول أبو سعد في قصيدة «الحب العائد»:

عاد كالزورق للمرفأ يحتث خطاهُ

أو كبدر يتراءى منه للدنيا سناهُ

عاد فتّاناً كزهر الفلِّ فواحاً شذاه

عاد غريداً كطير الروض ينساب غناه[14] 

فصور أبو سعد في هذا النموذج تتقاذفها أمواج التقليدية النمطية الممزوجة بشيء من الروح الرومانسية، وتبدو جميع الصور حسية مباشرة معتمدة على أبسط أدوات الصورة وهو التشبيه، ومثل هذه الصور إن أفلتت من نمطية الصورة الموغلة في القدم، فإنها لم تفت من نمطية الصورة القديمة في العصر الحديث؛ حيث إن إيحاءات هذه الصور قد تلاشت بفعل تكرارها، مما جعلها نمطية تقليدية، لا تخرج عن إطار الصورة التي لا تؤدي وظيفة فنية أو وجدانية.

ويكثر مثل هذه الصورة في الشعر الأحسائي الذي صور المرأة، وتبقى الصور الحسية تشكل مجالاً رحباً منه، وإن حاول بعض الشعراء مزج هذه الصورة الحسية بأخرى معنوية، لكنها ذات إيحاء نمطي، يقول جلال العلي في قصيدة «عودي إليَّ»:

كم زفرة صنتها في أصغريّ فما

في مسمع الدهر يوماً رتلت برما

تناثرت بين عينيك الظماء سنا

توقد الحسن فيها فانثنت حمما

خلّي حنانك يغفو فوق لاهبتي

ليهدر الجرح مني يسحق الضرما

مدي إليّ -فداك العاشقون- يداً

حتى أُشيد جناناً فيك قد ثلما[15] 

فمع محاولة العلي الخروج من دائرة الصورة الحسية، إلى نطاق أرحب حينما صور حنان المحبوبة غافياً فوق لهب المحب، إلا إنه سرعان ما يكر راجعاً إلى الصورة الحسية النمطية البسيطة، فتبقى هذه المحاولة أسيرة الصورة التقليدية، وإن شكل هذا التنوع دلالات نفسية ترقى بالصورة إلى ما يشبه الصور المركبة في بعض إيحاءاتها.

ثانياً: الصور الجزئية المتتابعة

إن الصورة التقليدية تعتمد بدرجة كبيرة على «التشبيه»، لكن لا تكون الصورة تقليدية إلا إذا كان التشبيه فيها «مجرد» صيغة شعرية أو «نمطاً» تعبيرياً فقد قدرته على الإيحاء، وإقامة علائق جديدة بين الأشياء[16] .

أما إذا كان «التشبيه» في الصورة الشعرية يقوم بوظيفته وهي المماثلة للحالة النفسية، فإن ذلك يخرجه عن إطار النمطية والتقليد، حيث يقوم بدور الإيحاء، وإقامة علاقات جديدة بين الأشياء.

وفي الشعر الأحسائي يلاحظ شيوع الصورة التقليدية المعتمدة على التشبيه النمطي، غير إنه يمكن ملاحظة بعض التشبيهات الموحية والمعبرة عن الحالة النفسية، مما يجعلها تتجاوز تلك النمطية القديمة، ورغم سيطرة الصورة النمطية التقليدية على بعض الصور الجزئية المتتابعة، إلا أنه يلاحظ أن بعض الشعراء في صوره المتتابعة، يحاول التحرر من نمطية التشبيه التقليدي، وكأنه يعبر عن مرحلة وسطى ينتقل فيها من التشبيه الجزئي البسيط، إلى الصورة المركبة ذات الدلالات الإيحائية، والشحنات الرمزية المختلفة.

ثالثا: الصور المركبة

مع تطور المفاهيم الفنية المرتبطة بالقصيدة، كانت هناك وجهة فنية جديدة ترتبط بـ«تشكيل الصورة الشعرية»، وهذه الوجهة ذات قيمة فنية تجعلها بمعزل تام عن الطريقة التقليدية القديمة التي تناولت رسم الصورة الشعرية، وهنا يمكن القول إن صنع الصورة الشعرية في إطار النظرة الجمالية الجديدة لا يتسنى لكل شاعر؛ حيث إن ذلك يحتاج لمزيد من الثقافة الشعرية، ومزيد من الوعي الفني الذي يسوق الشاعر إلى هذا النهج، لذلك بقي كثير من المحاولات الشعرية في رسم صورة شعرية جديدة في الشعر الأحسائي الحديث رهينة التقليد، وقد تعرض بعضها للإخفاق؛ حيث إن كثيراً من هذه الصور اعتمدت على التقليد والمحاكاة، غير إن القارئ للشعر الأحسائي الحديث الذي رسم صورة المرأة قد يقف على بعض الصور الشعرية التي حاول أصحابها إبداع صور شاملة، قد تلتقي في فنيتها مع تلك المفاهيم الجديدة المرتبطة بتشكيل الصورة الشعرية الجديدة.

إن الصورة الشعرية الجديدة هي تلك التي تثيرنا، وتفجر في نفوسنا عدة مشاعر، ليتحقق بذلك صدق الصورة الشعورية، ولكي يصل الشاعر إلى هذا الصدق قد يفتت بعض الأشياء الواقعة حوله ويفقدها تماسكها ولا يبقى على جميع صفاتها، ويحاول إعادة تشكيلها وترتيبها، ذلك لأن «الرؤية الشعرية لا تقف عند حدود الرؤية البصرية، إنما هي قد تفتتها وتتجاوز عن بعض عناصرها التي لا تؤدي دوراً حيوياً في تلك الرؤية الشعرية»[17] ، وقد يتضح لنا جانب من هذه الحقيقة حين نقرأ -مثلاً- قول القصيبي في قصيدة «شاعرة»:

وارتمى شعرك فوق الليل..

صبحاً من شموس باهرة

وأنا أرقب صبح الليل..

والروح على أسنان فك قاهرة

كدت!..

لكن.. لا تقولي

رغم رقص البدر ما بين النخيل

رغم أن الليل خدن المستحيل

لا تقوليها..

فما جدوى الحروف الحائرة

سكرت بالبدر.. فانداحت على

الأفق بلا عقل.. كما انداحت

خطانا العاثرة[18] 

ففي هذه المقطوعة يحاول القصيبي رسم صورة مركبة للحظة الأمل التي يغتالها الخوف، كما يحاول لملمة الذات التي تتلاشى بين عنت الحظ العاثر، فإذا كان الشاعر التقليدي يجعل الليل معادلاً موضوعياً للشعر في تشبيهه البسيط، فإن القصيبي قد فتت هذا الواقع، واشتق من شعر محبوبته صبحاً يخنق ظلمة الليل، وزج بـ «أنا» الشاعر بين هذا الصبح، وذاك الليل، موغلاً في رسم الحيرة التي يعيشها بين الأمل والألم، واستمر في بناء هذه الصورة المعتمدة على المقابلات؛ حيث الروح مقابل الوحش المفترس، والبدر والنخيل مقابل الليل والمستحيل.

وبذلك تجاوبت أصداء هذه الصورة الشعرية، وتضافرت أجزاءها ليكتمل دورها الحيوي في صنع تلوين شعوري استطاع تحريك وجداننا وإثارة شعورنا.

وتبقى ملاحة فنية وهي أن الشاعر قد أضعف هذه الصورة بالنبرة الخطابية النثرية المتمثلة في «لا تقولي»، المعتمدة على التكرار، وبالتكرار البياني لكلمة «رغم» التي أظن أنها أضفت إلى نثرية الخطاب السابق نثرية أخرى؛ مما أدى إلى تشتت اللحظة الوجدانية التي استطاعت إثارة مشاعرنا في بداية المقطع.

إن الشاعر قد يصور الواقع فلا يكاد يفارق حدود الصورة التقليدية، وقد يحاول تخطي وتجاوز ذلك الواقع ويتغلغل في صميم الأشياء، فيستطيع بناء صورة شعرية مركبة، وهنا «ينبغي التفريق بين التفكير الحسي والرؤية البصرية للشيء. صحيح أن الرؤية ضرب من الحس، وصحيح أن الصورة المرئية تتمثل للعيان، لكن التفكير الحسي أكثر إيغالاً في صميم الأشياء من مجرد الوقوف عند سطوحها وأشكالها المرئية»[19] .

إن التفكير الحسي في صورة ناجي الحرز الشعرية تغلغل فيه الشاعر حينما وقع على الحركة الخفية للمشاهد التي تعامل معها في نصه الشعري وعبرت عن أحاسيسه ومشاعره، وكأنه بذلك ربط بين المشهد الطبيعي الخارجي، والمشهد النفسي الداخلي، إنها لحظة تعانق الشاعر مع ما حوله من مظاهر الطبيعة، اللحظة التي تتمازج فيها هذه المظاهر مع تفكير الشاعر لتحقق نجاحاً فنياً لهذه الصورة.

إن الحرز مزج بين عالمه الداخلي المتمثل في اليأس، القناديل، الأوردة، الثلج، عقم الرمال، اللاشيء، وعالمه الخارجي المتمثل في: عيون المحبوبة، الموج، صهوة البحر، الشمس، المضمار، النخل، الأرض، وبهذا التوجيه وهذا التشكيل وفي قصيدة «محاولة للمجيء» لناجي الحرز تتداخل أجزاء الصورة، ولا تكاد صورها الجزئية تنفصل عن بعضها، ويلتقي الحقيقي بغير الحقيقي، وتتفاعل الرموز مع بعضها، لتصنع تماسكاً شعورياً، تتفتق عنه صورة نفسية شاملة، يقول:

عندما

أدفن في عينك يأسي

تنتشي الأحلام في صدر السفينة!

يصهل الموج وأمتد على

صهوة البحر قناديلاً حزينة

فتجول الشمس في أوردتي

تحصد الثلج

وأكواخ السكينة

* * *

عندما

أركض في مضمارك المشعول

بالفتنة والنخل الطوال

تتدلى الأرض كالخاطرة العذراء

من عقم الرمال!

تنطفي

كل الأهازيج

التي تزرع في اللاشيء

أقدام الرجال![20] 

جعل الحرز هذه الأبعاد صورة لفكرته، لا صورة لذاتها.

إن ناجي الحرز أراد أن يقول لنا إن ذاتي محملة باليأس، ومحبوبتي هي التي استطاعت تخليصي من هذا اليأس.

وهذه الصورة كثيراً ما عرضت بشكل فني بسيط، غير إن ناجي قد تجاوز إحساسه هذه المرحلة، فلم يوصل إلينا أحاسيسه صريحة، بل تغلغل بأحاسيسه هذه إلى بعض مظاهر الطبيعة حوله، حتى تمازج ذاتياً مع مشاهدها المختلفة، وبالتالي ترجم عن مشاعره، وأثارنا وجدانياً وشعورياً.

إن الحرز تعامل في المقطع الأول مع البحر، وبدأ من ذاته، حينما دفن اليأس في عيني محبوبته / الأمل، وأخذنا شيئاً فشيئاً إلى لحظة الأمل؛ حيث نشوة الأحلام، ثم فرحة الموج (الذات) العارمة، وتلاشي الضوء الخافت (الحزن)، وإشراقة الشمس في ذات الشاعر.

وهنا صور الشاعر حركة الشمس في أوردته، وهي رحلة لا نكاد نراها بأعيننا، وإن كنا نحسها بشعورنا، تلك الحركة التي لا يمكن رصدها، غير إننا نتفاعل معها، لكن الشاعر يكشفها لنا عن طريق تفكيره الحسي.

أما المقطع الثاني فيتعالم فيه الحرز مع الرمل، ويركض نحو الأمل المتمثل في النخل، ولنا أن نتصور كيف تزرع الأهازيج الأمل والثبات في (اللاشيء)، إننا لا يمكن أن نحس بذلك في الواقع، لكن الشاعر كشف لنا ذلك حينما مزج ذاته بالطبيعة فجسم لنا أحاسيسه في نبتة صغيرة تتبرعم في صحراء اليأس والتلاشي.

ولذلك يمكن ملاحظة أن الصور الجزئية المتتابعة تنقسم إلى قسمين:

أولاً: الصور الجزئية المتتابعة التي لا تخرج عن إطار الصور النمطية التقليدية.

ثانياً: الصور الجزئية المتتابعة ذات الإيحاءات والدلالات النفسية.

ومن شواهد القسم الأول، قول أبو سعد في قصيدة «مهاة الحي»:

يا مهاة الحي ميسي

أنت رمز للجمال

طرفك الفتان، يا حو

راء كم جال وصال

ثغرك المعسول أضحى

صافي الشهد زلال

ومحياك تجلى

مشرقاً فيه الهلال

إلى أن يقول:

في عيون ساجيات

من حياء لا كلال

وغصون ذات ميس

عن يمين وشمال

وورود فاتنات

ذاب فيهن الدلال

وثمار شامخات

في فتون واعتدال

صور الفن جميعاً

فيك منهن مثال[21] 

ففي هذا النموذج الشعري تتابع التشبيهات والاستعارات التقليدية البسيطة فالمحبوبة كالمهاة، وطرفها في اصطياد القلوب، كالفارس الذي يجندل الأبطال، ومحياها في إشراقه كالهلال، وفي المقطع الثاني يشبه قدها بالغصون، وخدودها بالورود، وشكل صدرها بالثمار، وجميع هذه الصور نمطية لا تعبر عن إحساس الشاعر، ولا تؤدي وظيفة نفسية أو فنية، بقدر ما تشكل دائرة إيقاعية مكملة لبناء البيت الشعري، يقول عبد القادر القط:

«ويستعيض هؤلاء الشعراء في كثير من الأحيان -شأن الشعراء القدماء- بالتشبيهات المتتابعة عن استقصاء الإحساس في ذاته مكتفين بالربط بينه وبين ما يماثله ربطاً موجزاً سريعاً لا يقوم بوظيفة نفسية أو فنية بقدر ما يعين على بناء البيت وتحقيق إيقاعه»[22] .

ومن شواهد القسم الثاني، قول ناجي الحرز:

وقالت: أحبك يا شاعري

أحبك حب الربى للسحاب

وأهوى انتظارك يا موعدا

يجيد الظهور بلون السراب

وأبقى أداعب جرحي كما

تداعب أنت حروف العتاب

وألتذ بالدمع شوقاً إليك

كأني خلقت لهذا العذاب[23] 

ففي هذا النموذج الشعري تتوالى مجموعة من الصور المتعددة، فتتداخل الصور المرئية بالصور السمعية، ويلتقي الحسي بالمعنوي، وتستطيع هذه الأنساق بوحداتها المتفرقة إثارة الوجدان، واستقصاء الإحساس، لتتجه إلى صنع صورة شاملة يجمع أبعادها التوحد النفسي، الذي يتخطى حدود النمطية التقليدية الموروثة، يقول رجاء عيد:

«وقد تمكنت قصائد كثيرة من استخدام صور تعبيرية مفاجئة تعتمد على التداعيات النفسية - بواسطة الصورة المتعاقبة، مستهدفة بذلك صدم الوعي، وخلخلة الارتخاء للنمطية المألوفة للأداء، ومتجاوزة الاستنامة الخدرية في الشكول التقليدية المتوارثة»[24] .

ومن النماذج الشعرية التي تتابعت فيها الصورة الجزئية، لكنها تجاوزت النمطية التقليدية، قول القصيبي في قصيدة «مصباحك البعيد»:

يؤنسني مصباحك البعيد

يومض خلف لعنة الظلام

كابتسامة الرجاء

أحس أن الليل بات

جدولاً من السفى

وأننا في زورق مجنح

أنا وأنت وحدنا

نطوف ما بين النجوم

ونستريح في القمر[25] 

إن مثل هذه الصورة قد تبدو للقارئ من أول وهلة أنها ينقصها الانسجام والتناسق، وإنها غير مترابطة، لكننا إذا حاولنا فهمها بمجموعها في كل مترابط، فإنها ستمنحنا -بصورتها الكلية- وحدة عضوية معبرة عن تجربة الشاعر النفسية.

إن القصيبي في هذه القصيدة يعتمد على المزج بين الحركة والسكون في بناء صوره المتتابعة، فإذا كان المصباح في حالة سكون، فالومض حركة سريعة تقتل ذلك السكون، وإذا كان الليل جدولاً ساكناً، فإن الزورق الذي يطوف بالحبيبين النجوم في حالة حركة دائبة، فهذه التنقلات الحركية تشكل توحداً بين المتباينات، وتمازجاً بين السكون والحركة، «تلاحق الصور في حركتها السريعة يعتمد في الوقت نفسه على انتقاء وانتخاب معين لإندفاق تلك الصورة لتصب في تيار يزخر بعواطف ومشاعر مميزة متيحاً تجسيد المغزى الفكري المحتضن لانفعال نفسي خاص»[26] .

إن نجاح هذه الصور المتتابعة في نموذج القصيبي اعتمد بدرجة كبيرة على الجمع بين مشاهد مختلفة متعددة الألوان، كما اعتمد على النقلات المفاجئة التي وحدت هذه الصور ومزجت بين دلالتها، لتتولد من ذلك المجموع صورة شعرية ذات إيحاء ودلالات نفسية معبرة.

وإذا كان محمد العلي «من الشعراء العرب الحداثيين، الذين اهتموا بالصورة الشعرية اهتماماً كبيراً. وقد تعددت هذه العناية حداً جعل من العلي ليس شاعراً رساماً فقط، ولكنه شاعر تشكيلي، يقدم لنا الصورة الشعرية بالألوان، والأضواء…»[27] .

فإنه يمكننا الوقوف على أحد نماذجه الشعرية، ليتجلى لنا كيف يستطيع جمع العناصر المتباعدة في الزمان والمكان في صورة شعرية تتآلف فيها هذه الأشياء المتباعدة في إطار شعوري موحد، يقول العلي في قصيدة «أم غوران» مخاطباً زوجته:

لم يقلها فمي

قلتها بيدي

بغيوم جبيني

ولكنها لا تحب اللغات

سوى أن تكون

ولادة شيء جميل

يغامر من أجله القلب

ولكنني لم أقلها: أحبك

حتى يقول:

وجئت كقطرة ماء لحقلك يا أم

غوران

هل تعرفين اللغات إذا

اندحرت

هل تصبين ماء على الماء؟

إن اللغات سرابية فاعذريني

كما تعذرين الحقيقة

أو تعذرين

السحاب[28] 

إن العلي في هذه الصورة الشعرية لا يلتقي مع الواقع، بل يتمرد عليه، وينظر إلى الأشياء بإحساسه لا بعينه، فهو يحول الأشياء الطبيعية حوله إلى صور فنية تحاكي ذاته، وتتمازج مع أحاسيسه.

إن صور العلي لا تجتمع في منطق الزمان أو المكان، لكنها تجتمع في منطق الشعور، حيث يشكلها تشكيلاً نفسياً متفقاً مع حالته الشعورية، فإذا بالأشياء المتباعدة تتمازج في بنية صورته الشعورية.

لقد استخدم الشاعر أكثر من رمز دلالي في المقطعين السابقين للتعبير عن حبه لزوجته «أم غوران»، بل للتعبير عن حيرته في تلاشي ذاته، أما الحياة، فمن الرموز التي كثفها العلي زمانياً ومكانياً وصهرها في بوتقة شعرية واحدة: غيوم الجبين، الولادة، قطرة الماء، السراب السحاب، وقد استطاعت أن تعبر عن الحالة الشعورية التي تختلج في ذات الشاعر، كما استطاعت أن تمزج بين الحقيقة المتمثلة في الشاعر وزوجته، وما وراء الحقيقة المتمثلة في الشاعر والحياة، وقد استغل الشاعر بعض عناصر الطبيعة في نقل أحاسيسه وإثارة مشاعرنا، معتمداً على منطق يتجاوز حدود الزمان والمكان الطبيعي، بينما يلتقي في منطق الشاعر.

وأخيراً يمكن الوقوف على صورة شعرية مركبة يستغل فيها الشاعر الأبعاد الخارجية لإسقاطها على أبعاده الداخلية الخاصة، مستعيناً ببعض مظاهر الطبيعة المتناقضة، لكنها حين تلتقي في تجربة الشاعر الشعورية تتكامل بصورة تكاد تعيدها إلى الواقع، يقول جاسم الصحيح في قصيدة «في حضرة ذات الحجاب»:

يا سادن الغيم.. صحراء تطاردني

في غارة من رمال السخط والغضب

كم غيمة أقسمت بالعشب: لا هطلت

حولي إذا لم أحسِّن حربة العشب

ناديتها: لم يزل في العمر متسع

للإخضرار.. اسكبيني فيه وانسكبي

تعبت أبحث في الأنهار عن ظمأي

تعبت أبحث في الأشجار عن سغبي

مدي ذراعيك مزمارين.. ملؤهما

همس أريح على أصدائه تعبي[29] 

إن الصحيح يرسم لذاته / الألم مع محبوبته / الأمل صورة مركبة مشتقة من عناصر الطبيعة، فالصحراء التي تطارده رمز للهموم، والغيمة رمز للأمل الذي يتجلى في محبوبته، والاخضرار رمز للراحة التي يبحث عنها، ويبلغ الصحيح ذروة تجربته الشعورية الموحية في قوله:

تعبت أبحث في الأنهار عن ظمئي

تعبت أبحث في الأشجار عن سغبي

حيث تناقض الشعور مع الواقع، ففي الواقع يبحث المرء عن الري في الأنهار، وعن الشبع في الأشجار، لكن الواقع الشعري قلب هذه المعادلة ليأخذنا إلى دلالات شعرية، تؤكد حالة الحرمان التي يعيشها الشاعر رغم قربه من محبوبته.

هذه بعض النماذج النادرة في الشعر الأحسائي الحديث التي ربما تشكل صورة شعرية مركبة، أو قد تكون على الأقل خطوة في طريق تشكيل صور شعرية جديدة، ولا يعني اختيارنا هذه النماذج تفضيلها على غيرها؛ حيث إن القارئ قد لا يعدم بعض الصور الشعرية الموحية، وربما يخالفنا في الرأي فيما يرتبط بهذه الصور التي استشهدنا بها.

مما سبق يمكننا تسجيل النتائج الآتية:

1ـ إن أغلب شعراء الأحساء في رسم صورهم الشعرية لم يتجاوزا الصورة الحسية التقليدية، المعتمدة على الأدوات البيانية كالتشبيه والاستعارة، مما جعل صورهم بسيطة تتمشى مع النموذج الشعري القديم في صوره.

2ـ حافظ شعراء الجيل الأول على الصورة القديمة، دون أن يحاولوا إضافة شيء جديد إليها، فصورهم تعتمد على المخزون الشعري المحفوظ، وقد شاعت عند هؤلاء الصورة البصرية، وقد شاطرهم في ذلك بعض الشعراء الشباب.

3ـ حاول بعض الشعراء الشباب تجاوز الصورة التقليدية البسيطة، لكنهم وقعوا في بساطة الصورة، وقد يلاحظ غياب الأسلوب التصويري في بعض دواوينهم الشعرية وشيوع الأسلوب التقريري البسيط.

4ـ رغم محاولة بعض شعراء الأحساء بناء صور شعرية متأثرة بالتيار الرومانسي، إلا أن هذه الصور لم تتجاوز حدود التقليد، حيث إنها جاءت جزئية بسيطة، مع ملاحظة أن تأثرهم هذا كان محدوداً فإذا ما وفق الشاعر في جانب أخفق في جانب آخر، وعاش في حدود الرومانسية الضيقة، دون محاولة التوغل في الإتجاهات الشعرية الجديدة.

5ـ أبدع بعض شعراء الأحساء في رسم صورهم الجزئية؛ حيث جاءت هذه الصور مشحونة بالإيحاءات والدلالات النفسية، متخطياً بعض الأطر التقليدية النمطية، وأداء معان وجدانية متدقفة، وإيحاءات رمزية مشبعة بالعاطفة الشعرية.

6ـ احتفل بعض شعراء الأحساء بصورهم الشعرية احتفالاً لغوياً، فصنعوا بيئة وجدانية لغوية تحيط بالصورة البسيطة؛ وبذلك أخرجوها من دائرة التقليدية المحضة، إلى دائرة مشبعة بالدلالات الوجدانية المختلفة.

7ـ مزج بعض شعراء الأحساء في صورهم الشعرية بن التقليدية النمطية بشيء من الروح الرومانسية، لكن صورهم أتت حسية متشبثة بنمط الصورة القديم.

8ـ استطاع بعض شعراء الأحساء في صورهم الشعرية المتتابعة التخلص من الصورة النمطية التقليدية ومحاولة إبداع صور مركبة ذات دلالات إيحائية وشحنات رمزية مختلفة، وكان هؤلاء يمثلون تمثيل مرحلة وسطى بين النمط التقليدي في الصورة والنمط المبتكر الجديد.

9ـ حاول بعض شعراء الأحساء رسم صورة شعرية شاملة، قد تلتقي في فنيتها مع المفاهيم الفنية الجديدة المرتبطة بتشكيل الصورة الشعرية، فكانت صورهم تفجر في نفس القارئ عدة مشاعر، وكان الشاعر فيها يحاول تفتيت الأشياء الواقعة حوله ويعيد تماسكها، ليبدع صورة شعرية جديدة.

10ـ تكاد تكون بعض النماذج الشعرية في الشعر الأحسائي الحديث الذي صور المرأة في صورها ممثلة لنجاح الصورة، حيث مراعاتها بعض القواعد الفنية في رسم الصورة، كالربط بين المشهد الخارجي والمشهد النفسي، وكالاعتماد على التداعيات النفسية في الصور المتعاقبة الموحية، وكالجمع بين العناصر المتباعدة في الزمان والمكان في صور شعرية تتآلف فيها هذه الأشياء في إطار شعوري موحد، لكن تبقى هذه النماذج قليلة جداً، وقد تكون تمثل المرحلة الأولى في محاولة بناء صور مركبة جديدة.

[1]  هذا المصدر غير موجود في قائمة المصادر.

[2]  صالح بن محمد العبد اللطيف آل مبارك، ولد سنة 1280هـ تقريباً، في الأحساء، توفي في البحرين، سنة 1362هـ (شعراء هجر، ص 433).

[3]  نفسه، ص 437.

[4]  نفسه، ص 439.

[5]  نفسه، ص 354.

[6]  قلائد وفرائد، ص 102.

[7]  مرفأ الأماني، ص 45.

[8]  نفسه، ص 64.

[9]  الحب إيمان، ص 152.

[10]  أغاريد من الخليج، ص 45.

[11]  أشواك على طريق الأمل، ص 125.

[12]  ظلي خليفتي عليكم، ص 108.

[13]  الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي عند العرب، د. جابر العصفور، مركز الثقافة العربي - بيروت، الطبعة الثالثة، 1992م، ص 321.

[14]  أغاريد من واحة النخيل، ص 113.

[15]  صوت العرب، ص148.

[16]  الشعر العربي المعاصر، ص 159.

[17]  الشعر العربي المعاصر، ص 153.

[18]  المجموعة الشعرية الكاملة، ص 786.

[19]  الشعر العربي المعاصر، ص 155.

[20]  خفقان العطر، ص 73.

[21]  بقايا الرذاذ، ص 128.

[22]  الاتجاه الوجداني للشعر العربي المعاصر، ص 179.

[23]  نشيد ونشيج، ص61.

[24]  لغة الشعر، ص 17.

[25]  المجموعة الشعرية الكاملة، ص423.

[26]  لغة الشعر، ص 18.

[27]  نبت الصمت، ص 120.

[28]  نفسه، ص 278.

[29]  رقصة عرفانية، ص 60.
أديب - السعودية.
375196