رقابة أولى
جاسم الصحيح * - 16 / 3 / 2011م - 3:02 م - العدد (33)

كثار هم الرقباء الذين يتجسسون على الكاتب حينما يلتقي حبيبته الكتابة، بعضهم يحاول القضاء عليه والبعض الآخر يحاول حمايته، بينما هو هائم في سبحات إغماءة العشق لا يشعر بوجود الجواسيس من حوله إلاّ حينما يفيق من تلك الإغماءة ويقوم بترتيب خواطره على إضاءة شموع الوعي.

فالأعراف والتقاليد والقيم والأخلاق والسياسة والدين والتمرد والفن والإبداع وغيرهم كثير.. كل هؤلاء عبارة عن رقباء يزرعون عيونهم وآذانهم في زوايا المكان الذي يلتقي فيه العاشقان داخل الذات العاشقة، غير أن البعض منهم رقيب ناقد يسعى إلى أن تتسم طقوس اللقاء على أكمل وجه يطمح إليه العشق، بينما البعض الآخر رقيب حاقد يحاول أن يجهض أحلام اللقاء في رحم الموعد.

فالرقابة هنا ليست سلبية بالمطلق ولا إيجابية بالمطلق، وإنما أمر بين أمرين، إذ هناك من الرقباء من يكبح جماح المبدع وهناك من يحرضه على التمادي وهناك من يضع له حدوداً وضوابط.

ومما لا شك فيه أن معظم هؤلاء يمثلون سقوفاً مختلفة الارتفاع تحد من انتصاب قامة الكاتب الذي يحاول بدوره أن يثقب له فرجة من كل سقف يواجهه لانتصاب قامته حتى يصل إلى الوقوف الكامل، فتنحرف الكتابة هنا عن هدفها الرئيس وتتحول إلى فن إبداع الثقوب بدلاً من فن إبداع الجمال. وقد يستمرئ الكاتب هذه اللعبة ويتمادى فيها حتى تنزلق كتاباته في عالم المجردات والضبابية التي تتخبط في الغموض البغيض، حيث ينصب جل اهتمامه على المناورة بالألفاظ وكان الأدب إنجاز لغوي فقط وليس مشهداً ثقافياً يشكل في الوجدان ويتم تنفيذه داخل اللغة.

إن تسقيف الأبيات الشعرية مثلاً يحد من انطلاق الصرخات وتحليق الأحلام في تلك الأبيات، ولكن في الوقت ذاته يحميها من الصواعق والأمطار الوهمية، لذلك إذا ما زعمنا انه لا سقف للقصيدة غير السماء فإننا قد تفقدنا حينما تنداح في المدى المفتوح على المجرات العالية وتضيع في مداراتها، وإذا ما وضعنا لها سقفاً فسوف نحس بارتطامها حتماً في ذلك السقف ونصحو على ريشها المدمى متناثراً من حولنا غارقاً في ابتهالات السكون.

إذن، فالكتابة أشبه بالحياة.. والتورط بالحرية المطلقة فيها أشبه بالتورط في الخضوع المطلق.. إذ كلتا الورطتين بالكتابة إلى سوء العاقبة، والحل فيما اعتقد يكمن في الحرية المقيدة بالثوابت المبدئية وهذه تحتاج إلى عملية توفيقية بين العاشق والرقباء حيث أن العاشق رقيق بطبعه فلا يستطيع أن يجرح حتى مشاعر المتجسسين عليه.

والقول المزعوم أن الرقيب الفني هو الرقيب الوحيد الذي يجب مراعاته.. هذا القول هراء لأنه يجرد الكاتب من تاريخه ودينه وحتى إنسانيته بينما يجب على الكاتب لان يتمسك بهذه الثوابت التي تدعو إلى إثبات الذات وليس الانقراض عبر مسخ الهوية هذه الأمانة المعلقة في أعناق المثقفين والذاكرة الشعبية على حد سواء.

صحيح أن حضور النص وحضور الرغبة في الكتابة يجب أن يكونا أقوى من حضور الحيثيات الأخرى.. وهذا سوف يتمخض عن حضور القيمة الجمالية في أي عمل إبداعي.. ولكن الخطورة تكمن في طغيان شحنة هذه القيمة التي قد تؤدي إلى إفراغ النص من المضمون الفكري، وكان الفن يكتب من اجل الفن بينما يجب عليه أن يصقل جوهر الحياة كذلكن يجب إلا تقتصر كهرباء النص على مولد الطاقة الفكرية فقط، ولا طغى التيار الثقافي وأحرق القيمة الجمالية في العمل الإبداعي.

خلاصة هذه الفكرة أن الكتابة الإبداعية عملية توفيقية، لكن الكتابة الشعرية قد تختلف عن الأنواع الأخرى حيث أن الشعر هذا الشيطان الجميل لا يستطيع أن يخون عادته في استراق السمع من السماء، لذلك دائماً ما نلمحه هائماً في الأعالي، وحين يصل إلى مواقع النجوم يخلع عباءته ويتوشح بلباس من الضوء كي لا يستطيع أن تميزه الشهب الرصد، فيتسلل إلى أوساطها ويعيث فيها طيشاً ونزقاً مثل (فيروس) يتسلل إلى خلية في جسد الإنسان متقمصاً وشاحاً من مادتها وكأن الشعر فيروس السماء.

شاعر
371320