نجران عبر التاريخ
الأرض، الإنسان، حضارة وتعايش
علي بن حسين المستنير * - 19 / 3 / 2011م - 12:32 ص - العدد (34)

يحتاج المتتبع لتاريخ نجران إلى آلاف الصفحات لتغطية أحداثه نظراً لعراقة تاريخ المنطقة، وما مر عليها من دول وحضارات ولا تكاد تفتح كتاباً من كتب التاريخ القديم، أكان قبل الإسلام أو بعده إلأا وتجد أحداثاً من تاريخه العريق في مختلف المراحل التاريخية، من اليونانية أو الرومانية، أو تاريخ الدول القديمة في جنوب الجزيرة العربية، مثل دولة معين، ودولة سبأ، وقثبان، وما أعقب ذلك من أحداث بعد دخول نجران في الإسلام، وسوف نمر في هذه الدراسة المختصرة مروراً عاجلاً على أهم الأحداث التاريخية، وما واكبها من حضارة وتعايش وتسامح بين مختلف الأديان السماوية التي سكنت المنطقة على مر العصور من يهودية ونصرانية وإسلامية.

يذكر ياقوت الحموي في كتابه معجم البلدان أن نجران سميت بهذا الاسم نسبة إلى الملك نجران بن زيدان بن سبأ بن يشحب بن يعرب بن قحطان لأنه كان أول من عمرها ونزلها. وقد صار إلى نجران لأنه رأى رؤية فهالته، فخرج رائداً حتى انتهى إلى وادي فنزل به وسمي باسمه نجران، ويذكر ياقوت الحموي أيضاً أن المسيحية دخلت نجران عن طريق رجل صالح يدعى فيميون من بقايا أهل دين النبي عيسى ?، وكان رجلاً صالحاً مجتهداً في العبادة مجاب الدعوة ينزل بالقرى، فإذا عرف بقرية خرج للأخرى، وكان لا يأكل إلا من كسب يديه.

نجران في العصر اليوناني:

عرفها اليونان كسوق تجاري على طريق القوافل، التي تحمل عروض تجارة البخور وتعود إليها بعروض فارس، ومنتجات اليونان مارة بالحيرة، ومنها عبر نجد حتى تصل نجران وتتفرق في طرق مختلفة بعد ذلك.

نجران في العصر الروماني:

في فترة العصر الروماني، قام القيصر أغسطس بتجهيز حملة رومانية بقيادة قائده العسكري >إليوس جاليوس< ما بين سنة 24 - 9 قبل الميلاد، حيث توجهت الحملة من مصر وبعد سير مضني، وقتال في المناطق التي مرت بها وصلت الحملة إلى نجران، وبذلك أصبح لدى الرومان خبرة ومعلومات كاملة عن الجزيرة العربية وطرق القوافل ومساراتها، استغلت فيما بعد عندما اعتنقت الامبراطورية الرومانية المسيحية في عهد القيصر قسطنطين أي بعد تلك الحملة بحوالي 290 سنة.

نجران في العصر الحميري (دولة سبأ):

قبل مجيء الإسلام كان أهل نجران على دين النبي عيسى (عليه السلام) الذي وصل إلى نجران كما سبق وذكرنا، وقصة مباهلة نصارى نجران للنبي عليه الصلاة والسلام موضحة في كتب التاريخ، إلا نه في سنة 518 ميلادي، قام آخر ملوك سبأ الملك الحميري يوسف أسأر يثاروالمعروف عند المؤرخين العرب بيوسف ذو نواس الذي سبق واعتنق اليهودية بغزو نجران لنشر اليهودية فيها والقضاء على من بقي على دين النبي عيسى بن مريم (عليه السلام)، ولكنهم لم يستجيبوا لدعوته، فحفر لهم الأخدود وأوقد فيها النيران، وأمر بحرقهم فيها، وبذلك نزلت الآيات الكريمة في سورة البروج ﴿ قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ? النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ? إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ? وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ الآية. وبذلك فإن أهل نجران كانوا أول شهداء التعصب الديني في التاريخ، كما يشهد لهم القرآن الكريم بذلك، وقد وجدت نقوش بجبل حماطة الواقع على طريق الخميس - نجران من جهة الشرق بالخط المسند مؤلفة من 12 سطراً توضح تلك القصة وعدد القتلى والغنائم التي أخذها الملك ذو نواس بعد أن قتل من قتل وأحرق من أحرق، ويذكر ياقوت الحموي في كتابه معجم البلدان أنه روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، أنه قال القرى المحفوظة أربع: مكة، والمدينة، وإيليا، ونجران، وما من ليلة إلا وينزل على نجران سبعون ألف ملك يسلمون على أصحاب الأخدود ولا يرجعون إليها بعد هذا أبداً.

دخول نجران في الإسلام:

جاء في كتب التاريخ أن سكان نجران الأولين، كانوا من الأفعى من قبيلة جرهم، ويعدون سكان نجران الأولين، وكان لهم السيادة إلا أن تتابع الهجرات الكثيرة، من الجنوب إلى الشمال أتت بمهاجرين جدد جعلت منهم قوة تفرض هيمنتها على السكان الأصليين الذين ألفوا الدعة، ثم اندمج الطرفان بالقربى والمصاهرة. لذا نجد أن السيادة في نجران في وقت لاحق انتقلت إلى بني الحارث بن كعب من قبيلة مذحج، وبالذات في بني عبد المدان منهم، ثم تتعاقب الهجرات بعد ذلك، وتتمكن قبيلة همدان بن زيد بفروعها المختلفة من القبائل الهمدانية، من يام، ووداعة، ووائلة، وشاكر، من فرض قوتها في المنطقة، وأصبحت لها الغلبة في وقت لاحق نتيجة لكثرتها، وعصبيتها المستمدة من باقي قبائل همدان الأخرى، المستوطنة في الأجزاء الشمالية من اليمن.

وقد أسلمت قبيلة همدان في السنة العاشرة من الهجرة على يد الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد بعث خالداً بن الوليد إلى نجران واليمن يدعو أهلها للإسلام فمكث فيهم سنة كاملة، ولم يجبه إلا عدد قليل منهم، فبعث لهم عليه الصلاة والسلام الإمام علياً بن أبي طالب كرم الله وجهه وأمره أن يرجع خالد بن الوليد، وأن يقوم بأمر الدعوة الإسلامية في نجران واليمن وفتح الله على يديه، وأسلمت همدان كلها في يوم واحد، وكتب الإمام علي بذلك للنبي عليه الصلاة والسلام، فلما قرأ كتابه خر ساجداً، ثم جلس وقال السلام على همدان، السلام على همدان، وكان إسلامهم في شهر رمضان من السنة العاشرة في الهجرة، وقد أرسلت همدان وفداً على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) برئاسة مالك بن نمط الهمداني، الذي وقف بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) متحدثاً عن وفد قومه من همدان، قائلاً يا رسول الله: نصية من همدان من كل حاضر وباد، أتوك على قلص نواج متصلة بحبائل الإسلام، لا تأخذهم في الله لومة لائم من مخلاف خارف ويام وشاكر، أهل السود والجود، أجابوا دعوة الرسول وفارقوا آلة الأنصاب عهد لا ينقص ما قامت لعلاع (شمس)، وما جرى اليعقور (الغيم) بضلع، فكتب لهم الرسول عليه الصلاة والسلام بالآتي: >بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من رسول الله محمد لمخلاف خارف وأهل جناب الهضب وحقاف الرمل مع وافدهم ذو المشعار، مالك بن نمط، ومن أسلم من قومه، على أن لهم فراعها ووهاطها، ما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة يرعون علافها، ويأكلون عافيها، لهم بذلك عهد الله ورسوله وشاهدهم المهاجرون والأنصار.

ومنذ إسلام قبيلة همدان، على يدي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في السنة العاشرة من الهجرة بعد مجيئه إلى نجران حيث يذكر التاريخ أنه جاء إلى اليمن مرتين، الأولى إلى نجران، والثانية إلى صنعاء، حيث بعثه النبي ? قاضياً في اليمن، وعلى مر التاريخ الإسلامي فقد اقترن ذكر قبيلة همدان بمناصرته والانتصار له ولأهل بيته حيث خاضوا معه جميع حروبه ضد معاوية بن أبي سفيان ودولة بني أمية في وقت لاحق مع ابنه الحسين في موقعة كربلاء، وقد دفعوا جراء مناصرتهم لآل البيت الثمن غالياً، وكانوا ضحية للتعصب الديني للمرة الثانية، إذ ناصبهم الأمويون وولاتهم العداء، وألحقوا بهم الأذى، ولم تقف نقمتهم على همدان الذين بقوا في العراق بل صار إليهم بشر بن أرطأة بأمر من معاوية بن أبي سفيان وأغار عليهم في ديارهم في نجران واليمن، فقتل منهم الكثير، ونكل بهم ثم أمر جيشه بسبي نسائهم، فكانت نساؤهم أول نساء سبين في الإسلام، وما جرى على ألسنة شعراء همدان ليعد أكبر تعبير عن ولاء هذه القبيلة لآل البيت ومنهم على سبيل المثال:

سيد همدان، سعيد بن قيس، والشاعر زياد بن سعد الهمدان، والأخوص بن شداد الهمداني، والشاعرة سودة بنت عمارة الهمدانية، والمجالد بن ذي مهران الهمداني، شاعر همدان الملقب بالأعشى.

وما قصيدة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه بالإشادة بهم، إلا رد على ما لقي لديهم من ولاء وإخلاص له ولسائر أهل البيت من بعده، والتي هي كالآتي -كما جاءت في ديوانه (عليه السلام)-:

فناديت في همدان قوم فجابني

فوارس من همدان غير لئام

فوارس ليسوا في الحروب بعزل

غداة الوغى من شاكر وشبام

وفي أرحب الشم المطاعن بالقنا

ونهم وأحياء الشبيع ويام

ووادعة الأبطال تخشى مصالها

بكل رقيق الشفرتين حسام

جزى الله همدان الجنان

فإنهم سمام العدى في كل يوم سمام

رجال يحبون النبي ورهطه

لهم سالف في الدين غير أثام

فلو كنت بواباً على باب جنة

لقلت لهمدان ادخلوا بسلام

نجران تعايش وتسامح ديني بين مختلف الأديان:

على الرغم من أن أهل نجران تعايشوا في تسامح ديني مع بعضهم البعض من يهود ونصارى ومسلمين إلا أنهم كانوا ضحايا دائماً للتعصب الديني القادم من الخارج عندما يقترن بالسلطة، فكما نعلم أن التعصب طبيعة موجودة لدى الكائنات البشرية، لكنه لا يكون خطراً على الآخرين إلا عندما يقترن بالسلطة والقوة التي تستطيع فرضه على الآخر. وكما هو معروف فإن التعصب يعني تسفيه عقائد الآخرين وقناعاتهم أو احتقارهم كما يعني منعهم بالقوة عن التعبير عنها، وإذا تركت الأمور للمواعظ، فالمواعظ لا تحل المشكلة وإنما تحلها المصارحة الفكرية وتشكيل دولة حديثة يترسخ فيها مفهوم المساواة بين جميع المواطنين، في جميع مؤسساتها والتعصب يتنافى أولاً مع العقل، فالإنسان يصبح متسامحاً لضرورة الحياة، عن طريق الذكاء والعقل، فهو مضطر للعيش في المجتمع والتعامل اليومي معه، ولا بد من تدجين مشاعره العدوانية لأنه لا يستطيع أن يعيش في حالة حرب كل يوم مع الآخرين، كما أن التيار المتعصب يتنافى مع روح النص القرآني، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا[1]  وقوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ[2] .

وقوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ[3] .

ولذا فإننا نستنتج من ذلك أن التعددية العقائدية واردة في القرآن الكريم ومسموح بها، وكذلك حرية الاعتقاد أو عدم الاعتقاد، ولكن هناك طبقة من بعض الفقهاء المنغلقين والمتزمتين، فسرت القرآن في إتجاه الانغلاق العقائدي، والتضييق في حرية الفكر، والتعصب ضد الأديان الأخرى، وهذا التيار الانغلاقي المتزمت مع الأسف هو الذي انتصر تاريخياً، وتصعبت محاربته، علىالرغم من وجود تيار متسامح في التراث الإسلامي، ومثال ذكر موقف عمر بن الخطاب G، عندما سمح لليهود بالعودة إلى القدس، وقد طردوا منها سابقاً.

[1]  سورة البقرة، الآية 256.

[2]  سورة الكهف، الآية 29.

[3]  سورة المائدة، الآية 48.
أحد أعيان نجران.
365995