القطيف... تاريخ من الصمود
قراءة في كتاب: (تاريخ الاحتلال البرتغالي للقطيف)
محمد الأنصاري * - 19 / 3 / 2011م - 12:44 ص - العدد (34)

تعرضت للمجازر البرتغالية خمس مرات متتالية

مما لا شك فيه أن الاحتلال البرتغالي لمنطقة الخليج كان من أقسى وأشد أنواع الاحتلال الذي شهدته الأرض العربية بعد سقوط الدولة الإسلامية في بغداد وغرناطة، وقد تتالت الأحداث المؤلمة على أرض العرب وصارت هذه الأرض نهباً لكل الغزاة الذين دفعتهم دوافع شتى للنيل منها؛ فمنها ما كان استعمارياً محضاً ومنها ما تزيا بزي الاستعمار وخبأ خلفه ضغائن دينية وعقائدية، وكتبت حول موضوع تاريخ الخليج في فترات الغزو الأجنبي المختلفة مئات الكتب والدراسات ولكن بقيت هناك مساحات مترامية الأطراف منه لم تأخذ حقها في البحث والدراسة، ورغم أن البعض يحاول التقليل من شأن الأبحاث التاريخية على مستوى المفهوم العام للثقافة الإنسانية إلا أنه لا يستطيع أن ينكر أن الأمم المتقدمة وعلى وجه التحديد أوروبا؛ جعلت من المادة التاريخية أداة متحركة واستفادت منها بعد أن أشبعها مؤرخو أوروبا بحثاً وتدقيقاً ووضعوا المعلوماتية التاريخية تحت تصرف العلوم الأخرى وبالتالي انطلاق الفكر السياسي والاجتماعي أو مراكز اتخاذ القرار لتكوين ما يسمى بالحضارة الغربية، وعوداً على بدء فإن تاريخ منطقة الخليج حافل بالكثير من الأحداث المهمة ولم تزل بعض مناطق هذا التاريخ عامل جذب مستمراً للباحث الذي يحاول استكشاف الغموض وإزالة الغبار عن الصفحات المنسية منه، وتحت هذا التوجه يأتي كتاب (تاريخ الاحتلال البرتغالي للقطيف) للكاتب علي بن إبراهيم الدرورة الصادر عن المجمع الثقافي في أبو ظبي.

يبدأ الكاتب في الباب الأول معرفاً بمنطقة القطيف وأهم مزاياها الاقتصادية والجغرافية حين حددها بثلاثية متتالية، حيث تمثل القطيف تاريخياً تتمة للمثلث الزراعي (القطيف - البحرين - الأحساء) والمثلث الملاحي (القطيف - البحرين - قطر) ومثلث شمال الخليج (الأحساء - القطيف - البصرة) وبالنظر إلى المكانة المهمة التي امتازت بها المنطقة فإنها شكلت دعامة حضارية وثقافية لما جاورها من المدن المختلفة ومقصداً لكل الراغبين بالاستقرار في العصور السابقة، وفي بحث مفصل حاول الدرورة أن يقدم أدلة من عدة مصادر تدل على أن اسم الخليج هو (بحر القطيف) ولكنه لا يصر على هذا الأمر ويترك الباب مفتوحاً للقارئ بعد أن يضع بين يديه عدة خرائط ومعلومات تاريخية استقاها من مراجع متنوعة، ولغوياً فإن مصطلح (القطيف) يعني العنب الذي قطف تواً أو الثمر المقطوف وواضح أن تسمية المنطقة جاءت من كثرة أشجارها وبساتينها، والمصطلح هو من قبيل إطلاق الكل على الجزء كما يقال الآن: الشام كناية عن دمشق ومصر ويعنى بها القاهرة؛ فالقطيف المدينة الحالية هي من ضمن عشرات القرى والمدن التي تقع ضمن واحة القطيف ويأتي الدرورة على ذكرها واحدة تلو الأخرى وصفاً عمرانياً ويرصد لما مر بها من أحداث وأبرز شخصياتها من الحكام والشعراء ورجال العلم وهي ما يزيد على عشرين قرية ومدينة تابعة للقطيف.

 ولموقع واحة القطيف الاستراتيجي فقد صارت أرضها منذ القدم ملتقى حضارياً ودينياً؛ فتنوعت فيها الأديان والمذاهب العقائدية قبل مجيء الإسلام وتحدثنا الروايات عن أن بحيرى الراهب ولد على أرضها الذي تنبأ بظهور الرسول محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) مما دفع اثنين ممن سمعا النبوءة من أهل القطيف إلى أن يغادرا أرضهما ويدخلا الإسلام في بداية الدعوة، ولما حلت السنة السابعة للهجرة جاء وفد من القطيف إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ليعلنوا الإسلام؛ ولكن ما أن انتقل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الرفيق الأعلى حتى أصيبت المنطقة العربية بهزة عنيفة ارتد على أثرها الكثير من القبائل والمدن وكانت القطيف منها حتى عادت إلى أحضان الدولة الإسلامية في بداية حكم الخليفة الثاني عمر رضي الله عنه، ويسترسل الدرورة في الباب الثاني من كتابه متوغلاً في ثنايا التاريخ ليستكشف القطيف منذ الفتح الإسلامي حتى سقوطها بيد العثمانيين في القرن الرابع عشر الميلادي ودخول البرتغاليين كقوة جديدة في الصراع الدائر للاستيلاء على المنطقة.

الحقد الأعمى

يعود اسم البرتغال إلى القرن العاشر الميلادي ويستفيض المؤلف في الباب الثالث بوصفها ويولي أهمية خاصة للمبحث التاريخي وتحديداً فترة الاستقلال البرتغالي وقيام دولتها عام 1143م ولكن المفارقة في الأمر أن أول حاكم للبرتغال كان فرنسي الأصل (هنري البير غندي) ولكن لم تستقر البرتغال ككيان له إدارته واستقلاله ومنفصل تماماً عن الملكية الإسبانية حتى عام 1385م حين اعتلى العرش جون الأول الأفيزي، وفي فترة حكم ابنه هنري الملاح وصل البرتغاليون إلى شرق أفريقيا وفي عام 1497م قرر ملك البرتغال مانويل زيادة قوة بلاده والتوغل إلى أقاصي الشرق والغرب فدعم رحلة جريئة لفاسكودي جاما الذي وصل إلى رأس الرجاء الصالح ومنه انطلق ليصل إلى سواحل الهند. وفي عام 1500م وصل الأسطول البرتغالي إلى الأرض التي تعرف اليوم باسم البرازيل، وما أن حل القرن السادس عشر حتى بسطت ملكة البرتغال نفوذها على منطقة شاسعة من الأرض ولكنها سقطت بيد إسبانيا بعد ذلك حتى عام 1640م وظلت المملكة تأخذ في النمو والقوة الاقتصادية بعد أن جنت ثمار مستوطناتها في الشرق والغرب، ومن خلال النصوص التي كتبها المؤرخون البرتغاليون أنفسهم إضافة إلى الوقائع التاريخية الصريحة يتضح بأن هؤلاء الغزاة كان دافعهم دينياً يتلبس بالدافع الاستعماري ويصح العكس أيضاً وفي إشارة من تلك الإشارات يورد الدرورة مقولة جوادو باروس (مؤرخ برتغالي من القرن الثامن عشر): (لقد خص الله البرتغال بنعمة أن كتب لهم غزو بلاد الكفار وخاصة العرب منهم) ويستمر هذا المؤرخ بتسطير كتابته التي تمثل قمة الحضارة الغربية! في التعامل مع الغير: (ثم قضت إرادة الله أن يمارس البرتغاليون حقهم الطبيعي.. بحد السيف ليس فقط في الجزيرة العربية الجدباء حيث دمروا مدنها وأحرقوا منازلها وسبوا نساءها وأطفالها واستولوا على الثروات وملكوا المدن؛ ولكن في بلاد الفرس أيضاً) وليت من يتبجح بالحضارة الغربية ويرى فيها المثل الأعلى للبشرية يقرأ هذه النصوص، وربما انه قراها ولكن كل إناء بما فيه ينضح.

الهمجية الغربية

لقد دفعت الأطماع ملوك البرتغال لارتكاب كل أنواع الجرائم بحق الإنسانية؛ وكانت القطيف ولؤلؤها الذي اشتهر في تلك الفترة مطمعاً غالي الثمن للغزاة البرتغاليين، ويعد لؤلؤ القطيف الأجود في المنطقة لوقوعه في منطقة اللؤلؤ العالمية بين البصرة وهرمز، ويقر الدرورة بأن المنطقة قد تأثرت بالتصاميم البرتغالية في بناء السفن والقلاع والأسلحة ويورد عدة أدلة من المصادر الأوروبية والعربية الني ناقشت تاريخ المنطقة، ومثلما كان لألفونسودي البوكيرك مجازره في كل مدن وقرى الخليج والجزيرة العربية فقد كان له مثل ذلك في القطيف. وفي خطاب لهذا السفاح العالمي وجهه للشاه عباس الصفوي عرض على الشاه الاشتراك معه في حكم المنطقة وتدمير القوة التركية المنافسة للصفويين فيها بل إنه عرض عليه مهاجمة مكة وتدميرها والمقصد من ذلك واضح، وفي تلك الفترة كان البرتغاليون بقيادة البوكيرك قد استباحوا المدن العربية ودمروا المساجد وأحرقوا الناس بعد أن جمعوهم داخل بيوت العبادة، ويسرد الدرورة استيلاء الغزاة البرتغاليين على البحرين في عام 1521م كبداية للهجوم على القطيف وقتلهم لحاكمها العربي مقرن بن زامل بعد أن تصدى لهم بكل بسالة، وقد نال هذا الأمير العربي من قسوتهم الكثير فقد قطعوا رأسه وتوضح الصورة في الصفحة 212 من الكتاب بشاعة وهمجية الغزاة حيث توضح رأس الأمير مقرن مرفوعاً بيد على طرف الدرع الخاص بالقائد البرتغالي انطونيو كوريان وبعد قتل البرتغاليين لهذا الأمير بفترة بسيطة هجموا على القطيف من جانب البحر واحتلوها ومارسوا سياسة قهر ضد أبنائها وفرضوا ضرائب كبيرة على السلع والبضائع في المنطقة بأسرها مما دفع سكان المنطقة العربية للثورة عليهم في فجر 30 نوفمبر 1521م وهو ما بات يعرف بالثورة العامة أو ثورة الجمارك وتكبد الغزاة خسائر كبيرة ودمرت العديد من قلاعهم ولكنهم استعادوا قوتهم وسيطرتهم حيث قاموا باحتلال القطيف ومدن الساحل مرة أخرى في 1523م ولم تخنع المنطقة فهبت ثورة عارمة فيها عام 1526م.

حملات ومعارك

وأثناء فترة حكم ملك الأحساء راشد بن مغامس عام 1529م والذي بسط نفوذه حتى البصرة حدثت ثورة عارمة ضد الوجود البرتغالي في القطيف ولم يستطع الغزاة إخمادها رغم توجه اكثر من عشر سفن مجهزة بالمدافع والمقاتلين ولم يتبق من مقاتلي هذه الحملة البرتغالية سوى خمسة وثلاثين جندياً وفيها مات قائدهم (سيمون دي كونها)، وحين استولى العثمانيون على بغداد 1534م توجه وفد من أهالي القطيف إلى السلطان العثماني هناك طالبين منه التدخل والمساعدة على طرد الغزاة البرتغاليين من منطقة الخليج وحماية المدن الساحلية من هجماتهم باعتباره حاكماً مسلماً تجمعهم وإياه عقيدة واحدة، وبالتعاون بين أهالي القطيف والأسطول العثماني تم الإجهاز على معظم القوة العسكرية البرتغالية سنة 1537م وتنصيب الشيخ راشد بن مغامس أميراً على القطيف وما جاورها من المدن بمباركة السلطان العثماني سليمان القانوني، وبعدها حكم المنطقة الممتدة من القطيف إلى البصرة الشيخ مانع الذي كان متعسفاً في حكمه مما جعل المنافسين يخططون لإزاحته، ويبدو أن المستفيد الأكبر من الصراع الذي دار في المنطقة هم البرتغاليون أنفسهم، فقد راسلهم الشيخ مانع عارضاً عليهم الصداقة والتعاون كردة فعل على المؤامرات التي حيكت حولهن وقد كان لهذه المراسلات أثر خطير على القطيف وما جاورها حيث اقتحم البرتغاليون مدينة القطيف مرة أخرى سنة 1545م ودمرت قذائف مدافعهم أسوار المدينة أعقبتها حملة أخرى جردها حاكم الهند البرتغالي (دي نورنها) بعد سقوطها بيد الأتراك وهزم الأتراك لحجم قوة البرتغالي المتكونة من 4200 جندي بينما كانت الحامية التركية لا تزيد عن 400 جندي استسلم آخرهم بعد ثمانية أيام من المقاومة.

ودك البرتغاليون حصون القطيف وأسوارها ولهم أسلوب معروف عنهم واستمر احتلالهم لها حتى 1550م حين طردهم أهلها وانتهت في تلك السنة إمارة آل شبيب للمنطقة بعد أن قرر العثمانيون إقصاءهم وحكمها بصورة مباشرة. وظلت القطيف متداولة فتارة يغزوها البرتغاليون وتارة تقع بيد الأتراك ومن أبرز الحملات التي شنت عليها ما يسمى الاحتلال الرابع لها على يد البوكيرك الثاني سنة 1552م والاحتلال الخامس سنة 1553م وبعده طرد البرتغاليون وخضعوا لاتفاق سلام مفروض عليهم من قبل الدولة العثمانية ولكنهم ما لبثوا أن غدروا وحاولوا الهجوم عليها وباءت هجماتهم بالفشل.

وعودة إلى الدرورة وإيغاله في هذا البحث التاريخي والغاية منه نورد في نهاية هذا العرض السريع لكتابة جملة للمؤلف نرى أنها مناسبة كخاتمة: (إننا ننظر إلى الآثار السلبية بعد مضي خمسة قرون على هذا الغزو وبصورة مهزوزة لأنه لا توجد بين أيدينا وثائق تدلل على ذلك؛ أضف إلى أن الكتّاب البرتغاليين سوف يرجحون كفتهم ويبررون أعمالهم العدوانية بكل ما أوتوا من قوة ويضعون أنفسهم موضع الملائكة الأطهار بينما غيرهم أراذل الشياطين!!).

البحرين
365995