علاقة الإنسان بالأرض بين العشق والولاء
أغنية لتاروت
سلمان العيد * - 19 / 3 / 2011م - 1:20 ص - العدد (34)

- كيف تكون علاقة الإنسان بالأرض؟

- هل هي علاقة العشق ؟ أم الولاء؟

- وفي هذه الحالة بل وعلى كل حاله، من هو المتفضل ومن هو المقصر، إذا كان هناك ثمة تفضل أو تقصير في علاقة الإنسان بأرضه؟

- ومن الأساس ما الذي يثير جمار وجذوات العشق (أو الولاء) في مكنونات الذات الإنسانية، تجاه أرضه، هل هو جمال تلك الأرض، أم الذكريات أم ماذا؟

 

أظن أن هذه التساؤلات، أو هذه الشذرات والخلجات أراد إثارتها الشاعر الفذ عدنان العوامي في قصيدته أغنية لتاروت، التي كشفت بعض ما يكنه هذا الشاعر من عشق وولاء لهذه الأرض، التي كما أظن أيضا كانت موطنا له في يوم ما، وربما كان هذا الأمر وراء التألق في وصفه لهذه الجزيرة الرائعة في وسط الخليج كيبوس كاللؤلؤة الأطيب والأجمل. وهذا ما يمكن اكتشافه من قراءة لهذه القصيدة المليئة بالقيم الأدبية والأخلاقية، التي يقول في مطلعها:

عفو الصبا، تاروت، عفو الصبا

ما اجمل الذكرى وما أعذبا

فهو يصف هذه الجزيرة التي تحتل جزءاً من كيانه الذاتي ومن داخله العميق بأنها "عفو الصبا" أن براءة وعفوية وبساطة الأطفال، الذين هم أحباء الله، ولولاهم لساخت الأرض بمن عليها، فهم رمز الأمل بالعفوية التي يحملونها في نفوسهم وتنطق بها ألسنهم. فالأرض "تاروت" كبراءه الأطفال أو بالأحرى -حسب شاعرنا الكبير- هي البراءة والعفوية أي أن جمال تاروت معنوي بالدرجة الأولى.

ولكنه يوضح حقيقة هامة، تعيشها الطبيعة الإنسانية وتتمثل في أن جمال العفوية. التي تتسم بها مرحلة الطفولة لا يشعر بها الأطفال، بل يشعر بها الكبار، لتظل جميلة في المخيلة والذاكرة، وذلك بعد أن تتلوث النفس الإنسانية بتقلبات ومظالم الكبار بعد ذلك يؤكد الشاعر أن علاقته بتاروت تبدأ من الطفولة ومن الذكريات الجميلة التي تبدو ماثلة أمام مرأى وخيال الشاعر لحظة بلحظة، لذلك يتحدث عن جمال وعذوبة الذكريات. وهناك تظهر عاطفة الشاعر في الحديث عن تاروت والمتمثلة في مجالها الأساسي من كونها تحمل بعض الذكريات والأيام الجميلة، فهنا يتداخل جمال الطبيعة الذي لم يتحدث كثيرا عنه مع جمال الذكرى التي لم تكن جميلة وحسب بل عذبة أي أنها فائقة ورائعة.

وهنا تظهر صورة نفيسة وهي التشبيه البليغ المكرر لأجل الغرض البلاغي وهو التأكيد على المعنى، حيث شبه تاروت بعفوية الأطفال وما تشكله من جمال في الذاكرة وعذوبة وسعادة في النفس.

وبعد تقرير هذه الحقيقة وهي العلاقة مع الأرض التي هي ضاربة في التاريخ والأعماق، يتساءل الشاعر عن سر هذا الهوى وهذا العشق واستمراره وربما أشار أو أراد الإشارة إلى أهم أسرار العلاقة بالأرض، أو عوامل الجذب وبعث الشعور العشقي بكل ما يحمل من معنى، وفضل الشاعر أو ربما اجبر عاطفيا وشعريا الأسلوب الاستفهامي بعد التقريري، دون أن يحدث أي خلل في التراث الفكري لأجواء القصيدة ووحدتها الموضوعية. فيقول:

ماذا تصبَّى فيك هذا الهوى

فاختار دنياك له ملعبا

أي ما هي العوامل التي جعلت الأرض ساحة لحركة الهوى، وما الذي صيره لاعباً لفترة طويلة في هذه الأرض، دون غيرها بصوره أخرى ما لذي جعل هذه العلاقة الحميمة مع الأرض

وهنا تجدر الإشارة إلى أن شاعرنا رغم الروح الذاتية المتغلغلة في جسد وأوصال القصيدة، لكنه وعلى طول الأبيات لم يتحدث عن نفسه، مكتفياً بوصف الذكريات والجماليات وعوامل الود مع الأرض، وهي تاروت، والتي تحمل إشارة أخرى إلى أن العلاقة مع الأرض ابعد من الذاتيات والعوامل الشخصية، التي تستعمل وتنبعث في روح وطنية عامة.وبعد التساؤل الهام الذي أعقب تقرير جمال الذكرى والعلاقة يأتي دور الإجابة، ولكن ليست بصورة الحسم، فهناك عوامل عدة، واحتمالات عده للإجابة على ذلك، منها ما هو ذاتي ملتصق في الطرف الآخر وهو الأرض ومنها ما هو خارج عن الذاتية، ينطلق بأشياء جميلة موجودة في تلك الأرض، تدفع المحب لعشقها وعشق الأرض.

يجيب شاعرنا قائلاً لأول، وربما أهم الاحتمالات التي تشكل سبباً لذلك الجمال يقول:

حسانك اللاتي يرشن البها

سهما لذيذ الجرح مستعذبا

ورغم أن الإشارة بنون النسوة، ويقصد بها النساء،لكنه لم يحدد ذلك، وأطلق لفظة الحسان، وربما قصد النساء، وربما لم يقصد وترك الباب مفتوحا على مصراعيه لاحتمالات ولحسان أخر في تاروت لكن من هن هؤلاء الحسان لا يبدو أمراً مهماً في هذا العرض وإنما المهم هو صفاتهن ومستوى حسنهن فهو من وجهة نظر الشاعر "حسن غير طبيعي وغير متصور".

فهن لسن من صفات النساء الباهيات (من البهاء) بل هن أعلى وأحلى وأجمل من البهاء نفسه، بل أن البهاء يتواضع أمامهن ويقبل بكل أذى يصدر منهن بل يستلذ بجروح هؤلاء الحسان ويقبل سهامهم ويستعذب آلامهم. هذا هو حال البهاء الذي يتغزل فيه الجميع، فما حال من يطلب البهاء ومن يسعى لنيل رضاه، فأنه وبلا شك مجبر على عشق هذه الأرض، من أجل هوى الحسان. ويجدر بنا أن نتوقف عن صورة فنية رائعة يرسمها الشاعر، حيث يصف معركة من نوع خاص، بين البهاء من جهة، وحسان تاروت، فالحسان هن المنتصرات أولا والبهاء ليس منهزما وراضياً بالهزيمة فقط، بل أن هزيمته من هؤلاء الحسان جميلة ومستعذبة ويشعر بلذة الجرح. إن الحسان لم يجاملن البهاء، أو يحسن على شعره، أو أي مكان جميل فيه، حتى يدخله السرور عليه، بل هن ليقتلن بالسهام ومع ذلك هو سعيد بالجراح. وكان شاعرنا الفذ قد صور البهاء شخصا مريضا بالمازوشية، حيث يسعد المصاب بهذا المرض بآي أذى يعيبه، السؤال. هل بشكل هؤلاء الحسان سببا جوهريا لأن يتخذ الهوى دنيا تاروت ملعبا له،يعبث به كيف يشاء لاشك أنه سبب وجبه.

والسبب الآخر يورده الشاعر في نص أطال فيه نوعا ما بقوله:

أم شطك الحالم مستضحكا

ومرجك المضياف معشوشبا

على روابيه ترف الرؤى

سكرى ويستلقي الندى متعبا

وفي سواقيه بهيم الشذا

ويمرح الضوء وتلهو الصبا

ما طاف (باخوس) بأكوابه

في موطن أصبى ولا أخلبا

ولا احتوى (كيبوس) في صدره

لؤلوة أغلى ولا أطيبا

وبعد الانتقال من وصف الحسان واكتفى ببيت واحد وكان بليغاً رقيقاً في وصف حسنهن وبهائهن يأتي للإتيان بعامل آخر لإيجاد تلك العلاقة الحميمة بتلك المنطقة، ولكن جاء هذا العامل بوصف مفصل فالشط وربما قصد بذلك حمام تاروت أو البحر الذي يحيط هذه الجزيرة من مختلف الجهات، وأي قصد فان ابرز صفات هذا الشط الجاذب للعاشقين، أنه "حالم" الذي نفهمه

وثانيا هو شط سعيد ويسعى لإدخال السرور على مريديه وضيوفه، لذلك قال "مستضحكا" ولم يقل ضاحكا أو مبتسما كما أنه لم يذكر اسم الفاعل "مستضحك" من "المستضحك" لضرورة الوزن في الشعر كون القصيدة جاءت على وزن (مستفعلن فاعلن /5/5//5 /5/5//5 /5//5).

واغلب الظن هو أن الشاعر أراد الإشارة إلى كون شط تاروت الحالم يدخل السرور لدرجة عميقة تصل إلى الضحك وهو عنوان السعادة.

وفي الشق الثاني من البيت (الشطر) يورد عاملا أخر وهي ارض تاروت الواسعة الكبيرة التي استبدل ذلك بكلمة "المرج" التي تعنى ذلك لكن مع سعتها تحمل صفات أخرى هي كالتالي:

أنها ترحب بزائريها فضلاً عن كونها خضراء (ومرجك المضياف معشوشبا).

إنها جميلة لدرجة تأخذ الألباب، وتؤثر على الطبيعة، وهنا تبرز حالة التفنن لدى الشاعر في وصف الحسن في تاروت فتارة يصفها بأن تأخذ الألباب، ويتعب جمال وهدوء الندى الذي هو رمز العطاء في الفجر يقول (على روابيه ترف الرؤى سكرى ويستلقي الندى متعبا) أن ارض تابوت لا تسعد بالطبيعة وحسب بل أن الطبيعة تسعد بهذه الأرض، فالشذا بهيم، والضوء يمرح، والصبايا تلهو كل ذلك في سواقي ذلك المرج المضياف (كثير الضيافة) وحينما وصف تلك الأرض بالسعة بكلمة المرج) وكثرة الضيافة والكرم بكلمة (المضياف) والخضرة بكلمة (المعشوشب) أورد الأدلة على ذلك، أبرزها أن الألباب تنميه في معاني هذه الأرض، بل أن الندى وهو أول مخلوقات الله تحركا في الصباح الباكر، قبل الطيور وقبل الحيوانات وفي الأشجار فأنه يستلقي متعبا على روابي أرض تاروت، فوق ذلك ودلالة على السعة والكرم فأن الجميع يسعدون بها. وهنا حقيقة ربما أراد الإشارة إليها، وليس من قبيل المبالغة، وهي أن من أهم عوامل التفاعل والعطاء هي الأرض الصالحة لهذا العطاء أي أن التفاعل بين العطاء البشرى والعطاء الإلهي، فإذا كانت الأرض خصبة، فان العطاء فيها اخصب، وبالتالي فان التفاؤل والسعادة هي عنوان العاملين أو القاطنين بها.

بعد ذلك يواصل الشاعر وصف جمال الجزيرة وشطها، ويستدعى التاريخ أيضا، وضمن حقيقة الخيال يراها يقول بأن (باخوس) وهو رحالة مشهور لم يطف في موطن أصبى ولا أخليا، أي أن تاروت فنية دائما خلابة على طول الخط وضمن هذا الإطار يؤكد أن بحر الخليج لم يحتو لؤلؤة أغلى وأطيب من تابوت، رغم تعدد اللآلئ في هذا الخليج الذي يطلق عليه خليج كيبوس.

على ضوء كل ذلك فتاروت جميلة، فنية، خلابة ساحره أخذه كريمة واسعة تبعث السرور عل كل من أتاها فوق ذلك فأن جمالها دائم الحيوية يخلب الألباب، بل لا يوجد أصبى منها ولا اخلب. كما أنها لؤلؤة غالية وطيبة. ولم يتوقف الشاعر ولم يتردد في استدعاء التاريخ، ليورد اسم باخوس وكيبوس.

بعد ذلك، وبعد هذا الوصف الرائع يتساءل الشاعر عن سر انتشار هذا الجمال واتساعه، وتنوعه فكما عرفنا في السطور السابقة أن هناك عدة معالم لجمال تاروت، لم يتحدث وهنا الغرابة عن التراث والتاريخ والمعالم الأثرية، لكنه أورد نقاطا غير متوقعة في هذا المجال، ما يدل على أن شعوره بالجمال فردى، وليس شعوراً جمالياً، يمكن أي شخص أن يتحدث فيه. ولذلك جاءت أسبابه وتفعيلاته مغايرة لكل التحليلات النظرية الأخرى، ومن هنا أيضا تأتي أسئلته غير متوقعة الإجابة فيقول:

تاروت من بعثر هذا السنا

على روابيك ومن ذوبا

ممن يقرأ هذا البيت يفاجأ في البداية أن ثمة آلما معينا في صدر البيت لتشعر بان الشاعر يتساءل عن سر ضاع، وهو الجمال، ولكن أين في الروابي ليصبح بعد ذلك تساؤلاً إيجايباً حول سر هذا الجمال وتعدده الذي سبق أن تحدث عنه في الأبيات السابقة، ولكن ومع إيجابية الطرح، إلا أنه يحمل أيضا في معانيه الحيرة وعدم الجواب، وليسير وفق لغة الاحتمالات، التي ابتدأها في السابق

أم من جراحات صريع الهوى

فوفت هذا الشفق المذهبا؟

أم من صبابات عشيقاته

تبكي النواعير فتندى الربى؟

إن نشر الصفات الحسنه، خصوصا الجمال والحسن لا يأتي إلا من خلال لغة العشاق، فلولا قيس بن الملوح لما انتشرت صفات ليلى العامرية، ولولا جميل بن معمر لما عرف أحد بثينة، ولولا،، ولولا،،،

فكل هذى الحسناوات ظهرت صورهن من خلال لغة صريع الهوى، لكن عشيقة العوامي، وهي تاروت لها احتمال أخر وهو حقيقي، ومن خلال حسن المعشوقة تنتشر جمالاتها، ليس من خلال وسيلة إعلامية قد بتزييف الواقع، وقد تعطي واقعاً مزيفاً كما ينقل أن قيسا لم ير من ليلى ألا عينها، فراح ينسج الروايات والخيالات والقصص، وربما لو رأى شيئاً آخر لتغيرت مقولاته سلباً أو إيجابياً هنا أطلق شاعرنا العنان للاحتمالين، وهما السببان في نشر الجمال الذي تحمله تاروت، دون أن يحسم الأمر لآي منهما.

وهناك احتمال أخر أراد الشاعر أن يتحدث عنه خلال هذين البيتين وهو أن لجمال تاروت عوامل أساسية أوجدته، وهي الحسان المنتشرة وهناك الشاطئ والأرض الواسعة بما تحمل من معانٍ كلها جعلت الهوى والعشق يرتقيان في أجوائها لكن من الذي أعطى هذه المعاني صورها الزاهية وصيرها جميلة وخلابة.

وهناك بعد اجتماعي أكد عليه الشاعر حينما حصر المسؤول عن ذلك العاشق والعشيقات أي أن هناك عوامل ذاتية لجمال تاروت، وهناك أيضاً عوامل موضوعية ساهمت في نشر ذلك المعني فصريع الهوى أعطى صورة زاهية وعشيقاته أعطت صورة أخرى، التقت الصورتان على الطبيعة والتي تظهر في عبارة "فوفت هذا الشفق المذهبا أو تبكي النواعير فتندى الربى" وهنا أراد القول بان الحب السائد بين حب المجتمع هو الذي ينشر الجمال لأي مدينة، فلا يكفى جمال الطبيعة إذا كان آهل الأرض في عداء أو تنافر اجتماعي،وهذه إحدى دعوات هذا النعي ويمضي في تأكيد فكرته من أن العامل الاجتماعي وبالتحديد حاله الحب بين أبناء المجتمع، ليس بمعناه الفنائي العشقي فقط بل بصوره اشمل يورد قصة أدونيس الذي تغزل بعشتاروت التي تقربت له وقدمت نفسها، لكنه آبي، ورفض فيقول

هذا أدونيس وذي قوسه

عطشى. وهذى سانحات الظبا

وتلك عشتاروت في مجدها

تختال بالحسن وزهو الصبا

صارعة الخد تصلى له

ولهى فيناى شامخاً معجبا

مرة أخري يستدعى الشاعر التاريخ وبعض رموزه ويورد حالة من التنافر بين عاشق وعشيقته، فهي التي تتقرب وتقدم نفسها، لكنه يأبى ويشمخ بأنفه وكأنه أراد القول أن تاروت ترحب بالمحبة والمحبين لكنه التقصير لا يأتي من الأرض وإنما من البشر أنفسهم فالأرض تتزين لأهلها وتقدم خدماتها مجانا، لكن يحدث أن البشر يتطاولون ويخرجون عن إطارهم وطريقتهم السليمة ويمضى في شرح هذه الظاهرة يقول:

ماذا أدونيس ألا رحمة

بالعطر أن يؤذى وأن يغضبا

من هذه الزهراء تلهو بها

من غير أن تخشى وان ترهبا

وأنت لولا بعض نعماتها

ما كنت هذا اليافع المجتبى

هل كان بعضاً من خطيئاتها

أن رفعت منك لها كوكبا

بعد ذلك يُنحي الشاعر باللائمة على الأشخاص البشر في تعاملهم مع الأرض، فهي التي تتقرب، وتقدم حسنها وجمالها، وهي العطر الذي يستحق أن يوضع موضعه. ولا يُعامل معاملة لا تليق بمقامه. والأرض هي التي قدمت كل شي لكن البشر هم الذين يتعاملون بسوء.

وربما كانت هذه الأبيات إشارة إلى معاناة يعيشها الشاعر إذ ربما لاحظ تشويها يمارسه البشر بحق تاروت سواء من أهلها أو من غيرهم بكل عنفوان وقسوة يورد قصة أدونيس مع عشتا روت، التي تعكس حالة من الجفاء والتعامل غير الحسن من طرف يقدم نفسه بكل تواضع "تصلى له ولهى" ولطرف آخر "فينأى شامخا معجبا".

ثم يتخلى الشاعر عن حياديته، ويميل لصالح عشتاروت ويتحامل على أدونيس، أي يميل إلى الأرض ضد البشر الجافي القاسي. واصفاً الأرض بالعطر الذي لا ينبغي أن تكسر زجاجاته، والزهراء التي لا يتعامل معها إلا بلطف وتقدير واحترام، فلولا الأرض لا قيمة للبشر... لكنه لا يناقض مقولاته السابقة عن أن للبشر أيضا دورا في نشر فضائل الأرض، وبالربط المنطقي بين الفكرتين تنثر علاقة متكافئة، ينبغي أن تكون سليمة بعيدة عن الجفاء، فلكل طرف مسؤولين في وجود الأخر. هكذا نمط التعامل مع الأرض ينبغي أن يكون علاقة عشق وولاء، فالأرض كريمة، والبشر يرفعونها أو يذمونها ، لأنهم مخيرون في ذلك، بينما الأرض مجبره على فعل الخير دائما، ولما وجدنا غدرا من الأرض إلا بسبب أفعال البشر.

وأخيراً يقف الشاعر يؤكد أن العلاقة مع الأرض هي علاقة عشقية وينبغي أن تتجاوز الأرض عن بعض الخطيئات التي تحدث من البشر ليقول:

تاروت ما غاية هذا الفتى

يعاف نعماء الهوى مغضبا

هذا الفتى الغر ما باله

يبغي عن الحسن له مهربا

يشيح عن دنيا على غيره

عزت منالا ونأت مطلبا

عفو الهوى تاروت عن ذنبه

إن كان في شرع الهوى مذنبا

حين يبدأ يتساءل موجهاً لتاروت متعجباً كيف يقوم هذا الفتى العاشق ويبتعد عن نعماء الهوى لاشك أنه فتى غر ضعيف التجربة، لأنه يهرب من الحسن ويبتغى له بدلا... ولكن على تاروت أن تعفو عن هذا العاشق المسكين المقصر في الولاء.

هذه وقفة قصيرة مع أغنية لتاروت انشدها الشاعر المتألق عدنان العوامي أكد فيها على حقائق عدة في العلاقة مع الأرض، وكم هو كبير آلم شاعرنا إذا عرف ما آلت إليه روابي تاروت وسواقيها ومزارعها وشطها الحالم إذ غزاها العمران العشوائي، وتعامل معها تعاملاً قاسياً، ولا تزال تاروت تعفو وتعفو.

كاتب
370314