الشيخ الهاجري.. حياة زاخرة بالعلم والعطاء
سلمان الحجي * - 19 / 3 / 2011م - 4:07 ص - العدد (35)

نسبه:

هو العالم الفقيه الرباني حجة الإسلام والمسلمين آية الله سماحة الشيخ محمد بن سلمان بن محمد بن عبد الله بن عيسى بن محمد الهاجري.

نقل الأديب الحاج جواد الرمضان في كتابه مطلع البدرين: أن آل الهاجري وآل الشواف وآل التحو ترجع أصولهم إلى آل بني فارس، ومنهم أيضاً آل الدهام وهي أسرة معروفة في مدينة سوق الشيوخ جنوب العراق.

وذكر العلامة السيد هاشم الشخص في كتابه أعلام هجر الجزء الرابع في ترجمة الشيخ الهاجري: أن بعض الوثائق تثبت أن الجد الأول لأسرة آل الهاجري بالمنطقة اسمه أحمد الشواف ثم حمل لقب الهاجري وسرى هذا اللقب في ذريته.

كما ذكر الحاج حسن بن عبد اللطيف العبد الله وكيل حسينية الجعفرية بالمبرز نقلاً عن والده الخبير بالأنساب أن أصل الهاجري والشواف من بني فارس وسمي شارع الفوارس باسم تلك العوائل وهم من قبائل عنزة.

كما ذكر الحاج جواد الهاجري أخو الشيخ لأبيه: أن آل الهاجري وآل الشواف جدهما من بني فارس.

كذلك ذكر ابنه محمد باقر: أنه سمع من والده أن أصل آل الهاجري يرجع لبني فارس.

أسرته:

تقطن أسرة الهاجري في الهفوف وهي حاضرة الأحساء وإحدى مدنها الكبرى، وتقع في الجانب الشرقي من المملكة العربية السعودية، ونظراً للتوسع العمراني وحركة الانتشار السكاني بالمنطقة نزح العديد منهم إلى مواقع متعددة بمحافظة الأحساء، كما انتقلت شريحة أخرى إلى بعض المدن بالمنطقة الشرقية كالدمام والخبر والجبيل طلباً للمعيشة ولاسيما أن تلك المدن تكتظ بالمنشآت الصناعية والتجارية.

وتعد هذه العائلة من العائلات البارزة في المنطقة، وزاد في بروزها ما انفرد به الشيخ الهاجري من مكانة طيبة في نفوس الكثير من المؤمنين انعكس على تصاعد شهرتها في الميدان الاجتماعي، أضف إلى ذلك ما تضمه هذه العائلة العريقة من شخصيات أكاديمية واجتماعية من محاضرين وأطباء ومهندسين ورجال أعمال وغيرهم مما زاد من تألقها في سماء الحسب والوجاهة.

مولده ونشأته:

ذكر الشيخ حسين العباد في كتابه لمحة عن حياة آية الله الشيخ محمد الهاجري أن الشيخ محمد ولد في حي الرفعة بالهفوف في عام 1344هـ.

وذهب الأديب الحاج جواد الرمضان في مطلع البدرين إلى أنه ولد سنة 1340هـ.

إلا أن الأرجح هو ما هو مدون ببطاقته الشخصية والتي تشير إلى أن مولده في 10/3/ 1335هـ، وهو ما رجحه فضيلة الشيخ صالح السلطان وأخوه الحاج جواد وغيرهما ممن عاصر الشيخ.

أبـــوه:

هو الحاج سلمان بن محمد الهاجري المتوفى سنة 1369هـ، شخصية بارزة بالهفوف ومن وجهائها، مسموع الكلمة، و كان من أعوان آية الله العظمى الشيخ موسى بوخمسين المتوفى عام 1353هـ ولقد ساهم في حل العديد من مشاكل المجتمع، كما كان عضواً في المجلس البلدي في أول بلدية أسست بالمنطقة، وكذلك كان عضوا في لجنة تتبع أملاك الدولة التابعة لوزارة المالية، وكان من المقربين للشيخ موسى بوخمسين، و كان دائماً يصطحبه معه في الأعياد للسلام على أمير الأحساء آنذاك عبد الله بن جلوي[1] .

أمـــــه:

هي الحاجة هاجر بنت محمد المحمد سالم المتوفاة عام 1349هـ، وهي من أسرة نجيبة مؤمنة معروفة بالأخلاق الطيبة، أنجبت اثني عشر ولداً لم يبق منهم إلا الشيخ محمد حيث إن البقية رحلوا إلى بارئهم أيام طفولتهم.

وقد عني به والداه منذ الصغر وربياه التربية السليمة وغذياه التغذية الإيمانية الطيبة، كما حرصا على إبعاده عن الشبهات وبالأخص بعد التوصية الخاصة من الشيخ موسى بو خمسين الذي أشار على والديه بالاهتمام به وذلك لما كان يتنبأ له من مستقبل مشرق في الساحة العلمية.

فقد نقل شيخنا المترجم له[2]  أنه حال طفولته كان مع والده في أحد بساتين الأحساء فتناول الشيخ ثمرة من ثمار أشجاره، فالتفت إليه والده وأخذها من يده لئلا يأكلها فقال له أحد الحاضرين: لماذا أخذتها منه؟!! دعه يأكلها فأجابه والد الشيخ بان الشيخ موسى بوخمسين ذكر له أنه سيكون لهذا الولد شأن عظيم وأنا لا أحب أن يتلوث بطنه بشيء فيه شبهة.

سيرة الشيخ العلمية:

التحق شيخنا الهاجري بدرس القرآن في الكتّاب عند الحاجة فاطمة بنت الملا أحمد زوجة الحاج حسين بن محمد البحراني، ثم درس عند الشيخ أحمد آل أبي علي المتوفى عام 1397هــ وتعلم على يده القراءة والكتابة، وعندما بلغ عمره اثني عشر عاما درس شرح قطر الندى عام447 1هـ عند الشيخ إبراهيم الخرس المتوفى عام 1352هـ،وكان آنذاك يجمع بين درسه وعمله في أحد المحلات التجارية بالمنطقة، ثم التحق بدرس الشيخ أحمد الرمضان المتوفى عام 1355هــ حيث درس عنده الفقه، وبعده التحق بدرس آية الله العظمى الميرزا علي الحائري المتوفى عام 1386هــ ودرس عنده الفقه والحكمة لمدة ثلاث سنوات،وباشر في تلك الحقبة بعض المسؤوليات الدينية منها تدريس بعض الطلبة في المنطقة. كما تولي إمامة الجماعة في مسجد الحدادين.

بعد ذلك سافر إلى كربلاء عام 1361هـ لمواصلة المسيرة العلمية في السطوح وبحث الخارج وبعدها مارس التدريس في حوزة كربلاء واستمر بقاؤه في كربلاء إلى عام 1390 هـ تخللها ثلاث أو أربع مرات نزول إلى موطنه أثناء مشواره العلمي.

ودرس فقيدنا في مرحلة السطوح عند كل من:

1-آية الله الشيخ علي بن آية الله الشيخ محمد العيثان المتوفى عام 1401هـ.

2- العلامة الشيخ محمد الخطيب المتوفى عام 1380هـ.

3- العلامة الشيخ محمد علي التبريزي المتوفى عام 1390هـ.

وكانت مدة دراسته في مرحلة السطوح سنتين.

وأما في مرحلة بحث الخارج فقد درس عند كل من:

1- آية الله العظمى السيد مهدي الشيرازي المتوفى عام 1380هـ.

2- آية الله العظمى الشيخ يوسف الخراساني الحائري المتوفى عام 1395.

3- آية الله العظمى السيد محمد هادي الميلاني المتوفى عام 1395هـ.

وكانت مدة دراسته في مرحلة بحث الخارج ثمان سنوات.

وبقي بعد ذلك في كربلاء بجوار سيد الشهداء (عليه السلام) للتدريس في السطوح وبحث الخارج وعقد المباحثات العملية مع بعض أساتذته وأقرانه في الدروس وربما مع علماء زمانه الذين التقى بهم في كربلاء.

والسؤال الذي يطل برأسه هو لماذا لم يرحل شيخنا الفاضل إلى مدينة النجف التي تعد آنذاك أكبر جامعة علمية للشيعة؟[3] 

لقد تردد طرح هذا السؤال على ألسنة العديد من طلبة العلوم الدينية بالمنطقة لمعرفة أسباب عزوف الشيخ الراحل عن الذهاب إلى النجف الأشرف آنذاك، وهي مدينة العلم والعلماء خصوصاً أنها كانت في أوج قوتها العلمية، فهي الجامعة الدينية الكبرى التي تغذي العالم الإسلامي كله وترفده بالآلاف من رجال العلم والفضيلة كما كانت تحتضن أكابر المرجعيات العليا للطائفة.

فقد ذكر المقربون من سماحته مجموعة من الأسباب الداعمة لبقائه في كربلاء وهي على النحو التالي:

1- وفق في بداية أيام حلوله بكربلاء بلقاء شخصية دينية عملاقة وهي آية الله الشيخ علي العيثان درسه في مرحلة السطوح وزامله في مرحلة بحث الخارج.[4] 

2- الرغبة بمواصلة الدرس بجوار الإمام الحسين(عليه السلام)[5] .

3-وجود ثلة من العلماء المتميزين في كربلاء.[6] 

4- توفر السكن الخاص بالأحسائيين.[7] 

الإجازة بالاجتهاد:

حصل على إجازة الاجتهاد من كل من:

1- آية الله العظمى الشيخ يوسف الخراساني الحائري.

2- آية الله العظمى السيد عبدالله الشيرازي المتوفى عام 1405هـ.

3- آية الله العظمى السيد محمود الشهرودي المتوفى عام 1394هـ.

4- آية الله العظمى السيد محمد الشيرازي المتوفى عام 1423هـ.

أسباب رفضه المرجعية:

ذكر فقهاؤنا العظام مجموعة من الشروط التي يلزم توفرها في مرجع التقليد.[8]  ومتى ما توفرت تلك الشروط في مجتهد وقبل التصدي لها، رجع إليه بعض المؤمنين في الفتوى، وعادة ما يتم الاعتماد على المجتهدين البارزين في الحوزات العلمية كالنجف الأشرف وقم المقدسة وكربلاء.

وعندما نتحدث عن مراجعنا الأحسائين العظام الذين آلت إليهم المرجعية، فإنهم لم ينالوا تلك الدرجة الرفيعة إلا بفضل ما وصلوا إليه من مكانة علمية بارزة جعلتهم في مصاف أقرانهم من علماء زمانهم، ولذلك شهد لهم بالكفاءة العلمية من قبل أساطين العلماء في البلاد الأخرى،ولم تنحصر مرجعيتهم بالمنطقة وإنما امتدت إلى الأقطار المجاورة كالبصرة والكويت وغيرهما. وقد اختفت المرجعية المحلية بوفاة آية الله العظمى الشيخ حبيب القرين.

وكانت هناك أمنيات متعددة لتشجيع تقليد مجتهد من أهل المنطقة وذلك لما تحققه في نظر الكثير من المثقفين من مكاسب دينية واجتماعية واقتصادية وغيرها.

ولمعرفة الأسباب الحقيقية وراء اختفاء المرجعية بالمنطقة، تم مناقشة ذلك مع بعض فضلاء المنطقة[9]  تمثلت ردودهم فيما يلي:

1- عدم استمرار بقاء فضلاء المنطقة في الحوزات العلمية لسنين طوال بعد الانتهاء من دروس بحث الخارج.

2- أخلاقية التواضع عند الكثير من علماء المنطقة بحيث أصبح الواحد منهم لا يرى لنفسه شأناً إزاء علماء الحواضر العلمية.

3- تواجد علماء كبار في النجف الأشرف وقم المقدسة، وتصديهم للمرجعية وتيسر الاتصال بهم.

4- ضعف أدوات الاتصال في السابق مما يصعب المعرفة الحقيقية للعلماء القاطنين في بلاد بعيدة، وسهولتها في الوقت الحالي.

4- النظرة القاصرة لبعض شرائح المجتمع لعلماء المنطقة، فبعضهم لا يرى فضلهم العلمي فمهما بلغوا من العلم فهم ليسوا بمستوى علماء الحوزات الكبرى وبالتالي عدم استحقاقهم للتقليد.[10] 

5- قلة دروس الأبحاث العليا بالمنطقة[11] .

أما لو أردنا مناقشة أسباب ابتعاد الشيخ الهاجري عن المرجعية[12]  مع توفر جميع المؤهلات المطلوبة فيه، فذلك يرجع إلى العديد من الأسباب بحسب ما ذكر بعض من تلاميذه وكذلك بعض أفراد أسرته من أهمها:

1- ما يتمتع به الشيخ الهاجري من تقوى وورع.[13] .

2- تواضع الشيخ الهاجري واستصغار نفسه أمام المراجع العظام[14] .

3-الاحتياط الزائد وحذره الشديد من قبض الحقوق الشرعية، وعلى ذلك لم يقبل الوكالة من المراجع العظام إلا في وقت متأخر من عمره حين قبلها من آية الله العظمى السيد على السيستاني عام 1418هـ تقريبا ً بعد إصرار من قبل البعض والحاجة الشرعية إليها[15] .

4-رغبته في توحيد أهالي المنطقة على مرجع واحد.[16] 

عودة شيخنا الراحل إلى الأحساء:

رجع شيخنا الهاجري إلى موطنه ومقر سكنه بمدينة الهفوف عام 1390هـ، بعدما أنهى ما يزيد عن الخمس والعشرين سنة قضاها في كربلاء المقدسة[17] . فقد كانت تلك المرحلة مليئة بالعديد من الإنجازات في مسيرة هذا العالم الرباني يأتي في مقدمتها مواصلة الدراسة العلمية، إلقاء الدروس الحوزوية، عقد المباحثات العلمية مع العلماء، التصدي للقيام ببعض الشئون الدينية كصلاة الجماعة وتعليم المسائل الدينية، حل مشاكل المجتمع،التفرغ للعبادة والمداومة على زيارة الإمام الحسين (عليه السلام)،شد الرحال بين فترة وأخرى للنجف الأشرف لزيارة أمير المؤمنين(عليه السلام) والالتقاء بالأعلام.

فلم يكن فقيدنا ينوي الرجوع إلى الأحساء في تلك الفترة، فما زالت مشاريعه الدينية بكربلاء على أحسن ما يرام، فالأوضاع السياسية مستقرة، والأجواء متهيئة للتدريس،إلا أن كثرة المطالبات من وجهاء المجتمع الداعية لرجوعه لمجتمعه، جعلته في وضع غير مستقر.

وبعد تشخيصه لأهمية تواجده في بلده استجاب لتلك النداءات، وعاد إلى وطنه. وكان من أولويات همومه الحرص على الارتقاء بمجتمعه في سلم الكمال وإفادة الناس مما تعلمه خصوصاً أن المنطقة كانت في تلك الحقبة في أشد الحاجة إلى مثله من المجتهدين، فمعظم فضلاء المنطقة ما زالوا في النجف الأشرف لمواصلة تحصيلهم العلمي، كما أن حاجات المجتمع الدينية متعددة في فترة كانت توصف بقلة طلبة العلوم الدينية بالمنطقة، أضف لذلك توقف نشاط الحوزة العلمية آنذاك، وانعدام مجالس الدرس.

ولعل تلك العوامل وغيرها جعلت المسؤولية مضاعفة أمام فقيدنا الراحل ولذلك بمجرد أن وصل إلى مسقط رأسه بادر في ممارسة العديد من المشاريع من أبرزها: فتح منزله للتدريس على جميع المستويات من المقدمات والسطوح،استقبال المؤمنين للرد على مسائلهم الشرعية، إجراء عقود الانكحة، إقامة صلاة الجماعة، التصدي لحل مشاكل المجتمع وغيرها[18] .

الشيخ والتأليف:

كتب الشيخ ثلاث رسائل علمية لا تزال مخطوطة وهي:

1- رسالة في البيع غير تامة.

2- رسالة في حقوق الوالدين فقهية استدلالية مبسوطة.

3- رسالة في عدم جواز التقدم على قبر المعصوم في الصلاة.

صفات الشيخ الهاجري:

تميز فقيدنا الراحل بمجموعة من الصفات الحميدة لعل من أبرزها ما يلي:

1- الشيخ والتواضع[19] :

وشيخنا الهاجري كان من ضمن صفاته البارزة التواضع إذ كان لا يرى في نفسه تميزاً على غيره ومن شواهد ذلك: ما نقله الأستاذ معتوق بن محمد البقشي الذي أحضر لوحة من مصر مكتوباً عليها العلامة الشيخ محمد الهاجري لكي توضع على باب منزله فرفض شيخنا الجليل ذلك وقال: أنا العلامة!! إن هذا اللقب اختص به الشيخ الحلي؟! ولم يوافق على تثبيتها على باب المنزل إلا بعد حذف كلمة العلامة.

ومن ضمن ذلك ما نقله الشيخ عبد الكريم الدهنين أن الشيخ الهاجري كان إذا حضر حفل تكريم طلبة الحوزة العلمية بالأحساء، كان يطلب منه في وقت تناول الوجبة أن يتصدر المجلس فكان يرفض ويترك ذلك للحجة السيد علي الناصر ولكن ذلك الموقع كان يبقى فارغاً من الشخصيتين.

2- الشيخ الهاجري والبكاء:

وقد عرف عن شيخنا الهاجري أنه سريع وغزير الدمعة، يستشعر ذلك من وفق لأداء الصلاة معه جماعة فكان شيخنا في معظم أجزاء الصلاة وقبل تكبيرة الإحرام يسترسل في البكاء أو التباكي عندما يقرأ هذا الدعاء (يا محسن قد أتاك عبدك المسيء وأنت المحسن وأنا المسيء وقد أمرت المحسن أن يتجاوز عن المسيء فتجاوز عما تعلم من سيئات عملي) ثم يقول أستغفر الله ربي من كل ذنب عظيم وأتوب إليه، استغفر الله ربي وأتوب إليه. كذلك كان يفعل في أثناء قراءة مقاطع سورة الفاتحة، وهذا حاله في القنوت وفي ركوعه وسجوده وبالأخص سجدة الشكر، وكذلك عندما يستمع لقراءة القران أو الدعاء ويذكر فيها أهوال جهنم. ولعل من أروع المواقف الدالة على ذلك ما نقله السيد محمد رضا بن السيد عبد الله السلمان عندما ألقى كلمة في جامع الإمام الحسن(عليه السلام) يوم جمعة فكان يتكلم عن خطايا الإنسان وأنها بعين الله واستشهد بسورة الزلزلة إلى أن وصل هذه الآية (يومئذ تحدث أخبارها) فقال أين نحن من مكان القرب للإمام علي عليه السلام في قوله (ما رأيت شيئاً إلا رأيت الله قبله وفيه وبعده) يقول السيد من بداية قراءة السورة والشيخ الهاجري يبكي بغزارة أصبح كالسعفة التي هزها الريح من بكائه.

3- الشيخ والحافظة:

تميز فقيدنا الراحل بملكة قوية للحفظ مع ذكاء مميز، فكان يشار له بالبنان في سرعة البديهة في الاستشهاد بالآيات القرآنية وروايات أهل البيت(عليهم السلام)، وقصائد الشعر والأمثلة وغيرها، فبمجرد أن يبدأ المتحدث ببداية الآية أو الرواية أو القصيدة في مدح أو رثاء أهل البيت(عليهم السلام) إلا ويواصل فقيدنا إكمالها.

ولعل من الشواهد الدالة على قوة هذه الملكة لشيخنا الراحل ما نقله تلميذه الشيخ أحمد الخرس عنه أنه سأله شخص عن حافظته وقال له هل صحيح: أنك تحفظ كل شيء في الكتاب المتون وبين السطور والعبارات والكثير من الشواهد فقال شيخنا الهاجري حافظتي الآن ضعفت، ففي شبابي قرأ علي شاعر قصيدة وأعدت إنشادها له وقال: قد تكون حافظها من قبل، ثم قرأ قصيدة أصعب من الأولى وأعدت إنشادها له وثالثة أصعب منهما ثم أعدت إنشادها له فقال ذلك الشاعر: أنت حافظ كل ذلك؟ سوف أقرأ عليك قصيدة غزلية وأنت غير متوجه لذلك ثم أنشدتها فقال الشاعر: هل عندك يا شيخ قوة إلهية أو عندك الاسم الأعظم.

كذلك ما نقله الشيخ توفيق العامر أنه سمع مباشرة من السيد محمد الشيرازي وسمع مباشرة قريباً من هذا الكلام للسيد محمد تقي المدرسي ما يلي: كان الشيخ محمد الهاجري على علم واطلاع واسع بكتاب وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة للحر العاملي وكان من شدة علمه واطلاعه بالكتاب أنه كان يعرف رواياته رواية رواية والأكثر من ذلك أنه في نهاية كل باب يقول صاحب الكتاب أقول وقد تقدم ما يدل على ذلك ويأتي الشيخ ما يدل عليه فكان يعرف أين ذكرت أمثال هذه الروايات وأين سيذكر مثلها مع العلم أن هذا الكتاب يتكون من عشرين مجلداً متوسط المجلد 500 صفحة، فكان كثير من الفضلاء يرجعون إليه عندما تعوزهم الحيلة للوصول للروايات.

4- الشيخ والشدة في الله:

وكان مما عرف عن شيخنا الجليل أنه يتمتع بالشدة في الله، فلم تكن تأخذه في الله لومة لائم فكان لا يحب المجاملة في الدين ولم يتحرك من أجل الأخذ بالثأر لنفسه وإنما كان تحركه لله ولأجل الصدع بكلمة الحق.

من ذلك ما نقله تلميذه الشيخ محمد الشهاب أن شخصاً يعرفه الشيخ أتم المعرفة جاء له بهدف الوساطة لولاية على وقف يريدها لشخص فقال له الشيخ الهاجري اجعل الشخص يحضر مع اثنين يزكيانه وأنت لا تحضر معهما. كذلك ما نقله الشيخ عقيل الشبعان: أن طالب علم في المسجد التقى بالشيخ و كان يدعي أنه في مرحلة علمية معينة: ناقشه الشيخ الهاجري فلم يجب، ومن ثم نزل الشيخ إلى مستوى أقل: لم يجب فالتفت إليه الشيخ الهاجري وهو يرتعد وقال له: ألا تتقي الله! هذه أمانة، فكيف ترتدي هذا الزي وتدعي بأنك بهذا المستوى العلمي، وأنت لا تجيد شيئاً منه.

وقد عرف عن الشيخ أنه بمجرد أن يسمع أن محاضراً ألقى شبهة، أو أثار فتنة، أو تحدث في شيء ليس من اختصاصه، أو انفرد برأي خالف فيه الجمهور كان يستدعيه ويناقشه في فكرته.

5- الشيخ والإثارات العلمية:

كان شيخنا الراحل يعشق توجيه الأسئلة باستمرار لمن يلتقي به وبالأخص للعلماء وطلبة العلوم الدينية:

فقد ذكر الشيخ شبر الخزعل عن آية الله السيد عباس الكاشاني حفظه الله قوله: إن من ميزات الشيخ محمد الهاجري حبه للمناقشة العلمية فإذا ما اجتمعنا في مجلس حسيني كان الشيخ أول من يأتي وآخر من يخرج وفي طوال جلسته يثير المسائل العلمية.

من ذلك ما حدث به أحد الفضلاء أن الشيخ الهاجري سأل آية الله الشيخ حسين الخليفة عن حكم الخنثى المشكل فقال الشيخ حسين الخليفة: الدليل الشرعي في حالة عدم معرفته بالطرق الشرعية يتم التوجه للقرعة كحل أخير.

من ذلك ما نقله تلميذه الشيخ عبد الأمير الخرس أنه سأل الشيخ الهاجري في مجلس لماذا ذكرت واو العطف في ثامنهم في هذه الآية ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ(آية 296، سورة الكهف) فأجاب العلامة الشيخ حسن الجزيري المتوفى عام 1403هـ: لأنها واو الثمانية.

وذات مرة سأل الشيخ عبد الوهاب الغريري عن إعراب (لا إله إلا الله) فأجاب الشيخ عبدالوهاب الإجابة الوافية، وبعدها استشهد الشيخ عبدالوهاب بمقولة لآية الله العظمى الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي والذي أشار فيها ابتدأ الجملة بلا النافية لكنس غبار الشرك من الذهن.

6- الشيخ والفكاهة:

عادة ما كان يمزح الشيخ الهاجري مع رفيق دربه الشيخ عبدالوهاب الغريري، فهناك شعور متبادل من الشيخ الغريري تجاه شيخنا الفقيد والذي عرف عنه كذلك بأنه كثير المرح مع أستاذه. ومن ضمن المواقف الطريفة ما نقله الشيخ محمد الشهاب: أن الشيخ عبدالوهاب كان يذكر للشيخ الشهاب فوائد البصل وأنه مفيد لمرض السكر في مجلس الشيخ الهاجري فقال الشيخ الهاجري البصل، البصل ما عليك منه فقال الشيخ عبدالوهاب هذا ليس شغلك أنت متخصص فقط في الفقه والأصول ثم التفت للشيخ الشهاب قائلاً له عليك بالعسل فقال الشيخ الهاجري صحيح فقد أشار القرآن إلى ذلك، في اليوم الثاني كانت قضية طلاق عند الشيخ الهاجري وإذا به يتلفظ بصعوبة فالتفت إلى الشيخ عبدالوهاب قائلاً الله يهديك هذا تأثير البصل الذي أكثرت من مدحه فاستجبنا لنصحك فأكلناه.

كما نقل الحاج سليم بو خمسين، سافر الشيخ الهاجري برفقة الشيخ الغريري إلى القطيف وعند الرجوع طلب علماء القطيف بقاء الشيخ الهاجري لتناول وجبة الغداء فرفض الشيخ الهاجري ذلك. فكان هناك إصرار من علماء القطيف لطلب موافقة الشيخ والشيخ الهاجري يرفض ويعتذر بكثرة الأشغال فالتفت الشيخ الهاجري للشيخ الغريري فقال له: أليس عندنا أشغال كثيرة يا شيخ عبد الوهاب فقال الشيخ الغريري لعلماء القطيف: دعوه إني أرفض ما يقول، و ليس عندنا شغل. فقال له الشيخ الهاجري: كيف تقول هذا؟ فقال الشيخ الغريري: شغلك هو الذي سيهلكنا جوعاً.

كذلك ما نقله تلميذه الشيخ عبدالمحسن الهودار كان الشيخ الهاجري إذا أراد إجراء إيقاع الطلاق كان يبحث عن الشيخ عبد الوهاب الغريري، فإذا طلق المرة الأولى يلتفت للشيخ عبد الوهاب فيقول له: هل وقع الطلاق يا شيخ فيقول له: أعد وهكذا يعيد الشيخ الهاجري ثلاث أو أربع مرات، وفي كل مرة يقول له الشيخ عبد الوهاب أعد، فيتضايق الشيخ الهاجري من ذلك. وأحياناً يقول له شيخ عبد الوهاب لقد وقع الطلاق من المرة الأولى ولكني أريد أرهقك.

الشيخ الهاجري في الساحة الاجتماعية:

سنتحدث في هذا الجانب عن أنشطة شيخنا الراحل في العديد من جوانب حياته من ضمنها:

1- الشيخ في الأسرة:

عرف عن شيخنا الهاجري أنه كان بنفسه يسعى لتوفير احتياجات الأسرة ويشرف على شؤون منزله،وكان حريصاً على عدم تكليف أحد من أفراد أسرته بكل ما يعتقده أنهم لا يطيقونه. وقد كان أبناؤه على أتم الاستعداد لمتابعة وشراء المتطلبات المنزلية وكانوا حريصين على راحة والدهم وبعدم تكليفه بأعباء إضافية لمسؤولياته الدينية والاجتماعية، ولكنه لا يقبل ذلك، وكان دائماً يستشهد لهم أن أبا طالب كان ينزل السوق ويشتري حاجات المنزل ويماكس لكي يحصل على أقل الثمن.

كما عرف عن فقيدنا أنه يتعامل مع جميع أفراد أسرته بخلق رفيع ورأفة ورحمة.

يقول ابنه شاكر عنه: كان أبي قبل أن يأمر والدتي بحاجة معينة يدعو لها ويقدم النصيحة مستشهداً بالآيات القرآنية وروايات أهل البيت.

كما عرف عنه حبه الشديد للأطفال وكان من اهتمامه بهم أن يطعمهم بنفسه،ويجالسهم ويسأل عن أحوالهم.

2- الشيخ في السفر:

وكان فقيدنا الشيخ الهاجري كثير السفر وبالأخص إلى الديار المقدسة بالعراق والتشرف بزيارة الإمام الحسين وأهل بيته الطيبين (عليهم السلام). وعرف عنه أنه كان يتصف بصفات طيبة في تعامله مع رفقائه في السفر من ذلك ما نقله أحد المقربين إليه الأستاذ عبدالأمير الرمل يقول: كانت هناك مزايا يتمتع بها شيخنا الهاجري من جملتها كان يصلي النوافل في السيارة حفاظاً على راحة المسافرين، وكان يساهم مع رفاقه في تحضير الطعام، وكان يأتي للمطبخ ويرى عملنا ويصلح أخطاءنا، وكان بنفسه ينهي إجراءات التذاكر، كما نقل أبرز رفقائه في السفر الأستاذ طاهر الأحمد أن من ابرز صفات فقيدنا في السفر مرحه مع الصغير والكبير. وكان يعطف على الصغير ويقدر الكبير، والابتسامة لا تفارق وجهه، يعتمد على نفسه في قضاء حوائجه، دائم الاتصال مع الله في التسبيح والذكر والصلاة على محمد وآله، ودائماً يردد إذا سكتنا يردد صلوا على محمد وآله واذكروا الله.

3- الشيخ ورعاية الفقراء:

لقد أعطى فقيدنا الراحل جزءاً من حياته للاهتمام بالفقراء والمساكين، فكان يقف معهم ويقدم ما يستطيع من دعم لهم ويخفف من حجم معاناتهم، من ذلك ما نقله سلمان بن حجي الناصر

يقول: كنا في مجلس الشيخ الهاجري يوم الجمعة وهو اليوم الرسمي لاستقبال المؤمنين، ورأيناه أخرج مبلغاً من المال وأعطى الفقراء على 500 ريال فقال أحد المؤمنين: يجب عليكم أن لا تأتوا الأسبوع القادم. فقال الشيخ: إذا توفرت عندي أموال فنحن في خدمتهم، وكذلك ما نقله الحاج سليم بوخمسين أنه جاء إلى الشيخ الهاجري فقير في المسجد عند صلاة الظهر وكان الشيخ يعرفه، فطلب الفقير من الشيخ مساعدة مالية فقال له شيخنا: إن شاء الله في صلاة المغرب تعال وأعطيك، ولكن الفقير لم يأت إلى المسجد وإذا بالشيخ يذهب لمنزله ويسلمه مبلغ المساعدة.

وذكر أحد المؤمنين: أردت تطليق زوجتي الثانية فذهبت إليه في المحكمة الجعفرية وكان الاختلاف على توفير شقة للزوجة الثانية، وأنا رافض لذلك بحجة الاشتراط في العقد عليها أن تسكن مع زوجتي الأولى فقال له شيخنا الجليل: أسكن في شقة مستقلة وأنا أدفع لك إيجار الشقة.

وعندما تم افتتاح مركز الفيصلية التابع للجمعية الخيرية بمحافظة الأحساء عام 1412هـ وبإشراف منه، جند شيخنا نفسه وبكل ما يستطيع لإنجاح مشاريعها، وساهم مساهمة كبيرة في ربط أفراد المجتمع المؤمن بمدينة الهفوف بهذا المركز الخيري.

ولعل من أبرز مساهماته لدعم مشاريع المركز ما يلي:

1- مشاركته للمأدبة الرمضانية التي كانت تقام على شرفه لمدة سبع سنوات.

2- تبنيه ودعمه لمشاريع المركز مادياً ومعنوياً.

3- توفيره كل ما يستطيع لخدمة أيتام المركز.

4- معالجته الفقهية لمختلف المشاكل المرتبطة بالفقير.

5- زيارته السنوية لمقر المركز في شهر رمضان.

6- دعمه مشروع زكاة الفطرة.

4- الشيخ وإمامة الجماعة:

كان شيخنا الهاجري يهتم كثيراً بإقامة الجماعة، وقد عرف عنه المواظبة على أدائها. فقد أمّ المؤمنين في مسجد الحدادين وكان يخطب بين الصلاتين وليلة الجمعة ويومها بحسب ما نقله الحاج طاهر بن علي الغزال. وبعد رجوع الشيخ من العراق عام 1390هـ، تولى إمامة الجماعة في مسجده بالفاضلية منذ افتتاحه، وكان يخطب بين الفرضين لتوضيح مسائل الوضوء والصلاة.

ونقل أخوه الحاج جواد الهاجري كان الشيخ يأتي بالإناء ويمثل لنا كيفية الوضوء.

و ذكر الشيخ عبد العليم العطية أن الشيخ عندما يشرح المسائل الفقهية بين الصلاتين كان يأتي بالمسائل المتفق عليها وعند الاختلاف يأتي بالاحتياط.

بالإضافة ما ذكره الأستاذ عبد الله الجبارة أن بحثه كان متنوعاً في العقيدة والفقه والأخلاق.

وكان مواظباً على أداء الصلوات في المسجد ما دام موجوداً في المنطقة، وكان يحيي ليالي القدر في المسجد وكذلك صلاة يوم العيد، وصلاة الكسوف والخسوف.

5- الشيخ مرشداً في الحج:

وقد كان مرشداً للعديد من الحملات في الحج مع كل من:

1- الحاج أحمد بن محمد العيسى كان عام 1391.

2- الحاج حبيب بن موسى القرين عام 1394.

3- الحاج حسين بن الشيخ إبراهيم الخرس عام 1395.

4- الحاج محمد بن الشيخ إبراهيم الخرس عام 1397.

5- الحاج موسى الدباب عام 1398.

كما ذهب مع بعض الأفراد بشكل مستقل، أضف إلى ذلك سفره لأداء العمرة لعدة سنوات.

6- دوره في تأسيس المساجد والحسينيات:

ساهم كثيراً في دعم المؤسسات الدينية من مساجد وحسينات وذلك على عدة أصعدة منها:

* المساهمة مادياً في تأسيسها وتشجيع المؤمنين على ذلك.

* التواصل المستمر بالحضور للحسينيات الموجودة بالمنطقة.

* الإشراف على بعض الحسينيات بالمنطقة.

* المساهمة في حل مشاكلها.

7- الشيخ والأهلة:

كان شيخنا يهتم بتتبع هلال الشهر بشكل عام، وهلال شهر رمضان وعيد الفطر المبارك بشكل خاص، وكان يبذل قصارى جهده لتوحيد المجتمع على رأي واحد، ولذلك عمد إلى تأسيس مجلس هلال عيد الفطر عام 1396هـ يضم مجموعة من المشائخ لاستقبال الشهود ولقد تعددت المجالس التي كان يجلس فيها مع مجموعة من الطلبة لاستقبال الشهود وهي على النحو التالي:

1- الحسينية العباسية لعدة سنوات.

2- مسجده لمدة سنتين.

3- حسينية البن الشيخ لبعض السنوات.

4- جامع الإمام الحسن (عليه السلام) منذ افتتاحه.

7- الشيخ والقضاء:

وقد برز في منطقتنا علماء تصدوا للمقاضاة بين الناس وحل مشاكلهم وأخذ الحق من الظالم والوقوف مع المظلومين، ففي كل منطقة يتصدى لذلك علماؤها لحل مشاكل المجتمع بشكل شخصي أو عن طريق العلماء الذين تصدوا بشكل رسمي للقضاء. وكانوا في منطقتنا على النحو التالي:

1- العلامة السيد حسين بن السيد محمد العلي السلمان المتوفى عام 1369هـ.

2- آية الله السيد محمد العلي المتوفي عام 1388هـ.

3- العلامة الشيخ محمد باقر بوخمسين المتوفى عام 1413هـ.

4-الشيخ حسن بن الشيخ باقر بوخمسين.[20] 

5- آية الله الشيخ محمد بن سلمان الهاجري.

6- العلامة الشيخ محمد بن الشيخ عبد الله اللويم.[21] 

الشيخ الهاجري القاضي الرسمي

قبل وفاة العلامة الشيخ باقر بوخمسين، كانت الأمور تعالج في تلك الفترة عن طريق ابنه الشيخ حسن، وقدم في تلك الفترة الشيخ باقر استقالته إلا أنها رفضت، فبادر مجموعة من المؤمنين بإعداد عريضة من توقيعات كثير من وجهاء مدينة الهفوف مرفوعة إلى خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود يطلبون فيها تعيين الشيخ الهاجري قاضياً رسمياً، وبعد وفاة الشيخ باقر آلت الأمور إلى ابنه الشيخ حسن وكان رافضاً لها لما كان يراه في الشيخ الهاجري من قدرة علمية تمكنه من علاج أصعب المشاكل التي تواجه القاضي.

فكانت بداية تسلم الشيخ الهاجري كرسي القضاء في شهر جمادى الأولى عام ألف وأربع مائة وثلاثة عشر، بعد وفاة العلامة الشيخ باقر بوخمسين رحمة الله عليه بثلاثة أشهر تقريباً.

صفات الشيخ في القضاء:

1- غزارة علمية مكنته من إيجاد مخارج علمية لكل المشاكل المعقدة والتي تحتاج لفقيه مثله.

2- قوة فراسته والقدرة على القراءة الشاملة للقضية المتخاصم عليها من جميع أطرافها وزواياها الخفية.

3- الابتعاد عن الحكم وبذل قصارى جهده للصلح بين المتخاصمين.

4- عدم التهاون مع الهفوات التي تصدر من طلبة العلوم الدينية.

5- الصدع بالحق وعدم المجاملة فكان لا تأخذه في الله لومة لائم.

6- الحافظة القوية لكل ما ذكر وكتب في قضية ما.

قال فيه الشاعر العلامة السيد حسين الياسين:

واتخذت القضاء جسراً إلى العدل
 ونهجاً به يزاح الشقاء
 
ما ترى غير أن تحقق عدلاً
 أمنته في كفك الأوصياء
 
وتؤم الورى إلى منبع الفيض
 إلى حيث تهدف الأنبياء
 
همك الحق ليس تبغي سواه
 في مقام تدافع الخصماء
 
واضح النهج ثابت الخطو حراً
 لم تحم حول نهجك الأهواء


كما قال في حقه الشاعر العلامة السيد محمد رضا بن السيد عبد الله السلمان في 20/ 8/ 1416هــ

زهر اللوز وغنت طرباً
 بلدة الأحساء مذ لاح القمر
 
ودنا من منصب العدل الذي
 شاءه الرحمن في لوح القدر
 
لابن سلمان جموع أنصتت
 تبتغي الحكم ولم تخش الضرر
 
حيث أن العدل في ساحته
 نظرة تسمو على نقد البشر
 
سلمت كف ودامت طلعة
 برؤاها ينجلي عنا الكدر
 
فأجلها حكمة في ظلها
 يحفظ الحق لابناء هجر
 


أبرز التطورات التي تمت في المحكمة في عصره:

1- تعيين مساعد له وهو العلامة الشيخ محمد اللويم.

2- إدخال جميع المعاملات عن طريق الكمبيوتر.

3- ضبط الأوقاف وتنظيمها.

4- تنظيم المأذونين.

5- كثرة تردده للمسؤولين للبحث عن علاج لمشاكل المجتمع بالمنطقة.

6- سعيه مع مجموعة من المختصين لتطوير اللائحة المرتبطة بالمحكمة الجعفرية.

7- تصدر اسمه في عرائض عديدة قدمت للمسؤولين للمطالبة بحقوق المجتمع.

شهادة العلماء في حقه:

فقد وردت من علماء كبار تشير إلى ما وصل إليه الشيخ الهاجري من مستوى علمي بيٌن، جعلت من عاصره يشهد له بتلك المنزلة العلمية الرفيعة ومن ضمنها:

1- نقل العلامة الشيخ علي الدهنين: عندما زار العلامة السيد جواد الشهرستاني والتقى بأحد علماء طهران، ولما عرف ذلك العالم أن الشيخ علي الدهنين من الأحساء، سأله عن الشيخ محمد الهاجري، فقال: هل هو كما ينبغي أن يكون عليه أو كما أظن؟ فقال له: ما تظن؟ فقال: أظن أنه يعيش بينكم مجهولاً! ثم قال: لو كان في مجتمعنا كان له شأن، وقلد، فلقد حضرت بحث الخارج للشيخ يوسف الخراساني وكنت مبتدئاً في حضور تلك الدروس بينما كان الشيخ الهاجري يحضرها لعدة سنوات، وكنت أسمع الشيخ محمد الهاجري وهو يورد على الشيخ الخراساني إشكالات، وكان يتوقف عن الرد عليها، فكان يقول مراراً كم مرة قلت لك لا تحضر هذا البحث.

2- كما ذكر العلامة السيد محمد رضا بن سيد عبد الله السلمان عندما زار آية الله الشيخ محمد هادي معرفة فصار يسألنا من قلد في الإحساء فأجبنا أنه بعد وفاة السيد الخوئي تعددت المرجعية. فسأل عن الشيخ الهاجري فقلنا يدرس هناك فسأل بشدة ما قلد؟! فقلنا: لا، فقال مستنكراً: سبحان الله نحن ابتدأنا من حيث انتهى الشيخ الهاجري.

3- كذلك ذكر الشيخ محمد الشهاب: أن الشهيد السيد حسن الشيرازي دعي من قبل بعض المؤمنين في موسم الحج والتقى بالشيخ الهاجري فقال السيد للمؤمنين المتواجدين في تلك الجلسة: لقد ربحتم بالشيخ وهو خسر بكم فقال الحاج محمد البحراني وكان يظهر عليه التأثر، عرفنا ربحنا بالشيخ، ولكن كيف خسر بنا؟ فقال السيد خسر بكم حيث لو بقي في المعاهد العلمية لكانت له المرجعية العظمى.

4- ونقل الشيخ حبيب الحمد: أنه دخل على السيد عباس الكاشاني فلما عرف أنه من الأحساء سأله عن الشيخ الهاجري، وقال: هل طرح نفسه للمرجعية؟ فقال الشيخ حبيب الحمد: لا، فقال السيد: هو أفضل من الكثيرين الذين طرحوا أنفسهم للمرجعية.

5- شيخ عبد المجيد الأحمد: يقول دخلنا على آية الله السيد عباس الكاشاني في إحدى المرات وكان يثني على المستوى العلمي الذي وصله الشيخ الهاجري ولعل من أبرز ما قاله: باحث الشيخ محمد الهاجري فترة طويلة بكربلاء تؤهله للتصدي للمرجعية ولكن تقواه تمنعه من قبول المرجعية.

[1]  كما حدث بذلك الحاج جواد الهاجري.

[2]  نقل هذه الحادثة الشيخ عبد الأمير الخرس، الشيخ محمد الشهاب، أخوه الحاج جواد.

[3]  أشار شيخنا الجليل في أخر مقابلة أجريت له أن الدارسة في النجف أفضل وأرقى، وينصح كل طالب علم بالذهاب إليها للتحصيل.

[4]  ذكر ذلك تلميذه الشيخ حجي السلطان.

[5]  كما ذكر أخوه جواد الهاجري.

[6]  كما ذكر ذلك في أخر مقابلة أجريت معه (هكذا وجدتهم).

[7]  ذكر ذلك الميرزا صالح بن محمد باقر.

[8]  البلوغ. 2- العقل.3- الرجولة.4- الإيمان بمعنى أن يكون اثني عشرياً،5-العدالة.6- طهارة المولد.7- الضبط بمعنى أن لا يقل ضبطه عن المتعارف.8- الاجتهاد. 9- الحياة وأضاف له الكثير من الفقهاء شرط الأعلمية بمعنى الأقدر على استنباط الأحكام وذلك بأن يكون أكثر إحاطة بالمدارك وبتطبيقاتها من غيره. (المسائل المنتخبة للسيد أبو القاسم الخوئي ص 7).

[9]  ذكر الشيخ حسن الصفار في كلمته التي ألقاها في ختام فاتحة شيخنا الجليل، أن المرجعية المحلية تحقق العديد من المزايا من أبرزها:أنها تساعد على رفع المستوى العلمي والديني في ذلك المجتمع.

[10]  كتاب (هكذا وجدتهم).

[11]  أضف لذلك ما ذكره بعض الفضلاء من أمور عقدية، وظروف أمنية كانت سبباً في عدم بروز المرجعية المحلية.

[12]  ذكر السيد عبدالله الصالح (أبو رسول) في مجلس عزاء الشيخ الهاجري، لو كان الشيخ الهاجري من مجتمع أخر لقلد. كما ذكر تلميذه الشيخ عبد الأمير الخرس أن سماحة الميرزا حسن عندما آلت إليه المرجعية، طلب من بعض الأحسائيين تقليد الشيخ محمد الهاجري أو الشيخ علي العيثان. كذلك نقل تلميذه الشيخ حسين الشرجي أنه وبعد وفاة السيد الخوئي طلب منه طرح مرجعيته فرفض وكان يقول أنا لست أهلاً لذلك ويوجد في الساحة من هو أكفأ مني، فكان يتورع ولا يريد تحمل المسؤولية كما أنه حذر شديد واطمئنانه صعب.

كما ذكر الشيخ نجيب الحرز أنه طلب منه بعد وفاة السيد الكلبيكاني طرح مرجعيته فرفض ذلك، كذلك بعد وفاة الميرزا حسن طلب منه ذلك فرفض رفضاً شديداً فكان يقول الناس بخير والسيد السيستاني فيه الخير وعنده نكهة فقهية.

[13]  ما يؤكد ذلك هذه الحادثة التي نقلها الشيخ عبد المجيد الأحمد عندما دخل على السيد عباس الكاشاني فقد كان يثني على المستوى العلمي الذي وصل إليه الشيخ الهاجري ولعل من أبرز ما قاله: باحث الشيخ محمد الهاجري فترة طويلة بكربلاء تؤهله للتصدي للمرجعية ولكن تقواه تمنعه من قبول المرجعية.

[14 ]  عندما سئل في أخر مقابلة عن أسباب عدم كتابة أبحاثه فكان يقول أن أبحاث العلماء أفضل من بحثي.

[15]  قد رفض الوكالة في المرة الأولى، ولكن بعد إصرار من قبل المؤمنين قبل بها.

[16]  ومع ذلك كله اطلعنا على ما يشير إلى أن بعض المؤمنين القلائل قلده كما ذكر ذلك

[17]  بقي في كربلاء من عام 1361هـ إلى عام 1390هـ تخللها ثلاث زيارات قهرية للمنطقة، في إحداها لم يرجع لمنطقة سكنه وإنما إلى أقرب منطقة حدودية من أجل تجديد الجواز والرجوع إلى كربلاء،وقد سأله تلميذه الشيخ حسين الشرجي عن مدة بقائه في كربلاء فقال له في حدود ثلاثين سنة.

[18]  نقل تلميذه الشيخ إبراهيم البطاط وهو ممن تربى على يديه في تلك الفترة أن مجلس الشيخ لم يكن للتدريس فقط، وإنما كان مجلس قضاء، وحل مشاكل المجتمع، لذلك كان المجلس عامراً بالمؤمنين إلى صلاة الظهر بشكل يومي، وفي عام 1396هـ اتفقنا على إعادة فتح الحوزة مع جملة من فضلاء المنطقة آنذاك منهم الشيخ محمد المهنا، السيد محمد العلي، الشيخ صالح السلطان و بإشراف من الشيخ حسين الخليفة، وباستشارة من شيخنا الهاجري، فطلبنا منه التصدي للتدريس في الحوزة لعلمه وفضله فرفض ذلك بسبب انشغاله بقضايا المجتمع، ولكنه حضر لفترة ودرس أياماً معدودة، إلا أنه كان يخلص في تقديم كل ما يطور الحوزة. وطلبنا منه السماح لتلاميذ حوزته للالتحاق بالحوزة فوافق على ذلك ومن ضمنهم الشيخ محمد الشريدة، الشيخ جاسم الشملان فقد رفضا الالتحاق بالحوزة إلا بموافقة الشيخ الهاجري فوافق على ذلك.

[19]  كلف لمدة ثلاثة شهور.

[20]  كلف بعد وفاة الشيخ الهاجري.
كاتب سعودي وعضو المجلس البلدي بالأحساء.
367229