هكذا عرفت الشيخ..
عبدالله الشايب * - 19 / 3 / 2011م - 4:10 ص - العدد (35)

هناك حقائق لا يختلف عليها اثنان ولست معنياً بها هنا، إنما ما جعلنا نكتب عنه ومن اجله هي تسنمه المقام الأعلى فعلمه وورعه وتواضعه وإخلاصه لدينه وتفانيه في العبادة وحمله نشر الدعوة الإسلامية ودفاعه عنها وتكريس ذلك قولا وعملا، وإسهاماته في تنشيط العمل الخيري عنوان رعاية اجتماعية وتصديه للقضاء... وما إلى ذلك.

لكن لكل رجل (والرجال قليل) مفتاح لشخصيته وقد نوهت أن قدرته في التعامل مع الوسط الأحسائي بالإضافة إلى وطنيته في البلاد السعودية وقابلية وجوده عالما مجتهدا على مستوى الطائفة، وان عمره المديد أتاح فرصة كبيرة لنضجه العلمي والاجتماعي والسياسي، وهو سليل مدينة تتضخم فيها هذه الأمور ولذا شكلت من شخصيته مثلا رائعا، فعلاقاته التي بنيت على احتفاظه بكل إطار شخصيته ولدت احتراما كبيرا متبادلا بينه وبين القيادة في هذه البلاد حتى انه قاد القضاء الجعفري بكفاءة وكان قاضيا من الطراز الأول. كما أنها مكنته من توسيع أفق علاقاته داخليا في إطار المدارس المذهبية المختلفة في الأحساء، وعلى أفق المدرسة الإمامية فيما عرف بوضوحه في فهم المرجعيات. إن هذا التشعب بطبيعته جاء من قدرته على استنباط الحكم بقراءة الواقع قراءة سديدة وهو ما يعرف اليوم بفقه المقاصد أو ما يعرف أيضا بفقه الواقع، كان يملأ عصره وهو أن حاول البعض المزايدة على فكر التسامح لدى الطائفة فهو أولى أن يسجل له ذلك في وقت كان عنوان التسامح قد يؤدي إلى خسارة اجتماعية وربما جزء من هذا عاناه شيخنا الفاضل فان توافق مع الرؤى قبل (بضم القاف وكسر الباء) وروج له وان لم يتوافق فهناك قول آخر، ومع ذلك كان يصدع برأيه، فتبين نهاية عمق هذه الرؤى الخاصة به والتي نعيش جانبا كبيرا منها. والمتتبع يعرف مقدار تصنيفه بين الخطيب والشيخ والملا والمجتهد والمرجع وما إلى ذلك وهو ما لا يخفى، وهو أيضا يصنف رجالات المجتمع إلا أنه يبقي دائما عنوان الاحترام قائما.

كما أن عصرنته قائمة بتفاعله مع الإطار المؤسساتي وهذا عينه ما نراه أثناء أداء واجبه كقاض أو إطلاق المبادرة الأولى وإرشاده للفضلاء العاملين وتكريس معرفته الفقهية بمساندتهم في الجمعيات الخيرية والأستاذ عبد الكريم بوخمسين وزملاؤه خير شهود على ذلك.

إن عصرنة الشيخ تنبع من تتبعه للمستحدثات واستيعابها واقرب مثال النظر إلى التلفزيون وفي التصرف في الوقف داخل التوسع العمراني من عدمه واستيعابه لنظم التخطيط الحضري ويسجل للشيخ متابعته في إيضاح صورة المذهب التي أدت كمثال إلى التعامل الرسمي المتساوي بين كافة المواطنين فيما يتعلق بإعمار بيوت الله.

للشيخ طرح ثقوي يتمثل دائما في حسن النوايا في تعامله وكثيرا ما لا يبادل هو بذلك سواء في رؤية الهلال (حيث قاد فكرة توحيد الرؤية) أو أثناء تأديته للعمل، وان باب تورعه منسجم بعدم تواجده في أماكن قد تحظى بنوع من الشبهة وخاصة في المناسبات.

لاشك ان الشيخ رحمه الله في قضائه وهو مسئولية أمام الله وأمام الناس يجتهد في المقام الأول ان تنهى جميع المعاملات عن طريق الصلح وعن طريق قيام الأشخاص أنفسهم بالإجراء واقرب الحالات في الطلاق بخاصة عند رغبة الزوجة فسخ العقد.

وقد كتبت في العام 1319هـ دراسة حول الوقف وعنونت إهداءها إليه ورحب بها، وتفاعل رحمه الله مع الموضوع هو وزميله في القضاء فضيلة الشيخ محمد اللويم ولا زال موضوع الأوقاف مثارا وهناك محاولات لتطوير آلية لذلك.

وسنظل نؤكد أننا فقدنا رجلا قل أن نجد نظيره ظل فاعلا وهو متخطي المائة سنة وتحاور في شأنه الكثيرون ولكن تظل صبغته واضحة وان تفاعل القيادة والمحبين في الداخل و في العالم الإسلامي دليل إدراك المنزلة. إنه لم يمت بيننا على شرطين الأول وجود نسله الكريم ووجود فكرة المدرسة.

إنني آمل أن يتاح أو أن يسعى عبر محبيه لدراسة هذه الظاهرة المتميزة (سماحة الشيخ محمد الهاجري) ونشر آثاره فهو اكبر خدمة للإنسانية جمعاء وأنا على استعداد للتعاون في ذلك، والأحساء التي أعطت رشيد الهجري وابن أبي جمهور وأحمد الأحسائي ومحمد بوخمسين ومحمد السلمان وعبد الكريم المتتن وحسن الجزيري (مع الاحتفاظ بالألقاب وحصر الباقين) أعطتنا محمد الهاجري في سياق العلوم الدينية وأعطت الكثير من الأفاضل في العلوم الأخرى ولن تتوقف الأمهات عن الإنجاب كابرا.

عضو هيئة التحرير
363661