"العودة" إلى العشق القديم عند الشاعر العوامي
سلمان العيد * - 19 / 3 / 2011م - 5:01 ص - العدد (35)

حينما اختار الشاعر عدنان العوامي عنوان "العودة" لإحدى قصائده التي دبجها عن تاروت، كان يحكي قصة التناقض الرهيب بين الحياة في المدينة وما تعنيه من الصخب وللسرعة، وبين الحياة في القرية والريف بما تحمل من بساطة وطيبة.

فالشاعر عاش ردحاً من الزمن في القرية أو الريف وبالتحديد في جزيرة تاروت، هجرها لتحقيق واقع أفضل، ولكن إلى المدينة، فاكتشف خباياها، وتفاجأ بسلبياتها، وشعر بالغربة، ثم قرر العودة.

وكأن الشاعر، رغم صدق تجربته في القصيدة -كما أرى- أراد تسليط الضوء على الفارق الجوهري بين الحياة في المدن وبين الحياة في القرى، لكنه يهدم الحيادية في موقفه الماثل باتجاه الحياة القروية، منطلقاً في ذلك من جوانب إنسانية بحتة، أبرزها الحب والعلاقات الاجتماعية القوية، فضلاً عن الجوانب الطبيعية الأخرى، كالبحر والبساتين والتي لها علاقة بالشاعر والذوق بشكل عام.

إن العوامي في قصيدته هذه ليس ضد الحياة المدينة بحد ذاتها، كما فهمنا من عدد من أبياته التي سنتطرق لها لاحقاً، وإنما موقفه الحاد جاء نابعاً من رفضه للظلم والانتهازية والتخشب المتفشي بمشاعر الناس وغلبة المادة على كل شيء، وانقلاب الموازين.

وبهذا التحليل نجد أنفسنا أمام صورة اجتماعية أفرزتها الحقبة النفطية، وما تلتها من أحداث على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي، إذ ثم هجران الحياة الريفية الطبيعية، باتجاه الحياة في المدن والعمل في المعامل والمصانع، بدلاً من الزراعة والصيد، وهذا ليس عملاً خاطئاً أو شيئاً، كما أن الزراعة والصيد ليسا شيئين في عصر النفط، لكن المشكلة في الأمر تأتي حينما تنقلب الموازين، وتتغير القيم، وهذا ما حصل لنا، والتفتنا إليه أيضاً. فقد تحول جيل كامل من البساطة إلى التعقيد، وهناك عودة إلى الطبيعة أيضاً، لكن "العودة" تصطدم بالكثير من العقبات؛ لأن الموج المدني السريع لم تزل ذيوله باقية، لا تدعو إلى وقفة، بل إلى تهذيبه، ومنع حالات الظلم الواقع ضد البشر والقانون بسبب هذه الحياة المدنية.

يقول العوامي مخاطباً تاروت بكل أسى:

تاروت! جئتك مدود الخطى تعبا

أجرّ خلفي تاريخاً وظلّ صبا

وأمتطي سهر العشاق راحلة

إلى شواطيك أطوي الحزن والسهبا

إن تاروت تمثل للشاعر التاريخ والطفولة، والحياة البسيطة التي تسيطر عليها قيم الأخوة والصداقة والحب وجمال الطبيعة، لذلك فهو جاءها متعباً، بل أن خطاه بلغت أقصى التعب عبر عنها بجملة "مكدود الخطى"، يحمل إلى هذه الأرض تاريخاً طويلاً من العلاقة تعود لأيام الطفولة والصبا. ويرى نفسه عاشقاً عاد إلى عشيقته، يريد أن ينهي حالة الحزن، التي هو فيها، والناجمة عن البعد والفراق.

ومن ضمن حالة التعب التي يعيشها البن البار لهذه الأرض أنه جاء وقد أضناه السهر، والذي يختلف عن أي نوع من السهر، فهو سهر العشاق الذي جاء به إلى الأرض، أو إلى معشوقته التي تغرّب عنها وابتعد، فكلما يفهم من ذلك أن سهر العشاق دفعه لإصدار قرار العودة إلى الشواطئ في تاروت، كي يضع نهاية لهذا الحزن، وبالفعل وصل إلى تاروت ولكن بعد تعب شديد.

فبدأ بشرح أسباب التعب والألم ليقول:

تعبت من مدن القصدير تترعني

ظماً وتتخمني أشباهها رهباً

ألا ترين بوجهي من أظافرها

دماً وملّ في من وخزها ندبا

ألا ترين خطاها فوق ذاكرتي

ألا تحسينها في أدمعي سغبا

إن أهم عوامل التعب الذي يعاني منها شاعرنا هي من الحياة المدنية، أو من ممدن القصدير، أي تلك المدن الجميلة ظاهرياً، القبيحة في واقعها، فهذه المدن يعيش أفرادها حالة من الظمأ، ليس إلى الماء، فالمدن عادة تعيش على معاناة القرى وأتعابها، وإنما هناك ظمأ إلى الأمن والاستقرار، لذلك أكمل الشاعر بقوله "تتخمني أشباهها رهباً" أي أن مدن القصدير تخضع لسيطرة الأشباح، التي كلما طال البقاء فيها طالت الرهبة والخوف والرعب، والأشباح -كما نعلم- هي الأشياء الخفية التي تنزل الرعب بوسائل لا أحد يعلمها.

بالتالي فمن حق العوامي أن يتعب من هذه المدن التي تسودها وتسوسها الأشباح والجنود الخفية، والتي يصفها في بيت لاحق بالوحوش المسعورة. إن الشاعر وحينما تحدث عن "الأشباح" في المدن فهو يرمز إلى جيوش الاستغلال التي تمارس أدواراً مشبوهة في الحياة المجتمعية، وتشوه بالتالي الصورة الجميلة للمدينة، التي دفعته للذهاب إليها.

ولم تكتف هذه الأشباح بإدخال الرعب وإنزال حالة الخوف لدى المجتمع، بل تمارس أدواراً أخرى ظاهرة، فهي لا تقبل طرفاً لا ينسجم معها، لذلك تمارس أيضاً الإرعاب وربما الأضرار الجسدي، وحسب تعبير الشاعر "ألا ترين بوجهي من أظافرها دماً" لكن الخطر الرئيسي التي تمارسه هذه الجنود الخفية هي توجهها صوب الذاكرة، أي باتجاه الثقافة والمعرفة.

وحين تحدث الشاعر من "الذاكرة" وبروز خطى مدن القصدير عليها، أراد القول أن الحياة المدينة سريعة جداً، أشبه بالبلدوزر الذي لا يبالي بشيء أمامه، فهو يسحب كل شيء ويقضي عليه، فأشباح المدينة تتوجه للثقافة وتضربها، وهذا أهم أخطار المدينة وحياتها، ألا ترى أن القيم المدينة الخاطئة جاءت بمنطق الربح كبديل عن منطق الأمانة، ومنطق المصلحة بدلاً من منطق الأخوة والعلاقات الإنسانية، ألا ترى أن موج المدينة جاء ناسفاً لكل الأشياء التي تذكرنا بماضينا الجميل وتراثنا الناصع، الذي لا نعرفه إلاّ من خلال الورق، الذي قد يتعرض للتزييف، أيضاً بفعل خطى المدينة.

بالتالي فمن حق الشاعر العوامي أن يبكي بأسً وتعب، ويخاطب تاروت ويلفت النظر إلى الآثار التي ظهرت عليه جسمياً ونفسياً جرّاء الأشباح في المدينة من خلال أظافرها ووخزاتها وخطواتها المرعبة. وكل ذلك موجه صوب الإنسان وثقافته وكرامته وحتى جسده.

ويجدر بنا الإشارة هنا، وربما أراد الشاعر الطرق إليه في الأبيات سابق الذكر، أن المدينة التي طالت الذاكرة أيضاً جلبت معها أمراضاً جسدية، بسبب عوامل الاستقلال والخروج عن القيم والردع، أليس جلب المخدرات والأغذية المعلبة والكحول وما إلى ذلك يؤدي إلى أضرار جسدية وعقلية، ممن ينجو من المخدرات في عالم المدن، قد لا ينجو من الطعام الفاسد الذي تروجه "الأشباح" في مدن القصدير، فتجد الواحد في المدينة أسيراً لجملة من الأمراض قد لا يتعرض لها ذلك الريفي الفلاح أو العباد، رغم النظافة الظاهرة للمدن بالقياس إلى واقع القرى والريف.

بعد ذلك يعرض الشاعر وفي حميمية صادقة يخاطب تاروت:

هربتُ منك إلى بيداء غريتها

عليّ أمدّ على رمضاتها طنبا

يممّتها وتسولت اللهيب سنا

والفحم أحسبه الفيروز واليشبا

وما حفلت بأحباب، وآمرة

ولا تذكرت أمّاً برّة، وأبا

ولا أبهت لمجداف وسارية

وزورق لم يزل في السيف منتصباً

تركت أرضي ودولابي وسانيتي

وجدولاً كنطاف المزن منسكيا

زعماً بأن وراء الأفق ترقبتي

طوبي، فأسرعت خطوي نحوها خببا

هنا يشرح مبررات خروجه، أو هروبه من القرية بكل معانيها، إلى المدينة، ليؤكد أنه ذهب إلى المدينة بدون وعي كامل، بل لم يعط لعلاقاته الاجتماعية وخطواتها أية أهمية، كذلك لم يهتم بكافة تفاصيل الحياة اليومية رغم جمالها، والتي عادة ما تشكل نقاط جذب لكل إنسان كي يبقى بينها، لكن عدم الوعي والتسرع تدفع الواحد منا إلى الهرب، يظن بأنه سيجد الجنة والحياة السعيدة الهانئة في واقع غير واقعه.

هذه هي الصورة التي وصف بها الشاعر صورة الهاربين من الغربة إلى المدينة، حيث أن تناقص الصور، والوهم وللتسرع، وربما الإعلام ووسائل الترويج، كلها توهم البعض بأن المدينة "جنة" تجعلهم يتسرعون نحوها، تاركين خلفهم كل عوامل الارتباط عائلية أو اجتماعية أو طبيعية.

ولكن بعد هذا الوهم ماذا يجد الطرف الموهوم، وماذا ستعطيه المدينة هل سيجد أن وراء الأفق ترقية طوبى كي يسارع نحوها أكثر أم ماذا سيجد؟ فقد ترك البحر وعدده وجمالياته، والزراعة ونظارتها، على أمل أن يجد واقعاً أفضل، فهل سيحصل عليه؟

يجيب الشاعر بقوله:

لكني لم أجد فيها سوى ندمي

إلا المدافن والأنصاب والخشبا

إلا ازدحام السعالي في أزقتها

إلا السعار على الأشداق والكلبا

اكتشف بعد وهم طويل أن المدينة ليست إلاّ مكاناً للموت والقسوة دعبادة المادة، هذا عدا الندم والأسى الناجم عن صدمة الأمل والطموح، وما أقسى أن يصاب الإنسان في تطلعه، وما أشد أن يرى هو الشخص نفسه وبعد مدة من الزمن أنه جاهل موهوم!

وليس ذلك وحسب، بل أن المدينة ظهرت لقاصدها الموهوم أنها غاية تسرح فيها الوحوش المسطورة، التي تأكل كل ما حولها، بمعنى أنها ليست "جنة" تستحق أن يضحى الشخص بتاريخه وذكرياته وأهله وناسه.

وبمعنى الشاعر شارحاً حالة الوهم التي سيطرت عليه قائلاً:

وكان صوتك يدعوني، مما انتبهت

أذني إليه فإني ممعن هربا

أوّاه كم خانني وهمي، وكنت هنا

أغازل التين والليمون والرطبا

أقتات من قطرات الضوء أنسجها

فوق الخليج شراعاً لينا وخبا

وأجدل الرمل خلخالاً لصاحبني

أضمه ذهباً اصطاده حببا

ألف منه سواراً حول معصمها

أرش منه على (نفنوفها) قصبا

وتارة أوقظ النسرين في يدها

واستفز بغيها اللوز والعنبا

ويتذكر الشاعر أنه ثمة صوتاً كان يدعوه كي يقف عن خطوته في الهجرة من الواقع، باتجاه الوهم، إلاّ أنه كان مصراً وممعناً في الهربن غذ لم تجد معه كل توسلات الذكرى وأيام الصبا، فوقع أسير الوهم، الذي خانه وهو هنا يعبر عن أساه بتعبير "أواه"!

ولا يكون الأسف مؤلماً بل قائلاً إذا ما تمت المقارنة بين ما كان بالأمس، وما يكون اليوم، الذي سادت فيه قيم الانتهازية والمصلحية..إلخ. وبين الأمس فالحزين الموهوم يتألم على أيامه الخوالي، ويبكي، وبحسرة يقول أنه كان على علاقة ودمع الطبيعة، سهوله كانت أشجاراً لما تمثله من تين وليمون ورطب، أو بحراً، أو رملاً، والأهم من كل ذلك هو الحب والعشق، وهذا ما تفتقد إليه المدينة.

ويخلص الشاعر إلى القول:

هنا، هنا كان فردوس ولهاتيه

علقت دنياه، مرجاً معشيا ورى

وتخلة في حنان الرمل غافية

تذود عن هدبها الأقمار والشهبا

وفي المقابل ماذا كان الموقف من الشاعر:

حتى إذا اشتط بي جهلي فسوّل لي

هجران شطك ظلاً ورافا وصبا

نسيت ملعب أحبابي ومزرعتي

ورحت احتضن القصدير ملتهبا

إن هذا الموقف يعكس قمة للندم، كون الشاعر يصف نفسه بالجهل، وهو صفة يشكل أم الصفات السلبية، فالجهل يجلب العداء للنفس وللآخرين، وهو الذي يوقع صاحبه في المعصية ومخالفة القوانين، وكذلك هو مصدر الخطأ ومصدر الغضب...إلخ.

وهو في حال موقفنا هذا جلب على الشاعر حزناً كونه هجر شط تاروت، وراح يحتضن القصدير، أي راح يعيش في مدينة ليس بها أي مشجع على الحياة الإنسانية، وأبرزها الحب، فالفارق كبير بين معانقة البحر والشواطئ، ومعانقة القصدير الجاف!

وبعد كل هذا الأسى يقول شاعرنا:

والآن عدتُ فهل ألقاك حانية

تستقبلين حبيب الأمس منتحبا

أتيت أحمل أوهابي على كتفي

مدى يديك فإني مثقل تعبا

تاروت! هل تهب الشيطان عاشقها

هنيهة بعد آن ضاعت مناه هبا

هل تحتفي أذرع الماجي لمن غزلت

مداخن التبغ في أجفانه سحبا

مدى ضفائر عشتاروت واحتضني

رأس المهيعن يروح رملك الزهبا

مدى أنا ملك الخضراء واقتربي

فما عليّ أضاف الدرب أم رحبا

إذا خطيت بطيف من سنا وطني

فليأخذ الدهر ما أعطى وما وهبا

إن الشاعر في تعامله مع تاروت في موقع المعتذر، أنه قد تركها، وترك جمالها، باتجاه المدينة، فهو يعتذر كثيراً ويأسف عدما اتخذه من موقف، وصف نفسه بالموهوم والجاهل والمغرر به، فهو يتساءل: هل تاروت ستقبله مرة أخرى إذا ما عاد، فهو قد تعب من حياة الصخب وحياة المدينة، ويدعو تاروت لأن تمد له خيط أمل للعودة إلى أحضانها، تحت أي ظرف كان.

هذه هي قصة الشاعر الذي ترك وطنه، واستوطن مدن القصدير، ولا أعلم حقاً هل استقبلته تاروت، أم رفضته، وقالت له: أذهب إلى مدن القصدير، فقد أصبحت واحدة منهم، بكل أسى! وأظن أن العوامي موهوماً (وليس جاهلاً!) حينما ترك، وهو أكثر وهماً إذا فكر في العودة، فهو كالمستجير من الرمضاء إلى النار.

كاتب
370311