بـــلاد ربيعة
عبدالله الجشي - 22 / 3 / 2011م - 10:56 ص - العدد (36)

ألقى الشاعر عبد الله الجشي قصيدته هذه في الحفل الخطابي الأدبي الذي أقامه أدباء القطيف احتفاء بالدكتورة عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ) وقرينها الدكتور أمين الخولي، وأعضاء الوفد المرافق لهما من جامعة القاهرة (جامعة الملك فؤاد سابقًا) عند زيارتهما للقطيف عا م 1370هـ/ 1951م، والقصيد تثمل، بحق، أنموذجًا رائعًا للشعر العربي الأصيل، ولعله لهذا السبب اختيرت ضمن مقررات النصوص الأدبية للصف الثاني من المرحلة الثانوية، خلال حقبة الستينيات الميلادية، كم احتفى بها عدد جم من المصادر عير أنها لم ترد كاملة على ما نعلم، في أي مصدر من تلك المصادر، فالدكتورة (بنت الشاطئ لم تقدم سوى مقطعات من القصيدة، بل وحتى الشاعر وقد نشرها في ديوانه: (الحب للأرض والإنسان) الذي أصدره عام 1419ه، لم يقدمها كاملة، ناهيك عن الإختلاف والتباين بين تلك المصادر، ويغلب على الظن أن طول الزمن على القصيدة له أكبر أثر في فقدان بعضها. لهذا حرصت مجلة الواحة على اغتنام الفرصة بمناسبة تكريم الشاعر في مهرجان الجنادرية لتوثق القصيدة كاملة. في ما يلي، النص الكامل للقصيدة[*] :

بلدُ عريق في الحضارة نيِّر

ورسالة من عهد (خوفو) تؤثر

وثقافة شهدت أثينا فجرها

فغدت على آضوائها تتأثر

حفلت بها دنيا القديم، ولم تزل

آثارها مثل الكواكب تزهر

فكأن مصر على الزمان قلادة

من خير ما قد أبدعته عبقر

آمنت بالمجد التليد ومثله

مجدٌ طريف في البلاد مشهَّر

صحفٌ منشَّرةٌ تفيض معارفًا

شتى، وفنًا بالأوابد يزخر

والخالدات معاهدًا ونواديًا

هي للتقدم والسعادة عنصر

* * *

يا قادة الجيل الجديد تحيةً

أزكى من الزهر النديِّ وأنضر

ألقى الربيع على المباسم ظلها

وافتر منها الأرجوان الأحمر

ولقد وقفت مرحباً ومعرفاً

 بكم ولست بما أعرِّف أفخر

ولعل في الأجفان دمعة آسف

أني بمجد الغابرين أفكر

هذي بلادي وهي ماض عامر

مجداً وآت بالمشيئة أعمر

ألقى عصاه على فسيح جنانها

وعلى الجزائر عالمَ متحضر

وأقام فيها نهضة علمية

بالعلم تسندها العقول وتنصر

وأذلَّت التيار تحت شراعها

فلها عليه تحكم و تأمر

وترى السفائن بالتوابل والحلى

والعطر من بلد لآخر تمخر

شهدت مواني الهند خفق شراعها

فكأنها، فوق المياه، الأنسر

وشواطئ اليونان لم يبرح بها

من ذكريات سفينها ما يسكر

ولها على وادي الفرات ودجلةٍ

فضل المعلم، وهو فضلٌ يشكر

 * * *

وطوى الزمان سجلَّها وتعاقبت

من بعدها أمم طوتها الأعصر

وأتت (ربيعة) وهي غرة يعرب

وأذبُّها يومَ الكفاح وأصبر

وأعزها جاراً وأكثرها قِرى

إذ يمحل البلد الخصيب ويقفر

فرأت بها الوطن الخصيبة أرضه

للماء فيه تدفق وتفجر

والنخل وارفة الظلال كأنها

جيش كثيف بالخليج معسكر

تهدي لها الصحراء في السحر الصَّبا

فتمر كالحلم اللذيذ وتخطر

والبحر يهديها اللآلئ زينةً

وتجارة فيها الغنى يتوفر

وكصفحة المرآة جو مشرقٌ

وكلوحة الفنان ريف مزهر

دنيا بها من كل فن ساحر

ولكل ما يصبي النفوس مصوَّر

ورأت بها لغة العروبة بيئةً

شعرية توحي وجوًّا يسحر

فإذا الضفاف نشائد مسحورةٌ

وكأنها في كل حلق مِزهر

الملهمون المبدعون تسابقوا

فيها بمدرجة الخلود وشمروا

شعراء (عبد القيس) تهزج بالهوى

فيجيبها من (بكر) رهط أشعر

فيها جنى (ابن العبد)حلو شبابه

راح وريحان ووجه أقمر

وخيال (خولة) يستثير غرامه

فيظل في أطلالها يتحسر

و(ابن المقرب) لم تزل آثاره

بالفخر والشكوى المريرة تزأر

و(لجعفر الخطي) فن خالد

وروائع غنى بهن السُّمَّر

* * *

هذي بلادي في قديم عهودها

علم وفن خالد لا يدثر

واليوم يدفعها الطموح لنهضة

بمثيلها تسمو الشعوب وتكبر

* * *

[*]  المقدمة من هيئة تحرير المجلة.
370519