سقوط مبررات العنف بانتظار إشاعة الحوار
التحرير - 22 / 3 / 2011م - 4:48 م - العدد (13)

رغم أن فاصلاً كبيراً ما يزال بين عالمي الأفكار وعالم الأفعال إلا أن العالمين -وبخاصة في هذا الزمن الذي تلتحم فيه النبوءة بالحقيقة، والحلم باليقظة، بفعل الإنجازات البشرية العظمى تحقيقاً لفتوحات جبارة ومصيرية، كانت في يوم ما مندرجة في قائمة الأفكار المستحيلة، وكان يجري التعامل معها باعتبارها من موضوعات "الخيال العلمي" أو موارد "التسلية المباحة".. إلا أن العالمين يتجهان إلى توفير مبررات الاندماج والتماهي.

وكما في الحقل المادي، كذلك في الحقل الفكري والاجتماعي والسياسي.. ثمة موضوعات كانت تسبح في فضاء اليوتوبيا، وتحلق في عالم المثل، أصبحت حقائق مشعة بفضل الترقي الذهني الإنساني، والمجهودات البشرية لجهة تحرير إرادة الإنسان، ورفع الأغلال التي تحول دون انطلاقته نحو اكتشاف الآفاق المجهولة في الكون، وتالياً تأسيس الأرضية الثقافية التي يتمهدها صرح الحضارة.

ومما يسهل هذه العملية الدمجية وجود حاجة إنسانية مشتركة وملحة، أي إجماع عالمي على هذا الأمر، يرسخه وينميه ذلك المسعى الجماعي الحثيث والمتصل نحو تحقيق هذا الدمج.

ولسنا هنا في مقام الاستشهاد بما يجري من اكتشافات علمية كانت في وقت مضى فرضيات وأحلام، فالقارئ نفسه غني عن الشواهد لاستفاضتها، ولكن ثمة عالم شديد الإشعاع يفرض علينا الاستنارة به، ويمس مباشرة شبكة قيم يفترض فيها أنها مورد توافق عمومي كما تمثل مطلباً إنسانياً ملحاً وضاغطاً، ألا وهو عالم العلاقات الإنسانية والسبل الكفيلة بتحقيق المصالح المشتركة والعادلة بين بني البشر في ظل سيادة السلام العالمي وعلى كافة المستويات، تعويلاً على تمثل الحوار كمبدأ عام في شبكة العلاقات الإنسانية وصمام الأمان للسلام العالمي.

يمثل الحوار وعلى أفقه الواسع جداً، دعوة قديمة، كانت في جوهرها تحرير العقل من وصاية السلطة الفكرية الصارمة والإكراهية، وتقرير الأساس الذي يقوض مبررات القهر واغتصاب الإرادة، والاستلاب التي يتعرض لها الإنسان، والانفتاح على الآخر، فرداً أو جماعة، تحظى بكل الضمانات الدينية والوضعية التي تكف بها يد الإكراه والعسف، وتهبها الحق المطلق والكامل في التعبير عن اعتقاداتها، ومطالبها، ومشاعرها، دون أن نرمز إلى هذا الحق بوصفه "جميلاً" أو "إحساناً"، بل هو حق مكفول ليس للإنسان دخل في تقريره أو نسخه.

بيد أن الحوار المؤسس حقوقياً، لم يقدر له أن يكون جزءاً من سيرورة تاريخية، أو تلقيداً إنسانياً مشاعاً، بل الذي حدث هو سيرورة معاكسة، فقد أصبح من أكثر الموضوعات الخصامية في تاريخنا المعاصر، والأكثر حساسية بين باقي المشكلات المطروحة.

وعمق من الحساسية الشديدة، أن الحوار صار "أمل المغلوبين" و "شعار الغالبين"، فقد اعتصمت الفئات المقهورة، والجماعات المسحوقة والمهمشة سياسياً واجتماعياً وأيضاً ثقافياً بـ "الحوار" كيما تضمن لنفسها حق التعبير عن الذات، بعد أن استنزفت كل أسلحتها للخروج من الحصار الشديد المفروض عليها، وطوق العزلة المحيط بخناقها، فحرمها من حقوقها كلياً أو جزئياً، ولذلك تم النظر إلى مطلب الحوار لدى هذه الفئات لا باعتبار جبلة وفعلاً إنسانياً مستقلاً وتجريدياً، وإنما ذريعة ورد فعل على أوضاع خارجية استثنائية، وهذا التفسير من شأنه إفقار -وبصورة تامة- أي مبرر للقبول بمبدأ الحوار.

أما كونه "شعار الغالبين" فقد نظر إليه الكثيرون -بما في ذلك الانتهازيون- باعتباره لغة العالم الغربي الاستعماري، الذي يرفع الحوار شعاراً عالياً لتعميم نموذجه الليبرالي وإشباع شراهة التسلط بداخله، وتشريع العبور به نحو تحقيق أهداف الغزو الفكري. ومن أجل أن تحمي الأغلبية الشعبية نفسها من تقليد الحياة الغربية تتجه إلى نبذ كل القيم المتداولة في هذه الحياة، بما في ذلك القيم النبيلة والإنسانية، والحوار واحدة من هذه القيم الرئيسية، وما إن ننسحب تدريجياً نحو الداخل تتعزز روح التسليم والانغلاق، والعيش "في وئام" مع المتناقضات، فيما يفقد الحوار ليس مبرر وجوده، بل مبرر التفكير في الحاجة إليه.

فجملة الأنظمة العمومية، وشبكة علاقاتنا، وحياتنا اليومية، العائلية والاجتماعية والفكرية والسياسية ليست مؤسسة تأسيساً حواريا، أي ليس للحوار دخل في صيرورتها وسيرورتها باعتباره تقليداً وقانوناً حاكماً.

فعلاقاتنا الداخلية، داخل الأسرة والمجتمع، وبين أفراد الشركة التجارية والمؤسسة الحكومية، وبين أتباع المذهب الواحد، وبين الجماعات الفكرية والمتمذهبة ببعضها، وصولاً إلى حياتنا السياسية، لا يمثل الحوار عنصراً في معادلاتها وتشكيلاتها، بل ثمة عمل دؤوب من أغلب الأطراف على حشد مبررات اللاحوار.. تتراوح بين المبررات الدينية والفكرية والسياسية والاقتصادية.

لقد كرست النخب الثقافية والسياسية في العالم جهدها الإصلاحي، للبرهنة على ضعف الأسس والمبررات التي كانت تحرك بفعالية غير عادية، وفي لحظة تاريخية لا عقلانية تمتد لأكثر من عقدين، ماكينة العنف في مناطق عديدة من العالم، وفي القلب منه الشرق الأوسط، وكانت خلاصة جهدهم تقضي بـ "تدويل" لغة الحوار، باعتبارها لغة العصر الأكثر انسجاماً مع روحه، والعلاج الأكثر نجاعة في تسوية المعضلات "المستحيلة" نظرياً" في عالمنا المعاصر.

وبالفعل، وبينما ثبت نجاح النصف الأول من الجهد الإصلاحي لهذه النخب، حيث تآكلت وعلى نحو سريع مبررات العنف، وصار التعامل به مستهجناً وممقوتاً من كل الأطراف: أهلية كانت أم رسمية، محلية كانت أو خارجية.. فعناصر العنف -الأهلي والرسمي- يتسللون من الأبواب الخلفية للسياسة في رحلة جماعية عكسية واسعة النطاق. بينما ثبت نجاح هذا النصف، فشلنا في النصف الآخر.

فتقهقر ماكينة العنف واندثارها، لم تصاحبه عملية بناء ثقافي جديد، لمد قنوات التواصل، بعد القطيعة التي يفرضها خطاب العنف، والحوار، بعد تكميم الأفواه ونفي الآخر الذي يمليه منطل العنف، والوحدة بعد التشظي الذي تشيعه أجواء العنف.

هذه المقدمة الطويلة تحاول إثارة نقطة جوهرية: أننا حين حبط بعض مبررات العنف تلقائياً، وأجهضنا -نحن- مفعول بعض آخر من مبرراته، وربما بقي في الأكمة بعض ثالث من هذه المبررات، لم نتحرك بصورة جدية نحو توفير مبررات الحوار والتواصل، كبديل موضوعي ومطلب إنساني عام، مع زحزحة ضرورية للانطباعات الأولية حول "الحوار" لا بوصفه "خشبة خلاص المحرومين" أو باعتباره أحد الأسلحة السياسية بيد الغرب، وتعميمه باعتباره مبدءاً حضارياً ومعطى إنسانياً عاماً.

فالقيم المتجددة لا يمكن لها العيش في ظل عقلية ما زالت تحتفظ بكل عناصرها الثقافة التقليدية القديمة التي ترى في الآخر خصماً أبدياً، وعبداً مملوكاً، وقناً مأجوراً.. وهذه الوضعية من شأنها إجهاض أو تأخير ولادة الحوار، وتحفيز مبررات العنف لدى البعض، فوضعية التسليم، إذا كان البعض قد جنى فيما مضى ثمارها الوفيرة، فإنها في هذا الزمن ليست بشير خير، فهناك كان الجهل سيد الموقف، والآن العلم هو السيد العزيز وصاحب الأمر والنهي، وهو وحده الكفيل بتشريع مبدأ الحوار وتعميمه وترسيخه كآلية للتفاهم بين الشعوب والحضارات.

والمشكلة الفعلية الراهنة، أننا حققنا انتصاراً ناقصاً حين "دمرنا" نظرياً مبررات العنف، وكأن مهمة المتضررين تتوقف عند كبح الآثار المادية والمباشرة والآنية للعنف، بينما جرى إغفال الآثار المستقبلية والاستراتيجية والحضارية للعنف. إن مفتاح الحل لامتصاص التشنجات المكتومة والمعلنة في العلاقة داخل دوائر علاقاتنا الضيقة والواسعة، لا يعمل توقيفاً على إفراغ هذه الدوائر من مبررات العنف، بل لا بد من عملية متوازية تقوم بعملية تعبئة بمبررات الحوار والتواصل والانفتاح.

فانعدام مبررات العنف أو تواريها لم يقابله انبثاث لتقاليد الحوار والتواصل والانفتاح كآليات ضرورية وناجحة للتفاهم وتحقيق المصالح المشتركة وتسوية المشكلات.. بل إن الواقع العملي يوحي وكأن الحوار يعبر عند البعض عن عقلية خارجية، أو حاجة استثنائية متوقفة على ظروف محددة، وهذا من شأنه إملاء مستودع العنف بكل الذخيرة المتاحة، طالما صار "دعاة الحوار" عبرة في فشل العلاقة، ونموذجاً سيء الصيت في العمل المطلبي الاصلاحي.

وبكلمة، فمن الحاجة العميقة إلى تسوية عقمنا الفكري والسياسي والاجتماعي، وجملة الانسدادات الكبرى في حياتنا العامة، ينبع خيار التمسك بمبدأ الحوار كطريق عقلاني وحيد في معالجة تناقضاتنا ومشكلاتنا وتوفير عيش كريم للجميع وتالياً بناء أساسات المجتمع السواسي المنشود.

358523