صفوى ملاحظات تاريخية
أحمد مكي الغانم * - 22 / 3 / 2011م - 5:52 م - العدد (13)

يبدو لي من خلال مطالعتي المتواضعة، أن مدينة (صفوى) الحالية هي (صفوى) المعروفة قديماً.. لأن صفوى اسم يطلق على عين ماء تقع في شمال البلدة، وحسب اعتقادي فإنها لم تتكون من وحدة سكنية واحدة، وإنما تكونت من عدة وحدات متباعدة المسافة فيما بينها، ولكل وحدة من هذه الوحدات دليل تاريخي على وجودها، وإن طمست بعض آثاره أو كل آثاره، مثل مدفن (جاوان) و (الديرة) المعروفة بالبلدة القديمة (جونان) أو (أجوانه) كما يقول البعض.

1- جونان:

وهي البلدة القديمة، أو صفوى القديمة، التي قامت على أنقاضها صفوى الحالية، ومن المحتمل أن تكون هي البلدة التي زارها الملك الفارسي (دارا) وهي التي كانت مسورة آنذاك. وأشيع أن "دارا" عندما زارها كان عليها حاكم يعرف باسم (مرزبان)، فسأله دارا عن اسم البلدة ومن بناها، ومن حفر العين الواقعة جنوبها. ولأن المرزبان لم يكن يعرف الإجابة، رد وقال: (داريوش) فظن جلساؤه، لعدم معرفتهم باللغة الفارسية، أن اسم البلدة أو العين هو داريوش، حتى تحولت بمرور الأيام إلى داروش، وأطلق الاسم على العين.

أما اسم صفوى أو (الصفا) كما جاء في بعض شعر الجاهلية، أو (سفوان/ صفوان) ما هي إلا أسماء حديثة العهد لا يزيد عمرها عن دخول هذه المنطقة في حظيرة الإسلام، ولربما سبقته بفترة وجيزة. وما يؤكد أن صفوى أو الديرة القديمة، أنشئت على أنقاض بلدة (جونان).. أنه عندما بدأت أعمال الحفر لتزويد بيوت المدينة بالمياه، وإيجاد شبكة مجاري، وصل الحفر في بعض المواقع لعمق ثلاثة أو أربعة أمتار، فشوهدت حجارة مرصوفة فوق بعضها البعض يشبه رصفها الجدار القائم وعلى شاكلة الأحجار التي بنيت بها بيوت صفوى القديمة.

والسور الذي يذكر أنه قائم ومحيط بالبلدة، فإن تاريخه قديم قدم المدينة ذاتها، ولم يكن للمستعمرين البرتغاليين أي دور في بنائه، بل كان موجوداً قبلهم، ومن المحتمل أن يكون البرتغاليين قد قاموا بتجديد بنائه، وهو الأمر الذي حدث بالنسبة للعثمانيين حينما سيطروا على المنطقة آخر عهدهم.

يشمل السور أربع (دراويز/ دروازات) هي:

أولاً: دروزاة (المطولة) وتعرف باسم دروازة البحر، وتقع في الجهة الشمالية الشرقية من السور.

ثانياً: دروازة (الخنيزية)، وتعرف بدروازة المسجد الكبير، وتقع في الجهة الشمالية الشرقية من السور أيضاً.

ثالثاً: دروازة (الصفافير) وتقع في الجهة الجنوبية الشرقية من السور.

رابعاً: دروازة (الخادعة/ الخويدعة) وتقع في الركن الجنوبي الغربي من السور، وتعرف بدروازة (العين). حكى لي المرحوم عمدة صفوى السابق السيد هاشم بن علوي الشرفا، أن: "الخيّال كان يعبر منها -أي من دروازة الخويدعة- وهو على ظهر الفرس" في إشارة إلى أنها أصبحت فيما بعد هابطة لا يستطيع المرور منها إلا بانحناءة كبيرة.

وإلى جانب هذه الدراويز هناك مداخل يطلق عليها خوادع، فهناك خادعة تكاد تكون في وسط السور من جهة الشمال، وأخرى في الغرب قد تلامس الركن الشمالي الغربي منه، وقد عرفت هذه الخوادع فيما بعد، إحداها باسم بيت المؤمن، والأخرى باسم السيد طاهر السيد أحمد العلوي.

ولسور صفوى برجان: الأول جنوب (الديرة) ويقع على حافة عين (الداروش). وقصة بناء هذا البرج معروفة لدى الكثير من شيوخ البلدة المعمرين. حيث تقول الروايات أن البرج بني بعدما تكررت أعمال السطو من قبل البدو القاطنين بادية صفوى، على مزارع النخيل في فصل الصيف بهدف سرقة محصول التمر. وكان البدو إذا ما أرادوا دخول البلدة أو المزارع يلجؤون إلى تحويل مياه عين الداروش عن طريق هدم الجدار الذي هو ملاصق لشلال (العوسجي)، والذي عرف فيما بعد باسم (هدارة العوسيي). ولهذا أقيم البرج لمكافحة سطو البادية.

وعرفت أيضاً قصة برج كان على الجانب الشمالي الغربي من العين سالفة الذكر، ومختصر القصة أنه لما تزايدت أعمال السطو من قبل البادية على مزارع ونخيل صفوى، اقترح المرحوم الشيخ علي أبو الحسن الخنيزي هدم مسجد العين الغربي وإقامة برج مكانه، ولما استتب الأمن في البلدة تم هدم البرج وأعيد بناء المسجد، ويعرف هذا المسجد الآن باسم مسجد الإمام الحسن.

أما برج البحر، فأميل إلى الاعتقاد بأنه بني لإرشاد السفن ليلاً، ولا علاقة له بوحدة (دويليب).

وفي فترة سابقة للحكم العثماني للمنطقة، قامت أحياء جديدة ملحقة بالديرة، وهذه الأحياء (الفرقان) هي: فريق الملح/ وفريق القوع/ وفريق الرفاع/ وفريق الدبدابة/ وفريق المعامرة/ وفريق الغروب/ وفريق عبدان/ وفريق خارج/ وفريق الطف/ وفريق الشرية.

كل هذه الفرقان (الحارات) كانت واقعة في وسط النخيل باستثناء فريق القوع وفريق الملح فهما على أطراف النخيل من الغرب والشمال.

ومعلوم أنه في أواخر الدولة العثمانية، قام حي (خارج) غرب نهر قميح، في حين ظهر حديثاً حي (مدينة العمال) في منطقة وطبا، ثم أخذت المدينة (صفوى) بالتوسع نحو الغرب والشمال والجنوب، وإلى الشرق أيضاً، وقد جاء ذلك في مجمله على حساب المناطق الزراعية، باستثناء الحزم، ضلع خويلد، البدرية، وطبا، ومدينة الزهراء.

2- المسيبة:

وتقع إلى الشمال الغربي من الديرة، على بعد نحو 4 كلم، ولم يعد فيها أي أثر يدل عليها في الوقت الحالي، وقد يرجع ذلك إلى قدمها مع أنه وصل إلى علمي أنه كان بها قبور، لم تمح معالمها إلا مؤخراً، كما كان بها عين ماء (سيح) ومزرعة، وإن آخر من استثمرها، هو عبدالله أبو الدويات، من القاطنين قرية أم الساهك.

حكى لي علي بن عبدالكريم بن الحاج علي محمد آل إبراهيم، أنه كان ينتظر في محطة قطار البصرة منتظراً القطار إلى بغداد، فأقبلت عجوز، وسألته ومن معه، عن بلادهم، فقالوا لها إنهم من بلدة صفوى من توابع منطقة (القطيف). فقالت إنها تعرف عيناً تسمى (صفا) ولكنها لا تعرف صفوى، المدينة. ثم سألت: ما دمتم من القطيف، فلابد أنكم تعرفون بلدة (المسيبة)؟. وقالت إنها حينماكانت صغيرة، كانت النسوة "يجلسن تحت ظل شجرة إثل تقع في الشمال الغربي من العين، وكن يخضن اللبن". فقيل لها إنه لم يعد هناك عين ولا إثل.

3- جاوان:

في الشمال الغربي من الديرة، ويقع على بعد ستة كيلومترات منها. وقد احتلت هذه الوحدة مكاناً لا بأس به في المعاجم العربية ولولا اكتشاف مدفنها لكانت قد دخلت قائمة النسيان، كما حدث للمسيبة ودويليب والوحدات الأخرى.

إن موقع جاوان بين مجموعة من الهضاب الصخرية لعب دوراً أساسياً في حفظه من عاديات الزمن، كما أن تلال الرمال التي تحيط بهذه الهضاب لعبت دوراً في الإبقاء على تراث جاوان السابق لتاريخ الإسلام بعدّة قرون. وكنت قد التقيت بأحد الأميركيين العاملين في شركة أرامكو عند موقع المدفن وكان ذلك في ربيع عام 1959، وكان بمعيتي يومئذ: علي حسن سيف، وأخوه عبدالله، وسعيد محمد شلاتي، وعبدالله علي آل إبراهيم، وقد عرفت من الأميركي أن أرامكو اقتلعت من المدفن الحجر الذي كتب عليه تاريخ بناء مدفن جاوان، وأن موقع ذاك الحجر كان بالقرب من الزاوية الداخلية للمدفن بالركن الشمالي الغربي.

والمدفن كما رأيته على هيئة الصليب، وعلى جانبيه من الناحيتين الشمالية والجنوبية مدافن صغيرة، ومن الأمور التي ذكرها ذلك الأميركي، أنه عثر على سلاح وذهب في المدافن الداخلية، وحدد أن الذهب كان برفقة الجثث في الاتجاه الشمالي، مما يشير إلى احتمال كون تلك القبور لنساء. كما وجد السلاح في القبور الجنوبية، مما قد يشير إلى كونها قبور رجال.

4- دويليب:

وتقع في الشرق من المركز وعلى بعد 3 كيلومترات منه، ولعل هذه الوحدة لم تنشأ إلا بعد انتشار الإسلام في ربوع هذه المنطقة، وقد انطمست كافة معالمها الحضارية والسكنية، ولم يعد قائماً منها غير آثار مسجدها المعروف باسم (مسجد الجبل) وكذلك بعض معالم القبور التي طمست مؤخراً. وتربض القبور في الوقت الحاضر في الشمال الغربي من نخل السيد حسين بن السيد حسن السادة، وبمناسبة ذكر دويليب أقول بأنني سمعت من الحاج علي محمد كريم آل إبراهيم، وهو من المعمرين في صفوى، يقول إنه سمع من بعض رجالات صفوى السابقين، أنهم يذكرون أن مواجهة وقعت بين أهل دويليب وأهل الزارة، ومن المعروف تاريخياً أن الزارة (على الأرجح أن بلدة العوامية قامت على أنقاضها) ظلت مسكونة حتى سنة 282هـ.

ومن المعالم التي مازالت قائمة في دويليب، عينها المعروفة بها، وتقع هذه العين في الوقت الحاضر ضمن أملاك السيد محمد السيد هاشم السيد طاهر السادة، ومازلت المياه تجري منها بشكل ضعيف جداً، ومن المحتمل أن تكون بعد سنين قليلة في خبر كان، مثلها في ذلك مثل العيون العديدة التي توقفت كلياً وطمست معالمها ولا يعرف أحد مكانها ولا اسمها إلا من ندر.

5- الصبخة:

تقع في الجنوب من صفوى، وبالتحديد فإنها تقع شمال خط البترول القادم من بقيق حتى رأس تنورة. وإلى ما قبل خمسين عاماً كانت معالم أشجار الرمان بها شمال العين التي عرفت باسم عين (الغاصة).

6- المزار:

تقع في الركن الجنوبي الغربي من الديرة وبها قبر لأحد الأمراء العيونيين. ذكر ذلك علي بن المقرب العيوني في ديوانه المطبوع سنة 1963، في مصر صفحة 330، وذكر ذلك أيضاً مؤرخ الجزيرة العربية الشيخ حمد الجاسر في معجمه، الجزء الرابع، ص1607.

7- وطبا:

تقع شمال شرق المزار وفيها بنيت أول بيوت لموظفي شركة أرامكو، وبها عين ماء تعرف بنفس الاسم، كانت آثارها باقية حتى عام 1988.

8- الجعيمة:

يذكر بعض المؤرخين أنها كانت مأهولة بالسكان وبها عين ماء (سيح) انطمست ولم يعد أحد يعرف مكانها. وفي عام 1985م، قمت بزيارة هذه المنطقة وبطريق الصدفة التقيت برجلين قادمين كما قالا من الجوف يسألان عن العين في نفس المكان، وقد بدأت الحياة تدبّ في تلك الأنحاء دون أن تؤهل بالسكان، وإنما على شكل مزارع.

إن الوحدات السكنية السابق ذكرها، قريبة إلى حد ما من المركز، صفوى، أما الوحدتين التاليتين، فتبعدان عنها إلى حد ما، وهما:

9- العبا:

وتقع في الشمال الغربي من بلدة أم الساهك على بعد 10 كلم، كما تبعد عن أبو معن نحو 4 كلم إلى الشمال منها، وبها عين ماء سيح تعرف بعين العبا، ذكر ذلك كل من الأستاذ محمد سعيد المسلم في كتابه: ساحل الذهب الأسود، والأستاذ حمد الجاسر في معجم المنطقة الشرقية، وقال إنها واقعة في سبخة الرياس وحدث بقربها صدام بين أحد قادة القرامطة وأحد جيوش العباسيين، وآثار العين والبلدة ما تزال قائمة.

10- شعاب:

وتقع إلى الشمال الغربي من صفوى على بعد 15 كلم، وبها عين ماء تعرف باسم (عين شعاب) ومازالت البلدة مأهولة بالسكان، وبها مزارع تنتج ما يحتاجه سكانها من الخضروات.

كاتب
375201